Share

محكمة الصوان

last update publish date: 2026-06-11 06:03:17

تجمعت خيوطُ الشمس الأولى فوق أسطح سرايا آل الراوي، لكنها لم تكن شمساً تملأ النفوس بالدفء، بل كان نوراً كاشفاً حاداً يشق غبار المؤامرة الذي خيّم على النجع طوال غياب سيده. في "الديوان الكبير"، حيث امتزجت رائحة القهوة المرة المغلية على الجمر بعبق التبغ الصعيدي الأصيل وبخور الجاوي، كان مجلس النجع قد اكتملت أركانه. جلس كبار العائلات وعمد القرى المجاورة على المقاعد الخشبية العتيقة المحفورة بختم الأجداد، وجوههم محفورة بتضاريس الشرف والصبر، وعيونهم تترقب ما ستؤول إليه هذه الليلة الطويلة.

في صدر القاعة، وقف "قاسم الراوي" شامخاً كالجبل الشرقي، جسده الطاغي يفرض هيبته على كل من في المكان دون حاجة للحركة. كان يرتدي جلبابه الصعيدي الأسود الفاخر، وعباءته المقصبة بخيوط الذهب تنسدل على كتفيه العريضين كراية ملكية. عيناه الصقريتان لم تعودا كالسابق؛ بل كانتا تلمعان بذلك الضوء الذهبي الخافت، النبض السري الذي انطبع في حدقتيه بعد تحطيمه لصولجان الأبعاد، وكأنه كشاف كوني يقرأ خبايا النفوس ويجرد الخونة من أقنعتهم. بجانبه، كانت تقف "ليلى"، سلطانة قلبه وعرينه، بعباءتها السوداء الملوكية، كفها متشابكة بأصابعه الدافئة في حميمية رومانسية ناضجة ولدت من رحم الصراع، تلمس نصل الخنجر الصعيدي المسترد في حزامها بوعي وجسارة. وعلى بعد خطوتين، وقف سليم كالدرع الحصين، يده على مقبض سلاحه وعيناه تجولان في الوجوه بتركيز عسكري لا يغفل.

كان "المحامي الخائن" يجلس في زاوية متقدمة، وأمامه "جابر" الذي بدت عليه علامات الاضطراب، والملفات المزورة التي جهزاها مع "فوزية" و"جوليا" مخبأة تحت عباءتيهما، منتظرين اللحظة التي تتقدم فيها فوزية بورقها القديم لتقلب الموازين. لم يكونا يعلمان أن الصندوق الأسود الذي استخرجه قاسم من تحت تمثال الأجداد مستقر الآن على الطاولة الكبيرة أمام الجميع، مغطى بقطعة قماش خشنة.

التفت قاسم بكامل قامته نحو مجلس الحكماء والكبار، وجاء صوته عميقاً جهورياً، هز أركان الديوان وجعل جمر الموقد يتطاير، وقال بلهجة صعيدية تقطر كبرياءً وجبروتاً:

ـ "يا كبار النجع.. ويا أهل الأصول اللي شربوا من نيلها وصانوا طينها. أنا جيتكم اليوم مش بس عشان أقولكم إن قاسم الراوي عاد لـ عرينه، أنا جيت ومعايا عهد الأجداد اللي انكتب بـ الدم. غبت عنكم لـ لحظة بـ حساب الجبل، بس اللحظة دي كانت سنين من صراع ومواجهة مع شياطين الإنس والجن. ورجعت عشان أطهر الدار من دنس الخيانة اللي نخرت في عضمنا وإحنا غافلين."

ارتجف جابر في مقعده، وتبادل نظرة سريعة مع المحامي الذي حاول استجماع شتات شجاعته المصطنعة. وقف المحامي فجأة، ورفع صوته محاولاً المقاطعة وبث الفتنة وسط الكبار، وقال بنبرة شابها التوتر والخبث:

ـ "يا سعادة السلطان.. إحنا نحترم هيبتك وزعامتك، بس النجع ليه أحكام وليه أوراق. إحنا هنا بـ مجلس شرعي، ومعانا عقود وأوراق قديمة تخص ملكية السرايا والمحاجر، ورق بـ يقول إن فيه أطراف تانية ليها حق في الأرض دي، وفوزية ابنة عمك معاها الصكوك الملكية. إنت غبت، والأمور اتغيرت، وما ينفعش تلغي العقود بـ مجرد كلام بـ اسم العهد!"

لمعت عينا قاسم بالضوء الذهبي بقوة مرعبة، وتحول وجهه الممشوق الحاد إلى جدار من الصوان لا يعرف الرحمة واصل. خطى خطوة هجومية نحو المحامي، فارتجفت الأرض تحت حذائه، ونظر إليه بنظرة جردته من ملابسه، وقال بصوت مخيف يسبق العواصف المدمرة:

ـ "اقعد يا ولد! لسانك ده لو نطق بـ الزيف مرة تانية، ع أقطعه من لغاليغه في وسط الديوان! إنت بـ تكلم قاسم الراوي عن الأوراق والعقود؟ بـ تكلمني عن حق إنت وقبضت تمنه بـ الدولارات من "جوليا" ومن المنظمة الدولية اللي ورا البحار؟!"

شهق الحاضرون في القاعة، وتلفت كبار العائلات نحو المحامي وجابر بنظرات السخط والغضب. حاول جابر المقاطعة هو الآخر والدفاع عن نفسه، فوقف صارخاً بلهجة مضطربة:

ـ "لاه يا قاسم! ده كلام ملوش أساس من الصحة! إحنا ولاد النجع وع صون عرضه، والاتهامات دي ملهاش ورق يحميها!"

في تلك اللحظة الحرجة التي خطفت الأنفاس، تقدمت ليلى نحو الطاولة بوقار ملوكي، وسحبت قطعة القماش عن الصندوق الأسود المصنوع من خشب الأبنوس المطعّم بالفضة. فتحت القفل بنصل خنجرها، ورفعت حزمة الأوراق الصفراء العتيقة والمذكرات المكتوبة بخط الجد منصور، وتحدثت بصوتها العميق الجهوري الذي يفيض بالثقة والدهاء التخاطري، وقالت وهي تصوب نظراتها نحو الخونة:

ـ "الورق أهو يا جابر! العقود الحقيقية اللي جدي منصور شالها تحت رجلين تمثال الأجداد أهي! الورق ده مش بس بـ يثبت ملكية آل الراوي لـ كل شبر في النجع، ده بـ يثبت بالأسماء والتواريخ والحسابات البنكية إن عائلة السيوفي اللي حاربناها سنين كانت مجرد عروستك في يد المنظمة، وإنك إنت والمحامي بـ تكملوا نفس اللعبة القذرة لـ محو هوية الصعيد بـ الكامل، وبيع الأرض لـ الأجنبي عشان يحولها لـ ممر لـ تجارة السلاح والآثار!"

وقع الخبر على الخونة كالصاعقة المدمرة، فشحب وجه المحامي وسقط جابر على مقعده لاهثاً كمن يلفظ أنفاسه الأخيرة، بينما تعالت صيحات الغضب والوعيد من كبار العائلات وعمد القرى، وضج الديوان بطلب التار والشرف.

وقف قاسم وسطهم كالسلطان الحقيقي الذي يملك الزمان والمكان بكلمته، ورفع يده فـ ساد الصمت الخانق فوراً احترماً لجبروته. نظر إلى ليلى بنظرة فاضت بـ الحب والرومانسية الناضجة، وشبك أصابعه بأصابعها مجدداً أمام الكبار، ثم التفت نحو المجلس وقال بنبرة حاسمة لا تقبل المراجعة:

ـ "الحكم صدر عاد يا كبار الصعيد. الخونة دول مالهمش أمان، ومالهمش مكان وسط الرجال. السرايا ع تطهر اليوم، والتار ع يرجع لـ أصحابه بـ الدم والشرع. سليم.. خد الكلاب دول على المخزن الخلفي لـ حد ما المنظمة والسيوفي يوصلوا لـ سفح الجبل، عشان ندفنهم كلهم في حفرة واحدة. نجع الراوي رجع لـ أسياده، والوردة صبحت شوك ع يقطع رقبة كل مين يفكر يمس كرامتنا واصل!"

انحنى كبار العائلات إجلالاً وإكباراً لـ سلطانهم، وسحب سليم جابر والمحامي بـ ذل تحت تهديد السلاح، بينما بقيت ليلى واقفة في أحضان قاسم، يشعر بنبضات قلبها المتسارعة التي تروي قصة عهدٍ كُتب بالدم، وتحدّى أهوال الزمان والمكان ليعود العرين محمياً بـ شموخٍ صعيدي لا يعرف الانكسار للأبد...

تراجع الضبابُ الذي خلّفته عاصفةُ المواجهة الأولى في الديوان الكبير لسرايا آل الراوي، ليحل محله سكونٌ خانق، سكونٌ يشبه ذلك الذي يسبق هبوط الصاعقة على قمم النخيل. كانت خيوط الفجر قد تمددت فوق النوافذ الخشبية العتيقة، لتعكس نوراً حاداً كاشفاً يسقط مباشرة على الطاولة المركزية المصنوعة من خشب الزان الأسود. هناك، وسط الديوان، وقف قاسم الراوي بقامته الشاهقة التي تختزل كبرياء الجبل الشرقي بأكمله، وجسده الطاغي يلقي بظلاله المرعبة على كل زاوية في المكان. كان جلبابه الأسود الفاخر ينم عن مهابة ملوكية، بينما كانت عيناه الصقريتان تلمعان بذلك الضوء الذهبي الخافت، النبض السري المتوارث من البُعد الآخر، والذي جرد الخونة من آخر أستار مكرهم.

بجانبه، كانت ليلى تقف كالسلطانة التي ولدت من رحم الصراع، عباءتها السوداء المطرزة بخيوط الفصب تلتف حول جسدها الممشوق، وكفها الصغيرة مستقرة بأمان داخل كفه العريضة الدافئة. كانت الرومانسية بينهما في تلك اللحظة الطاحنة تفوق كل عبارات الغزل؛ كان اتصالاً روحياً وعشقاً ناضجاً تلاحمت فيه الضلوع، حيث كانت ليلى تستمد من قاسم القوة، بينما كان قاسم يرى في عينيها الواسعتين اللتين تلمعان بجسارة "الوردة" وطنه الوحيد الذي يستحق القتال لأجله. وخلفهما، وقف سليم كالدرع الحصين، يده تقبض على مقبض سلاحه الآلي بوعي عسكري محنك، وعيناه تجولان في وجوه كبار عائلات النجع الذين جلسوا يتابعون المشهد بأنفاس مكتومة.

في تلك اللحظة الحرجة التي خطفت الأنفاس، امتدت يد قاسم الفولاذية نحو الصندوق الأسود المستخرج من تحت تمثال الأجداد. وبحركة بطيئة متعمدة زادت من رعب القلوب، ألقى بحزم الأوراق الصفراء العتيقة، والتقارير السرية المختومة بالشمع الأحمر الملكي، والدفاتر الحسابية المهربة، فوق الطاولة. سقطت الأوراق بدويّ مكتوم أحدث هزة في نفوس الحاضرين، وكأنها صكوك إعدام نُشرت في العلن.

التفت قاسم بكامل قامته نحو المحامي الخائن الذي كان يجلس متسمراً في مقعده، وقد تحول وجهه إلى لون الرماد، وصاح قاسم بصوته الجهوري العميق الذي يحمل بحة الوعيد والصلابة الصعيدية:

ـ "اقرأ يا ولد السيوفي! اقرأ وعلي حسك لجل ما يسمعوا كبار النجع اللي كنت ع تبيع أرضهم وعرضهم بـ البخس! الورق ده مش مجرد حبر قديم، الورق ده فيه ريحة غدركم، وفيه الحسابات البنكية اللي كنت بـ تقبض تمنها دولارات من "جوليا" ومن المنظمة الدولية ورا البحار. العقود دي بـ تقول إن عيلة السيوفي اللي حاربناها سنين مكنتش غير دمية بـ تحركها أصابع الغريب لـ محو هوية الصعيد بـ الكامل، وإنت كنت السكين اللي بـ تنخر في ضهرنا وإحنا في الغربة!"

وقع الخبر على المحامي كالصاعقة التي دمرت آخر حصون مكرة المصطنع. نظر إلى توقيعه وختمه السري المطبوعين على تقارير تسليم أراضي المحاجر والثغرات الأمنية للنجع، وشعر بأن الأرض تميد من تحته. انهار المحامي تماماً؛ سقط من مقعده ليركع على ركبتيه فوق بلاط القبو البارد، وارتجفت شفته السفلى بعنف، واندفعت دموع الذل والصغار من عينيه لتغسل غبار الخيانة عن وجهه الشاحب. كان يرتعد كعصفور بلله المطر في ليلة شاتية، وقد أدرك أن جبروت سلطان الراوي لا يرحم، وأن "خونة الداخل" قد كُشفت عوراتهم بالكامل.

بدأ المحامي يتنفس بجهد، وصوته يخرج كحشرجة مرعوبة من بين ضلوعه المخنوقة، وبدأ ينطق بأسماء القيادات الفاسدة التي كانت تدعمه وتسهل له المخططات من غرف البندر المظلمة، قائلاً بـ لوعة وانكسار صعيدي ذليل:

ـ "الأمان يا سلطان.. الأمان يا قاسم بيه! لاه وعزة جلال الله وعقد الأجداد، أنا مكنتش لـ وحيدي واصل في اللعبة دي! أنا مجرد مأمور.. زقوني لـ الموت بـ رجليه! "المنظمة" هي اللي كانت بـ تخطط، وجوليا كانت بـ تبعت الإشارة من القاهرة بـ أوامر من حيتان كبار ورا البحار. بس مكنتش ع أتحرك من غير غطا.. معاي كبار في البندر.. رجال نفوذ في المديرية وفي السرايا الكبيرة في مصر هما اللي كانوا بـ يمدوا لي الخطوط وبـ يحموا ضهري! منصور بيه الجبالي من وزارة الزراعة، واللواء رفعت اللي كان بـ يقفل المحاضر وبـ يسهل دخول رجالة السيوفي بـ السلاح لـ قلب الجبل الشرقي! هما اللي خدوا الملايين، وهما اللي رادوا يهدوا نجع الراوي عشان يفتحوا الممر لـ تجارة الآثار والسلاح الدولي! أنا عبد المأمور يا بيه.. العفو يا سلطان!"

ضج الديوان بصيحات السخط والغضب من كبار العائلات، واهتزت المقاعد الخشبية العتيقة تحت وطأة الفضيحة الكبرى التي هزت أركان الصعيد. كان سليم يدون الأسماء بوعيه المخابراتي بـ سرعة، وعيناه تلمعان بنصرٍ عسكري وشخصي، فقد ظهرت أخيراً رؤوس الأفاعي التي تسببت في مقتل شقيقه خالد، وفي تشتيت العائلة طوال تلك السنين.

تقدمت ليلى نحو المحامي الراكع، وعيناها الواسعتان تفيضان بـ شموخ السلطانة ودهاء الوردة التي أثبتت أن شوكها يقطع الرقاب، ونظرت إليه باحتقار وقالت بصوتها العميق الجهوري:

ـ "دلوك بـ تبكي وتطلب العفو يا خاين الملح؟ وين كان عقلك لما كنت بـ تقبض تمن الدم؟ وين كانت الأصول لما اتفقت مع جابر وفوزية عشان تسلموني لـ المنظمة وتدفنوا سر العهد تحت تراب الجبل؟ الصعيد ملوش أمان مع اللي بـ يبيع ناسه لـ الغريب، والدم اللي سال ع يرجع اليوم بـ حكم السلطان."

انحنى قاسم فوق المحامي، وقبض على ياقة جلبابه بيده الفولاذية، ورفعه في الهواء كأنه ريشة في مهب الريح، وثبت نظراته الذهبية المرعبة في عينيه الخائفتين، وقال بنبرة مليئة بالهدوء المخيف الذي يسبق العواصف المدمرة:

ـ "سمعتوا يا كبار النجع؟ سمعتوا الكلاب كيف بـ يقروا بـ ذنبهم وبـ يبيعوا أسيادهم في أول محطة؟ الحكم صدر عاد، والتار مش ع يموت واصل. سليم.. خد الكلب ده وحطه في المخزن مع جابر، واقفل عليهم زين لـ حد ما نخلص مع رجالة المنظمة اللي بـ ينهشوا عند سفح الجبل. بكرة الصبح ع يكون تطهير كامل لـ الدار، وكل اسم نطق بيه الخاين ده، ع يدفن في حفرة واحدة مع تاريخ السيوفي الزايف. نجع الراوي رجع لـ أصحابه، والعرين ملوش غير سلطان واحد."

سحب سليم المحامي المنهار بـ ذل تحت تهديد السلاح، بينما تعالت زغاريد النساء من خلف المشربيات الخشبية للسرايا احتفالاً بظهور الحق وعودة الأسياد. التفت قاسم نحو ليلى، وضّمها إلى صدره العريض بعمق تلاشت معه كل آلام السنين، وشعر بنبضات قلبها المتسارعة تروي قصة حبٍّ وتحدٍّ نُقشت بالدم والعشق، ليبقى نجع الراوي حراً شامخاً، محمياً بـ عهدٍ لا ينكسر..

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • وردة في عرين السلطان   محكمة الصوان

    تجمعت خيوطُ الشمس الأولى فوق أسطح سرايا آل الراوي، لكنها لم تكن شمساً تملأ النفوس بالدفء، بل كان نوراً كاشفاً حاداً يشق غبار المؤامرة الذي خيّم على النجع طوال غياب سيده. في "الديوان الكبير"، حيث امتزجت رائحة القهوة المرة المغلية على الجمر بعبق التبغ الصعيدي الأصيل وبخور الجاوي، كان مجلس النجع قد اكتملت أركانه. جلس كبار العائلات وعمد القرى المجاورة على المقاعد الخشبية العتيقة المحفورة بختم الأجداد، وجوههم محفورة بتضاريس الشرف والصبر، وعيونهم تترقب ما ستؤول إليه هذه الليلة الطويلة.في صدر القاعة، وقف "قاسم الراوي" شامخاً كالجبل الشرقي، جسده الطاغي يفرض هيبته على كل من في المكان دون حاجة للحركة. كان يرتدي جلبابه الصعيدي الأسود الفاخر، وعباءته المقصبة بخيوط الذهب تنسدل على كتفيه العريضين كراية ملكية. عيناه الصقريتان لم تعودا كالسابق؛ بل كانتا تلمعان بذلك الضوء الذهبي الخافت، النبض السري الذي انطبع في حدقتيه بعد تحطيمه لصولجان الأبعاد، وكأنه كشاف كوني يقرأ خبايا النفوس ويجرد الخونة من أقنعتهم. بجانبه، كانت تقف "ليلى"، سلطانة قلبه وعرينه، بعباءتها السوداء الملوكية، كفها متشابكة بأصابع

  • وردة في عرين السلطان   فتح الثغرة

    في أعمق زوايا القبو القديم، حيث تتكاثف العتمة وتتلاشى أنفاس الأحياء ليحل محلها عبق الموت والزمن، وقف قاسم الراوي كأنه ماردٌ نُحت من صخور الجبل الشرقي. الغبار الكثيف المعلق في الهواء كان يتراقص في حزم الضوء الخافتة، ورائحة الرطوبة والعفن المنبعثة من الطوب اللبن الأسود كانت تزكم الأنوف، لكنها بالنسبة لقاسم كانت رائحة الأرض، رائحة الأجداد الذين شيدوا هذا العرين ليصمد في وجه العواصف. تقدم قاسم بخطوات بطيئة وئيدة نحو الجدار القبلي، حيث كان يستقر تمثال الأجداد؛ ذلك التمثال الحجري الضخم الضارب في القدم، والمصنوع من البازلت الأسود الصلد، والذي يمثل الفارس الأول لعائلة الراوي وهو يقبض على لجام جواده بعزة وكبرياء صعيدي لا يلين. كانت عينا قاسم تلمعان بذلك الضوء الذهبي الخافت، تلك الهالة السرية التي ورثها من البعد الآخر، وكأنها كشّافٌ كوني يكشف ما خفي عن عيون البشر. وقفت ليلى قريبة منه، تكاد تلتصق بظهره العريض، عباءتها السوداء المطرزة بخيوط القصب تتناغم مع حركاتها الرشيقة، وعيناها الواسعتان تفيضان بمزيج من الشغف الروماني والترقب المشوب بالحذر. خلفهما، عند بداية الدرج الحجري

  • وردة في عرين السلطان   الصندوق الأسود

    التفت قاسم نحو سليم، وجاء صوته عميقاً جهورياً، يحمل بحة الوعيد الصعيدي والصلابة التي لا تلين، وقال وعيناه مصوبتان نحو الشق الضوئي:ـ "يا سليم.. يا ولد عمي. البوابة دي ما عاد لهاش عازة في دنيانا واصل. دي ثغرة في جدار الجبل، ولو فضلت مفتوحة كديه، الكلاب اللي بـ ينهشوا في ضهرنا.. المنظمة، وجماعة جوليا والمحامي، ع يلاقوا طريق يوصلوا بيه لـ أسرار الأجداد. السحر والوهم اللي جوه ع يخليهم يتحكموا في رقاب الخلائق، وقاسم الراوي مش ع يسمح إن أرض الصعيد تكون ممر لـ غدرهم. البوابة دي لازم تتهد، وتتدفن تحت صخر الصوان لـ حد قيام الساعة."خطا سليم خطوة نحو الأمام، ممسكاً بسلاحه الآلي، وعلامات التقدير والدهاء العسكري ترتسم على وجهه الحاد، ورد بصوت منخفض قوي:ـ "معاك حق يا سلطان. إحنا ع نخوض حرب مع خونة الداخل، مع جابر والمحامي اللي بـ يبيعوا الأرض بـ المتر، والمنظمة واقفه على الأعتاب مستنية إشارة. لو حد فيهم عرف بطريق البوابة دي، مش ع يقدر عليهم واصل لا جيش ولا حكومة. بس كيف ع تهد حجر مسحور بـ القوة دي يا خوي؟ السلاح اللي معايا ده أقصاه يطير رقاب، لكنه ما ع يهدش بوابات أبعاد."ا

  • وردة في عرين السلطان   اللقاء العظيم

    كان الممر الصخري المؤدي إلى خارج الجبل يزداد اتساعاً كلما تقدموا، والرياح الباردة القادمة من أفق النجع بدأت تداعب الوجوه، حاملةً معها رائحة تراب الصعيد الرطب ونبت الحلفاء. مشى قاسم في المقدمة، واضعاً يده الضخمة في يد ليلى، مشبكاً أصابعه بأصابعها بقوةٍ كادت توجع عظامها، لكنها كانت الوجع المحبب الذي يطرد كوابيس الفراق. وخلفهما كان سليم يسير بخطى عسكرية متزنة، عيناه تجولان في الظلام يميناً ويساراً، وسلاحه الآلي في وضع الاستعداد، فرغم عودة السلطان، إلا أن غريزة المخابرات فيه كانت تذكره بأن "خونة الداخل" وجماعة جابر والمحامي لا يزالون يتربصون بالسرايا.في وسط هذا المسير الصامت، بدأت ليلى تلاحظ أموراً غريبة وغير مألوفة تسري في جسد زوجها. لم تكن الملاحظة بالعين المجردة فحسب، بل بحسها التخاطري الجديد الذي بات يقرأ الذبذبات الخفية في الهواء. عندما كانت تنظر إلى جانبه الأيمن، رأت عينيه الصقريتين لم تعودا كالسابق؛ كانتا تلمعان بين الحين والآخر بضوءٍ ذهبيٍ خافت، نبضاتٌ من النور السري تشع من بؤبؤ العين كلما ركز نظره على زاوية معتمة في الكهف، وكأن البُعد الآخر قد ترك وسمه الأبدي في بصيرته.

  • وردة في عرين السلطان   سحر من حجر الجبل

    انطلقت ليلى وسليم في الممر الضيق الذي يعقب مركز الوادي، وكانت شظايا الزجاج المحطم تحت أقدامهما تعزف إيقاعاً مرعباً يتماشى مع دقات قلبيهما. لم تكن جدران الكهف مستقرة، بل كانت المرايا المتبقية على الجوانب تهتز وتتموج كأنها مياه راكدة ألُقيت فيها أحجار ثقيلة. كانت طاقة المكان تتصاعد، محملة بأصداء المؤامرات التي تحاك في عتمة السرايا، وبتلك الأنفاس الخبيثة للمحامي وجابر اللذين يظنان أن العرين بات مستباحاً.وفيما كانت ليلى تتقدم بخطى ثابتة، مدفوعة بذاك العشق الجارف وقوة الشوك التي ولدت في قلبها، لاحظ سليم أن الضباب الرمادي بدأ يتكثف حول قدميه بشكل مريب. كان يحاول أن يكون درعاً لحمايتها، ويراقب الثغرات الأمنية بعين الضابط المحنك، لكن الجبل كان يملك قوانين أخرى لا تعترف بالخطط العسكرية ولا بالتدريب المخابراتي. فجأة، التمعت مرآة ضخمة ذات إطار صخري أسود على يمين سليم، وانبثق منها ضوء أحمر قاني كدمٍ طازج.تصلب جسد سليم في مكانه، وسقط سلاحه الآلي من يده ليرتطم بالأرض الصخرية محدثاً دويّاً حاداً. اتسعت عيناه بذهول، وتحولت نظراته الصقرية إلى نظرات تائهة مستسلمة، فقد وقع في "فخ المرايا" ال

  • وردة في عرين السلطان   اختبار الروح

    كان "وادي المرايا" يمتد أمام ليلى كمتاهةٍ من الزجاجِ المسحور، حيثُ لا صخور ولا رمال، بل جدرانٌ شاهقةٌ من المرايا الصقيلة التي تعكسُ ليس فقط الجسد، بل خبايا الروح وأصداءَ المستقبل. عندما خطت ليلى أول خطوةٍ داخل هذا الوادي، شعرت بأنفاسِها تتجمد، فالمرايا لم تكن عادية؛ بل كانت تتراقصُ فيها صورها، صورٌ لليلى التي قد تكون، وليلى التي كانت، وليلى التي يخشى قاسم أن يراها.وقفت ليلى في المركز، وسط دائرةٍ من المرايا العملاقة. في المرآة الأولى، رأت نفسها منحنية الظهر، ثوبها الصعيدي ممزق، عيناها غارقتان في دموعِ ذلٍّ لا ينتهي، وكأنها ليلى التي استسلمت لمؤامراتِ السيوفي، ليلى التي قبلت أن تعيشَ في الظل، خاضعةً لمن يملكون القوة، ترتجفُ من أدنى تهديد. في المرآة الثانية، رأت نفسها بملابسَ غريبةٍ فاخرة، تضحكُ بشماتةٍ وهي تسلمُ خنجرَ قاسم للمحامي الخائن، وجهها يقطرُ غدراً، وهي تبيعُ النجعَ مقابلَ وعودٍ بالذهب؛ كانت تلك ليلى التي أكلها الطمع، ليلى التي باعت العهدَ بـ "حفنةٍ من وعودٍ كاذبة". أما في المرآة الثالثة، فكانت ليلى تظهرُ بعباءتها السوداء المطرزة، واقفةً بـ شموخٍ يزلزلُ الجبال، عيناها تحم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status