FAZER LOGINوقفتُ على الرصيف الرابع، أزفر هواءً ساخناً من بين شفتيَّ المضمومتين بينما تضربني ريح ليلية باردة محمّلة بقطرات مطر خفيفة.
سحبتُ الهاتف من جيب السترة بسرعة، وضغطتُ على زر إعادة الاتصال بالرقم الأخير. رنّ الجهاز مرتين فقط قبل أن ينفجر صوتٌ جافٌّ ومقتضب في أذني: ـ هل وصلتِ؟ ـ نعم… أنا عند الرصيف الرابع. ماذا أفعل الآن؟ ـ ابقي مكانكِ. لا تتحركي. انتظري الإشارة. ـ لكن الوضع هنا… انقطع الخط فجأة، وكأن شخصاً قطع الحبل بسكين حادة. بقيتُ أحدّق في الشاشة السوداء، والهاتف يرتعش في يدي كقلب مذعور. مرّت الدقائق كأنها ساعات طويلة تُسحب على أعصابي ببطء قاتل. شعرتُ أن شيئاً غير طبيعي يحيط بي من كل جانب. حركة خفية في الزوايا المظلمة، خطوات متقطعة ترتدّ بين الجدران الإسمنتية القديمة كأنها أصداء أشباح. لمحتُ رجلين يقفان قرب آلة التذاكر المعطّلة، يتهامسان بصوت خفيض. في البداية لم أعرهما اهتماماً كبيراً، لكن شعوراً غريزياً بالخطر بدأ ينهش أحشائي ويجعل قلبي يضرب بقوة تكاد تُسمع من خارج صدري. فجأة، قبل أن أستوعب ما يحدث، انقضّت عليّ يدٌ خشنة قوية كالحديد. . أغلقت فمي بإحكام، ومنعتني من إطلاق أي صرخة، وسحبتني بقوة عمياء بعيداً عن الأضواء نحو غرفة صيانة مهجورة غارقة في الظلام. قاومتُ بكل ما تبقى لي من قوة. ركلتُ الأرض، وضربتُ بذراعيّ في كل الاتجاهات، وحاولتُ عضّ اليد التي كانت تخنقني. التفتُّ بعنف لأرى وجه مهاجمي تحت ضوء القمر الخافت الذي يتسلل من النافذة المحطّمة… إنه هو. الشاب المتعجرف صاحب الحقيبة الرياضية السوداء. التفتُّ إليه. هو. الشاب الذي أخذتُ حقيبته بالخطأ. وقعت عيناي فورًا على الحقيبة التي يحملها. حقيبتي. حاولتُ الصراخ، لكن صوته جاء هامسًا وحازمًا: ـ إذا أردتِ البقاء على قيد الحياة، لا تصدري صوتًا. تجمدتُ. وصل إلى أذني همس خشن قادم من خلف الجدار الإسمنتي. تجمّدتُ في مكاني وأصغيتُ بكل تركيز. رجلان يتحدثان بصوت منخفض، كلماتهما تتسرب إليّ بوضوح مخيف: تأخرت كثيرًا... أين هي؟ ـ اهدأ، ستأتي. اتصلتُ بها بنفسي وأخبرتها أن تنتظر عند الرصيف الرابع مهما حدث. ـ وهل ما زالت تثق بك؟ ـ تثق بي أكثر مما ينبغي... وهذا أكبر خطأ ارتكبته. ـ وماذا إن حضرت من دون الحقيبة؟ ـ ستحضر بها. لا تملك سببًا لتركها خلفها. ـ رجالي يراقبون جميع المخارج، لن تغادر المحطة. ـ ممتاز... خذوا الحقيبة أولًا. ـ والفتاة؟ ـ لا أريد أي شهود. ـ مفهوم. ـ أنهوا الأمر بسرعة قبل وصول أول قطار. تسربت الحقيقة المرعبة إلى عقلي كصاعقة مدمرة . ذلك المحقق… ذلك الشرطي الذي وثقتُ به، والذي تلقيتُ منه الاتصال وأطعتُ أوامره… خانني. الجميع هنا يبحثون عني أنا، وحياتي أصبحت أرخص شيء في هذه الليلة السوداء. شعرتُ ببرودة تفترس أطرافي وأنا أنظر إلى الشاب الذي وقف بجانبي. كانت ملامحه قد تبدّلت تماماً من الغضب إلى جدية مطلقة وخطيرة. بعد لحظات، تراجع صوت خطوات الرجلين تدريجياً حتى اختفى في أطراف المحطة. التفتَ إليّ الشاب بعينين باردتين كالجمر المطفأ، وأشار لي بالخروج من الغرفة المظلمة بحذر شديد. ابتعدنا عن أروقة المحطة الملعونة حتى وصلنا إلى سيارته الرياضية المركونة في زاوية معزولة. ما إن أغلقنا الأبواب والسيارة تدور، حتى رمى الحقيبة الرياضية أمامي بعنف على المقعد الخلفي، وألقى بحقيبتي الخاصة أمامي ببرود قاتل. استدار نحوي وقال بنبرة مليئة بالازدراء: ـ خذي أغراضكِ واخرجي من سيارتي الآن. لا أعرف من أنتِ، ولا أهتم إن كنتِ تاجرة مخدرات أو زعيمة عصابة. لستُ مستعداً لتضييع ليلتي بسبب مجنونة مثلكِ. ـ أنا لستُ… ـ اخرسي. لا أعذار. انتهى الأمر. انزلي. أدار مفتاح السيارة وهمّ بدفع الباب ليطردني إلى المطر. التفتُّ لأفتح الباب، وأثناء حركتي السريعة سقطت من جيب سترته العلوية بطاقة تعريف بلاستيكية صغيرة على دواسة السيارة. التقطتها بلمح البصر قبل أن يلاحظ، ونظرتُ إلى الاسم المكتوب بوضوح تحت الضوء الخافت: لوكاس ميرفي. رفعتُ رأسي وناديتُ بنبرة حادة واثقة: ـ يا لوكاس! لم يلتفت ولم يحرّك ساكناً، بل واصل إمساكه بالمقود وكأنني لم أكن موجودة. ابتسمتُ بسخرية مرة وسط رعب تلك اللحظة، وتخلصتُ من التردد وأنا أردف بصوت أعلى: ـ لوكا… انتظر ثانية واحدة! توقف بحدة. بدت على ملامحه علامات انزعاج شديد وغضب متأجج، والتفتَ إليّ ليصرخ في وجهي: ـ ما الذي تريدينه أيضاً؟ أما زلتِ تظنين أنني ألعب معكِ؟ فتحتُ باب السيارة بسرعة ولحقتُ به، ممسكة بطرف سترته السوداء بأصابع ترتجف لكنها حاسمة: ـ أنا بريئة! أقسم أنني لا أعرف شيئاً عن هذه العصابة ولا تجارة المخدرات التي تتخيلها. لكن إن تركتني وحدي الآن في هذا الشارع فسوف أموت قبل أن يولد صباح الغد. ـ وهذا يعنيني في ماذا بالضبط؟ هل أبدو لكِ كملجأ للأيتام أو حارس شخصي مجاني؟ قصتكِ المثيرة للشفقة لا تخدعني أبداً. ـ إن ساعدتني اليوم سأجعلك تحصل على نصف ما في تلك الحقيبة. حدّق بي مطولاً بنظرة فاحصة مريبة، محاولاً قراءة صدقي من خلال ارتعاشات جسدي ودموعي المحبوسة، ثم سخر ببرود قاسٍ: ـ أنتِ كاذبة محترفة. واهنة جداً إن ظننتِ أنني سأصدق حرفاً واحداً من هذيانكِ. فتح باب سيارته بقسوة ليركب ويغلق الباب في وجهي. وقفتُ خلف الزجاج وأنا ألهث، و وأدركتُ تمامًا أنني انتهيتُ إن رحل. . وقبل أن يمد يده لإحكام إغلاق الباب بالكامل، تردد للحظة واحدة، وتسمرت عيناه في عيني وهما تحملان مزيجاً من الغضب والحيرة. جذب باب السيارة نحوه، ونظر إليّ ببرود قاتل قائلاً: ـ اركبي.إذا كنتم مستمتعين بالرواية، لا تبخلوا عليّ بتعليقاتكم وتوقعاتكم! 👀🔥شاركوني رأيكم في الأحداث والشخصيات، وخلّونا نكتشف أسرار أنجيلا ولوكاس دعمكم وتفاعلكم هو أكبر دافع لي للاستمرار ❤️
انجيلا طلب كايسي بصوت مرتفع أمام الجميع:ـ "هيا يا عزيزي لوكاس… نريد أن نرى رقصتك الأولى مع زوجتك."ضحكت بعض الأصوات حولي. شعرتُ بحرارة الخجل على خديّ، لكن لوكاس كان أسوأ. انقبض فكّه للحظة، ثم رفع عينيه إليّ. امتدت يده نحوي بكل رقيّ، أخذتُ يده. جذبني نحوه، حتى التصق صدري بصدره. الفستان الأخضر الزيتوني انزلق قليلًا على كتفي، كاشفًا المزيد من بشرتي. شعرتُ بحرارة جسده . يده استقرت على خصري، أصابعه تضغط بلطف لكنه حازم، كأنّه يمنعني من الابتعاد حتى لو أردت.بدأت الموسيقى.تحرّكنا.في البداية كان الجذب طاغيًا. كل خطوة يقترب فيها أكثر، صدره يلامس صدري، أنفاسه تمسّ خدي. دار بي ببطء، ثم سحبني فجأة حتى شعرتُ بوركيه يلامسان وركيّ. همس قرب أذني، صوته منخفض ومشحون:ـ "تبدين وكأنكِ خُلقتِ لهذا الفستان… أو كأن الفستان خُلق ليعذّبني."ابتسمتُ دون أن أرفع رأسي عنه.ـ "إذن أنت تتألّم الآن؟ جيد. أحب أن أعرف أنني لست الوحيدة التي تعاني."ضحك ضحكة قصيرة، وشدّني أكثر. يده انزلقت قليلًا إلى أسفل ظهري، ثم عادت إلى الخصر. كل دوران يجعل جسدي يلتصق بجسده أكثر، وكل توقف قصير يجعلني أشعر بنبضه ثم تغيّر الإيقاع.
كانت أصابع أنطونيو غارسة في شعر أنجيلا، تشده إلى الخلف بقوة.ابتلعت أنجيلا أنينها، وارتجف جسدها كله، لكن شفتيها بقيتا مغلقتين بإصرار. لم تصدر صوتًا.ابتسم أنطونيو وهو يحدق بي باستفزاز.ـ الآن هي بين يديك… أقصد، بين يديّ ضحك ضحكة قصيرة باردة.ـ "ماذا ستفعل يا لوكاس؟ قل لي. أنا أستمع."انقبض فكّي، وشعرتُ بأسناني تضغط بقوة."توقف "رفع أنطونيو حاجبيه، ثم أرخى جسده فجأة، ورفع يده أمامه متظاهرًا بالرعب.ـ "أوه... أرجوك، توقف."انطلقت ضحكات رجاله خلفه.أبقيت عيني مثبتتين عليه، ثم حرّكت يدي ببطء خلف ظهري.انتزعت هاتفي وضغطت على رقم واحد. رنّ الاتصال.رفعت الهاتف أمام وجه أنطونيو مباشرة.ـ "لم أظن أنك بحاجة إلى تذكير كل أسبوع بحدود اتفاقك."توقفت لحظة، ثم فعّلت مكبر الصوت وأسقطت الهاتف على الأرض.جاء صوت جوزيف هادئًا، قاطعًا:ـ "ماذا هناك يا لوكاس؟"تغيّر أنطونيو في اللحظة نفسها.اختفت الابتسامة كأنها لم تكن. وانخفض كتفاه قليلًا. بقي ينظر إلى الهاتف على الأرض قلت ببرود مطلق:ـ "يبدو أن رجالك لا يفرّقون بين الصمت والانسحاب."نظرت إليه مباشرة.ـ "ذكّره بالفرق."جاء صوت جوزيف حادًا:ـ "اتركهم
وصلتُ إلى مضمار سباق الخيل برفقة لين، وما إن دخلنا حتى رأيتُ لوكاس في الجهة المقابلة، يقف إلى جانب كايسي ونورة.كانوا هناك قبلنا.توقفتُ للحظة، ثم واصلتُ السير مع لين دون أن أُظهر أي اهتمام بوجوده.ما إن رآنا كايسي حتى ابتسم واتجه نحونا بحماس.ـ "أخيرًا! ظننت أنكما لن تأتيا."ثم توقف أمامي، ونظر إليّ من رأسي حتى قدميّ بإعجاب صريح.ـ "واو... أنجيلا، أنتِ جميلة جدًا اليوم."ابتسمتُ بخجل خفيف.ـ "شكرًا"هزّ رأسه بإعجاب، ثم أضاف:ـ "الفستان جميل عليكِ جدًا. يبدو أنكِ مختلفة تمامًا "قبل أن أجيبه، التفت إلى لين.ـ "وأنتِ أيضًا جميلة، لكنني بدأت أفهم الآن لماذا قالوا إن أنجيلا ستكون نجمة الاحتفال."ضحكت لين.ـ "على الأقل تعرف كيف ترحب بالضيوف."ضحك كايسي، بينما بقيتُ أنا صامتة..خجلتُ، أما لين فاستغلت اللحظة فورًا. نظرت إلى لوكاس مباشرة، وصوتها يحمل حدة مقصودة:ـ "أنجيلا جميلة فعلًا، لكن حظها سيئ للأسف. وقعت في الشخص الخطأ."ثم أضافت بنبرة أشد حدة، موجّهة إليه دون أن تسميه: ـ "لكن بعض الناس لا يعرفون قيمة ما يملكونه... حتى يخسروه."رد لوكاس بجملة لاذعة، بنفس الحدة، دون أن ينظر إليها طويلً
انجيلا لكنني لم أتحرك بعدلين لم تنتظر ثانية واحدة.تقدمت بخطوات واثقة، بدون تردد . مشيتها كمن يدخل معركة محسومة مسبقًا. اقتربت من الأريكة حتى وقفت بينهما تقريبًا، تقطع تلك المسافة الحميمة المصطنعة بحضورها وحده. مدت يدها إلى نورة بابتسامة عريضة، لكن عينيها تحملان برودة حادة كحد السكين.ـ "مرحبًا! لم نتعرّف بعد. أنا لين... قريبة أنجيلا."توقفت لحظة، ثم أضافت بصوت أعلى قليلًا، واضح، لا يمكن تجاهله: ـ "يبدو أنكِ نسيتِ أن السيد لوكاس متزوج... وزوجته تقف أمامكِ."تجمدت نورة للحظة. ابتسامتها السابقة اختفت فجأة. استعادت توازنها بسرعة، ونظرت إليها بازدراء محاولة استعادة السيطرة.ـ "من طلب رأيكِ؟"ابتسمت لين ابتسامة أعرض، دون أن تتراجع خطوة واحدة. وقفت منتصبة، كأنها تملك المكان كله.ـ "لا أحد. لكنني أحب أن أوفر على الناس الإحراج قبل أن يكتشفوا بأنفسهم أنهم يتصرفون بطريقة غير لائقة... خاصة أمام زوجة الرجل الذي يلتصقن به."التفتت نورة إلى لوكاس، تنتظر منه دفاعًا، كلمة، أي شيء يعيد لها بعض كرامتها. لكنه بقي صامتًا تمامًا. وجهه بلا تعبير، عيناه ثابتتان على نقطة ما بعيدة، وكأن كل هذا لا ي
انجيلا سمعتُ زفيره خلفنا. التفتُّ أنا ولين في اللحظة نفسها، فوجدته واقفًا على بعد خطوات، يداه خلف ظهره، وعيناه مثبتتان عليّ وحدي. بدأ يقترب. خطوة... ثم أخرى. اقتربت لين مني غريزيًا، لكنه لم ينظر إليها. ظلّ ينظر إليّ حتى توقف أمامي مباشرة، ثم خفض صوته: ـ "هل تعرفين ماذا يحدث لصديقتك إن رحلتِ معها الآن؟" تجمدتُ. ـ "ماذا... ماذا تقصد؟" ـ "أنتِ تورطين فتاة بريئة لا علاقة لها بكل هذا. إذا رحلتِ معها، فلن تكوني وحدكِ في الخطر. سيعرفون أنها قريبة منكِ... ولن يتركوها وشأنها." رفعتُ ذقني رغم الرعشة التي اجتاحتني: ـ "لن أسمح أن يحدث لها مكروه." رفع حاجبه بسخرية باردة: ـ "حقًا؟ سيارتها توقفت أمام هذا المنزل قبل قليل. كم شخصًا تعتقدين أنه قد لاحظها؟" ارتجفت أصابعي، فقبضتُ عليها بقوة. ـ "أنت تحاول إخافتي فقط." ـ "لا. أنا أخبركِ بما قد يحدث." ثبت عينيه عليّ، ثم قال بهدوء حاسم: ـ "ابقَي هنا. ما دمتِ معي، لا أحد يستطيع الوصول إليكِ." رفعتُ عيني إليه: ـ "وعندما أخرج؟" توقف لحظة، ثم أجاب بصوت لا يحمل أي تردد: ـ "حينها لن أستطيع حمايتكِ." ساد الصمت بيننا. لم أعد أعرف ماذا أقو







