Share

فتح الثغرة

last update Tanggal publikasi: 2026-06-11 06:00:00

في أعمق زوايا القبو القديم، حيث تتكاثف العتمة وتتلاشى أنفاس الأحياء ليحل محلها عبق الموت والزمن، وقف قاسم الراوي كأنه ماردٌ نُحت من صخور الجبل الشرقي. الغبار الكثيف المعلق في الهواء كان يتراقص في حزم الضوء الخافتة، ورائحة الرطوبة والعفن المنبعثة من الطوب اللبن الأسود كانت تزكم الأنوف، لكنها بالنسبة لقاسم كانت رائحة الأرض، رائحة الأجداد الذين شيدوا هذا العرين ليصمد في وجه العواصف.

تقدم قاسم بخطوات بطيئة وئيدة نحو الجدار القبلي، حيث كان يستقر تمثال الأجداد؛ ذلك التمثال الحجري الضخم الضارب في القدم، والمصنوع من البازلت الأسود الصلد، والذي يمثل الفارس الأول لعائلة الراوي وهو يقبض على لجام جواده بعزة وكبرياء صعيدي لا يلين. كانت عينا قاسم تلمعان بذلك الضوء الذهبي الخافت، تلك الهالة السرية التي ورثها من البعد الآخر، وكأنها كشّافٌ كوني يكشف ما خفي عن عيون البشر.

وقفت ليلى قريبة منه، تكاد تلتصق بظهره العريض، عباءتها السوداء المطرزة بخيوط القصب تتناغم مع حركاتها الرشيقة، وعيناها الواسعتان تفيضان بمزيج من الشغف الروماني والترقب المشوب بالحذر. خلفهما، عند بداية الدرج الحجري المؤدي للأعلى، كان سليم يقف ممسكاً بسلاحه الآلي، وعيناه تجولان في عتمة الممرات؛ فالحرب لم تعد في الجبل بل أصبحت تنخر في عظام السرايا من الداخل، وجماعة جابر والمحامي الخائن يتربصون بالدار.

وضع قاسم كفه العريضة الدافئة، التي تضاعفت قوتها بشكل إعجازي، على قاعدة التمثال البازلتي. مرر أصابعه الخشنة فوق الرموز والنقوش الغائرة التي تحكي قصة العهد القديم، وشعر بالحرارة تسري من جلده إلى الحجر الصامت، وكأن دماء الراوي الحرة تجري في عروق التمثال وتوقظه من سبات العقود.

التفت قاسم نحو ليلى، وجاء صوته عميقاً جهورياً يحمل بحة الوعيد والصلابة الصعيدية، وقال وهو يشير إلى عين الفارس المحفورة في الحجر:

ـ "بصي اهنه يا ليلى.. بصي بـ قلبك وعقلك اللي واجهوا مرايا الوهم. الأجداد ما سابوش التمثال ده لـ الزينة واصل، ولا عشان يتباهوا بـ طولهم. التمثال ده حارس، وتحت رجليه بـ يربض السر اللي ع يقطع رقبة كل خاين وكل كلب فكر إنه يملك السرايا بـ الغدر. هاتي يدك يا سلطانة قلبي، العهد اللي انكتب بـ دمائنا هو الخريطة وهو المفتاح."

مدت ليلى يدها النحيلة بلا تردد، وشبكت أصابعها بأصابعه القوية، ووضعا كفيهما معاً على الختم الملكي المنقوش في قاعدة التمثال. في تلك اللحظة الحرجة التي خطفت الأنفاس، ضغط قاسم بكل عصب جسده الشاهق، وحدث ما لم يتوقعه سليم؛ أصدر الحجر البازلتي صريراً حاداً ومفزعاً، واهتزت جدران القبو لتتساقط الأتربة وخيوط العنكبوت من السقف، وتحركت القاعدة الحجرية ببطء لترتد إلى الخلف، منفتحة عن مخبأ سري غائر في باطن الأرض لم تطأه قدم إنس من قبل.

في جوف هذا المخبأ السري، كان يستقر صندوق خشبي صغير مصنوع من خشب الأبنوس الثقيل، مطعم بصفائح الفضة الخالصة التي جنزرت بفعل الزمن، ويقفل عليه قفل حديدي عتيق يحمل ختم الراوي. التقطه قاسم بوقار ملكي ووضعه على طاولة خشبية متهالكة في وسط القبو، وبضربة واحدة خاطفة من نصل خنجره الصعيدي المسترد، حطم القفل لـ ينفتح الصندوق عن حزمة من الأوراق الصفراء العتيقة والمذكرات المكتوبة بخط اليد والمختومة بالشمع الأحمر الملكي.

انحنت ليلى فوق الطاولة، وأنفاسها المتلاحقة تداعب الأوراق الجافة، وعقلها التخاطري الجديد بدأ يقرأ الطاقة المنبعثة من النسيج؛ كانت طاقة مشبعة بالمؤامرات والدسائس القديمة التي حيكت في الغرف المظلمة. التقط قاسم الورقة الأولى، وبدأ يقرأ خط جده منصور، وتحولت ملامحه الحادة تدريجياً إلى جدار من الصوان لا يعرف الرحمة، ولمعت عيناه بالضوء الذهبي بقوة مرعبة.

كانت الأوراق والوثائق تحمل الحقيقة الصادمة التي غيرت مجرى تاريخ الصعيد؛ صكوك وتقارير سرية متبادلة بين عائلة "السيوفي" والمنظمة الدولية منذ عقود، تؤكد بالأدلة والتواريخ والأسماء أن آل السيوفي لم يكونوا يوماً أعداءً حقيقيين يملكون قضية أو ثأراً شريفاً، بل كانوا مجرد "أداة قذرة" ودمى تحركها أصابع المنظمة وجماعة جوليا في القاهرة وروما، بهدف واحد ومحدد: تدمير تراث عائلة الراوي، ومحو هويتهم، والاستيلاء على أراضيهم لتحويل النجع إلى ممر مشبوه لتجارة السلاح والآثار.

ـ "يا ل بوي على الغدر والمكر.." همست ليلى، وصوتها يرتجف بمرارة الانتصار والرومانسية الناضجة التي ولدت من رحم الصراع العنيف، وتابعت وهي تلمس يد قاسم: "يعني كل الدم اللي سال، وكل المؤامرات اللي عشناها، وتار أخوك خالد يا سليم.. كله كان ملعوبة! السيوفي كانوا بـ يقبضوا التمن من بره عشان يهدوا بيتنا، والمحامي وجابر بـ يكملوا نفس اللعبة دلوك."

سليم، الذي كان يحرس الدرج، تراجع خطوتين وعيناه تشتعلان بنار التار والغضب العسكري، واقترب من الطاولة ونظر إلى العقود المبرمة، وقال بصوت مخنوق مليء بالغليان:

ـ "وعزة جلال الله، الورق ده صك إعدامهم كلهم بـ القانون وبـ شرع الجبل يا سلطان. السيوفي باعوا عرض الصعيد لـ المنظمة، والمحامي وجابر ع يفتكروا إن فوزية بـ ورقها القديم بكرة ع تملك السرايا وتنفذ اللي عجز عنه السيوفي. إحنا كنا بـ نحارب أشباح، والعدو الحقيقي بـ يتحكم في الخيوط من ورا الستار."

وضع قاسم يده على كتف ليلى، وجذبها نحو صدره العريض في غمرة هذا التوتر الطاغين وضمتها ذراعه الفولاذية بعمق، ونظر إليها بنظرة تفيض بالعشق والوعيد الحاسم، وقال بصوته الجهوري المخيف الذي يسبق العواصف المدمرة:

ـ "اللعبة خلصت عاد يا ولد عمي.. ويا سلطانة قلبي. الورق ده مش مجرد سر، ده السيف اللي ع يقطع رقاب الخونة في النجع ولـ وحيدهم. بكرة الصبح، لما فوزية تدخل السرايا وتفتكر إنها ملكت الزمام بـ شياكة البندر والهرج والمرج، وجابر يمد يده لـ ورق الملكية الزايف لـ أجل ما يسلمه لـ جوليا.. ع نخرج ليهم من تحت الأرض كـ القضاء المستعجل. الدم ع يغسل السرايا بكرة، والتار ع يرجع لـ أصحابه بـ شموخ لا يعرف الانكسار واصل."

أغلق قاسم الصندوق الأسود وضمه إلى صدره، ومرر نظرة أخيرة على تمثال الأجداد الذي بدا وكأنه يبتسم في عتمة القبو بعد أن أدى أمانته. كانت الأجواء مشحونة بالمؤامرات والخطط المضادة، لكن التحالف الروحي والعسكري بين قاسم وليلى وسليم جعل من العائدين جيشاً لا يقهر. شبك أصابعه بأصابع ليلى مجدداً، وتحركوا جميعاً نحو الدرج الحجري بخطى ثابتة وسريعة، تاركين خلفهم ظلمة القبو ومتجهين نحو ديوان السرايا ليكتبوا بأيديهم الفصل الأخير من ملحمة الشرف والكرامة، مؤكدين لـ نجع الراوي وللكون كله أن العهد قد عاد لأصحابه، وأن الشوك الذي يحمي الوردة سيقطع كل يدٍ امتدت بالخيانة...

كان الصمتُ في القبو القديم أثقلَ من صخور الصوان التي تشيّد جدران السرايا، صمتٌ مخيف لا يقطعه سوى حفيف الأوراق الصفراء العتيقة بين أنامل ليلى النحيلة. نُشرت الوثائق والمذكرات المأخوذة من جوف صندوق الأبنوس فوق الطاولة الخشبية المتهالكة، وتحت خيوط الضوء الذهبي الخافت المنبعث من عيني قاسم ومن مسامات جلده، بدأت الحروف والخطوط المكتوبة بمداد الشمع الأحمر والتقريرات السرية تتكشف كأفاعٍ تخرج من جحورها.

ارتجفت أصابع ليلى وهي تقلب صكاً تلو الآخر، وبصيرة التخاطر الروحي التي نالتها من وادي المرايا جعلتها تقرأ ما بين السطور؛ لم تكن الكلمات مجرد حبر عتيق، بل كانت أنفاس غدرٍ قديم لآل السيوفي، ممتزجة بخطط المنظمة الدولية التي تديرها "جوليا" في الخفاء. كان قاسم يقف بجانبها، شاهقاً كالنخل، واضعاً يده الفولاذية الدافئة على كتفها ليثبت قدميها في الأرض، بينما ذراعه الأخرى تطوق خصرها برومانسية عنيفة ومشبعة بالوعيد، يستنشق عطرها الغجري الذي يمتزج بغبار الصوان والبارود المنبعث من الصندوق. وخلفهما، عند الدرج الحجري، كان سليم يقف كحارس العرين، يده تقبض على سلاحه الآلي وعيناه الصقريتان تشتعلان بنار التار التي لا تخبو واصل.

كلما توغلت ليلى في قراءة التقارير السرية المتبادلة بين السيوفي والمنظمة قبل عقود، وكلما طالعت أرقام الحسابات البنكية للمحامي الخائن وجابر، كانت عيناها الواسعتان تتسعان بذهول ومرارة تخترق نياط قلبها الصعيدي. لم تكن الصكوك تتحدث فقط عن حدود نجع الراوي، ولا عن أراضي الطين والمحاجر التي طمع فيها المحامي، بل كانت هناك بنودٌ سرية صاغتها عقول غريبة خلف البحار، عقول أرادت تحويل الصعيد إلى مجرد ممرٍ مشفر لتجارة السلاح الدولي، والآثار، ومسخ هوية العائلات الكبرى لتبتلعها شركات الاستثمار الوهمية.

تراجعت ليلى خطوة إلى الوراء، وأنفاسها المتلاحقة تصعد وتهبط في صدرها كأمواج بحر هائج، ورفعت عينيها نحو قاسم وسليم، وجاء صوتها عميقاً جهورياً، يحمل بحّة الشجن والأنباء الصاعقة التي زلزلت أركان القبو، وقالت بلهجة صعيدية تقطر كبرياءً ووعياً:

ـ "المؤامرة مش بس أراضي يا قاسم.. المؤامرة مش شوية طين ومحاجر ع يتخانق عليها المحامي وجابر لـ أجل المال والعقود! لاه.. وعزة جلال الله وعقد الأجداد، الموضوع أكبر من كديه بـ كتير. الورق ده بـ يقول إن المنظمة وجوليا والسيوفي من قبلهم، كانوا ع يخططوا لـ محو هوية الصعيد بـ الكامل! رادوا يهدوا السرايا، ويمحوا اسم الراوي، ويخلوا النجع من غير كرامة ولا أصل، لجل ما تضيع لغة العهد وتصبح الأرض دي ملك لـ شركاتهم ومشاريعهم المشبوهة اللي ما تعرفش شرف ولا تار. هما رادوا يمسخوا عقول ولادنا ويهدوا كبارنا عشان ميبقاش فيه صاحب للدار!"

تغيرت ملامح قاسم الحادة، وتحول وجهه الممشوق إلى جدار من الصوان الأسود، ولمعت حدقتاه بالضوء الذهبي الخافت بقوة مرعبة هزت أرجاء القبو. قبض على يد ليلى وشبك أصابعه بأصابعها، جاذباً إياها نحو صدره العريض ليلتصق جسدها به في غمرة هذا التوتر الطاغي، وتحدث بصوته الجهوري المخيف الذي يسبق العواصف المدمرة:

ـ "وعزة جندي ومنصور الراوي، ما ع يطولوا من أرضنا قشة واصل يا ليلى! المحامي وجابر بـ عقلهم الصغير افتكروا إنهم بـ يخدموا جوليا لـ أجل حفنة دولارات، وغفلوا إنهم بـ يبيعوا لحمهم وعرضهم لـ الغريب. السيوفي كانوا دمية في يد المنظمة، وحنا حاربنا الظل وسبنا الحية بـ تنخر في عظم الدار. بس قاسم الراوي عاد بـ قوة الجبل والعهد، والضي اللي في عيني ع يكشف مكرهم كله في عز النهار. بكرة الصبح لما فوزية تدخل بـ ورقها القديم عشان تعمل هرج ومرج وتلم الناس، وجابر يمد يده لـ ورق الملكية الزايف لـ أجل ما يسلمه لـ جوليا.. ع نخرج ليهم من تحت الأرض كـ القضاء المستعجل. الدم ع يغسل السرايا بكرة، والتار ع يرجع لـ أصحابه بـ شموخ لا يعرف الانكسار."

سليم نظر إلى الوثائق، واقترب من الطاولة وعيناه تشتعلان بغليان الدم بعد أن أدرك أن دم شقيقه خالد كان ضحية لهذه المؤامرة الدولية الكبرى، وضرب بكفه على صدره قائلاً بلهجة حاسمة:

ـ "الورق ده صك إعدامهم كلهم بـ شرع الجبل وبـ القانون يا سلطان. إحنا كنا بـ نحارب أشباح، والعدو الحقيقي بـ يتحكم في الخيوط من ورا الستار وبـ يخطط يهد الصعيد كله. أمي نبيلة بـ حكمتها أكيد ع تدير اللعبة دلوك في السرايا وتخليهم في عمى لـ حد ما نوصل. أنا جاهز بـ سلاحي، والرجالة اللي في الظل ع يلموا الخونة لـ وحيدهم."

أمسكت ليلى بخنجر قاسم المسترد من الطاولة وأعادته إلى حزامها، ونظرت إلى زوجها بنظرة تفيض بالعشق الناضج والجسارة الصعيدية التي لا تلين، وقالت:

ـ "أنا مش ع هاب واصل يا قاسم.. الوردة اللي حبتها صبحت شوك بـ يحمي العرين، وعقلي اللي اخترق فخ المرايا ع يخترق مكر المحامي وفوزية. إحنا ع ندخل السرايا كـ الأشباح، وأول ما جابر يفتكر إنه ملك الزمام، ع يشوفوا كيف السلطانة بـ تقرأ الرمل وتطير الرقاب. النجع مستنينا، والعهد ع ينادينا، والسرايا بكرة ع تشهد على يوم الحساب."

انطلق الثلاثة في ممر القبو، وقاسم يقودهم بيدٍ تمسك بـ ليلى بـ عشق أبدي ويدٍ تتحسس السلاح، وعباءته الممزقة تخفق وراءه كراية حربٍ أزلية. كانت الأجواء مشحونة بـ المؤامرات والدسائس، لكن حضور الأسياد وبصيرتهم كشفت الستار عن المؤامرة الكبرى، لتتحول عودتهم إلى زحفٍ ملكيٍّ عاتٍ سيعيد ترتيب أوراق الصعيد، ويطهر نجع الراوي من دنس الخيانة، معلناً للكون كله أن الهوية الحرة لا تُباع في أسواق الغدر، وأن العرين محروس بـ دم الأحرار الذين لا يعرفون الخضوع ...

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • وردة في عرين السلطان   محكمة الصوان

    تجمعت خيوطُ الشمس الأولى فوق أسطح سرايا آل الراوي، لكنها لم تكن شمساً تملأ النفوس بالدفء، بل كان نوراً كاشفاً حاداً يشق غبار المؤامرة الذي خيّم على النجع طوال غياب سيده. في "الديوان الكبير"، حيث امتزجت رائحة القهوة المرة المغلية على الجمر بعبق التبغ الصعيدي الأصيل وبخور الجاوي، كان مجلس النجع قد اكتملت أركانه. جلس كبار العائلات وعمد القرى المجاورة على المقاعد الخشبية العتيقة المحفورة بختم الأجداد، وجوههم محفورة بتضاريس الشرف والصبر، وعيونهم تترقب ما ستؤول إليه هذه الليلة الطويلة.في صدر القاعة، وقف "قاسم الراوي" شامخاً كالجبل الشرقي، جسده الطاغي يفرض هيبته على كل من في المكان دون حاجة للحركة. كان يرتدي جلبابه الصعيدي الأسود الفاخر، وعباءته المقصبة بخيوط الذهب تنسدل على كتفيه العريضين كراية ملكية. عيناه الصقريتان لم تعودا كالسابق؛ بل كانتا تلمعان بذلك الضوء الذهبي الخافت، النبض السري الذي انطبع في حدقتيه بعد تحطيمه لصولجان الأبعاد، وكأنه كشاف كوني يقرأ خبايا النفوس ويجرد الخونة من أقنعتهم. بجانبه، كانت تقف "ليلى"، سلطانة قلبه وعرينه، بعباءتها السوداء الملوكية، كفها متشابكة بأصابع

  • وردة في عرين السلطان   فتح الثغرة

    في أعمق زوايا القبو القديم، حيث تتكاثف العتمة وتتلاشى أنفاس الأحياء ليحل محلها عبق الموت والزمن، وقف قاسم الراوي كأنه ماردٌ نُحت من صخور الجبل الشرقي. الغبار الكثيف المعلق في الهواء كان يتراقص في حزم الضوء الخافتة، ورائحة الرطوبة والعفن المنبعثة من الطوب اللبن الأسود كانت تزكم الأنوف، لكنها بالنسبة لقاسم كانت رائحة الأرض، رائحة الأجداد الذين شيدوا هذا العرين ليصمد في وجه العواصف. تقدم قاسم بخطوات بطيئة وئيدة نحو الجدار القبلي، حيث كان يستقر تمثال الأجداد؛ ذلك التمثال الحجري الضخم الضارب في القدم، والمصنوع من البازلت الأسود الصلد، والذي يمثل الفارس الأول لعائلة الراوي وهو يقبض على لجام جواده بعزة وكبرياء صعيدي لا يلين. كانت عينا قاسم تلمعان بذلك الضوء الذهبي الخافت، تلك الهالة السرية التي ورثها من البعد الآخر، وكأنها كشّافٌ كوني يكشف ما خفي عن عيون البشر. وقفت ليلى قريبة منه، تكاد تلتصق بظهره العريض، عباءتها السوداء المطرزة بخيوط القصب تتناغم مع حركاتها الرشيقة، وعيناها الواسعتان تفيضان بمزيج من الشغف الروماني والترقب المشوب بالحذر. خلفهما، عند بداية الدرج الحجري

  • وردة في عرين السلطان   الصندوق الأسود

    التفت قاسم نحو سليم، وجاء صوته عميقاً جهورياً، يحمل بحة الوعيد الصعيدي والصلابة التي لا تلين، وقال وعيناه مصوبتان نحو الشق الضوئي:ـ "يا سليم.. يا ولد عمي. البوابة دي ما عاد لهاش عازة في دنيانا واصل. دي ثغرة في جدار الجبل، ولو فضلت مفتوحة كديه، الكلاب اللي بـ ينهشوا في ضهرنا.. المنظمة، وجماعة جوليا والمحامي، ع يلاقوا طريق يوصلوا بيه لـ أسرار الأجداد. السحر والوهم اللي جوه ع يخليهم يتحكموا في رقاب الخلائق، وقاسم الراوي مش ع يسمح إن أرض الصعيد تكون ممر لـ غدرهم. البوابة دي لازم تتهد، وتتدفن تحت صخر الصوان لـ حد قيام الساعة."خطا سليم خطوة نحو الأمام، ممسكاً بسلاحه الآلي، وعلامات التقدير والدهاء العسكري ترتسم على وجهه الحاد، ورد بصوت منخفض قوي:ـ "معاك حق يا سلطان. إحنا ع نخوض حرب مع خونة الداخل، مع جابر والمحامي اللي بـ يبيعوا الأرض بـ المتر، والمنظمة واقفه على الأعتاب مستنية إشارة. لو حد فيهم عرف بطريق البوابة دي، مش ع يقدر عليهم واصل لا جيش ولا حكومة. بس كيف ع تهد حجر مسحور بـ القوة دي يا خوي؟ السلاح اللي معايا ده أقصاه يطير رقاب، لكنه ما ع يهدش بوابات أبعاد."ا

  • وردة في عرين السلطان   اللقاء العظيم

    كان الممر الصخري المؤدي إلى خارج الجبل يزداد اتساعاً كلما تقدموا، والرياح الباردة القادمة من أفق النجع بدأت تداعب الوجوه، حاملةً معها رائحة تراب الصعيد الرطب ونبت الحلفاء. مشى قاسم في المقدمة، واضعاً يده الضخمة في يد ليلى، مشبكاً أصابعه بأصابعها بقوةٍ كادت توجع عظامها، لكنها كانت الوجع المحبب الذي يطرد كوابيس الفراق. وخلفهما كان سليم يسير بخطى عسكرية متزنة، عيناه تجولان في الظلام يميناً ويساراً، وسلاحه الآلي في وضع الاستعداد، فرغم عودة السلطان، إلا أن غريزة المخابرات فيه كانت تذكره بأن "خونة الداخل" وجماعة جابر والمحامي لا يزالون يتربصون بالسرايا.في وسط هذا المسير الصامت، بدأت ليلى تلاحظ أموراً غريبة وغير مألوفة تسري في جسد زوجها. لم تكن الملاحظة بالعين المجردة فحسب، بل بحسها التخاطري الجديد الذي بات يقرأ الذبذبات الخفية في الهواء. عندما كانت تنظر إلى جانبه الأيمن، رأت عينيه الصقريتين لم تعودا كالسابق؛ كانتا تلمعان بين الحين والآخر بضوءٍ ذهبيٍ خافت، نبضاتٌ من النور السري تشع من بؤبؤ العين كلما ركز نظره على زاوية معتمة في الكهف، وكأن البُعد الآخر قد ترك وسمه الأبدي في بصيرته.

  • وردة في عرين السلطان   سحر من حجر الجبل

    انطلقت ليلى وسليم في الممر الضيق الذي يعقب مركز الوادي، وكانت شظايا الزجاج المحطم تحت أقدامهما تعزف إيقاعاً مرعباً يتماشى مع دقات قلبيهما. لم تكن جدران الكهف مستقرة، بل كانت المرايا المتبقية على الجوانب تهتز وتتموج كأنها مياه راكدة ألُقيت فيها أحجار ثقيلة. كانت طاقة المكان تتصاعد، محملة بأصداء المؤامرات التي تحاك في عتمة السرايا، وبتلك الأنفاس الخبيثة للمحامي وجابر اللذين يظنان أن العرين بات مستباحاً.وفيما كانت ليلى تتقدم بخطى ثابتة، مدفوعة بذاك العشق الجارف وقوة الشوك التي ولدت في قلبها، لاحظ سليم أن الضباب الرمادي بدأ يتكثف حول قدميه بشكل مريب. كان يحاول أن يكون درعاً لحمايتها، ويراقب الثغرات الأمنية بعين الضابط المحنك، لكن الجبل كان يملك قوانين أخرى لا تعترف بالخطط العسكرية ولا بالتدريب المخابراتي. فجأة، التمعت مرآة ضخمة ذات إطار صخري أسود على يمين سليم، وانبثق منها ضوء أحمر قاني كدمٍ طازج.تصلب جسد سليم في مكانه، وسقط سلاحه الآلي من يده ليرتطم بالأرض الصخرية محدثاً دويّاً حاداً. اتسعت عيناه بذهول، وتحولت نظراته الصقرية إلى نظرات تائهة مستسلمة، فقد وقع في "فخ المرايا" ال

  • وردة في عرين السلطان   اختبار الروح

    كان "وادي المرايا" يمتد أمام ليلى كمتاهةٍ من الزجاجِ المسحور، حيثُ لا صخور ولا رمال، بل جدرانٌ شاهقةٌ من المرايا الصقيلة التي تعكسُ ليس فقط الجسد، بل خبايا الروح وأصداءَ المستقبل. عندما خطت ليلى أول خطوةٍ داخل هذا الوادي، شعرت بأنفاسِها تتجمد، فالمرايا لم تكن عادية؛ بل كانت تتراقصُ فيها صورها، صورٌ لليلى التي قد تكون، وليلى التي كانت، وليلى التي يخشى قاسم أن يراها.وقفت ليلى في المركز، وسط دائرةٍ من المرايا العملاقة. في المرآة الأولى، رأت نفسها منحنية الظهر، ثوبها الصعيدي ممزق، عيناها غارقتان في دموعِ ذلٍّ لا ينتهي، وكأنها ليلى التي استسلمت لمؤامراتِ السيوفي، ليلى التي قبلت أن تعيشَ في الظل، خاضعةً لمن يملكون القوة، ترتجفُ من أدنى تهديد. في المرآة الثانية، رأت نفسها بملابسَ غريبةٍ فاخرة، تضحكُ بشماتةٍ وهي تسلمُ خنجرَ قاسم للمحامي الخائن، وجهها يقطرُ غدراً، وهي تبيعُ النجعَ مقابلَ وعودٍ بالذهب؛ كانت تلك ليلى التي أكلها الطمع، ليلى التي باعت العهدَ بـ "حفنةٍ من وعودٍ كاذبة". أما في المرآة الثالثة، فكانت ليلى تظهرُ بعباءتها السوداء المطرزة، واقفةً بـ شموخٍ يزلزلُ الجبال، عيناها تحم

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status