LOGINأشرقت شمس ذلك اليوم بهدوء غريب، وكأنها لا تعلم أن شخصين سيفترقان فيه وربما إلى الأبد.
استيقظت هانا في وقت مبكر على غير عادتها، ونظرت إلى سقف غرفتها للحظات طويلة قبل أن تتذكر أن هذا اليوم سيكون آخر يوم لها في هذا المنزل الذي عاشت فيه أجمل ذكرياتها. جلست ببطء على سريرها، ثم بدأت بترتيب أغراضها الأخيرة داخل حقيبة السفر. كانت كل زاوية في غرفتها تحمل ذكرى لا تستطيع نسيانها. ابتسمت بحزن وهي تنظر إلى نافذتها الكبيرة. كم مرة تسلل ريو منها إلى غرفتها فقط ليطمئن عليها؟ وكم مرة نامت وهي تستند إلى كتفه بعد يوم طويل؟ تذكرت ليلة المطر عندما نامت في منزله، وتذكرت رحلتهما إلى الجزيرة، ورقصتهما الأولى، وعيد ميلادها الذي جعله الأجمل في حياتها. شعرت بوخزة مؤلمة في قلبها وهي تهمس لنفسها: - لماذا كان عليك أن تكون أنت يا ريو؟ حتى هذا المنزل كان يحمل ذكرياتها مع والدها. هنا احتفل بعيد ميلادها كل عام، وهنا كانت تتناول الإفطار معه قبل ذهابها إلى الجامعة. مسحت دموعها سريعًا قبل أن تنهض من مكانها. بعد ساعة، كانت جميع الحقائب قد وُضعت داخل السيارة. خرجت هانا من المنزل بصمت وهي تنظر إليه للمرة الأخيرة. لكن ما إن رفعت رأسها حتى تجمدت خطواتها. كان ريو يقف أمام البوابة منذ الصباح الباكر، وكأنه لم يغادر المكان منذ الأمس. بدا شاحب الوجه ومتعبًا، وعيناه كانتا تبحثان عنها منذ اللحظة التي خرجت فيها من المنزل. نظر جون إلى ابنته قبل أن يسألها بهدوء: - هل تريدين التحدث معه للمرة الأخيرة؟ صمتت لثوانٍ طويلة قبل أن تومئ برأسها. - نعم، أعتقد أن علي إنهاء كل شيء. ربت جون على كتفها ثم ابتعد قليلًا ليمنحهما بعض الخصوصية. اقترب ريو منها بسرعة وهو يشعر وكأن روحه عادت إلى جسده أخيرًا. - هانا! لكنه توقف فورًا عندما رفعت يدها نحوه وقالت بصوت مرتجف: - لا تقترب مني من فضلك. تجمد في مكانه وهو ينظر إلى عينيها اللتين احمرتا من كثرة البكاء. - أرجوكِ استمعي إلي مرة واحدة فقط. هزت رأسها نافية وهي تحاول منع دموعها من النزول. - لقد استمعت إلى الحقيقة يا ريو، وهذا يكفي بالنسبة لي. - أنا أحبك. ارتجف جسدها للحظة عند سماع تلك الكلمات التي كانت تسماعها منذ أشهر، لكنها أصبحت الآن أكثر الكلمات إيلامًا بالنسبة لها. - وأنا أيضًا أحببتك يا ريو... أكثر مما يجب. نظر إليها بصدمة بينما أكملت بصوت مكسور: - لهذا السبب لا أستطيع البقاء معك. اقترب خطوة واحدة منها، لكنها تراجعت فورًا. - أرجوك... لا تجعل الأمر أصعب مما هو عليه. ثم قالت وهي تنظر إليه للمرة الأخيرة: - انسني يا ريو، وعش حياتك بعيدًا عني. شعر وكأن العالم بأكمله انهار فوق رأسه. - هذا مستحيل. - إذًا حاول. استدارت بعدها وركبت السيارة بسرعة قبل أن تخونه دموعها أمامه. وما إن انطلقت السيارة حتى بدأت تبكي بصمت وهي تنظر إليه من نافذة السيارة. كان يقف في مكانه وهو ينادي اسمها للمرة الأخيرة. - هانا!! وضعت يدها فوق فمها وهي تبكي أكثر. لاحظ جون ذلك فضم كتفيها بحنان. - ستصبحين بخير يا أميرتي. هزت رأسها وهي تبكي قائلة: - المشكلة يا أبي أنني ما زلت أحبه. نظر إليها جون بحزن بينما أكملت بصوت مرتجف: - حاولت أن أكرهه كثيرًا، لكنني لا أستطيع. قلبي لا يزال يحبه رغم كل شيء. ربت على شعرها بحنان قائلاً: - الحب الحقيقي لا يختفي بهذه السهولة يا هانا. بعد أكثر من ساعة، وصلا إلى المطار. وقفت هانا للحظات أمام بوابة المغادرة وهي تنظر إلى السماء الزرقاء من خلف الزجاج. لقد كانت تترك خلفها وطنها، منزلها، وأول حب عرفه قلبها. أما ريو، فلم يكن يعلم أن المرأة التي غادرت اليوم لم تأخذ معها قلبها فقط، بل حملت معها أيضًا بداية حياة جديدة ستغير مصيرهما إلى الأبد.بعد أن هدأت ريا أخيرًا، قرر الثلاثة العودة إلى المنزل. طوال الطريق كانت الصغيرة تمسك بيد والدها بإحدى يديها ويد والدتها بالأخرى، وكأنها تخشى أن يختفي أحدهما إذا أفلتت يده للحظة واحدة. وعندما وصلوا إلى المنزل، رفضت أن تجلس إلا بينهما على الأريكة. - لقد ضاعت مني أربع سنوات كاملة! لذلك سأعوضها كلها من الآن فصاعدًا! قالتها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بجدية، مما جعل ريو يضحك لأول مرة منذ زمن طويل. أما هانا فلم تستطع منع نفسها من الابتسام وهي تنظر إلى تصرفات ابنتها اللطيفة. بعد تناول بعض الحلوى التي أحضرتها هانا، جلست ريا تفكر بعمق قبل أن تضرب كفيها ببعضهما بحماس. - وجدت الحل! نظر إليها كل من ريو وهانا باستغراب. - بما أنني أحبكما كثيرًا، فأنا سأبقى معكما معًا! - وكيف ذلك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. - سأقضي يومًا كاملًا مع أمي، واليوم الذي يليه مع أبي! وفي عطلة نهاية الأسبوع سنخرج نحن الثلاثة معًا! نظر ريو إلى هانا وكأنه ينتظر رأيها. تنهدت هانا قليلًا قبل أن تنظر إلى فرحة ابنتها، ثم قالت: - أعتقد أن هذا مناسب في الوقت الحالي. كادت ريا تقفز من مكانها من شدة سعادتها. - إذًا أص
ما إن انتهى ريو من كلماته حتى دفنت ريا وجهها الصغير في صدره وهي تبكي بصمت. كانت صغيرة على أن تفهم كل تعقيدات عالم الكبار، لكنها كانت كبيرة بما يكفي لتشعر بالفراغ الذي تركه غياب والدها طوال حياتها. أما هانا، فكانت تقف على بعد خطوات منهما وهي تحاول حبس دموعها دون جدوى. لم تتخيل يومًا أن تكون أول مرة ترى فيها ابنتها بين ذراعي والدها بهذه الطريقة المؤثرة. رفعت ريا رأسها قليلًا ونظرت إلى ريو بعينيها الحمراوين من كثرة البكاء. - إذًا... هل ستختفي مرة أخرى؟ تجمد ريو للحظة قبل أن يهز رأسه بسرعة. - لا يا أميرتي، أعدك بذلك. - حتى لو غضبت منك أمي؟ نظر ريو إلى هانا للحظات قبل أن يعود ببصره إلى ابنته. - حتى لو غضب العالم كله مني، لن أبتعد عنك مرة أخرى. ابتسمت الصغيرة ابتسامة خجولة قبل أن تعانقه بقوة أكبر. - إذًا أريد أن أناديك بأبي من الآن! اتسعت عينا هانا بصدمة بسيطة، بينما شعر ريو بأن قلبه كاد يتوقف من شدة سعادته. لقد انتظر أربع سنوات كاملة ليسمع هذه الكلمة. - هل يمكنني حقًا؟ سألته ريا بحماس طفولي، ليبتسم وهو يمسح دموعه بسرعة حتى لا تراه. - بالطبع يمكنكِ ذلك يا أميرتي. - أبي! عند
شعر ريو بأن الدم تجمد في عروقه بمجرد سماعه أن ريا اختفت. لم يكن قد مضى على معرفته بأنها ابنته سوى ليلة واحدة، وها هو يسمع الآن أنها ليست في المنزل. أخذ نفسًا عميقًا وهو يحاول تهدئة هانا التي كانت تبكي بشدة. - هانا، انظري إليّ. هل أخذت معها حقيبتها؟ أومأت برأسها بسرعة. - نعم، وحذاؤها الصغير ليس في مكانه أيضًا. - إذًا هذا يعني أنها خرجت بمفردها، وهذا أمر جيد. على الأقل لم يقتحم أحد المنزل. أخرج هاتفه بسرعة واتصل ببعض الأشخاص الذين يعملون معه وطلب منهم البحث عنها في الحي بأكمله. - ابحثوا عن طفلة في الرابعة من عمرها، شعرها أسود وعيناها خضراوان. أريد أن أعرف مكانها خلال دقائق. كانت هانا تنظر إليه ويداها ترتجفان. - إنها لم تخرج وحدها من قبل يا ريو. ماذا لو كانت خائفة؟ ماذا لو أصابها مكروه؟ اقترب منها ووضع يده على كتفها قائلًا بحزم: - لن يحدث لها شيء. إنها ابنتنا، وسنعيدها إلى المنزل. للمرة الأولى منذ أربع سنوات لم يعترض عقلها على كلمة "ابنتنا"، فقد كان خوفها على ريا أكبر من أي شيء آخر. وبعد حوالي عشرين دقيقة، رن هاتف ريو. - وجدناها يا سيدي. إنها في حديقة الأطفال القريبة من الب
في صباح اليوم التالي، استيقظت هانا مبكرًا على غير عادتها. لم تنم سوى ساعات قليلة بعد حديثها مع ريو في الليلة الماضية، لذلك جلست في المطبخ تحتسي كوبًا من القهوة محاولةً ترتيب أفكارها. رن هاتفها فجأة، فابتسمت عندما رأت اسم والدها يظهر على الشاشة. - صباح الخير يا أبي. - صباح الخير يا صغيرتي، كيف حالكما؟ وكيف حال أميرتي الصغيرة؟ ابتسمت بخفة وهي تجيب عن أسئلته قبل أن يسألها عن أحوالها. كان جون يعرف ابنته جيدًا، لذلك لم يقتنع بنبرة صوتها الهادئة. - هانا، ماذا حدث؟ تنهدت بخفة قبل أن تقول: - أبي... ريا قابلت ريو. ساد الصمت لثوانٍ في الطرف الآخر من الخط. - ماذا؟! - ليس هذا فقط، بل إن الشخص الذي أنقذها مرتين كان ريو نفسه، وقد جاء البارحة إلى المنزل وعرف أن ريا ابنته. بدأت تخبره بكل ما حدث ليلة أمس، وكيف طلبت من ريو الابتعاد عن ريا في الوقت الحالي. لكن ما لم تكن تعلمه هو أن ريا كانت قد استيقظت قبل دقائق قليلة ونزلت إلى الطابق السفلي تبحث عن والدتها. وما إن سمعت اسم "ريو" و"ابنته"، حتى توقفت خطواتها الصغيرة في مكانها. - ريا قابلت والدها... - لقد خسر أربع سنوات من حياتها يا أبي...
بقيت هانا صامتة لعدة لحظات بعد أن انتهى ريو من الحديث. كانت تنظر إليه وعيناها ترتجفان قليلًا، فقد كانت كل كلمة قالها تصل إلى قلبها دون استئذان. هي تعلم جيدًا أنه أحبها، وتعلم أيضًا أنه خاطر بحياته من أجلها أكثر من مرة، لكن المشكلة لم تكن في حبه لها، بل في الكذب الذي بُنيت عليه علاقتهما منذ البداية. أغمضت عينيها للحظات وهي تتذكر ذلك اليوم الذي اكتشفت فيه حقيقته. تتذكر كيف انهار عالمها في لحظة واحدة، وكيف هربت إلى اليابان وهي تحمل طفلته بين أحشائها وقلبها محطم إلى آلاف القطع. - أنا... أتفهم ألمك يا ريو. رفعت نظرها إليه قبل أن تكمل بصوت منخفض: - لكن هل فكرت يومًا بألمي أنا؟ كيف كان شعوري عندما اكتشفت أن الرجل الذي أحببته أكثر من نفسي كان في الأصل قد أُرسل ليقتلني؟ خفض ريو رأسه بصمت. - هل تعلم ما هو أسوأ شيء بالنسبة لي؟ ليس كونك قاتلًا مأجورًا، بل أنك جعلتني أشك بكل لحظة جميلة عشتها معك. كنت أتساءل كل ليلة إن كانت ابتسامتك حقيقية أم مجرد جزء من مهمتك. تقدم خطوة نحوها وقال بحزن: - كانت حقيقية كلها يا هانا. ابتسمت ابتسامة حزينة وهي تهز رأسها. - ربما... لكن ذلك لا يمحو ما حدث. تن
جلس ريو على مائدة العشاء وهو لا يزال غير مستوعب لما يحدث حوله. فمن بين مليارات الأشخاص في العالم، انتهى به الأمر جالسًا في منزل المرأة التي أحبها طوال حياته، وإلى جانبه طفلته التي كانت تناديه منذ أيام بـ"العم الوسيم". أما هانا، فكانت تضع الأطباق على الطاولة بصمت، تحاول تجاهل نظراته التي لم تفارقها منذ دخوله المنزل. بينما كانت ريا أكثر شخص سعيد في ذلك المكان. - أخيرًا! لقد تحقق حلمي! نظر إليها الاثنان باستغراب في الوقت نفسه. - وما هو حلمك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. أشارت إلى المقعد الموجود بينهما قائلة بحماس: - أن أتناول العشاء مع أمي والعم الوسيم! ابتسم ريو لا شعوريًا، بينما شعرت هانا بوخزة صغيرة في قلبها وهي ترى ابتسامته التي افتقدتها يومًا. بدأت هانا بتقديم الطعام، وما إن تذوق ريو أول لقمة حتى اتسعت عيناه قليلًا. - إنه لذيذ جدًا. ابتسمت ريا وكأنها هي من طبخته قائلة بفخر: - ألم أقل لك؟! أمي أفضل طاهية في العالم! ثم اقتربت منه قليلًا وهمست وكأنها تخبره بسر خطير: - وإذا أصبحت زوجها يومًا، فسوف تأكل هذا الطعام كل يوم. - ريا! احمر وجه هانا خجلًا بينما كاد ريو يختنق بال







