LOGINتنهدت شهد بعمق وهي تتأمل المكان الذي عشقته أكثر من أي مكان آخر في العالم... الفيلا التي شهدت أجمل فصول صباهما وأصدق لحظات حبهما. خطت بجوار آدم خطواتٍ كانت ثقيلة على قدميها وقلبها على حد سواء ، وكأن كل قدم تضعها على الأرض توقظ في ذاكرتها جرحاً قديماً أو ذكرى دافئة. عندما عبرت الحديقة المضاءة بأضواءٍ خافته، تيبست خطواتها فجأة في منتصف الطريق ؛ تذكرت نفسها في هذا المكان بالذات ، حين كانت تركض بحماس وهي تحمل صينية الإفطار، وفستانها الصيفي يتطاير مع نسائم الصباح ، بينما كان آدم يجلس عند الطاولة الخشبية ينظر إليها بابتسامة عاشقٍ متيم، رافضاً مساعدتها كي يستمتع بمشاهدتها وهي تتحرك بحيوية ، وعيناه تفيضان بالشوق والغرام. توقفت شهد لحظةً ألمت بها الذكرى، وانقضت عليها الغصة ، فالتفتت إليه وقالت بصوتٍ مكسور يملؤه الضعف والمحبة: — «هل يمكن أن أذهب يا آدم... لا أستطيع البقاء أكثر.» اقترب منها آدم بلهفة، وأمسك ذراعيها برفقٍ حنون، ينظر في عينيها الدامعتين بنبرةٍ تفيض بالصدق واللوعة: — «أنا أشعر بكِ يا شهد... أقسم لكِ أنني أجلس عند هذه الطاولة يومياً، وأس
في شوارع المدينة الهادئة، وسط ظلام الليل الذي يسدل أستاره اللطيفة على الطرقات، كانت شهد تقود السيارة بثباتٍ ووقار. النسيم البارد يلامس الزجاج الخارجي ، بينما يتصاعد داخل السيارة دفءٌ شاعري خفي ، ينسجه عبق عطرها الأنيق الممتزج بنسائم عطره الدافئ الذي طالما استوطن ذاكرتها. كسر آدم حاجز الصمت الممتد، واستند بجسده قليلاً نحوها، ينظر إلى ملامحها الجانبية المضاءة بأضواء الشارع المنسابة بخفة، وقال بصوتٍ رخيم يقطر بالرجاء والمداعبة: — «أنتِ تعلمين بأني طماع... لا أرضى بالقليل أبداً يا شهد.» ابتسمت شهد برقةٍ وسحرٍ أذابا برود الأيام الماضية ، ودون أن تصرف عينيكِ تماماً عن الطريق، ردت بنبرة عذبة يحفها الغنج اللطيف: — «هذا يعني وجود طلبٍ آخر... لا تطمع يا سيد آدم، لقد تجاوزنا حدود الاتفاق بالفعل!» تأمل ابتسامتها المضيئة بعينين تفيضان بالشغف ، وقال بنبرة دافئة خرجت من أعماق قلبه: — «ليس بيدي... وأنا معكِ أكون طماعاً كثيراً، ولا تروي عطشي سنوات من البعد.» التفتت إليه شهد بنظرة ساحرة لثوانٍ معدودة؛ نظرة تلاقت فيها العيون وتبادلت لغةً أعمق من كل الكلمات، وهي تنتظر سماع
انصرفت شهد بخطواتٍ هادئة ومتزنة، حريصة ألا تلفت انتباه آدم أو سمير، وابتعدت عن الممر المظلم كأن شيئاً لم يكن . عادت إلى وسط الحفل، لكن روحها وعقلها ظلا غارقين في دوامة من التفكير العميق. طوال ما تبقى من سهرة عيد الميلاد، كانت نظراتها الخاطفة تتسلل بين الحين والآخر نحو آدم الواقف في زاويته، تتأمل هيبته وملامحه المألوفة التي حفظتها عن ظهر قلب. كانت تدرك بداخلها أن كل ما يفعله— من دعمٍ خفي للأعمال الخيرية، وحماية لمشاريعها، ومحاولات مستميتة للتقرب— لم يكن سوى سعٍي دؤوب وجهد صادق للتكفير عن أخطاء الماضي وجراحه التي خلفت ندوباً لا تُنسى. لكن قلوب البشر، مهما بلغت من الشوق، تظل محملة بذاكرة ثقيلة . شعرت بغصة مريرة في حلقها وهي تحدث نفسها بصمت: (أنت تحاول جاهداً يا آدم... تكفر عن ذنبك ، وتصلح ما أفسدته الأيام ، وتحيطني بأمانك من حيث لا أدري. لكن... هل يعقل أن نعود معاً كما كنا؟ أتوسم استحالة ذلك؛ فكلما نظر أحدنا إلى وجه الآخر ، لن تقع أعيُننا على الحاضر، بل ستصطدم حتماً بشبح الماضي وما حدث بيننا من انكسارات... الجرح قد يلتئم، لكن الأثر يبقى
وسط أجواء السعادة والأخوة التي سادت المكان باحتفال عيد ميلاد أروى ، وصل آدم وشهد معاً في سيارة واحدة. كانت الأنوار الملونة تزيّن حديقة المنزل، وأصوات ضحكات الأهل والأصدقاء تتعالى في أرجاء المكان، مما أضفى دفئاً خاصاً أذاب جانباً من الجمود الذي رافق طريقهما. فور أن لمحتهما أروى، أسرعت نحوهما بابتسامة عريضة يملؤها الحب، واحتضنت شهد بحفاوة وشوق ، ثم نظرت إليها بلومٍ أخوي لطيف قائلة: — «أخيراً شرفتنا مدام شهد؟! هل تأتي أختي الوحيدة وملاذي الآمن مثل الناس الغريبة متأخرة هكذا في يوم ميلادي؟!» ابتسمت شهد برقة وقبلت وجنتيها بدفء: — «كل عام وأنتِ بخير يا حبيبتي، سامحيني... كانت أوراق الشركة واجتماعات العمل أطول مما توقعت ، ولكن لم أكن لأفوّت هذه الليلة أبداً.» تقدم آدم بخطواته المهيبة المنتظمة، ومد يده برقي وود ليسلم على أروى، مستطرداً بنبرة رجولية دافئة: — «كل عام وأنتِ بطلة ومشرقة يا أروى.. . أنا سعيد جداً لأنني كنتُ في بالكِ ودعوتِني لأكون بينكم اليوم.» تطلعت أروى في وجه آدم بتقدير، وشدت على يده بحرارة وهي تجيبه بنبرة تفيض بالامتنان والصدق: — «بالطبع يا آدم
عقدت شهد اجتماعاً مع مجلس الإدارة بعد عدة أيام، واعتلت رأس الطاولة برصانة وشموخ. نظرت إلى الحاضرين وقالت بلهجة قيادية واثقة: — «أردت جمعكم اليوم لأبلغكم أنني، بعد دراسة المناقصة جيداً، قررتُ عدم العمل عليها نهائياً... فقد تبين أن رأي آدم بيه حول هذه الشركة كان صحيحاً ومحكَمًا، فهي شركة غير موثوق بها بالمرّة.» ثم تابعت وهي تشير إلى الملفات الأنيقة المفرودة أمام الأعضاء: — «ولكن عُرِض عليّ مشروعٌ آخر اود توزيعه عليكم الآن لدراسته بتمعّن، ثم نناقش تفاصيله في اجتماعنا القادم... شكراً لكم جميعاً.» بدأ الأعضاء ينسحبون واحداً تلو الآخر، بينما انتظر آدم خروج الجميع وظلّ في مقعده، ينظر إليها بعينين تلمعان بالإعجاب والدفء. قام ببطء وخطا نحوها قائلاً: — «أريد أن أهنئكِ يا شهد...» نظرت إليه باستغراب ورفعت حاجبها: — «ولماذا تهنئني؟» ابتسم بعذوبة وقال: — «لأنكِ الآن أصبحتِ سيدة أعمال حقيقية بكل ما تعنيه الكلمة.» ضحكت شهد بسخرية خفيفة: — «ولماذا تقول ذلك الآن؟» رد بصدق ونبرة حنونة: — «لأنكِ نحّيتِ الخلافات الشخصية جانباً وتنازلتِ عن عنادكِ أمام مصلح
في صباح اليوم التالي، وبينما كانت الشمس توزع أشعتها الهادئة على أرجاء مقر مجموعة شركات يحيى، كانت شهد جالسة خلف مكتبها الواسع تغرق في أطنان من الأوراق والعقود. انفتح باب المكتب بهدوء ودخلت السكرتيرة بخطوات مترددة، وقالت باحترام: — «شهد هانم... السيد رائد بالخارج، ويريد مقابلتكِ بشكل عاجل.» رفعت شهد رأسها عن الملفات، وعقدت حاجبيها بملامح جادة، وقالت بصوت صارم: — «ليس لدي وقت اليوم نهائياً... وثانياً، عليه أن يتصل ويحجز موعداً مسبقاً قبل المجيء إلى مقر الشركة هكذا!» استدارت السكرتيرة وخرجت إلى صالة الاستقبال، واعتذرت لرائد بلطف: — «أنا آسفة يا رائد بيه... شهد هانم مشغولة جداً وليس لديها وقت اليوم، فلنحدد موعداً آخر يناسبك.» لكن رائد هز رأسه بابتسامة واثقة وقال بإصرار: — «أرجوكِ... أخبريها أن الأمر طارئ للغاية ، ويتعلق مباشرة بالمناقصة الهامة التي تنوي الشركة دخولها اليوم . من فضلكِ، أبلغيها مرة أخرى.» عادت السكرتيرة إلى المكتب بخطوات سريعة، وقالت بنبرة معتذرة: — «عذراً مدام شهد... رائد بيه مصمم على مقابلتكِ، ويقول إن الأمر شديد الأهمية ويخص المناقصة الحال







