Masukضحكت أروى بصوتٍ عالي يملؤه المزاح والشقاوة، وهي تبتعد خطواتٍ للخلف محتميةً بطاولة المكتب: — «التقطتُها صباحاً فور استيقاظي! سأرسلها إلى هاتفي الآن لتكون وثيقة دافئة ضدكِ!» . هتفت شهد بوجناتٍ مشتعلة وهي تحاول اللحاق بها: — «لا! امسحيها فوراً يا أروى! أرجوكِ أعطيني الهاتف!». ردت أروى وهي تفر منها بضحكات متتالية : «لن أمسحها، ولن تأخذي الهاتف من يدي أبداً!». جرت شهد خلفها في أرجاء المكتب تحاول الإمساك بها، وفي غمرة اللعب والمطاردة، تعثرت أصابع أروى بالهاتف ليفتح الخط بالخطأ على المتصل! تجمدت أروى في مكانها، وهمست لشهد برعبٍ خفيض: — «شهد.. إنه مراد! لقد فتحتُ الخط بالخطأ!». مررت شهد يدها تحت ذقنها بوعيد ضاحك لأروى، ثم أخذت الهاتف وأخذت نفساً عميقاً، لترد بنبرة جادة للغاية: — «مرحباً مراد..». جاء صوت مراد عبر السماعة مشحوناً بالضيق والعتاب: — «مرحباً شهد.. هل أمركِ آدم أيضاً بعدم الرد على اتصالاتي؟!» . ردت شهد بكبرياء ثاقب: «ولماذا يأمرني آدم؟! أنا لا أتلقى الأوامر من أحد يا مراد!» . قال مراد بنبرة خبيثة ومستعطفة: «هل بدر مني أي تصرف خاطئ تجاهكِ طوال ف
نظرت إليها أروى بذهولٍ شلّ أطرافها، وسألتها بصوتٍ خفيض يرتجف خوفاً ورهبة: — «شهد.. هل ذهبتِ يوماً إلى هناك؟». لم تُخفِ شهد دموعها؛ بل سمحت لها أن تنهمر حارةً على وجنتيها المشتعلتين، لعلها تخفف شيئاً من ذلك الثقل المرير المربض على صدرها منذ سنوات. انتحبت شهد بمرارة، وخرج صوتها متقطعاً ومكسوراً: — «لم أكن أعلم يا أروى! ظننتُ أنني سأنقذ عائلتي ونخرج من هذا الفقر والعدم.. لكن ما حدث في ذلك القصر الملعون جعلني أندم كل لحظة تنفستُ فيها حتى الآن! ذلك الشيك القذر ما زال معي.. لم ولن أصرفه أبداً، يكفي أنه دمر روحي وكبريائي إلى الأبد!». ضمتها أروى بحنانٍ جارف، ومسحت على شعرها وهي تبكي معها: — «الآن فقط أفهم معاناتكِ وأشعر بوجعكِ الحقيقي.. سلفاً، وقبل أن أرى القاع بعيني، كنتُ سأقول بكل جهل : كيف تفعل فتاة ذلك وتبيع نفسها؟!». توسلت إليها شهد بنبرة مرعوبة: — «أروى، أرجوكِ! لا أحد يعلم بهذا السر القاتل أبداً ، حتى حور وفريدة لم أجرؤ على إخبارهما قط!». ابتسمت أروى بأسى وطبطبت على يدها بحنو: — «لا تقلقي يا شهد.. فكلانا الآن يحمل أسراراً سوداء لن يعرفها أحدٌ سوانا»
وصل آدم إلى مكتبه، وما إن وطئت قدمه البهو العريض لشركته حتى تلاشت ملامح العاشق تماماً، وتحلّت ملامحه بصرامة جافة لا ترحم. صعد بخطوات حاسمة، وجلس خلف مكتبه الضخم، وكان أول ما فعله أن أخرج هاتفه وهاتف "مراد". أجاب مراد بنبرة نَزِقة يملؤها الضيق: — «خيرًا يا آدم؟ ألم تنتهِ بعد، أم تذكّرت شيئاً آخر لتقذفني به؟!». ردّ آدم بنبرة حادة كالصلب: — «لقد حذّرتك سابقاً أن تبتعد عن شهد؛ فهي ليست كالفضليات اللاتي تتلاعب بهن!». سخر مراد بتهكم متخفٍّ: — «ومن أدراك أنني أتلاعب بها؟ أليس ممكناً أنني معجب بها حقاً؟ إنها...». قاطعه آدم بحزم كاسر وزئير مكتوم: — «ألا تخجل من نفسك؟! أنت رجل متزوّج!». ردّ مراد بجفاء وتحدٍّ: — «لن أبقى هكذا كثيراً! بفضل كلامك بالأمس قررتُ أن أنفصل عن زينة.. لن أتحمّل ذنب ما حدث طيلة حياتي ، وكلما رأيتُها أتذكّر ذاك الشبح! سألتفتُ إلى حياتي وأعيشها كما أريد!». أجابه آدم بجمود سردي لا يبالي: — «هذا لا يخصني يا مراد، افعل ما شئت . المهم أن تعرف أن شهد لن تعمل معك بعد اليوم.. اعتبر أنها قدمت استقالتها رسمياً». هتف مراد بغضب مكتوم: — «وما دخلك أن
ترك آدم شفتيها بصعوبة بالغة، وكأنه يقتلع روحه منها ، ليلتقط أنفاسه التي تلاحقت بجنون، وأسند جبهته على جبهتها؛ كانت أنفاسه الساخنة تضرب وجهها، وهمس بصوت متحشرج خفيض، يخرج من أعماق صدره كأنه عهد لا رجعة فيه : «لا تذهبي.. أرجوكِ، لا تبتعدي». كانت شهد مغمضة العينين، القشعريرة تسري في أوصالها كتيار كهربائي، أنفاسها تتصاعد بضيق، وقلبها يخفق بقوة تكاد تفجر صدرها. كانت في حالة من التيه، جاهزة للحظة التي ستحسم فيها قرارها. نظر آدم إلى شفتيها المتباعدتين قليلاً، وإلى وجهها الذي اشتعل بحرارة تلك القبلة الأولى ، فلم يستطع مقاومة رغبته الملحّة في تذوق سكر شفتيها مرة أخرى. كانت هذه هي المرة الأولى التي يقبل فيها امرأة بمثل هذا الحب وهذا النهم الحقيقي، فانطلق يقبلها قبلة أعمق وأكثر حباً من الأولى ، بينما كانت يده تتحرك على ظهرها وخصرها، يضمها إليه بقوة كأنما يريد صهر جسدها في جسده ، فلم تبقَ بينهما أي مسافة فاصلة. حاولت كتم آهاتها وشهقاتها اللاإرادية التي تمردت على كبريائها ، لكنها لم تستطع.. حتى أفلتت من بين شفتيه بصعوبة بالغة ، وهمست باسمه بصوت متهدج:
— «أي عمل هذا الذي ستذهبين إليه في هذا الوقت؟! أإلى مراد؟!». ردت شهد وهي ترفع رأسها بكبرياء جريح: «أنا أعمل في الشركة يا آدم!». قال بتهكم وسخرية حارقة : «نعم! ورئيسكِ هو مراد وتعملين تحت إمرته مباشرة!». فقالت شهد بتحدٍّ : «وما العيب في ذلك؟!» . هتف آدم بزمجرة زلزلت جدران المكتب المنجدة: «شهد! لا تثيري غضبي في أشياء تعلمين تماماً أنها مرفوضة بالنسبة لي، وما زلتِ تعاندين وتكابرين!». ردت شهد بحنق ودموعها تحتبس في حدقتيها: «آدم.. ليس لي علاقة بشخصية مراد ، أنا أتعامل معه في أضيق الحدود العملية فقط!». ثم توقفت شهد لبرهة، وشعرت بالقهر يستبد بقلبها، فنظرت في عينيه بمرارة متأججة وقالت بصوت خنقه الجرح: — «ثم لماذا تلومني وتتحكم بي هكذا؟! هل يهمك أمري حقاً؟!». اقترب منها آدم خطوة، ولفحه عبق أنفاسها ، ثم قال بعمق: «أنتِ تسألين سؤالاً تعرفين إجابته جيداً في أعماقكِ!». سخرت شهد بكسرة وألم دفين: — «أنا لم أعد أعرف أي شيء! فأنت تفعل دائماً أشياء متناقضة تجنني! إذا كنت تهتم لأمري حقاً، فكيف تدعو حبيبتك للبقاء عندك في القصر بكل بساطة؟! هل تلعب بي وبمشاعري؟!».
نظرت أروى إليه وتلعثمت، وقد انقبض صدرها برعب جلى من هيبته الصارمة: — «إنها.. إنها جارتي! جاءت لتطمئن عليّ لأنني كنتُ متعبة قليلاً بالأمس..». رمقت راوية آدم بذهول جاحظ، تتأمل ثيابه الفارهة وساعته التي تبرق وثراءه الساطع، ثم مالَت بوقاحة وهمست لأروى بمكر ومجون: — «من أين عثرتِ على هذا الصيد الثمين يا فتاة؟! اتضح أنكِ لستِ هينة إطلاقاً!». أزاحتها أروى برفق وذعر وهي تحاول إبعادها عن ناظريه: «هيا اذهبي الآن.. أنا بخير!». دخلت أروى وأغلقت الباب مسرعة، بينما التقط آدم هاتفه وأجرى مكالمة حاسمة مع سائقه الخاص ليحضر فوراً بسيارة القصر. وما هي إلا دقائق حتى أقبلت السيارة الفارهة ، فنزل آدم وسلّم مفاتيح سيارته المنهوبة إلى السائق قائلاً بصرامة قاطعة: «تولَّ أنت أمرها، وأرسلها فوراً إلى مركز الصيانه!». استقلوا جميعاً السيارة البديلة ، وشقت الطرقات الهادئة وسط صمت ثقيل. سألته أروى بصوت خفيض ووجل ينبض بالخوف: — «إلى أين سنذهب الآن يا آدم؟». رد بجفاء كالحسام دون أن يلتفت إليها: «إلى القصر عندي!». اندهشت أروى وقالت بلهفة وتوسل: «لماذا؟! ألن تعيدني إلى منزلي؟







