LOGIN— «مُسْتَوَانَا مُتَوَاضِعٌ؟!»ثَارَ ثَلَاثَةُ القُدَمَاءِ غَضَبًا. لَمْ يَكُنْ فِي نِيَّتِهِمْ أَنْ يُلْقُوا بَالًا لِلُورِينَا وَرُفَاقِهَا — إِلَّا أَنْ يَسْخَرَ مِنْهُمْ مُبْتَدِئُونَ هَكَذَا فَهُوَ أَمْرٌ يَفُوقُ الحَدَّ فِي الإِسَاءَةِ. فَفِي تَسْلَسُلِ المَرَاتِبِ فِي المَعْهَدِ — السُّخْرِيَةُ بِمَنْ هُوَ أَعْلَى مَرْتَبَةً مَعْنَاهَا اسْتِحْقَاقُ «اللَّعْنَةِ» بِالنَّبْذِ وَالعُزْلَةِ. فَلَيْسَ مُسْتَغْرَبًا إِذًا أَنْ لَا يَكُونُوا مُؤَدَّبِينَ.— «نَحْنُ عَلَى الأَقَلِّ مُسْتَوَى خَامِسٌ، وَسَنَرْقَى إِلَى المُسْتَوَى الرَّابِعِ بَعْدَ هَذَا الامْتِحَانِ» — رَدَّتِ المَرْأَةُ. — «أَمَّا أَنْتُمْ فَمُجَرَّدُ مُبْتَدِئِينَ؛ فَبِأَيِّ حَقٍّ تَتَبَجَّحُونَ؟»— «نَحْنُ جَمِيعًا نَاسٌ مُتَحَضِّرُونَ مِنْ مُنْتَسَبِي المَعْهَدِ المُوسِيقِيِّ. فَمَا رَأْيُكُمْ فِي هَذَا: لِنُقِمْ مُسَابَقَةً، فَمَنِ انْتَصَرَ — فَلَهُ القَاعَةُ» — اقْتَرَحَ إِسْتِفَانْ بَعْدَ مُشَاوَرَةٍ مُوجَزَةٍ مَعَ لُورِينَا. لَقَدْ عَزَمَا عَلَى تَلْقِينِ هَؤُلَاءِ دَرْسًا بِمَا تَمْتَلِكُهُ أَيْدِيهِمَا مِنْ
بَعْدَ أَنْ تَمَّ القَضَاءُ عَلَى فَرْعِ العَصَابَةِ الإِجْرَامِيَّةِ لِفَانِيسَا فِي مَدِينَةِ أَرِيتْسُو — زَالَ الضَّغْطُ الَّذِي كَانَ يُثْقِلُ كَاهِلَ عَائِلَتَيْ لُوَانَا وَأَلِيسَانْدْرُو. لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ — سَادَ السَّلَامُ. لَمْ يَعُدْ لَزِمًا عَلَيْهِمَا أَنْ يَعِيشَا فِي حَالَةِ تَأَهُّبٍ دَائِمٍ، أَوْ يُرَاقِبَا كُلَّ خَطْوَةٍ عِنْدَمَا يَخْرُجَانِ مِنَ المَنْزِلِ. وَمَعَ هَذَا — ظَلَّ أَلِيسَانْدْرُو، المُتَحَفِّظُ دَائِمًا، يَضَعُ حِرَاسًا خَفِيًّا حَوْلَ لُوَانَا وَالأَطْفَالِ؛ فَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الشَّرَّ لَا يُنْذِرُ أَحَدًا حِينَ يُرِيدُ العَوْدَةَ.فِي هَذِهِ الأَثْنَاءِ — وَفِي زِنْزَانَةِ الاحْتِجَازِ — كَانَ صَمْتُ ثَالِيسَ صَمْتًا مُطْبِقًا. فَلَمْ تُجْدِ فِيهِ مُحَاوَلَاتُ الاسْتِجْوَاءِ المُضْنِيَةُ، وَلَا خُبَرَاءُ اللُّغَةِ اليُونَانِيَّةِ شَيْئًا؛ لَمْ يَنْبِسْ بِبِشْرٍ حَتَّى لَكَادَتِ الشُّرْطَةُ أَنْ تَيْأَسَ مِنْهُ — حِينَ كَسَرَ الصَّمْتَ فَجْأَةً بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ:— «أُرِيدُ أَنْ أَرَى لُوَانَا.»وَلَمَّا حَاوَلَ الضُّبَّاطُ
لَمْ يَكُنْ مَا اعْتَرَى فَانِيسَا مِنْ صَدْمَةٍ عَلَى وَجْهِهَا إِلَّا حَقًّا مُسْتَحِقًّا؛ فَهِيَ تَعْرِفُ لُوَانَا حَقَّ المَعْرِفَةِ، وَكُلَّمَا حَاوَلَتِ اسْتِكْشَافَ نِيَّتِهَا — كَانَتِ الإِجَابَةُ تَأْتِي بَارِدَةً كَالمَاءِ المُنْهَمِرِ: إِنَّ لُوَانَا لَا تُرِيدُ الزَّوَاجَ، وَإِنَّهَا لَتَشْعُرُ بِكَامِلِ ارْتِيَاحِهَا فِي عُزُوبَتِهَا. فَإِذْ سَمِعَتْ أَلِيسَانْدْرُو يَتَكَلَّمُ بِهَذَا الغُمُوضِ — خَالَجَهَا شُعُورٌ بِأَنَّ صَدِيقَتَهَا رُبَّمَا غَيَّرَتْ رَأْيَهَا أَخِيرًا بَعْدَمَا عَايَنَتِ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ عَلَى مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ.أَمَّا أَلِيسَانْدْرُو — فَقَدْ لَفَّ فِي خَلَدِهِ مَا يَشْغَلُ بَالَهُ: «لِمَاذَا تُقَاوِمُ لُوَانَا فِكْرَةَ الزَّوَاجِ هَذِهِ المُقَاوَمَةَ الشَّدِيدَةَ؟» وَخَلُصَ إِلَى قَنَاعَةٍ بِأَنَّ المُلْقَاةَ عَلَى عَاتِقِ المُؤَثِّرَاتِ المُحِيطَةِ بِهَا. فَانِيسَا مَثَلًا — كَانَتْ أَوَّلُ المُصَدِّرِينَ لِلرَّفْضِ، حَيْثُ لَا تُرِيدُ أَنْ تَرَاهُ مُرْتَبِطًا بِلُوَانَا بِصِفَةٍ رَسْمِيَّةٍ. فَأَدْرَكَ أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى كَلِمَةِ «نَع
ظَلَّ مَارْسِيلُو وَقِيفًا لَا يَتَحَرَّكُ، وَقَدْ تَجَمَّدَتْ مَلَامِحُ وَجْهِهِ فِي مَشْهَدِ صَدْمَةٍ تَامَّةٍ وَهُوَ يَسْتَوْعِبُ مَا قَالَتْهُ فَانِيسَا. كَانَ عَقْلُهُ يَعْمَلُ بِعُنْفُوَانٍ: «كَيْفَ تَعْنِي؟ لَقَدْ خَدَعَهَا؟ فَكَيْفَ يَطِيقُ فِكْرَةَ أَنْ يُؤْذِيَ المَرْأَةَ الَّتِي يُحِبُّهَا أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فِي العَالَمِ؟»فَجْأَةً — خَطَرَتْ بِبَالِهِ ذِكْرَى، فَتَغَيَّرَتْ مَلَامِحُهُ تَغَيُّرًا حَادًّا. أَمَّا فَانِيسَا — الَّتِي لَمْ تُفَوِّتْ مِنْهُ حَرَكَةً وَلَا سَكَنَةً — فَأَوَّلَتْ تِلْكَ الْمَعْزَةَ مِنْ مَظْهَرِ الذَّنْبِ عَلَى أَسْوَإِ تَأْوِيلٍ. وَفِي ظِلِّ تَوَتُّرِهَا العَصَبِيِّ نَتِيجَةَ الحَمْلِ — اجْتَاحَهَا مَوْجُ غَضَبٍ شَدِيدٌ لَكَادَ يُظْلِمُ بَصَرَهَا.— «لَقَدِ اجْتَرَأْتَ حَقًّا…!» — صَرَخَتْ وَدَقَّتْ بِرِجْلِهَا، مُوقِنَةً أَنَّ مَارْسِيلُو لَنْ يُحَاوِلَ حَتَّى أَنْ يُنْكِرَ هَذِهِ «الْخِيَانَةَ». — «كَيْفَ تَجَاسَرْتَ عَلَى فِعْلِ هَذَا بِحَقِّ لُوَانَا؟ إِنَّهَا أَعَزُّ صَدِيقَاتِي! لَقَدِ اسْتَخْدَمْتَنِي، وَالآنَ تَسْعَى لِتَدْمِير
— «أَنْتَ بِخَيْرٍ؟!»رَكَضَ الرَّجُلُ نَحْوَ أَلِيسَانْدْرُو؛ لَقَدْ رَأَى الرَّصَاصَةَ تُصِيبُهُ!مَسَّ أَلِيسَانْدْرُو صَدْرَهُ؛ كَانَ الأَلَمُ فِيهِ شَدِيدًا!فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ — لَمَّا انْطَلَقَتِ الرَّصَّاصَةُ تَخُطُّ نَحْوَهُ — لَمْ يَتَسَنَّ لَهُ أَنْ يَتَنَحَّى عَنْهَا.— «أَنَا بِخَيْرٍ.»نَقَرَ أَلِيسَانْدْرُو بِكَفِّهِ عَلَى صَدْرِهِ؛ فَقَدْ كَانَ يَلْبَسُ سِتْرًا وَاقِيًا مِنَ الرَّصَاصِ.— «لَقَدْ وَقَفْتَ هُنَالِكَ لَا تَتَحَرَّكُ شَيْئًا. ظَنَنْتُكَ…» — نَظَرَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ مُتَسَائِلًا فِي نَفْسِهِ: «لَا تُرَوِّعِ النَّاسَ إِنْ كَانَ لَيْسَ مَعَكَ شَيْءٌ تَفْعَلُهُ!»قَالَ أَلِيسَانْدْرُو لَهُ: «صَادِقًا… هَذِهِ أَوَّلُ مَرَّةٍ أُصِيبُ فِيهَا بِرَصَّاصَةٍ.»وَعَلَى الرُّغْمِ مِنْ سِتْرِهِ الوَاقِي — إِلَّا أَنَّ قَلْبَهُ قَدِ ارْتَجَفَّ خَفِيفًا حِينَ وَجَّهُوا إِلَيْهِ النَّارَ.فَلَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ عَلَى مُوَاجَهَةِ المَوْتِ أَوِ الإِصَابَةِ بِلَا خَوْفٍ — وَلَا هُوَ.— «أَيْنَ فَانِيسَا؟» — سَأَلَ أَلِيسَانْدْرُو.— «لَقَدْ هَرَبَتْ» — أَجَابَ الرَّجُ
— «يَا سَيِّدَةَ فَانِيسَا… يَبْدُو أَنَّهُمْ يُتْبِعُونَنَا» — قَالَ ثَالِسٌ لِفَانِيسَا، وَقَدْ تَجَهَّمَ وَجْهُهُ.لَمْ تَتَرَدَّدْ فَانِيسَا وَلَا لَحْظَةً؛ فَمَا مِنْ أَحَدٍ يَقْدِرُ عَلَى مُجَارَاةِ سُرْعَةِ سَيَّارَتِهَا — وَلَوْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُولَدَ!— «اِزْدَدْ سُرْعَةً.»— «لَكِنَّ حُدُودَ السُّرْعَةِ المُرَخَّصَةَ…»— «يَا ثَالِسٌ… أَظُنُّكَ عَشِقْتَ العَادَةَ فَأَصْبَحْتَ عَادِيًّا أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ، فَنَسِيتَ مَنْزِلَتَكَ؟ أَتَظُنُّنَا نُبَالِي بِحُدُودِ السُّرْعَةِ؟!» — حَدَّقَتْ فَانِيسَا فِيهِ بِبَرْدٍ شَدِيدٍ.شَعَرَ ثَالِسٌ بِوَطْأَةِ نَظْرَتِهَا القَاتِلَةِ دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَيْهَا.لَمْ يَجْرِئْ عَلَى المُضَاعَفَةِ فِي السُّرْعَةِ — لَيْسَ تَوَانًا، بَلْ لِكَثْرَةِ السَّيَّارَاتِ أَمَامَهُ.مِنْ حَيْثُ أَتَتْ كُلُّ هَذِهِ السَّيَّارَاتِ فِي وَسَطِ اللَّيْلِ؟!— «اِدْهَسْ مَا يَعْتَرِضُكَ!» — قَالَتْ بِبُرُودٍ تَامٍّ.كَانَتْ سَيَّارَاتُهُمْ مُعَدَّلَةً بِأَكْمَلِ وَجْهٍ؛ فَأَدَاؤُهَا وَمَتَانَةُ هَيَاكِلِهَا تَفُوقُ العَادِيَّاتِ بِمَرَاحِلَ.فَلَ







