Share

ميثاق النور

last update Petsa ng paglalathala: 2026-06-12 06:03:05

تبدّدت آلامُ الليالي الطوال وتلاشت غيوم المؤامرات المسمومة التي نهشت نجع الراوي، لتترك السرايا الكبيرة غارقةً في هيبةٍ صامتة لا يقطعها سوى حفيف سعف النخيل في ريح الغروب الدافئة. كانت الشمس قد توارت خلف قمم الجبل الشرقي، تاركةً خلفها شفقاً نحاسياً مسبوكاً يغمر الشرفة العتيقة بظلالٍ من السكينة والوقار. في ذلك الركن المشحون بذكريات الأجداد، وقفت ليلى مستندةً بظهرها الممشوق على سور الشرفة الصواني، وعيناها الواسعتان اللتان تحملان بريق البصيرة والتخاطر الروحي تتأملان ملامح زوجها "قاسم الراوي".

كان قاسم يقف بجانبها كطودٍ راسخ لا تطاله ريح، قامته الشاهقة تعكس شموخ الصعيد بأسره، وجلبابه الأسود الفاخر ينم عن مهابة سلطانية حقيقية. عيناه الصقريتان لم تعودا تشتعلان بنار الحرب، بل كانتا تلمعان بذاك الضوء الذهبي الخافت، النبض السري المتوارث من البُعد الآخر، والذي صار هالة أمان تحيط بـ "وردة عرينه". تقدم نحوها ببطء، وتلاقت نظراتهما في عناقٍ صامت تفوق لغته كل عبارات الغزل؛ كان اتصالاً روحياً مشبعاً بالرومانسية الناضجة التي ولدت من رحم النار والمواجهة في وادي المرايا.

رغم الأمان الذي بات يلف النجع بعد سقوط المحامي الخائن وجابر، وتطهير الدار من رجال المنظمة الدولية الذين أرادوا محو هوية الصعيد بالكامل، إلا أن هناك تساؤلاً أزيلياً كان لا يزال يحوم في عقل ليلى، تساؤلٌ يخص جوهر القوة التي تحكم مستقبلهم ومستقبل الذرية التي ستعمر هذه الأرض.

التفتت ليلى بكامل جسدها الرشيق نحو قاسم، ولامست كفها الصغيرة صدره العريض، حيث ينبض قلبه بقوة وثبات، ورفعت عينيها الواسعتين إليه، وجاء صوتها عميقاً جهورياً يحمل بحّة الشجن واليقين، وسألت بلهجة صعيدية تقطر وداً وترقباً:

ـ "قاسم.. يا سلطان قلبي وداري. الكلاب غاروا في داهية، والأرض رجعت لـ أصحابها بـ حكمك وبـ شرع الجبل والقانون، والمنظمة صبحت أثر بعد عين. بس فيه سؤال بـ ينخر في عظامي من وقت ما حطمت صولجان الأبعاد وردمت البوابة بـ يدك الفولاذية.. والعهد يا ولد عمي؟ العهد القديم اللي عشنا سنين بـ نتحارب بـ اسمه، والأسرار اللي سابوها الأجداد تحت رجلين التماثيل وفي قاع المغارات.. كيف ع نحمي الدار بـ قادم الأيام من غير صولجان ولا سحر يوقف في وش الغريب؟"

توقف قاسم عن تأمل أفق النجع، والتفت بكامل هيبته الطاغية نحوها. نظر في عينيها بنظرة تلاشت معها كل برودة العالم، وحل محلها ذلك الحنان الطاغي الذي لا يظهره إلا لـ سلطانة عرينه. امتدت يده الضخمة الدافئة، التي تضاعفت قوتها بشكل إعجازي، لتقبض على يدها النحيلة، وشبك أصابعه بأصابعها بقوة تفيض بالاحتواء والوفاء، وجذبها نحو صدره ليلتصق جسدها به حتى غابت الفواصل بينهما وسط خيوط الشفق الأحمر.

مرر أصابعه الخشنة على وجنتها الشاحبة ليبث فيها الدفء، وتحدث بصوته الجهوري العميق الذي يحمل بحة العشق والصلابة الصعيدية، قائلاً بنبرة حاسمة تزلزل الصوان:

ـ "العهد مش حجر مسحور يا ليلى، ولا صولجان نتحكم بيه في الزمان والمكان ونستقوى بيه على الخلائق في عوالم الوهم. لاه.. وعزة جلال الله وعقد منصور الراوي، العهد الحقيقي هو اللي واقف قصادي دلوك بـ طوله وبـ شموخه. العهد إننا نبني الجيل الجاي على الصدق، مش على الأسرار والغموض اللي كان ع يضيعنا ويفتح علينا أبواب جهنم من خونة الداخل!"

سكت قاسم للحظة، وتلألأ الضوء الذهبي في حدقتيه بوعي وحكمة تجردا من أوهام الماضي، وتابع وعيناه مصوبتان نحو بيوت النجع الآمنة:

ـ "الأجداد غفلوا عن حاجة واصل يا بت الأصول؛ غفلوا إن الأسرار هي اللي خلقت من عيلة السيوفي دمية في يد المنظمة، وهي اللي خلت المحامي وجابر يحفروا في ضهرنا لـ أجل الطمع في الكنوز المدفونة. السحر والطلاسم ما حموش دار واصل، اللي حما الدار هو شرف الرجال وعشقك اللي كان البوصلة ليا في عز الغربة. العهد الجديد اللي ع نغرسه في طين النجع ده، إن ولادنا والجيل اللي جاي يتربوا بـ وش مكشوف، يعرفوا إن قوتهم في شرفهم، وفي نيلهم، وفي طين أرضهم، مش في خوارق وسحر يخليهم يطمعوا في ملك زايل. الصدق هو الصولجان الحقيقي اللي ع يقطع رقبة كل غريب وكل خاين بـ يفكر يقرب من دارنا."

انهمرت دمعة دافئة من عيني ليلى، دموع فرح ونصر غسلت بقايا الخوف والشك، ووضعت رأسها على صدره العريض، تشعر بأنفاسه المتلاحقة تبدد ريح المغربية الباردة. كانت الرومانسية بينهما في هذه اللحظة تفوق كل كلام الغزل؛ كانت ميثاقاً جديداً يُكتب بـ روحين تلاحمتا في وجه الأعاصير لـ تصنعا للمرة الأولى عهداً من نور وصدق.

في الباحة السفلية للسرايا، كان سليم يقف مع كبار الحراس، يتابع ثبات الأمان في الدروب، والتفت نحو الشرفة ورأى السلطان والوردة في هذا العناق الشامخ، فابتسم بدهاء وفخر، مدركاً أن العرين لم يعد محروساً بـ السلاح وحده، بل بـ عقيدة صدق لا يقدر عليها أي مكر خارجي واصل.

أمسك قاسم بوجه ليلى بين كفيه، وقبّل جبهتها بوقار ملكي، وقال وعيناه تشعان باليقين:

ـ "إنتي السلطانة بـ الفعل مش بـ السحر يا ليلى.. والشوك اللي في يد الوردة ع يفضل صاحي لـ حماية الجيل الجديد اللي ع ينبت على الصدق. النجع رجع لـ أهله، والعرين صِبح مصان بـ قلوبنا ولـ وحيدنا للأبد."

هبطت الشمسُ كاملةً وراء منحنيات الجبل الشرقي الوعر، تاركةً وراءها خطوطاً دافئة من الشفق القرمزي والذهبي المسبوك، تلاشت ببطء فوق جدران سرايا آل الراوي العتيقة. كان نجع الراوي في تلك اللحظات يعيش هدوءاً غامراً، صمتاً يختلف عن صمت الخوف القديم؛ إذ بدأت بيوت الطين اللبن تتنفس الأمان بعد أن سُحقت مؤامرات المحامي وجابر، ودُفنت أسرار المنظمة الدولية تحت صخور الصوان التي ردم بها قاسم بوابة الأبعاد. النسام الباردة القادمة من صوب النيل كانت تداعب ستائر السرايا الثقيلة، حاملةً معها ريح الهدوء والسكينة التي طال انتظارها.

في الشرفة الكبيرة، تلاقت نظرات قاسم وليلى في لقطةٍ أخيرة خطفت الأنفاس وسط هذا الأفق الشاعري. كانت عينا قاسم الصقريتان تلمعان بالضوء الذهبي الخافت، ذاك النبض السري المتوارث الذي امتزج في حدقتيه بـ لوعة العشق الصعيدي الجارف وجبروت التحدي الذي لا يلين. وبجانبه، كانت ليلى تنظر إليه بعينين واسعتين تفيضان بـ الجسارة واليقين؛ نظرات تلاقت فيها أرواحهما كـ حلفٍ مقدس عُمّد بالدم والنار في مواجهة الأقدار. لم يكن حبهما مجرد مشاعر عابرة، بل صار عقيدة بقاء تلاحمت فيها الضلوع بـ كبرياء لا يعرف الانكسار واصل.

شبك قاسم أصابعه الفولاذية بـ أصابعها النحيلة، وجذبها نحو صدره العريض لـ يطوق خصرها بذراعه القوية، والتفت بها نحو الداخل. خطيا معاً خطواتٍ وئيدة ملكية، وعباءة قاسم المقصبة بـ الفضة تخفق وراءه، ليدخلا جناحهم الخاص في السرايا؛ تلك الغرفة الواسعة التي تفوح برائحة بخور الجاوي والعود المعتق، وأثاثها الخشبي المحفور بـ ختم الأجداد يعكس هيبة الدار. بمجرد أن وطئت أقدامهما عتبة الغرفة، أغلق قاسم الباب الخشبي الثقيل خلفهما، لـ ينعزلا تماماً عن العالم الخارجي، وعن النجع، وعن صخب المعارك التي خاضاها بـ مرارة الصبر.

تحول التحدي في عين قاسم فجأة إلى حنانٍ طاغٍ يذوب فيه الصخر. اقترب من ليلى حتى التقت أنفاسهما الساخنة، ونظر إلى وجهها الشاحب الذي زينته حُمرة الخجل والوفاء. رفع كفيه الخشنتين العريضتين، ووضعهما بـ رقةٍ بالغة على وجنتيها، يمسد بـ إبهاميه على جلدها الناعم كـ نبت الورد، مستنشقاً عبق عطرها الغجري الساحر الذي طالما كان وقوده للصمود وأنت في غيابات البُعد الآخر.

انحنى قاسم نحوها بـ رغبةٍ عارمة تملأ كيانه، والتقط شفتيها بـ قبلةٍ عميقة، طويلة، وطاغية، قبلة تلاشت معها شهور الفراق وأهوال وادي المرايا. كانت القبلة مشبعة بـ رومانسيّة خاصة جداً، تترجم كل لوعة الاشتياق وجبروت العشق الصعيدي الذي لا يعرف الوسطية؛ تلاحمت شفتيهما في عناقٍ حار وعنيف في صدقه، دافئ في احتوائه، جعل ليلى تغمض عينيها بـ استسلامٍ مطلق، وتتشبث بـ كتفيه العريضين كـ غريقة وجدت شاطئ نجاتها الوحيد.

جذبها قاسم نحو صدره بـ قوة أكبر، واعتصر جسدها الممشوق الرشيق بين ذراعيه الفولاذيتين بـ أحضانٍ دافئة ومتلاحقة، حتى شعرت ليلى بـ دقات قلبه القوية العنيفة تضرب في جوف صدرها، وكأنهما ذابا معاً لـ يصبحا جسداً واحداً وروحاً واحدة. غمرها بـ حميمية خاصة جداً، يمرر كفيه على ظهرها المنسدل، ويهمس بـ صوته الجهوري المنخفض الذي يحمل بحّة العشق الطاغي والوداد:

ـ "وعزة جلال الله وعقد الأجداد، ما كان للدنيا عازة في عيوني وأنا بـ بعدك يا ليلى. إنتي الروح، وإنتي العهد، وقاسم ما صبِح سلطان إلا بـ وجودك بين يديه. الغرفة دي ع تشهد إن عشقنا أقوى من السحر، وإن الوردة صبحت في حماية شوكها ولـ وحيدها."

سالت دمعة فرح حارة من عيني ليلى، ولثمت كفيه وقبّلت صدره بـ قبلاتٍ متلاحقة تفيض بـ الحميمية والوفاء، وقالت بـ صوتها العميق الجهوري المخنوق بـ مشاعر الشغف:

ـ "قاسم.. يا سلطان قلبي وناسي. أنا عشت بـ نبضك، والنهاردة روحي ردت لي في حضنك. ما يهمني غدر بره ولا جوه، طول ما يدك بـ تشبك يدي، والسرايا ع تفضل ملكنا بـ الصدق."

وفيما كانت السكينة تلف غرفتهما، والشمس تغرب تماماً لـ يحل ظلام الليل الهادئ على نجع الراوي، انشق هذا السلام فجأة بـ نذير شؤمٍ جديد زلزل أركان السرايا بـ فاجعة ومفاجأة لم تكن في الحسبان واصل.

تعالت في ردهات السرايا الخارجية أصوات جلبة عنيفة، وصرخات حادة من حريم النجع، تلتها خطوات متسارعة مضطربة لـ سليم وهو يصعد الدرج الحجري بـ رعبٍ لم يعهده فيه قاسم من قبل. ابتعد قاسم عن ليلى بـ حذر، واسترد سلاحه وخنجره وعادت عيناه تلمعان بـ الضوء الذهبي الحاد، بينما انقبض قلب ليلى بـ رعبٍ تخاطري أخبرها أن العاصفة لم تنتهِ، وأن هناك أفعى جديدة قد ولجت العرين.

انفتح باب الجناح بـ قوة، ووقف سليم على العتبة، وجهه شاحب كـ الرماد، وأنفاسه متلاحقة بـ لوعة الفاجعة، ونظر إلى قاسم وليلى وقال بـ صوتٍ مخنوق يهتز بـ الصدمة:

ـ "يا سلطان.. يا ليلى! الحقونا.. المصيبة حلت بالدار! فوزية مكنتش جاية بـ ورقها لـ وحيدها.. فوزية كانت بـ تسهل دخول "الجهة" التالتة! فيه حرمة من كبار البندر، واصلة دلوك بـ عربيات السلاح ورجال النفوذ.. الست "ميرال السيوفي"، ابنة عم قاسم القديمة اللي هربت من سنين لـ مصر وورثت عقود المنظمة بالكامل! وجاية ومعاها صك رسمي بـ زواج قديم من قاسم ومختوم من المديرية الملكية، وع تقول إن النصف الشرعي من السرايا والأرض ملكها هي، وإنها جاية تاخد حقها وحبيبها قاسم بـ قوة القانون والغريب!"

وقع الخبر كـ الصاعقة المدمرة التي نسفت لحظة الحميمية في الغرفة. تجمدت ليلى في مكانها، وشعرت بـ نارٍ حارقة تشق صدرها، نار الغيرة الصعيدية العنيفة الطاغية التي ولدت في قلبها بـ مجرد سماع اسم "ميرال" وتلك الروابط القديمة التي ظنت أنها ماتت مع تاريخ السيوفي. التفتت ليلى نحو قاسم بـ نظرة حادة كـ السكين، وعيناها الواسعتان تلمعان بـ شرارات الغضب والغيرة والنقمة، بينما وقف قاسم مذهولاً من هذا الظهور المفاجئ لـ طرفٍ تالت يهدد عرينه وحبه بـ سلاحٍ جديد ومؤامرة تخلط الأوراق بـ دم الخيانة من جديد. انقضى الفصل على نذر حربٍ جديدة، حيث ظهرت الأفعى الكبرى لـ تثير غيرة الوردة وتتحدى سلطان العرين في عقر داره!

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • وردة في عرين السلطان   نذر الزحف الغادر

    غابتْ شمسُ العصرِ خلفَ سنامِ الجبلِ الشرقيِّ الوعرِ، تاركةً وراءَها شفقاً مدمىً بـ الحمرةِ النحاسيةِ الساخنةِ، صبغَ جدرانَ سرايا آل الراوي بـ ظلالٍ من الوجلِ والترقبِ الخانقِ. كان النجعُ يعيشُ في تلك الساعاتِ على صفيحٍ ساخنٍ؛ فالهمساتُ تنخرُ في بيوتِ الطينِ عن صكوكِ ميرال السيوفي ووعودها المسمومةِ التي شقتْ صفوفَ الكبارِ. هواءُ المساءِ القادمِ من صوبِ النيلِ كان يحملُ برودةً مريبةً، غسلتْ عتباتِ السرايا الحجرية العتيقةِ بـ رائحةِ الغبارِ الرطبِ ونبتِ الحلفاءِ، ممتزجةً بـ فحيحِ مؤامرةٍ قذرةٍ كانت تُطبخُ على نارٍ هادئةٍ في دهاليزِ النفوذِ وراءَ البحارِ وفي غرفِ البندرِ المظلمةِ.في "غرفةِ المراقبةِ والاتصالِ السريةِ" القابعةِ في أحشاءِ السرايا السفليةِ، حيثُ تلتقي جدرانُ الحجرِ الصوانيِّ الأسودِ بـ التكنولوجيا الحديثةِ، كان "سليم الراوي" يقف كـ نمرٍ محبوسٍ في عرينهِ. كان يرتدي جلبابه الداكنَ المنبثقَ من سوادِ الليلِ، وعباءتهُ الشتوية الثقيلة تنسدلُ فوق كتفيهِ العريضينِ، متأهباً بـ سلاحهِ الشخصيِّ المحشوِ بـ الذخيرةِ الحيةِ. كانت الأجهزةُ اللاسلكيةُ المشفرةُ تومضُ بـ أضواءٍ حم

  • وردة في عرين السلطان   أسرار الوجار

    تسللتْ ليلى من الممرات الخلفية للسرايا كأنها طيفٌ من أطياف الجبل، تفرّ من ضجيج الفتنة الذي ملأ الباحة الخارجية بعد أن عاثت فيه ميرال السيوفي بوعودها المسمومة وصكوكها القانونية. كانت جدران السرايا الحجرية السميكة تبدو في هذا المساء كأنها تئن تحت وطأة المؤامرات التي تحاك في الظلام، بينما انقبض صدر ليلى بنيران غيرةٍ صعيدية عاتية كادت تفتت ضلوعها، ممتزجةً بتوجسٍ عميق على عرينها وزوجها. تلمست نصل الخنجر الصعيدي المستقر في حزامها بحركةٍ آلية، ونهبت الأرض بخطواتٍ رشيقـة ملوكية، متجهةً نحو القبو السفلي حيث يقع "وجار الحاجة نبيلة".عند عتبة الوجار، تلاشت أصوات النجع ليحل محلها سكونٌ مهيب تفوح في أرجائه رائحة حطب الطلح المحترق، ورائحة البخور الجاوي العتيق، وعبق القهوة البكر التي تغلي على مهلٍ فوق رماد الموقد الطيني. كان المكان يغرق في ظلالٍ برتقالية دافئة تعكسها ألسنة اللهب المرتجفة، وفي وسط هذا الركن الذي يختزل تاريخ آل الراوي بأكمله، كانت "الحاجة نبيلة" تجلس بوقارها الملكي كأنها حارسة الزمان. عباءتها السوداء الفضفاضة تنسدل حول جسدها النحيل، ويداها المجعدتان اللتان عاصرتا عهود الدم والتا

  • وردة في عرين السلطان   فحيح المؤامرة في ليل العرين

    في الجانب الشرقي القاصي من سرايا آل الراوي، حيث تقف "المضيفة القديمة" شامخةً بجدرانها المبنية من الطوب اللبن العتيق والحجر الصواني الأسود، كانت العتمة قد ضربت سياجها المحكم فوق الأرجاء، ليحل محل صخب النهار سكون مريب يقطر بمؤامرات الليل وخيانة الداخل. كانت الأجواء داخل المضيفة الفسيحة مشحونة بضباب كثيف من تبغ السجائر البندرية الفاخرة، وممتزجة برائحة القهوة المرة المغلية على مهل فوق جمر الموقد النحاسي. أنوار المصابيح الزيتية المتدلية من السقف الخشبي كانت ترتجف مع كل هبة ريح باردة تتسلل عبر النوافذ المقوسة، ملقيةً بظلال مشوهة طويلة للأجساد الجالسة بالداخل، كأنها أشباح تحيك كفن النجع في الخفاء.في صدر القاعة المفرشة بالسجاد العجمي الداكن، كانت "ميرال السيوفي" تجلس كحية رقطاء تنفث سمها بدم بارد. كانت ترتدي ثوباً مخملياً أسود يبرز قوامها الممشوق الطاغي، وتضع فوق كتفيها فرواً ناعماً ينم عن ثراء البندر ونفوذه، بينما كانت عيناها الخضراوان تلمعان ببريق الجشع والتملّك الطاغي وهي تقلب بين أصابعها المطلية باللون القرمزي صكوك الملكية وأوراق النيابة الملكية. وبجانبها كانت تجلس "فوزية" واجمة، ع

  • وردة في عرين السلطان   صكوك الماضي الأسود تفترس حاضر السلطان

    تلبدتْ سماءُ نجع الراوي بسحبٍ خريفيةٍ داكنةٍ، حجبتْ خيوطَ الشمس الآفلة ولفتْ السرايا الكبيرة برداءٍ من الغموض والتوجس، كأنَّ جدران الصوان العتيقة كانت تشعر بالزلزال الذي يوشك أن يضرب أركانها. داخل "الديوان الكبير"، كان الصمت خبراً عاتياً يربض فوق صدور الحاضرين؛ كبار العائلات وعمد القرى جلسوا على مقاعدهم الخشبية المحفورة بختم الأجداد، والوجوه التي غسلها الفخر بنصر البارحة عادت لتتوشح بالوجوم والحيرة. اختلطت رائحة التبغ الصعيدي المعتق بزفرات الصدور القلقة، وبدا بخور الجاوي المتصاعد من المباخر النحاسية كأنه دخان معركة جديدة لا تُدار بالبنادق، بل بالعهود المسمومة وكيد المدائن.في وسط هذه الأجواء المشحونة، كانت "ميرال السيوفي" تقف في بقعة الضوء الضعيفة المنبعثة من الثريا الكريستالية العتيقة. دخلت السرايا كإعصارٍ مغلف بالحرير والعطور الباريسية؛ قامتها الممشوقة الطاغية وشياكتها العالمية أحدثتا هرجاً ومرجاً لم يشهده النجع من قبل، وعيناها الخضراوان اللامعتان كأفاعي العشب كانت تشعان بثقةٍ مطلقة، ثقةِ من يملك الأرض ومن عليها بقوة صاغتها عقول غامضة وراء البحار.أمامها، وقف قاسم الراوي ك

  • وردة في عرين السلطان   الغريبة والعهد القديم

    غصَّ "الديوان الكبير" بسرايا آل الراوي بكبار النجع وعمد العائلات الصعيدية الأصيلة، الذين تقاطروا على السرايا بوجوهٍ واجمة وعيونٍ يملؤها الترقب والقلق بعد أن جرى خبر عودة فوزية ومطالبتها بـ "حقوقها القديمة" مجرى النار في الهشيم. كان الهواء داخل القاعة الفسيحة ثقيلاً، مشحوناً برائحة التبغ الصعيدي العتيق الممتزج بعبير بخور الجاوي الذي يتصاعد من المباخر النحاسية، ملقياً بظلاله ووشوشاته على الجدران الصخرية السميكة التي شهدت أحكام الدم والتار عبر العقود. جلس الشيوخ والحكماء على مقاعدهم الخشبية العتيقة المحفورة بختم الأجداد، والهمسات بداخلهم لا تنقطع عن تلك "العاصفة الجديدة" التي دبت في العرين بعد ساعاتٍ قليلة من تطهيره من دنس المحامي وجابر.في صدر القاعة، وقف قاسم الراوي كعادته كـ الطود الراسخ، قامته الطاغية تفرض مهابةً سلطانية تسري في نفوس الحاضرين دون حاجةٍ للحركة. كان يرتدي جلبابه الأسود الفاخر، وعباءته المقصبة بخيوط الفضة تنسدل على كتفيه العريضين، بينما كانت عيناه الصقريتان تلمعان بذلك الضوء الذهبي الخافت، النبض السري المتوارث الذي ناله من البُعد الآخر، والذي كان يمنحه قدرةً على ق

  • وردة في عرين السلطان   خلخال المدائن

    تبدّلت ألوانُ المغارب فوق نجع الراوي، لتترك السماءَ مشحونةً بـ ضبابٍ رماديٍّ ثقيل امتزج بـ أنوار الفجر الجديدة، كأنَّ الأيامَ ترفضُ أن تمنحَ السرايا الكبيرة هدنةً حقيقيةً بعد ليلة الحساب الطاحنة. لم تكن أنفاسُ أهل النجع قد استقرت بعدُ في صدورهم عقبَ سقوط المحامي وجابر وتطهير العرين، حتى انشق سكونُ الباحة الخارجية عن جلبةٍ غيرِ معهودة. صريرُ البوابة الحديدية الضخمة لـ سرايا آل الراوي، تلك البوابة التي نُقشت عليها صراعاتُ العقود وخُتمت بـ دماء المخلصين، انفتح بـ قوةٍ ووقارٍ مفاجئ، محدثاً دويّاً صدى في أرجاء الجدران الصخرية السميكة.من قلب الظلال، ولجت سيارةٌ سوداء فارهة لم يألفها طينُ النجع الوعر، لتتوقف في وسط الساحة الرحبة. انفتح الباب بـ بطء، لـ تخطو إلى الأرض قدمٌ تزن خطواتُها هيبةً وتمدناً مختلفاً تماماً عن خشونة الجبل. كانت "فوزية".. ابنةُ عم قاسم التي غادرت الديار منذ سنين طويلة مع أبوها مهاجرةً صوب "مصر" (القاهرة)، حيث ذابت في كنف الحياة العصرية وانقطعت أخبارها خلف جدران البندر الصاخبة.دخلت فوزية بـ كامل قامتها الممشوقة، كأنها طيفٌ من زمنٍ آخر؛ جمالُها الصعيدي الأصيل

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status