Home / الرومانسية / وردة في عرين السلطان / معموديةُ النار.. وعِناقُ الموتِ المستعر

Share

معموديةُ النار.. وعِناقُ الموتِ المستعر

last update publish date: 2026-05-23 19:00:00

الدخان الأسود الكثيف لم يكن مجرد غاز يخنق الأنفاس، بل كان كائناً غاشماً تمدد في أركان المندرة القديمة، ليمتص ما تبقى من ضوء كشافات الحراس، ويترك المكان لوميض النيران البرتقالية التي اندلعت من جوف السرداب السفلي. تداخلت أصوات الانفجارات المتتالية مع زئير الرصاص الآلي، ليتحول البناء المهجور في ثوانٍ معدودة إلى فخ من نار وحديد.

في وسط هذا الجحيم، كان "قاسم الراوي" يقف كطود شامخ لا تزلزله الأعاصير. جسده الضخم كان يحجب "ليلى" تماماً عن فوهات البنادق. كانت ذراعه المصابة تنزف بوضوح، والدم الحار يبلل جلبابه الصعيدي، لكن قبضته على سلاحه الآلي الثقيل لم تهتز إنشاً واحداً. كان يطلق النار ببرود مرعب ودقة قاتلة نحو الملثمين الذين انتشروا خلف أعمدة المندرة المتآكلة.

خلف العمود الرخامي الضخم، كانت ليلى تضغط بظهرها على الحجر الساخن، أنفاسها متلاحقة وجسدها يرتجف، ليس خوفاً على نفسها، بل رعباً من أن ترى هذا الجبل الجريح يسقط أمام عينيها. كانت يدها القابضة على خنجره الصغير تعتصر المقبض النحاسي، وعيناها الواسعتان تراقبان تحركات قاسم بذهول وعشق جارف تضاعف وسط هذا الموت. كيف لهذا الرجل، الذي اكتشف للتو أن الأرض والسرايا ليست ملكاً لعائلته، أن يقاتل بهذا الجنون المستميت لحمايتها وحماية وجودها؟

ـ "قاسم!! خذ بالك!! اليمين واصل!!" صرخت ليلى بأعلى صوتها وهي تلمح طيفاً لملثم يبرز من خلف حطام السقف الساقط، يوجه بندقيته نحو ظهر السلطان.

لم يلتفت قاسم برأسه، بل دار بجسده كله كالإعصار، وانطلقت دفعة رصاصات من بندقيته لتمزق صدر الملثم قبل أن يضغط على زناد سلاحه، ليسقط جثة هامدة تتهاوى في جوف السرداب المشتعل. التفت قاسم نحو ليلى، وكانت عيناه الصقريتان تشتعلان بنور أحمر مخيف، مزيج من غيرة التملك الشرسة والخوف القاتل على روحه التي تسكن جسدها. اندفع نحوها وسط الرصاص المتطاير، وحاصرها بجسده العريض، دافعاً إياها إلى زاوية أكثر عمقاً تحت حماية السقف الخرساني الصامد.

اقترب بوجهه منها حتى لفحت أنفاسه الحارة الحارقة وجهها، وقبض على كتفيها بقوة اعتصرت عظامها، وهمس بفحيح مرعب هز كيانها:

ـ "أنا قولت لكِ إيه؟! قولت لكِ خليكي ورا ظهري وما تنطقيش واصل! عيونك دي لو غابت عن الدنيا، الجبل كله ع ينتهي الليلة بلي فيه! إنتي مش مجرد حرم الراوي.. إنتي بقيتي العهد اللي ع أحارب عشانه الدنيا بحالها، حتى لو كانت الأرض دي أرضك والسرايا سرايتك! إنتي مِلكي.. مِلك السلطان، ومفيش كلب من المطاريد ع ياخدك مني وأنا فيا نَفَس ع يتنفس!"

لم تبالِ ليلى بقسوة قبضته ولا برعب المكان، بل رفعت يدها الحرة المحملة بوشم الوردة، ووضعتها فوق وجنته الملطخة بالرماد والدماء، وتلاقت نظراتهما في عناق رومانسي طاغٍ وسط النيران، وقالت بنبرة عاصفة بالعناد والعشق:

ـ "وأنا مش ع أسيبك تموت لوحدك يا قاسم! لو النار دي ع تاكلنا، يبقى ع تاكلنا وإحنا مع بعض! السرايا والأرض فدا مداس رجلك، أنا ماليش دار ولا ملك غير حضنك إنت وبس! اضرب يا سلطاني.. اضرب وإحنا يدنا في يد بعض!"

التمعت عينا قاسم ببريق من الجنون والانتصار الحارق؛ كلمات البديلة التي روضت كبرياءه منحت عروقه قوة مضاعفة. طبع قبلة حارة عنيفة على شفتيها، قبلة غسل بها طعم البارود والموت، ثم التفت بكامل ضخامته نحو الساحة المشتعلة، وعمر سلاحه بصوت حديدي زلزل أركان السرايا القديمة.

في الجهة المقابلة، من وراء سحب الدخان الخانق، كان "حمدان الهواري" يراقب الصمود الأسطوري لـ قاسم ورجاله بغيظ صاعق. عين واحدة مشوهة كانت تدور بجنون وتطلق شرراً حاقداً، بينما كان رجاله يتساقطون واحداً تلو الآخر تحت رصاص السلطان الدقيق.

ـ "يا مطاريد!! يا رجال الهواري واصل!!" زعق حمدان بصوت أجش أجوف تردد صداه في الممرات المهدومة. "قاسم الراوي جريح وعينزف دم، والبديلة معاه في الزاوية! اقتحموا المكان!! اللي ع يجيب لي راس السلطان، ليه نص مخازن السلاح الجوانية، واللي ع يمسك البديلة حية، ع نكسر بيها خشم النجع كله الليلة!"

تحرك اثنان من أشرس المطاريد، يحملون قنابل يدوية قديمة الصنع، وبدؤوا في الزحف عبر الشقوق الحجرية الجانبية للالتفاف حول العمود الرخامي الذي تحتمي خلفه ليلى. كان التخطيط خبيثاً؛ إشغال قاسم بضرب نار مكثف من الأمام، بينما يتم تفجير الزاوية الخلفية لـ تسقط الحجارة فوق رأس ليلى أو يتم سحبها عبر السرداب.

في تلك الأثناء، كانت "فرحة" قد وصلت إلى أطراف السرايا القديمة برفقة موكب من حراس السرايا الكبيرة الذين استدعتهم بنحيبها وندمها. عندما رأت فرحة النيران تلتهم البناء المهجور، وأصوات الرصاص تصدح كطبول القيامة، سقطت على ركبتيها وتبكي بحرقة:

ـ "يا ربي.. ليلى جوة! أختي التوأم ع تموت بسببي وسبب غلي القديم! يا حراس الراوي.. اقتحموا الدار!! السلطان والست ليلى محاصرين جوة!!"

اندفع حراس قاسم الثقات، العشرات من رجال الصعيد المدججين بالسلاح، واقتحموا الباحة الخارجية للسرايا القديمة بـ قوة غاشمة، ليبدؤوا في حصد رجال حمدان الهواري المتمركزين عند المخارج، وتحولت السرايا القديمة إلى ملحمة دموية من طرفين؛ قاسم يقاتل من الداخل، ورجاله يطحنون المطاريد من الخارج.

داخل المندرة، شعر قاسم بحركة خفية من خلفه. حاسة السلطان السادسة لم تخطئ؛ التفت بلمحة بصر ليجد أحد الملثمين يرفع يده ليلقي بقنبلة يدوية مشتعلة الفتيل نحو الزاوية التي تقف فيها ليلى.

لم يفكر قاسم لثانية واحدة؛ ألقى بسلاحه الآلي الذي نفدت ذخيرته، واندفع بجسده الضخم كالفهد الكاسر، ليرتمي فوق الملثم بكامل ثقله قبل أن تخرج القنبلة من يده. تدحرج الاثنان فوق التراب والمفروشات المشتعلة، وتلاحما في معركة جسدية طاحنة يفوح منها ريح الموت.

كان الملثم يقاتل بشراسة مستميتة، وسحب خنجراً حاداً من حزامه وغرسه في كتف قاسم المصاب مجدداً. أطلق قاسم زئيراً جريحاً هز جدران السرايا، لكن الألم فجر في جسده جبروتاً صعيدياً مرعباً. قبض على معصم الملثم بكلتا يديه، وضغط بقوة هائلة حتى سُمع صوت تفتت العظام بوضوح وسط ضجيج المعركة، لينتزع الخنجر ويغرسه في عنق الخائن بضربة واحدة حاسمة أنهت حياته.

وفي نفس اللحظة، كان الملثم الثاني قد استغل انشغال قاسم، واقتحم الزاوية خلف العمود الرخامي. وجد نفسه في مواجهة "ليلى". ظن الخائن أنها امرأة منكسرة سترتعد خوفاً، لكنه لم يكن يعلم أن عناد الوردة قد تشبع بقسوة الجبل.

عندما امتدت يده القذرة لتمسك بشعرها الأسود الطويل، اندفعت ليلى نحو الأمام بكل ما أوتيت من قوة وعزم، ورفعت يدها بالخنجر الصغير لتغرسه في صدر الملثم بـ حرقة وقوة صعيدية أذهلت الرجل. اتسعت عيناه بذهول مطلق، وسقط سلاحه من يده وهو يتراجع للخلف ويتأوه بقهر، لتثبت ليلى أنها جديرة بأن تكون سلطانة هذا العرين الطاحن.

نهض قاسم من فوق جثة الملثم الأول، والتفت بجسده الملطخ بالدماء ليرى ليلى وهي تقف بشجاعة خنجرها يقطر من دم الخائن. التمت عيناه بنظرة تملك وجنون جارف؛ ركض نحوها وجذبها لـ حضنه بعنف، يطوق جسدها بذراعيه القويتين وهو يتنفس بصعوبة وصدره العريض يعلو ويهبط:

ـ "عفارم عليكي يا بنت أبو المجد واصل!! عفارم على سلطانة قلبي اللي صانت عرضها بـ يدها! النهار ده أنا بقيت أعشق الأرض اللي ع تمشي عليها!"

ولكن الفرحة لم تكتمل؛ فـ من وسط أدخنة السرداب، ظهر "حمدان الهواري" فجأة. كان يحمل في يده صمام إشعال ديناميت قديم متصل بأسلاك ممتدة إلى أسفل البلاط، حيث مخزن المتفجرات السري الذي تركه "الكبير". كان وجه حمدان مشوهاً بضحكة هستيرية خبيثة وهو يرى رجاله قد قُتلوا وحراس الراوي يقتحمون المكان من الخارج.

ـ "خلصت يا سلطان الجبل!!" صرخ حمدان بصوت أجش وهو يرفع صمام الإشعال في الهواء. "رجالتك بره قتلوا ناسي، وإنت قتلت رجالي جوة.. بس أنا مش ع أطلع من المولد بلا حمص واصل! الفتيل ده متصل بـ مية صندوق ديناميت تحت رجليكم! قدامنا دقيقة واحدة والسرايا القديمة دي ع تنفجر وتتحول لـ رماد، وع آخذك معايا ومع البديلة للقبر الليلة!!"

تصلبت ملامح قاسم، ونظر إلى الأسلاك الممتدة نحو السرداب. لم يكن هناك وقت للهروب؛ المسافة إلى المخرج كانت مقطوعة بألسنة اللهب، والديناميت يوشك على الانفجار ليقضي على كل شيء.

التفت قاسم نحو ليلى، ونظر في عينيها الواسعتين بنظرة تملك رهيبة وقاتلة، نظرة وداع ممزوجة بـ عشق أسطوري لا ينتهي. سحبها لـ أحضانه بقوة هائلة، ودفن رأسها في صدره العريض، وبيد واحدة سحب وشاحه الصوفي الثقيل ليلفه حول رأسها وجسدها ليحميها بكامل كيانه وضخامته من الانفجار القادم.

ـ "ليلى.. غمضي عيونك يا روح السلطان واصل" همس قاسم في أذنها بصوت رخيم دافئ، يحمل هيبة الملك وحنان العاشق المفدي. "لو مكتوب لنا الموت الليلة، فـ أنا ع أموت وأنا واخد روحي في حضني.. وعشقنا ع يفضل عايش اهنه في صخر الجبل ومحدش ع يكسره واصل!"

بكت ليلى في حضنه، وتمسكت بجلبابه الممزق بقوة وهستيرية، وقالت بصوت متهدج وسط أصوات الفتيل المشتعل:

ـ "أنا مش خايفة من الموت وإنت معايا يا قاسم.. أنا عشت بديلة، وبموت سلطانة في عرينك!"

وفي تلك الثواني الأخيرة المحبوسة للأنفاس، حرك حمدان الهواري الصمام بـ جنون صاخب، لـ ينطلق شرر الموت عبر الأسلاك، وينفجر جوف الأرض بـ دويٍّ هائل ومرعب تزلزلت له قمم الجبل الشرقي بالكامل، وتصاعدت ألسنة اللهب والصخور لتلعق عنان السماء، وتغرق السرايا القديمة في عاصفة من الرماد والنار التي سترسم ملامح صراع جديد لا ينتهي واصل في نجع الراوي!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • وردة في عرين السلطان   غسق النصر

    تلاقت فيالق العتمة الماورائية ببارود الرجال عند عتبات "سرايا آل الراوي" الشامخة، لتتحول الساحات الفسيحة والممرات الرخامية العتيقة في غضون ثوانٍ معدودات إلى مرجلٍ لاهثٍ يقذف بالحمم والدم المحرّم. كان الضباب الأزرق الفسفوري الكثيف يغلي كالبحر الهائج، وتقاذفته لفحات الصقيع الشاتي القاسية التي زادت الأجواء برودةً لا ترحم، بينما كانت الجدران الحجرية العتيقة تنقبض وتنبض بنقوشها الفرعونية المشعة، كأنها حصنٌ يتمزق بين تاريخه الملعون وبين جبروت سلالة العرين التي رفضت الانحناء لغير خالقها.في قلب هذه الملحمة العاصفة، كان سلطان الجبل قاسم الراوي يقف ببنيته الفولاذية العريضة وطوله الفارع، كالصخرة العتية التي تتكسر عليها أمواج المنون. كان الصراع النفسي يطحن جوفه الصارم؛ فالأرض التي يطأها بجرأة وكبرياء رجل صعيدي ممتلئ بالشهامة تتهادم من تحته، والحيطان التي ورثها عن جده منصور بدأت تتنفس برائحة الملوك السبعة وأنفاس جيوشهم القادمة من أقصى الحدود المترامية للجبل الغربي. لكن جمر الغضب المكتوم في عينيه الذئبيتين الحادتين لم يكن وليد الخوف، بل كان وقوداً لشغف تملكي شرس لا يرحم؛ شغفٌ بحماية سلطانة كو

  • وردة في عرين السلطان   قيامة العرين وسعير الوجد

    زلزلت النبوءة الصاعقة أركان الوعي، فمادت الأرض تحت الأقدام الفولاذية لـ "سرايا آل الراوي"، وتحوّل ذلك الحصن المنيع الممتد عبر العصور إلى فخّ ماورائيّ لاهث، يبتلع خلف أبوابه الموصدة كبرياء السنين ويقين الرجال. لم يكن الضباب الأزرق الفسفوري الكثيف الذي يلف الممرات الرخامية مجرد طاقة عابرة، بل غدا كائناً حياً ينبض بأنفاس الملوك السبعة، يتغلغل في مسام الجدران الحجرية العتيقة ليعيد صياغة تاريخ النجع بمدادٍ من العتمة والدم المحرّم. تحجّر الحراس الأشداء في الساحات الفسيحة كأشجارٍ ميتة لوّثها الخوف، واستحالت زغاريد نسوة النجع التي ظلّت تتردد لساعات طوال إلى أصداء جنائزية مرعبة، تطحن القلوب وتعلن بطلان الأمان العائد.عند عتبة المندرة الكبرى، حيث كانت الشموع النحاسية الكبيرة ترتعش بلهيبٍ باهت تقاذفته عواصف الغيب، كان سلطان الجبل قاسم الراوي يقف بطوله الفارع وبنيته الفولاذية العريضة في مواجهة الكيان العملاق. كان الصراع النفسي يمزق جوفه برغبة تملكية شرسة وعاطفة جياشة جرت في عروقه كالحمم البركانية التي تهد الجبال؛ لأول مرة في تاريخه الحافل بالمعارك والكمائن الدولية على تخوم الجبل الشرقي، يشع

  • وردة في عرين السلطان   جمر العناق ونذير الغسق

    تجمّدت الأنفاس في الصدور الواجفة كأنها شظايا من صقيع كانون، واستحالت الساحات الفسيحة لـ "سرايا آل الراوي"—التي طالما كانت رمزاً للعز الصعيدي والمنعة والسطوة—إلى مسرحٍ لاهث لملحمةٍ ماورائية حابسة للأنفاس أطاحت بكل الثوابت والتحصينات في كسر من الثانية. كان الضباب الأزرق الفسفوري الكثيف يلتف حول الأعمدة الرخامية الشامخة والدروب الحجرية كأفعى لزجة انبعثت من جوف الجبل الغربي المنسي، لتبث سموم العتمة في عروق الحراس الأشداء؛ الذين وقفوا شاخصين كالتماثيل الحجرية المتحجرة، وعيونهم تقدح بذات البريق الشيطاني البارد الذي أعلن بطلان النصر المؤقت وسقوط الأمان العائد.عند عتبة السرداب السري المؤدي إلى الممرات العلوية الشاسعة، كان سلطان الجبل قاسم الراوي يقف بجسده الفولاذي وبنيته الطاغية العريضة كالجبل الأشم الذي تضربه العواصف فلا ينحني. كان الصراع النفسي يمزق أحشاءه برغبة تملكية شرسة ولوعة دفينة تكاد تصهر الحديد في صدره؛ لم يعد العدو أفاعي دولية أو مكائد من البندر يمكن تصفيتها بالبارود والدم، بل كان ينظر إلى تاريخ عائلته وعرينه وهو يُستباح في عقر داره. في يده اليسرى، كان يضم طفله وولي عهده "من

  • وردة في عرين السلطان   لظى العهد وسعير العناق

    مادت الأرض تحت الأقدام الفولاذية، واستحالت القاعة الصخرية العتيقة لباطن الجبل الغربي إلى مرجلٍ يغلي ببارود الرجال وسحر العتمة الماورائي المحرم. كانت الصرخة التي انطلقت من جوف ليلى تمزق سكون الهاوية كشفرة نصلٍ حامٍ، صرخةٌ لم تكن وليدة الرعب البشري العابر، بل كانت زلزالاً هز أركان وجدانها وهي ترى زوجها وسلطان قلبها، قاسم الراوي، يغوص بجسده الفولاذي الطاغي في تلك الفجوة السحيقة التي انشقت بغتة، ممسكاً بمعصمه ذلك الكيان الصخري الأسود المقصب بالنقوش الفرعونية القديمة، والذي كان يجذبه نحو القاع المجهول بعنفوانٍ لا يرحم كبرياء الأسد الجريح.لم تكن خطوط البارود التي أطلقها سليم ورجال النجع الأشداء من مدافعهم الرشاشة قادرة على اختراق ذلك السور المغناطيسي الأزرق الفسفوري الذي عاد ليتشكل حول الفجوة؛ كانت الشظايا الحجرية تتطاير كالمطر الفضي، والدخان الأبيض الكثيف ينفث في الأجواء ليمتزج برائحة الكبريت العتيق وبخور العود الذي كان عالقاً بثياب ليلى الغجرية المنسدلة في كبرياء. كان الصراع النفسي في تلك الأجزاء من الثانية يطحن القلوب طحناً؛ فقاسم، وهو يتأرجح بين باطن الأرض وظاهرها، كان عقله الصار

  • وردة في عرين السلطان   الندوب الغالية

    ارتجت أركان الهاوية الصخرية تحت وطأة الطلقة الفضية الجريئة، وامتزج دوي البارود الصعيدي الحامي بصرخات مكتومة، متهدجة ومرعبة، انطلقت من جوف الظلال السبعة التي تراجعت خطوتين إلى الوراء كأفاعٍ مباغتة أصابها السّم في مقتل. تحول الوميض الأزرق الفسفوري الذي كان يملأ الفضاء بحبس الأنفاس إلى شظايا ضوئية متناثرة تعكس الرعب الماورائي البارد على الجدران الحجرية العتيقة لباطن الجبل الغربي. كان الموقف قد تخطى حدود العقل الإنساني ليدخل في كسر من الثانية إلى عالم الملاحم الأزلية؛ حيث لا بقاء إلا لمن امتلك عقيدة صلبة وعشقاً جارفاً يهد الجبال ويصهر الحديد.في تلك اللحظة القاتلة الممتلئة بالصدمة والذهول الصاعق، لم يكن قاسم الراوي ينظر إلى الظلال المتهاوية بفعل طلقة الغدر، بل كان يلتفت بكامل جسده الفولاذي وبنيته الطاغية العريضة نحو مدخل السرداب المظلم. جحظت عيناه الذئبيتان الحادتان اللتان جابهتا الموت في كمائن الجبل الشرقي وتحدتا غدر الأفاعي الدولية، واحتَقن وجهه الأسمر الشامخ بمزيج معقد، عنيف وحارق من الشغف الجنوني والوجع النفسي الدفين. تيبست أصابعه فوق مقبض سلاحه الآلي وهو يرى سلطانة قلبه، وترياق

  • وردة في عرين السلطان   ترانيم الفداء والهاوية

    غاصت السرايا العتيقة لآل الراوي في لجة من جحيم صامت، جحيم لا تلتهم نيرانه الأجساد، بل تقتات على بقايا الروح واليقين. انقشع الأثر الماورائي للظلال السبعة، لكنه ترك خلفه عتمة داكنة ثقيلة، هبطت على أرجاء الجناح الملكي كوشاح من الرصاص. تلاشت أنوار الشموع الزرقاء لتترك الغرفة غارقة في رماد الرعب، ولم يعد يكسر جمود هذه العتمة الشاتية القاسية سوى صوت أنفاس ليلى المتحشرجة، المتقطعة كنزع أخير، بعد أن تحررت يد الغيب عن جسدها الرقيق وتركتها تسقط فوق الفراش الملكي الوثير كعصفور بلله المطر وعصف به الإعصار.تحرك قاسم الراوي داخل الجناح كالنمر الجريح الذي سُلبت منه أعز فرائسه. كان جسده الفولاذي وبنيته الطاغية يرتجفان ليس من الصقيع، بل من فوران الدم في عروقه برغبة تملكية شرسة وعاطفة جياشة تحولت بغتة إلى لوعة حارقة تفتت الصخر. الصراع النفسي الذي كان يمور في صدره بلغ ذروة لم يبلغها من قبل طوال تاريخه الحافل بالمعارك؛ هو سلطان الجبل، الرجل الذي لم تنحنِ قامته أمام كبار البندر ولم تهتز هيبته برصاص الكمائن الدولية، يقف الآن عاجزاً، ينظر إلى السرير الخشبي الفارغ الذي كان منذ قليل يضم ولي عهده ونسله ا

  • وردة في عرين السلطان   نَسجُ الأفاعي في الخفاء

    لم يكن الفجر الذي بزغ فوق قمم الجبل الشرقي فجراً عادياً يحمل تباشير الطمأنينة لأهل نجع الراوي؛ بل كان فجراً رمادياً تشبعت سماؤه بخيوط داكنة من أثر حريق السرايا القديمة الذي ظل يتصاعد منه الدخان كأنه أنفاس وحش يحتضر في جوف الصخور. نسيم الصباح البارد كان يلفح الوجوه، ممزوجاً برائحة احتراق أخشاب الأبن

  • وردة في عرين السلطان   رمادُ الانفجارِ.. وولادةُ بركانِ الثأرِ الخفيّ

    الدويّ الذي زلزل أركان الجبل الشرقي لم يكن مجرد صوت عابر؛ بل كان زئيراً للأرض انشق من جوفها لهب أحمر لعق عنان السماء، ليتفتت بناء السرايا القديمة العتيق في ثوانٍ معدودة. انهار السقف الخرساني، وتطايرت الصخور الحجرية كقذائف مشتعلة في كل اتجاه، لتغرق الباحة بأكملها في غيمة كاحلة من الرماد الأسود وال

  • وردة في عرين السلطان   مواقدُ الأسرارِ.. والعهدُ المكتوبُ بنورِ الشمس

    توقفت حوافر الجواد الأسود بعنف عند بوابة السرايا الخارجية، ليثير الغبار حول الأقدام كأنه بقايا العاصفة التي لم تنتهِ بعد. قاسم كان ما يزال ممسكاً بخصر "ليلى" بيدٍ حديدية، جسده الضخم يحيط بها كدرع من صخر، وأنفاسه المتلاحقة الحارة تضرب عنقها، يفوح منه ريح البارود والتبغ والدم الحار النازف من جروحه.

  • وردة في عرين السلطان   زئيرُ العاصفة.. ووشاحُ العشقِ المغموسِ بالدم

    الليل في الجبل الشرقي لم يكن مجرد غياب للشمس، بل كان كفناً أسود يلتف حول الصخور الحادة، يبتلع الأصوات ويخفي في طياته أسراراً عمرها عقود. لكن الليلة، انكسر صمت الجبل تحت وطأة حوافر الخيل وصوت محركات سيارات الدفع الرباعي التي كانت تقيد الصخور بـ وميض كشافاتها القوية.في المقدمة، كان "قاسم ال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status