Share

الفصل 7

Author: البركة الباقية
عندما عادت شهد إلى وعيها مجددًا، فتحت عينيها بصعوبة.

كانت الغرفة في المستشفى شبه فارغة، والهدوء فيها شديد لدرجة أنها كانت تسمع صوت يسری في الممر خارج الغرفة.

"شهد على وشك الاستيقاظ، هل ستدخل؟"

"لا، لا تخبريها أنني كنت هنا."

ضحكت يسری بسخرية: "إلى متى ستلعب دور المتطوع المثالي؟ ولماذا لا تخبرها..."

لكن صوت رنين الهاتف قطع حديثها فجأة، فأجابه يونس ثم دخل المصعد.

"سأسافر في مهمة عمل خلال هذه الفترة، إذا حدث أي شيء فاتصلي بي."

لم تتمالك يسری نفسها، فدارت بعينيها بيأس نحو ظهره وهو يغادر، ثم دخلت الغرفة.

عندما رأت شهد مستلقية على السرير والضمادات تغطي ذراعها، احمرّت عيناها من الشعور بالذنب.

"آسفة يا شهد، لو كنت أعلم لما أخذتك إلى مطعم الهوت بوت. اطمئني، بعد خروجك سأحجز لكِ علاجًا تجميليًا، ولن أسمح بترك أي أثر."

فتحت شهد عينيها فجأة وضحكت بخفة رغم الألم.

"وأنتِ في هذا الوضع ما زلتِ تضحكين؟ أعتقد أن رنا تعمدت ذلك. كان بإمكانها تجنب الاصطدام، لكنها لم تفعل، وهي أصلًا لم تُصب بأي حرق وتتصرف وكأن شيئًا لم يحدث. أشعر أنها تستهدفك..."

خففت شهد ابتسامتها، وصمتت لثوانٍ ثم قالت: "إنها شقيقتي."

اتسعت عينا يسری بدهشة: "هي أختك من الأم؟ إذًا والدتك هي السيدة القحطاني؟ يا إلهي، كيف تخفين عني خبرًا بهذا الحجم؟ هل تعتبرينني غريبة؟"

تنهدت شهد، ثم شرحت لها القصة بإيجاز، لكنها أخفت الجزء المتعلق بالماضي بينها وبين يونس.

عند رؤية ملامحها وهي تشفق عليها وتدافع عنها، شعرت شهد بدفء في قلبها.

"لقد انتهى كل شيء، أنا الآن أعيش بشكل جيد."

لم تعد تعتمد على أحد، وقد وصلت إلى هذه المرحلة وحدها.

خلال فترة وجودها في المستشفى، لم تتوقف شهد عن متابعة عملها.

كانت تريد فقط إنهاء تسليم مهامها بأسرع ما يمكن ثم مغادرة المكان.

في تلك الأيام، جاء يونس مرة واحدة فقط، لكن كل لقاء بينهما كان ينتهي بشكل غير مريح، وبعدها لم يعد يأتي مجددًا.

حتى اليوم الذي خرجت فيه شهد وهي تحمل تقرير الفحص، اصطدمت فجأة بيونس وهو يساعد رنا بحذر وهي تخرج من قسم النساء والولادة.

عند تلاقي النظرات، ظهر ارتباك خفيف في عينيه، وسحب ذراعه تلقائيًا من خصر رنا.

شعرت رنا بانزعاج داخلي من تصرفه، لكنها لم تُظهر شيئًا وقالت بهدوء:

"بعد أيام سيكون عيد ميلاد أمي. أختي، يجب أن تأتي. أمي كانت تتحدث عنك كثيرًا هذه السنوات، وستكون سعيدة جدًا برؤيتك."

لم ترد شهد، واستدارت للمغادرة، لكن معصمها أُمسك فجأة.

"ماذا جئتِ لتفحصي؟"

حاولت أن تسحب يدها، لكن قبضته اشتدت: "أجيبي."

"آلام دورة شهرية فقط، لقد تقدمت في العمر ولم أعد أتحمل."

عندها عبس يونس، وشعر بانزعاج مفاجئ ممزوج بإحساس خفي من فقدان شيء ما.

لم يكن يفهم لماذا يفقد السيطرة على مشاعره كلما واجهها.

ربما لأنه لم يعتد عليها وهي بهذه الحدة.

بل بدأ حتى يفتقد ماضيها حين كانت تبتسم له بعينين منحنيتين.

حاولت شهد سحب معصمها: "هل يمكنك أن تتركني؟"

وحين رأى ملامح الرفض على وجهها، شدّ يونس أصابعه العظمية على بشرتها الرقيقة، كأنها مخالب صقر تمسك بفريسته.

"إلى متى ستستمرين في لعبة التمنّع؟ بعض الأمور إذا تجاوزت حدها تفقد قيمتها."

ضحكت شهد بخفة ساخرة دون أن تتمالك نفسها.

"هل عدم قدرتك على تركي يعني أنك ما زلت تحمل مشاعر لي؟"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • هي كالمجرة، كلاهما يتلألأ   الفصل 27

    "سيدتي شهد، والدك جاء إلى الشركة ويصرّ على مقابلتك."توقفت شهد للحظة، ورفعت رأسها من بين كومة من الملفات.وقبل أن تتمكن من الرد، فُتح باب المكتب بقوة من الخارج.كان المساعد على وشك منعه، لكن شهد أوقفتَه."اخرج أولاً.""حاضر."سكبت شهد بنفسها كوب ماء للزائر، وفي اللحظة التالية سُكب الكوب بالكامل على وجهها.وكأن ذلك لم يكن كافياً لتفريغ غضبه، تبعه صفعة قوية مباشرة.انفجر طعم الدم في فمها فوراً."أيتها الحقيرة!"أشار بإصبعه إلى أنفها وهو يصرخ: "من أعطاك الجرأة لتستحوذي على أسهم عائلة القحطاني؟""عائلة القحطاني لم تعد سوى هيكل فارغ، والأموال الجيدة لا تُترك للغرباء، فمن يأخذها يأخذها."أخذت شهد عدة مناديل، ومسحت وجهها بهدوء وببطء من الماء. "وفوق ذلك، يبدو أن السيد القحطاني لم يفهم الوضع بعد، لم تعد هناك عائلة القحطاني أصلاً، وإذا أردتُ، يمكنني تغيير اسمها في أي وقت."ارتجف جمال القحطاني من شدة الغضب وهو يشير إليها: "عديمة الوفاء! سرقت المشاريع، واستحوذت خفية على أسهم عائلة القحطاني، عندما عدت إلى عائلة القحطاني، هل كنتِ تخططين لهذا اليوم منذ البداية؟""نعم."أجابت شهد بهدوء تام.قبل ثلاث س

  • هي كالمجرة، كلاهما يتلألأ   الفصل 26

    رنا سقطت فجأة على الأرض.كانت تنظر إليها وكأنها شيطان جاء لانتزاع الروح.انتشر خبر أن مؤسس شركة النور، ووريث عائلة البدري المستقبلي، سيتزوج من الابنة الكبرى لعائلة القحطاني، وبمجرد إعلان الخبر اهتزّ تقريباً كامل عالم الطبقة الراقية.الجميع كان يعلم أن عائلة القحطاني تسير في تراجع مستمر خلال السنوات الأخيرة، وأن الابنة الكبرى لعائلة القحطاني قد تسببت مؤخراً بفضيحة في حفل زفافها وطُردت من عائلة الشمري.لم يفهم أحد لماذا اختار السيد البدري الذي يجمع بين المال والموهبة والدهاء، امرأة سيئة السمعة كهذه للزواج.حتى يونس كان في حيرة.لم يستطع فهم ما الذي يخطط له شوقي.وقبل أن يستوعب يونس الموقف، دوّى فجأة صوت "مسيرة الزفاف".رفع رأسه على الفور، فرأى باب قاعة الحفل يُفتح.امرأة ترتدي فستان زفاف أبيض كانت تسير ببطء نحو المنصة.وحين اتضح له ملامحها، انفجر دماغ يونس كأن صدمة هائلة ضربته.تلاشت كل مشاعر الفضول والمتابعة في لحظة، لتحل محلها فوضى وارتباك لا نهاية لهما.لم يعد يسمع أي صوت حوله، فنهض فجأة، واندفع بسرعة نحو وسط المنصة.على الأرض، لاحظت يسرى، وهي ترتدي زي وصيفة العروس، أن الوضع غير طبيعي

  • هي كالمجرة، كلاهما يتلألأ   الفصل 25

    لم تُخبر أحدًا، وأتمّت شهد إجراءات الخروج من المستشفى وحدها، ثم عادت إلى المنزل، وأسدت الستائر، وانهارت على الأريكة وغرقت في نوم عميق.لا أحد يعرف كم مرّ من الوقت، حتى بدأت طرقات متقطعة على الباب تتردد في أذنيها. كانت عالقة بين النوم واليقظة، لا تستطيع الاستيقاظ تمامًا، ثم عادت لتغرق في نومها من جديد.وعندما فتحت عينيها مرة أخرى، كانت الغرفة مظلمة تمامًا، ولا يضيئها سوى وهج أزرق خافت صادر من حاسوب على الأريكة الفردية بجانبها.كان شوقي خافضًا عينيه قليلًا، يركز على الشاشة وكأنه يعمل.انعكاس الضوء على خصلات شعره جعله يبدو هادئًا على نحو غير معتاد."هل أنتِ جائعة؟"أعادها الصوت العميق إلى وعيها.التقت نظراتها بعينيه الداكنتين، فقالت: "كيف دخلت؟"رفع شوقي نظارته ذات الإطار الذهبي قليلًا: "آسف، كنت قلقًا عليك، فاستعنت بصانع مفاتيح دون إذن. إذا كان هذا يزعجك، يمكنني المغادرة فورًا."قال ذلك وهو ينهض من الأريكة.وعندما مرّ بجانبها، أمسكت شهد يده فجأة وسحبته بقوة، فاختل توازنه وكاد يسقط على الأريكة، لكنه استند بذراعه قبل أن يلامسها.كانت قبضته مشدودة داخل كُمّه ترتجف قليلًا.لكن ملامحه ظلّت مض

  • هي كالمجرة، كلاهما يتلألأ   الفصل 24

    كان والد شهد ملقى على الأرض فاقد الوعي."أبي!"اندفعت شهد بسرعة نحوه، وارتجفت أطراف أصابعها وهي تتحسس نبضه عند أنفه.لحسن الحظ، ما زال يتنفس.وفي حالة من الذعر، ضغطت دون وعي على الرقم الذي تحفظه عن ظهر قلب، ولم يرِن الهاتف سوى رنة واحدة حتى تم الرد."شوقي، ساعدني!"انطلقت السيارة بسرعة على طول الطريق، متجاوزة عدة إشارات حمراء.وبعد أن نُقل الرجل إلى العناية المركزة، شعرت شهد فجأة بضعف في جسدها، لكن ذراعين قويتين أمسكوا بخصرها في الوقت المناسب."أنا هنا، لا تخافي، عمي سيكون بخير."لم ترد، فقط خفضت رأسها وعيناها محمرتان.مرّ وقت غير معلوم، قبل أن يُفتح باب العناية المركزة من جديد.تقدمت شهد بسرعة، وعلقت عيناها المليئتان بالأمل بالطبيب الخارج.أطلق الطبيب تنهيدة خفيفة وهز رأسه ببطء."أصيب المريض باحتشاء قلبي حاد مفاجئ، وتم تجاوز وقت التدخل الذهبي للعلاج..."بدأ صوت الطنين يملأ أذنيها، وشعرت بدوار شديد وضعف في أطرافها، ولم تعد قادرة على سماع ما يقوله، بينما انهمرت دموعها بغزارة دون توقف.شعر شوقي بألم حاد في قلبه فجأة.لكن لم يكن بيده شيء، سوى تكرار كلمات التهدئة.كل ما كان ينقصها خطوة واح

  • هي كالمجرة، كلاهما يتلألأ   الفصل 23

    "يا يونس، وبأي صفة وحق تتحكم فيّ الآن؟"لم تتمالك شهد نفسها من السخرية: "هل أنت الحبيب السابق بلا اسم ولا صفة، أم أنك أخو يسرى؟"عند سماعه ذلك، خفتت ابتسامة زاوية فم يونس قليلًا، وتراخت يده الموضوعة على كتفها دون أن يشعر.أخذت شهد الحقيبة من يد شوقي، وشكرته بهدوء، ثم اتجهت مباشرة نحو سيارة بنتلي سوداء كانت متوقفة على بعد قليل."شهد، عائلة البدري لن تعترف بك، زوجة آل البدري لا يمكن أن تكون من طبقتك."توقفت خطواتها قليلًا، لكنها تصرفت وكأنها لم تسمع، وصعدت مباشرة إلى السيارة.حتى ابتعدت السيارة لمسافة، نظرت عبر المرآة الخلفية إلى يونس الذي كان واقفًا في مكانه ورأسه منخفض.ألقى ضوء المصابيح الصفراء ظله طويلًا، بدا فيه شيء من الوحدة غير المفسّرة.نظرت إليه لثانية واحدة فقط، ثم سحبت نظرتها بهدوء.التفت شوقي نحوها وقال بصوت دافئ: "لا داعي لأن تأخذي كلامه على محمل الجد."ضحكت شهد بسخرية خفيفة وقالت بلا اكتراث: "بالطبع لن أفعل، أنا أكثر شخص يعرف حدوده. وبالمناسبة، أعلم أن لديك حبيبة، وما حدث قبل قليل لم أشرح شيئًا فقط لأنني لا أريد الاستمرار في الجدال معه. وإذا كان هناك أي إساءة، فأنا أعتذر، و

  • هي كالمجرة، كلاهما يتلألأ   الفصل 22

    كانت شهد مستعدة، فركلت بقدمها الخلفية بطن رنا، فتألمت الأخيرة وانحنت فورًا."الجميع رأى بوضوح، لقد تصرفت دفاعًا عن النفس."ثم اقتربت فجأة من رنا وهمست في أذنها: "تقولين عني امرأة وقحة؟ إذًا سأتعامل مع الأمر بأسلوب المرأة الوقحة. تحبين قلب الحقائق والتظاهر بالبراءة؟ إذًا سأدعكم تتظاهرون بما يكفي."كانت شهد منذ طفولتها تساعد والدها في الأعمال، وكانت قوية البنية، والتعامل مع سيدتين مدللتين بلا قدرة على القتال كان أمرًا سهلًا عليها.واحد ضد اثنين، ومع ذلك لم تتراجع إطلاقًا.عندما وصل أمن الطابق بعد بلاغ، كانت شهد تمسك بشعر رنا بيدها اليسرى، وتدوس بقدمها اليمنى على ظهر يارا العتيبي.كان مكياج الاثنتين الفاخر قد فسد تمامًا، وامتزجت الدموع بالمخاط على وجوههما.كانت رنا تمسك وجهها وتبكي: "كنت أعرف أنك كنت تتظاهرين طوال الوقت، هل تظنين أن يونس وشوقي، بعد أن يكتشفا حقيقتك، سيبقيان معك؟"أما يارا فكانت ملقاة على الأرض وتقول بغلظة: "يا حقيرة، لن أتركك أبدًا، انتظري فقط!"كان الحاضرون من طبقات ثرية، معتادين على المجاملات وارتداء الأقنعة الاجتماعية، حتى في الخلافات يحافظون على قدر من اللياقة، ولم يس

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status