تسجيل الدخولتوقفت حوافر الجواد الأسود بعنف عند بوابة السرايا الخارجية، ليثير الغبار حول الأقدام كأنه بقايا العاصفة التي لم تنتهِ بعد. قاسم كان ما يزال ممسكاً بخصر "ليلى" بيدٍ حديدية، جسده الضخم يحيط بها كدرع من صخر، وأنفاسه المتلاحقة الحارة تضرب عنقها، يفوح منه ريح البارود والتبغ والدم الحار النازف من جروحه.
أما ليلى، فكانت تستند بكامل جسدها على صدره العريض، وشال السلطان الأسود الثقيل يلتف حولها كأنه طوق الأمان الوحيد في هذا العالم المليء بالغدر.
لكن ركوض "فرحة" ونحيبها الهستيري عند البوابة، وتلك الرسالة المهترئة الملطخة بالدم في يدها، جعل الأنفاس تتجمد في الصدور مجدداً. تلاقت أعين التوأمين؛ فرحة بعينيها الذابلتين المنكسرتين بدموع الندم، وليلى بعينيها الواسعتين اللتين غسلتهما دموع الخوف على سلطانها.
ـ "صندوق أسود؟! وسر يخص ليلى بـ ذاتها؟!" خرج صوت قاسم رخيمًا، عميقًا، يحمل نبرة وعيد هزت أركان الباحة. انتزع الرسالة من يد فرحة بعنف، وعيناه الصقريتان تلتهمان الكلمات المكتوبة بحبر باهت خطته يد الخادمة المقتولة قبل أن يدركها الموت.
كانت الكلمات تقول: «يا ست ليلى.. الحاج منصور وعثمان دفنوا الصندوق الأسود تحت بلاط المندرة الجوانية في السرايا القديمة.. الكبير ساب جواته سر لو انعرف، نجع الراوي كله ع يتقلب، ورق ع يثبت إن البديلة مش دية واصل.. البديلة وراها...» وانقطعت الكلمات بقعة دم داكنة أكلت بقية السطور.
تصلبت ملامح قاسم الحادة كالسيف، وعادت عروق جبهته ورقبته تبرز كحبال مشتعلة. التفت نحو حراسه الثقات وزعق بزئير جريح كاد يمزق الجدران:
ـ "يا هوارة!! السلاح!! النجع كله يفضل قايد، وماريدش عين تنام الليلة! موكب السلطان ع يتحرك للحال للسرايا القديمة.. السر ده ع يتنبش من تحت الأرض وع ندفنه في ليلته!"
تحرك قاسم بكامل ضخامته نحو ليلى، حاصرها بجسده العريض أمام فرحة والخدم، ونظر في عينيها بغيرة تملك جنونية، غيرة شرسة بدأت تنهش جوفه بمجرد أن شعر أن هناك سراً قد يحاول انتزاع وردته من عرينه. همس لها بفحيح حارق لفح وجهها:
ـ "إنتي مش ع تتحركي من اهنه يا ليلى.. مكانك جوة الأوضة الجوانية في السرايا الكبيرة، تحت حراسة مية راجل من رجالي الثقات. ماريدش رجلك تخطي عتبة الدار واصل لحد ما أرجعلك وخبر السر ده بيدي!"
رفعت ليلى رأسها بعناد رقيق، وتلاقت نظراتها بنظراته بـ بريق لا يلين. وضعت كفيها الصغيرين فوق موضع قلبه الثائر على صدره العاري المليء بالجروح، وقالت بنبرة تفيض بالرومانسية والتحدي الصعيدي الأصيل:
ـ "لاء يا سلطان الجبل.. ليلى مش ع تقعد في الأوضة تتفرج على موتك أو تستنى المكتوب وسط الحريم! الصندوق ده فيه سر يخص عيلتي ويخصني أنا بـ ذاتي، وإذا كنت إنت قولت قدام النجع كله إني سلطانتك بعهد العشق والحق، يبقى مكاني جمبك.. يدنا في يد بعض في النور وفي الجحيم!"
نظر قاسم في أعماق عينيها، ورأى فيهما قوة الوردة التي ترفض الانكسار، الوردة التي روضت الجبل بعشقها الصامد. تنهد بصوت عميق خرج من جوف صدره، وضغط على كفها برفق حاسم:
ـ "عتمشي معايا يا سلطانة قلبي.. بس افتكري زين، لو حصل أي غدر أو لمح لمح خيالك واصل، ع تكوني ورا ظهري.. وظهري مابينكسرش طول ما أنفاسك ع تحميني."
تحرك الموكب تحت جنح الظلام الحالك نحو "السرايا القديمة".. ذلك البناء المهجور المتآكل الذي شهد نفي ومقتل الحاجة نبيلة، والذي تنبعث من زواياه وحشة مرعبة وروائح خيانات عتيقة.
دخل قاسم والمندرة الكبيرة غارقة في عتمة دامسة، يرافقه عشرة من أشرس رجاله المسلحين بالبنادق الآلية، وتقدمت ليلى بجانبه وهي تشعر بـ انقباض غريب في صدرها، كأن جدران المكان تحذرها من القادم. بدأت الفؤوس والمعاول تضرب أرضية المندرة الترابية بقوة وعنف، وصداها كان يتردد في أركان السرايا المهجورة كأنه عد تنازلي لكارثة جديدة.
بعد نصف ساعة من الحفر المضني وسط تراب القبور، ارتطمت حافة الفأس بجسم معدني صلب. انحنى الحراس بسرعة، ونبشوا التراب بـ أيديهم ليسحبوا من جوف الأرض صندوقاً حديدياً أسود غريب الشكل، محفوراً على غطائه شعار "الذئب" الفضي.. الشعار السري لـ الكبير وتجارة السلاح المحرمة.
تقدم قاسم، وبضربة قوية من مقبض مسدسه الثقيل، كسر القفل الحديدي القديم. انفتح الغطاء ليصدر صريراً مزعجاً حبس أنفاس الجميع. ظهرت بداخل الصندوق حزمة من الأوراق المغلفة بجلد الغزال العتيق، وتحتها "عقد ملكية" يحمل أختاماً رسمية قديمة، وفوقهم رسالة خطتها يد "أبو المجد" بدم جاف قبل اختفائه الطويل من عشر سنوات.
امتدت يد قاسم الضخمة وسحبت الرسالة والأوراق. بدأ يقرأ الأسطر تحت ضوء كشافات الحراس الخافت، وفجأة.. تجمدت الدماء في عروقه، وتحول وجهه الحاد إلى قناع من الحجر الشاحب المرعب. عيناه الصقريتان اتسعتا بذهول وصدمة بدت أعنف من صدمة مقتل والدته.
ـ "في إيه يا قاسم؟! انطق قولي مكتوب إيه واصل؟! ليه ملامحك ع تقول إنك شفت شيطان؟!" صرخت ليلى وهي تتشبث بذراعه بقوة من فرط الرعب.
التفت قاسم إليها ببطء، ونظر في عينيها بنظرة غامضة.. نظرة امتزج فيها الوجع الهائل بـ تملك جنوني شرس تضاعف في ثوانٍ. قبض على الأوراق بقوة كادت تمزقها، وهمس بفحيح مرعب زلزل كيانها وعصف بكل ما تؤمن به:
ـ "السر المكتوب اهنه ع يقلي إن الحرب دي كلها كانت كدبة يا ليلى.. 'أبو المجد' ومنصور الراوي وعثمان ماكنوش شغالين في تجارة السلاح وبس.. العقود دي ع تقول إن الأرض اللي قايد عليها نجع الراوي كله، والأرض اللي مبني عليها قصرنا وسرايتنا والبيوت والزرع.. مش مِلك عيلتي واصل! الأرض دي مِلك لـ أمك إنتي يا ليلى! مِلك عيلة أبو المجد بالحق والشرع والورث من خمسين سنة!"
اتسعت عينا ليلى بذهول مطلق، وشعرت برعشة تسري في أوصالها:
ـ "كيف كدة؟! يعني.. يعني إحنا مش دية؟!"
تابع قاسم بصوت أجش ملأه الغل والذهول الصاعق:
ـ "أبويا منصور وعمك عثمان زوروا العقود دي وسرقوا الأرض من أمك بعد ما ماتت، وكتبوا النجع كله باسم عيلة الراوي! ولما أبو المجد عرف الحقيقة من عشر سنين، قرر يختفي ويعمل لعبة الموت عشان يدير الحرب من الخفاء ويسترد أرضه بدمنا! إنتي ماجيتيش اهنه دية لحقن دم عيلتك يا ليلى.. إنتي جيتي تاخدي ورثك وأرضك اللي سرقوها من أمك! السرايا دي كلها.. مِلكك إنتي يا سلطانة الجبل!"
هوت الكلمات كالصاعقة فوق رأس ليلى، وساد المندرة صمت رهيب لم يقطعه سوى أنفاس الحراس المتلاحمة بـ فزع. نظرت ليلى إلى قاسم، لتجده يتراجع خطوة إلى الوراء وعيناه تدوران بوجع وكبرياء جريح.. كبرياء سلطان يشعر بأن عرشه يتهاوى تحت قدميه، وأن هيبته الصعيدية أصبحت في يد المرأة التي يعشقها، وأن عائلته كانت عائلة من اللصوص.
سحب قاسم "عقد الملكية" الأصلي، ووضعه في يد ليلى ببطء، وقال بنبرة متهدجة خرجت بصعوبة من بين أسنانة:
ـ "يعني النهار ده.. إنتي صاحبة الدار، وأنا اللي وافق في أرضك يا بنت أبو المجد. لو عوزة تاخدي أرضك وسرايتك وتطردي عيلة الراوي اللي ظلموكم سنين.. فالحق معاكي، والجبل الليلة ع ينحني ليكي بالكامل واصل!"
نظرت ليلى إلى العقد في يدها، ثم نظرت إلى وجه قاسم.. وجه الرجل الذي رمى نفسه أمام الرصاص لحمايتها، الرجل الذي حرق الجبل لإنقاذها من الأسر، والذي ينبض قلبها بعشقه الحارق. شعرت بغضب عارم من ألاعيب الموتى التي تحاول تفرقة الأحياء وتدمير حبهما حتى بعد رحيلهم.
وبحركة سريعة وحاسمة، وبكيرياء صعيدي أذهل قاسم ورجاله، قامت ليلى بتمزيق عقد الملكية القديم إلى أشلاء صغيرة، وألقتها في الهواء لتتطاير كأوراق الخريف وسط تراب المندرة القديمة!
ـ "ليلى!! عتعملي إيه يا مجنونة؟!" صرخ قاسم بذهول وصدمة زلزلت كيانه وهو يقبض على يدها.
تقدمت ليلى خطوة نحو الحصار، وحاصرت جسده الفارع بعينين تشتعلان بنور العشق والتحدي الأعمى، وقالت بصوت قوي جهوري تردد صداه في أركان السرايا القديمة:
ـ "الأرض دي ماليش عازة فيها لو ماكنتش إنت سلطانها يا قاسم! أنا مايهمنيش ورق ولا عقود كتبوها مجرمين وخونة عشان يقتلوا بعضهم! أنا جيت اهنه دية لدم عيلتي، وبقيت مرتك وسلطانتك بعهد العشق اللي انكتب بالدم والنار في بطن الجبل! السرايا دارك، والنجع نجعك، وأنا ماليش مِلك ولا ورث في الدنيا دي كلها غير قلبك إنت وبس! خابرة إياك يا سلطان الجبل؟!"
تصلب جسد قاسم بالكامل عند سماع كلماتها الأسطورية. سكت لثانية واحدة، وعيونه بدأت تروح وتيجي على ملامح وجهها بذهول ممزوج ببركان من العاطفة الجارفة التي ولدت وتفجرت في هذه اللحظة بالذات. كلماتها أزاحت كل كبرياء جريح، ورفعت عرش حبهما فوق كل قوانين الصعيد البالية.
وبحركة طاغية ومجنونة، سحبها قاسم لـ حضنه بقوة هائلة كادت تحطم أضلعها، ورفعها عن الأرض وهو يضمها بكامل جوارحه وأنفاسه الحارة تلفح وجهها. كانت ضمة تملك حاسمة، ضمة امتزج فيها كبرياء السلطان بنوع من العشق الإلهي الحارق الذي لا يعرف الحدود. همس في ودنها بصوت رخيم اهتزت له جدران روهر:
ـ "إنتي بقيتي سلطانة الجبل والقلب والعمر كله يا ليلى واصل! والنهار ده، مفيش قوة فوق الأرض عتقدر تفرق بيننا.. عيلتنا ماتت، والورق اتمزق، ومبقاش فيه في النجع ده كله غير عهدنا إحنا وبس!"
ولكن، بينما كان العشق يتوج وسط رماد الأسرار، كانت هناك "أعين" تترصد الموكب من بين شقوق جدران السرايا القديمة المتآكلة. لم يكن النجع قد نضف بالكامل بعد؛ فـ بموت عثمان ومنصور وأبو المجد، ظن قاسم أن الرؤوس الكبيرة قد قُطعت، لكنه نسي "ذئاب الظل".. بقايا مطاريد الجبل الشرقي الذين كانوا يقتاتون على دماء هذه الحرب طوال ثلاثين سنة!
من وراء النافذة المحطمة، كان يقف رجل ملثم، ضخم الجثة، ذو عين واحدة مشوهة يقطر منها الغل والشر. كان يُدعى "حمدان الهواري".. ابن عم أدهم الهواري، والرجل الذي ورث السلاح والمغارات السرية بعد مقتل أدهم. كان يمسك في يده بندقية آلية حديثة، ونظر إلى قاسم وليلى بنظرة حاقدة وهمس بفحيح مقزز:
ـ "افرح بـ البديلة يا ولد الراوي.. وافرحوا بالورق اللي اتمزق. ما خابرينش إن 'الكبير' قبل ما يموت، ساب لنا مخزن المتفجرات الجواني تحت السرايا القديمة دي واصل! الليلة ع تكون زفتكم نار تحرق النجع بلي فيه، وع ناخد الوريثة الحقيقية للجبل عشان نكسر هيبتك ليوم الدين!"
تحرك حمدان بسرعة الأشباح نحو السرداب السفلي للسرايا القديمة، وبدأ رجاله الملثمون في صب براميل البنزين وتوصيل فتايل الديناميت القديمة بدم بارد، مستغلين انشغال قاسم بـ ليلى وعاطفتهما المشتعلة.
في الأعلى، شعر قاسم بـ انقباض مفاجئ وعنيف في صدره، كأن حاسة "السلطان" السادسة تحذره من خطر تحت الأرض. التفت فجأة نحو رجاله وزعق بصوت حاسم:
ـ "خدوا الست ليلى واطلعوا بره السرايا واصل!! فيه ريحة غدر ع تشمها أنفي في المكان!"
وقبل أن تخطو ليلى خطوة واحدة، دوت صرخة رعب قوية من الممر السفلي، متبوعة بـ صوت انفجار عنيف وضخم هز أركان السرايا القديمة بالكامل! تحطمت جدران المندرة، وتطايرت الصخور والحجارة كالمطر الأسود، واندلعت النيران في ثوانٍ معدودة لـ تقطع مخرج السرايا الرئيسي وتضرب حصاراً من نار حول قاسم وليلى ورجالهما!
ظهر حمدان الهواري ومعه خمسة من رجاله الملثمين من جوف السرداب، وهم يطلقون الرصاص بغزارة وعشوائية، وصوت ضحكاته الخبيثة شق عنان السماء:
ـ "وقع السلطان في الفخ!! السرايا القديمة ع تكون قبرك وقبر مرتك الليلة يا قاسم!! الجبل مابقاش ملكك واصل!!"
انتفض قاسم كالملسوع، وسحب سلاحه بلمحة بصر. تحول وجهه الدافئ إلى قناع من الحجر الصلد، وقذف بـ ليلى خلف العمود الرخامي الضخم لحمايتها من الرصاص المتطاير، وزعق بزئير زلزل كيان المكان:
ـ "يا هوارة!! السلاح!! الغدر جِه من تحت الأرض!! حمدان الكلب جِه يكتب شهادة وفاته بيده الليلة، وأنا ع أدفنه اهنه في جوف الجبل!!"
اندلعت معركة طاحنة، رصاص قاسم ورجاله اشتبك مع المطاريد وسط النيران المستعرة والدخان الخانق الذي بدأ يملأ الرئتين، بينما كانت ليلى تمسك بـ خنجر قاسم الصغير وتستعد لـ مواجهة لا ترحم.. فـ الصراعات لم تنتهِ واصل، والمؤامرة الكبرى بدأت فصولها الأكثر دموية وحبساً للأنفاس من بطن السرايا القديمة!
تلاقت فيالق العتمة الماورائية ببارود الرجال عند عتبات "سرايا آل الراوي" الشامخة، لتتحول الساحات الفسيحة والممرات الرخامية العتيقة في غضون ثوانٍ معدودات إلى مرجلٍ لاهثٍ يقذف بالحمم والدم المحرّم. كان الضباب الأزرق الفسفوري الكثيف يغلي كالبحر الهائج، وتقاذفته لفحات الصقيع الشاتي القاسية التي زادت الأجواء برودةً لا ترحم، بينما كانت الجدران الحجرية العتيقة تنقبض وتنبض بنقوشها الفرعونية المشعة، كأنها حصنٌ يتمزق بين تاريخه الملعون وبين جبروت سلالة العرين التي رفضت الانحناء لغير خالقها.في قلب هذه الملحمة العاصفة، كان سلطان الجبل قاسم الراوي يقف ببنيته الفولاذية العريضة وطوله الفارع، كالصخرة العتية التي تتكسر عليها أمواج المنون. كان الصراع النفسي يطحن جوفه الصارم؛ فالأرض التي يطأها بجرأة وكبرياء رجل صعيدي ممتلئ بالشهامة تتهادم من تحته، والحيطان التي ورثها عن جده منصور بدأت تتنفس برائحة الملوك السبعة وأنفاس جيوشهم القادمة من أقصى الحدود المترامية للجبل الغربي. لكن جمر الغضب المكتوم في عينيه الذئبيتين الحادتين لم يكن وليد الخوف، بل كان وقوداً لشغف تملكي شرس لا يرحم؛ شغفٌ بحماية سلطانة كو
زلزلت النبوءة الصاعقة أركان الوعي، فمادت الأرض تحت الأقدام الفولاذية لـ "سرايا آل الراوي"، وتحوّل ذلك الحصن المنيع الممتد عبر العصور إلى فخّ ماورائيّ لاهث، يبتلع خلف أبوابه الموصدة كبرياء السنين ويقين الرجال. لم يكن الضباب الأزرق الفسفوري الكثيف الذي يلف الممرات الرخامية مجرد طاقة عابرة، بل غدا كائناً حياً ينبض بأنفاس الملوك السبعة، يتغلغل في مسام الجدران الحجرية العتيقة ليعيد صياغة تاريخ النجع بمدادٍ من العتمة والدم المحرّم. تحجّر الحراس الأشداء في الساحات الفسيحة كأشجارٍ ميتة لوّثها الخوف، واستحالت زغاريد نسوة النجع التي ظلّت تتردد لساعات طوال إلى أصداء جنائزية مرعبة، تطحن القلوب وتعلن بطلان الأمان العائد.عند عتبة المندرة الكبرى، حيث كانت الشموع النحاسية الكبيرة ترتعش بلهيبٍ باهت تقاذفته عواصف الغيب، كان سلطان الجبل قاسم الراوي يقف بطوله الفارع وبنيته الفولاذية العريضة في مواجهة الكيان العملاق. كان الصراع النفسي يمزق جوفه برغبة تملكية شرسة وعاطفة جياشة جرت في عروقه كالحمم البركانية التي تهد الجبال؛ لأول مرة في تاريخه الحافل بالمعارك والكمائن الدولية على تخوم الجبل الشرقي، يشع
تجمّدت الأنفاس في الصدور الواجفة كأنها شظايا من صقيع كانون، واستحالت الساحات الفسيحة لـ "سرايا آل الراوي"—التي طالما كانت رمزاً للعز الصعيدي والمنعة والسطوة—إلى مسرحٍ لاهث لملحمةٍ ماورائية حابسة للأنفاس أطاحت بكل الثوابت والتحصينات في كسر من الثانية. كان الضباب الأزرق الفسفوري الكثيف يلتف حول الأعمدة الرخامية الشامخة والدروب الحجرية كأفعى لزجة انبعثت من جوف الجبل الغربي المنسي، لتبث سموم العتمة في عروق الحراس الأشداء؛ الذين وقفوا شاخصين كالتماثيل الحجرية المتحجرة، وعيونهم تقدح بذات البريق الشيطاني البارد الذي أعلن بطلان النصر المؤقت وسقوط الأمان العائد.عند عتبة السرداب السري المؤدي إلى الممرات العلوية الشاسعة، كان سلطان الجبل قاسم الراوي يقف بجسده الفولاذي وبنيته الطاغية العريضة كالجبل الأشم الذي تضربه العواصف فلا ينحني. كان الصراع النفسي يمزق أحشاءه برغبة تملكية شرسة ولوعة دفينة تكاد تصهر الحديد في صدره؛ لم يعد العدو أفاعي دولية أو مكائد من البندر يمكن تصفيتها بالبارود والدم، بل كان ينظر إلى تاريخ عائلته وعرينه وهو يُستباح في عقر داره. في يده اليسرى، كان يضم طفله وولي عهده "من
مادت الأرض تحت الأقدام الفولاذية، واستحالت القاعة الصخرية العتيقة لباطن الجبل الغربي إلى مرجلٍ يغلي ببارود الرجال وسحر العتمة الماورائي المحرم. كانت الصرخة التي انطلقت من جوف ليلى تمزق سكون الهاوية كشفرة نصلٍ حامٍ، صرخةٌ لم تكن وليدة الرعب البشري العابر، بل كانت زلزالاً هز أركان وجدانها وهي ترى زوجها وسلطان قلبها، قاسم الراوي، يغوص بجسده الفولاذي الطاغي في تلك الفجوة السحيقة التي انشقت بغتة، ممسكاً بمعصمه ذلك الكيان الصخري الأسود المقصب بالنقوش الفرعونية القديمة، والذي كان يجذبه نحو القاع المجهول بعنفوانٍ لا يرحم كبرياء الأسد الجريح.لم تكن خطوط البارود التي أطلقها سليم ورجال النجع الأشداء من مدافعهم الرشاشة قادرة على اختراق ذلك السور المغناطيسي الأزرق الفسفوري الذي عاد ليتشكل حول الفجوة؛ كانت الشظايا الحجرية تتطاير كالمطر الفضي، والدخان الأبيض الكثيف ينفث في الأجواء ليمتزج برائحة الكبريت العتيق وبخور العود الذي كان عالقاً بثياب ليلى الغجرية المنسدلة في كبرياء. كان الصراع النفسي في تلك الأجزاء من الثانية يطحن القلوب طحناً؛ فقاسم، وهو يتأرجح بين باطن الأرض وظاهرها، كان عقله الصار
ارتجت أركان الهاوية الصخرية تحت وطأة الطلقة الفضية الجريئة، وامتزج دوي البارود الصعيدي الحامي بصرخات مكتومة، متهدجة ومرعبة، انطلقت من جوف الظلال السبعة التي تراجعت خطوتين إلى الوراء كأفاعٍ مباغتة أصابها السّم في مقتل. تحول الوميض الأزرق الفسفوري الذي كان يملأ الفضاء بحبس الأنفاس إلى شظايا ضوئية متناثرة تعكس الرعب الماورائي البارد على الجدران الحجرية العتيقة لباطن الجبل الغربي. كان الموقف قد تخطى حدود العقل الإنساني ليدخل في كسر من الثانية إلى عالم الملاحم الأزلية؛ حيث لا بقاء إلا لمن امتلك عقيدة صلبة وعشقاً جارفاً يهد الجبال ويصهر الحديد.في تلك اللحظة القاتلة الممتلئة بالصدمة والذهول الصاعق، لم يكن قاسم الراوي ينظر إلى الظلال المتهاوية بفعل طلقة الغدر، بل كان يلتفت بكامل جسده الفولاذي وبنيته الطاغية العريضة نحو مدخل السرداب المظلم. جحظت عيناه الذئبيتان الحادتان اللتان جابهتا الموت في كمائن الجبل الشرقي وتحدتا غدر الأفاعي الدولية، واحتَقن وجهه الأسمر الشامخ بمزيج معقد، عنيف وحارق من الشغف الجنوني والوجع النفسي الدفين. تيبست أصابعه فوق مقبض سلاحه الآلي وهو يرى سلطانة قلبه، وترياق
غاصت السرايا العتيقة لآل الراوي في لجة من جحيم صامت، جحيم لا تلتهم نيرانه الأجساد، بل تقتات على بقايا الروح واليقين. انقشع الأثر الماورائي للظلال السبعة، لكنه ترك خلفه عتمة داكنة ثقيلة، هبطت على أرجاء الجناح الملكي كوشاح من الرصاص. تلاشت أنوار الشموع الزرقاء لتترك الغرفة غارقة في رماد الرعب، ولم يعد يكسر جمود هذه العتمة الشاتية القاسية سوى صوت أنفاس ليلى المتحشرجة، المتقطعة كنزع أخير، بعد أن تحررت يد الغيب عن جسدها الرقيق وتركتها تسقط فوق الفراش الملكي الوثير كعصفور بلله المطر وعصف به الإعصار.تحرك قاسم الراوي داخل الجناح كالنمر الجريح الذي سُلبت منه أعز فرائسه. كان جسده الفولاذي وبنيته الطاغية يرتجفان ليس من الصقيع، بل من فوران الدم في عروقه برغبة تملكية شرسة وعاطفة جياشة تحولت بغتة إلى لوعة حارقة تفتت الصخر. الصراع النفسي الذي كان يمور في صدره بلغ ذروة لم يبلغها من قبل طوال تاريخه الحافل بالمعارك؛ هو سلطان الجبل، الرجل الذي لم تنحنِ قامته أمام كبار البندر ولم تهتز هيبته برصاص الكمائن الدولية، يقف الآن عاجزاً، ينظر إلى السرير الخشبي الفارغ الذي كان منذ قليل يضم ولي عهده ونسله ا
تزاحمت الظلال على جدران الغرفة "الجوانية" كأنها أشباح تتربص بالوافدة الجديدة. لم تكن الغرفة مهملة، بل كانت على قدر كبير من الفخامة الصعيدية؛ سرير ضخم من الخشب الزان المحفور بنقوش عتيقة، ومفروشات من الحرير القرمزي الذي بدا لليلى في عتمة الغرفة كأنه بحر من الدماء المتخثرة. فتحت الخادمة الباب ووقفت جا
السواد لم يكن مجرد لون اتشحت به نساء دار "أبو المجد"، بل كان كائناً حياً يتنفس في الزوايا، يمتص البقايا الأخيرة من ضوء الشمس المتسلل عبر النوافذ الخشبية العتيقة. في وسط المندرة الكبيرة، كانت "ليلى" تقف كتمثال من مرمر وسط عاصفة من النحيب والصرخات المكتومة. يداها الباردتان كانتا تختبئان داخل أكمام ثو
لم يكن الفجر الذي بزغ فوق قمم الجبل الشرقي فجراً عادياً يحمل تباشير الطمأنينة لأهل نجع الراوي؛ بل كان فجراً رمادياً تشبعت سماؤه بخيوط داكنة من أثر حريق السرايا القديمة الذي ظل يتصاعد منه الدخان كأنه أنفاس وحش يحتضر في جوف الصخور. نسيم الصباح البارد كان يلفح الوجوه، ممزوجاً برائحة احتراق أخشاب الأبن
أنفاسه الحارقة كانت تقيدها أكثر من قبضته الحديدية التي تعتصر معصمها. لم يكن قاسم الراوي مجرد زوج غاضب، كان إعصاراً من الكبرياء الجريح يوشك أن يقتلع الأخضر واليابس. نظراته التي كانت تتفرس في ملامحها بدأت تتغير، لم تعد ملامح "فرحة" هي ما يراه، بل بدأ يرى هذا التحدي الصامد في عيني "ليلى"، التحدي الذي







