Share

نذر الزحف الغادر

last update publish date: 2026-06-15 06:05:16

غابتْ شمسُ العصرِ خلفَ سنامِ الجبلِ الشرقيِّ الوعرِ، تاركةً وراءَها شفقاً مدمىً بـ الحمرةِ النحاسيةِ الساخنةِ، صبغَ جدرانَ سرايا آل الراوي بـ ظلالٍ من الوجلِ والترقبِ الخانقِ. كان النجعُ يعيشُ في تلك الساعاتِ على صفيحٍ ساخنٍ؛ فالهمساتُ تنخرُ في بيوتِ الطينِ عن صكوكِ ميرال السيوفي ووعودها المسمومةِ التي شقتْ صفوفَ الكبارِ. هواءُ المساءِ القادمِ من صوبِ النيلِ كان يحملُ برودةً مريبةً، غسلتْ عتباتِ السرايا الحجرية العتيقةِ بـ رائحةِ الغبارِ الرطبِ ونبتِ الحلفاءِ، ممتزجةً بـ فحيحِ مؤامرةٍ قذرةٍ كانت تُطبخُ على نارٍ هادئةٍ في دهاليزِ النفوذِ وراءَ البحارِ وفي غرفِ البندرِ المظلمةِ.

في "غرفةِ المراقبةِ والاتصالِ السريةِ" القابعةِ في أحشاءِ السرايا السفليةِ، حيثُ تلتقي جدرانُ الحجرِ الصوانيِّ الأسودِ بـ التكنولوجيا الحديثةِ، كان "سليم الراوي" يقف كـ نمرٍ محبوسٍ في عرينهِ. كان يرتدي جلبابه الداكنَ المنبثقَ من سوادِ الليلِ، وعباءتهُ الشتوية الثقيلة تنسدلُ فوق كتفيهِ العريضينِ، متأهباً بـ سلاحهِ الشخصيِّ المحشوِ بـ الذخيرةِ الحيةِ. كانت الأجهزةُ اللاسلكيةُ المشفرةُ تومضُ بـ أضواءٍ حمراءَ وزرقاءَ، وشاشاتُ الراداراتِ الصغيرةِ التي زرعها بـ حسّهِ المخابراتيِّ المحنكِ عند مداخل النجعِ ترتعشُ بـ إشاراتٍ متلاحقةٍ. كانت عيناه الصقريتان تشتعلان بـ نارِ التارِ المتقدةِ وبـ غليانِ دمهِ الصعيدي الحارِ؛ فـ حسّه العسكريِّ لم يكن يخطئُ واصل، وكان يعلمُ أنَّ هدوءَ ميرال وفوزية في المضيفةِ ليس إلا الهدوءَ الذي يسبقُ انقضاعَ الصاعقةِ.

امتدت يدُ سليم القوية لـ تضغطَ على زرِّ استقبالِ الإشاراتِ في جهازٍ لاسلكيٍّ عسكريٍّ مهربٍ، التقطهُ من تردداتِ المديرية الكبيرة بـ البندر. لـ ثوانٍ طويلة، ساد أزيزٌ حادٌ شق صمت الغرفةِ، قبل أن ينبثق منه صوتٌ مألوفٌ تداخلت فيه نبرةُ السطوةِ العفنة بـ المكرِ والأوامرِ الصارمةِ. إنه صوت "اللواء رفعت".. اللواء الفاسد الذي حركته ميرال بـ ملايين المنظمة الدولية، كان يتحدثُ عبر خطٍّ آمنٍ مع قائدِ القواتِ الأمنيةِ في المركزِ المجاورِ لـ النجع، وجاء صوته يقطر بـ الخبث والوعيد القذر:

ـ "اسمعني زين يا حكمدار.. الأوامر واضحة وجاية من رتب كبيرة في المديرية ومن وزارة الزراعة بـ البندر. قاسم الراوي صِبح يمثل خطورة على الأمن بـ سبب الخوارق والأوهام اللي بـ يبثها وسط الناس، ورجالة ميرال السيوفي قدموا بلاغ رسمي بـ حيازته لـ مخزن سلاح آلي ومهرب في قبو السرايا. إنت ع تطلع دلوك بـ قوة أمنية مدرعة، عربيات البوكس واللاقطات بـ كامل سلاحها، وتقتحم السرايا بـ حجة التفتيش بـ عز الليل. المأمورية دي مش لـ أجل الحبس يا سيادة الحكمدار.. المأمورية دي لـ أجل كسر هيبة قاسم الراوي قبال عمد النجع وكبار العائلات، لجل ما يعرفوا إن الحكومة ورا ميرال، وإن جبروت السلطان ملوش أمان قبال مدفع البندر. افتشوا كل شبر، واقلبوا السرايا عاليها واطيها، ولو حد وقف في طريقكم اضربوا في المليان!"

انقطع الاتصال بـ دويّ صفيرٍ بارد، فـ تجمدت الأنفاس في صدر سليم، واشتعل الضوء الصعيدي الحاد في حدقتيه بـ ثورةٍ عاتية كادت تفتت ضلوعه. انقبضت قبضته الفولاذية على مقبض جهاز اللاسلكي بـ عنفٍ كاد يكسر المعدن، وتلاحقت أنفاسه الساخنة بـ غضبٍ عارم شق سكون القبو. أدرك الضابط المحنك أبعاد الخديعة الكبرى؛ فـ ميرال واللواء رفعت لا يريدون تفتيشاً عادياً، بل يريدون سحق كرامة شقيقه قاسم، وتهديم الحصن الذي بناه بـ دمه وشرفه أمام الألوف التي انقسمت بـ الفتنة، لـ يسهل على المنظمة الدولية غزو سفح الجبل واستعادة بوابة الأبعاد المدفونة دون مقاومة.

في تلك اللحظة الطاحنة، انفتح باب الغرفة السرية بـ حركةٍ وئيدة، ولجت منها "ليلى" بـ جانب زوجها "قاسم". كان قاسم يبدو كـ الطود الراسخ بـ قامته الشاهقة وجلبابه الأسود، وعيناه الصقريتان تلمعان بـ ذاك الضوء الذهبي الخافت، النبض السري المتوارث. وبـ جانبه كانت ليلى تلتصق بـ صدره العريض، ويدها النحيلة مشبكة بـ أصابعه الفولاذية بـ لقطةٍ رومانسية حميمة تفيض بـ العشق والتحدي الناضج، مستمدةً من وجوده القوة بعد مواجهتها النارية مع ميرال في الممر. شعرت ليلى بـ طاقة تخاطرها الروحي بـ طاقة القلق والغليان التي تخرج من جسد سليم، فـ نظرت إليه بـ عيونٍ واسعة تترقب الأنباء.

التفت سليم نحو شقيقه وسلطانه، وجاء صوته عميقاً جهورياً يحمل لوعة التار والصلابة العسكرية الصارمة:

ـ "يا سلطان.. يا ليلى! الكلاب بـ ينبحوا في الضلمة والزحف الغادر بدأ عاد! اللواء رفعت الفاسد، بـ أوامر من ميرال والمنظمة، باعت قوة أمنية مدرعة من المركز واصلة على أول النجع بـ السلاح والبوكسات. التهمة جاهزة يا خوي.. بلاغ كاذب بـ حيازة مخزن سلاح مهرب في أحشاء السرايا. بس الغرض ملوش عازة بـ التفتيش؛ الغرض هو كسر هيبتك وجبروتك قصاد العمد وكبار العائلات اللي اتهزوا بـ الفلوس البارحة، لجل ما يثبتوا لـ الناس إن ورق ميرال بـ تمشي بيه الحكومة، ويفتحوا الطريق لـ رجالة جوليا ينهشوا في الجبل الشرقي!"

لم يرتجف قاسم، ولم يتراجع الضوء الذهبي في عينيه ذرة واحدة؛ بل اعتصر كف ليلى بـ عشقٍ جارف وعنيف، واستنشق ريح شجاعتها التي كانت مصل السكينة في عروقه. انحنى نحو ليلى وقبّل جبينها بـ وقارٍ ملكي، هادئاً روعة غيرتها وقلقها بـ لمسةِ حنانٍ داوت جروح صدرها، ثم التفت نحو سليم وجاء صوته كـ هز الرعود، يملأ القبو بـ هيبة السلطان الحقيقي وقال بـ لسان صعيدي حاسم لا يعرف الانكسار واصل:

ـ "خليهم ييجوا يا سليم! خليهم ييجوا بـ سلاح البندر وبـ ورق ميرال المبلول. قاسم الراوي م ع يتكسرش هيبته بـ كبشة بوكسات ولا بـ غدر اللواء الفاسد! إحنا خابرين وين بـ تبيت الحيايا، ومكر الصعيد ع يكون كفن لـ خديعتهم بـ عز الليل. سليم.. جهز رجالتنا المخلصين من غير شوشة، وانقل السلاح الآلي كله لـ النفق السري اللي تحت رجلين الأجداد. ليلى.. اقفي بـ جانب أمك نبيلة وصوني جناحك بـ بصيرتك، وأنا ع أقف في صدر الديوان لـ وحيدي قبال القوة دي، وع تشوف ميرال واللواء رفعت كيف بـ كبرياء الصوان ع نربط أعناق الغريب، وع يرجعوا البندر بـ خزي ما شافوه في عمرهم كله واصل!"

شبكت ليلى يدها بـ قبضته بـ لوعة وعناد، وتلاقت نظراتهما في ميثاق عشقٍ وتحدٍّ أزلي..

غمرتْ ظلمةُ الليلِ الحالكِ أزقةَ نجعِ الراوي، واشتدتْ برودةُ الريحِ القادمةِ من صوبِ الجبلِ الشرقي، لتئنَّ معها مشربياتُ السرايا الخشبية العتيقة كأنها تحذرُ من خطبٍ جسيم. في تلك الساعاتِ الحرجةِ، كانت السرايا من الداخلِ تشبهُ خليةَ نحلٍ تعملُ في صمتٍ خانقٍ ومريب. بـ مكر الصعيد الأصيل ودهاء الرجال الذين ولدوا من رحم الأزمات، قاد سليمُ مجموعاتٍ من حراسِ الدار المخلصين بـ خفة الأشباح عبر الدهاليز السفلية، ينقلون صناديقَ السلاح الآلي والذخيرة المهربة من قبو السرايا إلى أحشاء النفق السري القديم الممتد تحت تمثال الأجداد، لـ يفرغوا المكان بالكامل قبل وصول القوة المدرعة.

في صدر الديوان الكبير، حيث كانت المصابيح الزيتية ترتجف بـ ظلالٍ باهتةٍ على جدران الصوان الأسود، وقف "قاسم الراوي" شامخاً كـ ماردٍ انشق عن الصخر. كان يرتدي جلبابه الصعيدي الفاخر المصنوع من الصوف الأسود، وعباءته المقصبة بـ الفضة تنسدل على كتفيه العريضين لـ تمنحه هيبةً سلطانية لا تهزها ريح. عيناه الصقريتان تلمعان بـ ذاك الضوء الذهبي الخافت، النبض السري المتوارث الذي انطبع في حدقتيه، يفيض بـ برودٍ مخيف يسبق العواصف المدمرة.

وبـ جانبه، كانت "ليلى" تلتصق بـ صدره العريض كـ لؤلؤةٍ مصونة في قلب العرين. عباءتها السوداء الموشاة بـ خيوط الذهب تلامس حذاءه، وكفها النحيلة مشبكة بـ أصابعه الفولاذية الدافئة بـ لقطةٍ رومانسية حميمة تفيض بـ العشق والتحدي الناضج. كانت ليلى تستخدم طاقتها التخاطرية الروحية لـ تبث في قلبه الطمأنينة واليقين، وتستشعر من خلال عروق كفه حرارة حبه وجبروته الذي يزداد صلابةً كلما اقترب الغريب. التفت قاسم نحوها، وانحنى قليلاً لـ يستنشق ريح وفائها، وقبّل كفها بـ رقةٍ بالغة تذوب فيها أهوال الليل، وهمس بـ صوته الجهوري المنخفض:

ـ "ما تهتزيش يا سلطانة قلبي.. مكر البندر ع يدوب تحت رجليكي اليوم، والعرين محروس بـ شرفنا واصل."

نظرت ليلى في عينيه بـ عشقٍ جارف وعناد لا يلين، وقالت بـ صوتها العميق الجهوري: "أنا وراك يا سلطان دنيتي، والضي اللي في عيونك ع يكون كفن لـ غدرهم."

فجأة، انشق سكون الليل عن هتاف الخفراء وصوت فرملة عنيفة لـ عربيات البوكس والمدرعات الأمنية التي اقتحمت باحة السرايا الخارجية بـ أوامر من اللواء الفاسد وميرال السيوفي. تدافع كبار العائلات وعمد النجع، وعلى رأسهم الشيخ فضل والعمدة حمدان، ودخلوا الديوان بـ وجوهٍ شاحبة يملؤها الخوف والوجل من بطش الحكومة. وخلفهم، ولجت القوة الأمنية بـ قيادة "الحكمدار رشاد"، الذي دخل شاحراً سلاحه وبـ يحيط به جنود مدججون بـ البنادق، وبـ جانبه وقفت ميرال وفوزية بـ نظرات شماتةٍ وتملك ظناً منهما أنَّ هيبة السلطان ع تنكسر الليلة.

وقف قاسم في مكانه دون أن يتحرك أنشاً واحداً، ويداه مستقرتان خلف ظهره بـ برودٍ وجبروتٍ ملوكي يحبس الأنفاس. الهدوء الصارم الذي لف قامته الشاهقة جعل الحكمدار وجنوده يتلعثمون في خطواتهم، وكأنهم اقتحموا محراباً لـ إلهٍ جبلّي لا ترهبه قوة البشر.

خطى الحكمدار رشاد خطوة بـ توتر، وحاول استجماع سطوته الأمنية، وقال بـ نبرة شابها الارتباك:

ـ "قاسم بيه الراوي.. معانا إذن رسمي من النيابة الكبيرة بـ البندر، وبلاغ بـ حيازة مخزن سلاح آلي ومهرب في أحشاء السرايا دي. إحنا بـ ننفذ القانون، وع نقلب المكان شبر شبر لـ حد ما نطلع السلاح، وأي مقاومة ع تكون خروج على سلطة الدولة!"

لمعت عينا قاسم بـ الضوء الذهبي بـ قوة، ونظر إلى الحكمدار بـ نظرةٍ جردته من هيبته العسكرية، وارتسمت على شفتيه الحادتين ابتسامة برودٍ قاتلة، وجاء صوته كـ هز الرعود لـ يملأ الديوان بـ الجبروت، قائلاً بـ لهجة صعيدية تقطر كبرياءً وسخرية:

ـ "يا مرحب بـ رجال البندر في دار آل الراوي.. السرايا مفتوحة وأبوابها م بـ تقفلش قبال حد واصل! فتش يا سيادة الحكمدار.. فتش بـ نفسك وبـ رجالتك، واقلب الطين والصخر، ولو لقيت طلقة واحدة ملهاش رخصة اهنه، ليك الحق تاخد قاسم لـ السجن! بس خابر زين.. البلاغ الكاذب ده بـ تحركه حيايا بـ يتداروا ورا ضهرك لـ أجل كسر هيبة الدار وقسمة النجع!"

التفت قاسم بـ نظراته الصقرية نحو الشيخ فضل وحكماء النجع الذين كانوا يراقبون المشهد بـ أنفاسٍ مكتومة، وقال بـ نبرة حاسمة تفيض بـ الكرامة:

ـ "يا كبار النجع.. ويا أهل الأصول. شفتوا كيف الحكومة جاية بـ عز الليل بـ بلاغ من الغريب لـ أجل تفتيش عرينكم؟ السرايا دي داركم وشرفكم، وقاسم م بـ يخبيش سلاحه في الجحور كـ الفئران. شرفنا مصان بـ رجالنا وبـ طهارة طيننا!"

انطلقت القوة الأمنية تفتش القبو والممرات بـ غيظ وعنف بـ أوامر من ميرال التي كانت تصرخ فيهم لـ يجدوا السلاح، ولكن بـ فضل مكر قاسم وسليم، عاد الجنود بعد ساعة كاملة بـ رؤوسٍ منكسة وأيادٍ فارغة؛ فـ لم يجدوا في السرايا سوى بخور الجاوي ودواوين الأجداد.

تحول الموقف فوراً لـ صالح قاسم، وانتفض الشيخ فضل وكبار العائلات، بعد أن رأوا برود سلطانهم وكذب ادعاءات ميرال، وشعروا بـ غضبٍ عارم على كرامة نجعهم المستباحة. وقف الشيخ فضل وصاح بـ الحكمدار بـ غليان دم:

ـ "شفت يا سيادة الحكمدار؟! فتشتوا الدار وما لقيتوش واصل غير الشرف والأصول! نجع الراوي مش مستباح لـ مكر البندر ولا لـ كذب الحريم، وإحنا م ع نقبلش الإهانة دي لـ سلطاننا واصل. خذ رجالتك واخرج بره الدار قبل ما الدم يوصل لـ الركب بـ شرع الجبل!"

شحب وجه ميرال وفوزية بـ صدمة وزلزل كيانهما، وأدرك الحكمدار رشاد أنه وقع في فخ فتنة صعيدية وعرة، وأن بقاءه بـ السلاح ع يفجر حرباً دموية مع آلاف الرجال المحتشدين بـ الخارج. تراجع الحكمدار بـ خطى مرتبكة، وأمر جنوده بـ الانسحاب الفوري، لـ يخرجوا من البوابة الكبيرة بـ خزي وذلٍ لم يشهده النجع من قبل.

بقيت ميرال واقفة تتنفس بـ غيظ وفحيح، فـ نظرت إليها ليلى بـ شموخ السلطانة وأطلقت طاقة الضوء الذهبي بـ عينها لـ ترعب قلبها الخاوي، بينما ضم قاسم ليلى إلى صدره العريض بـ لوعة وعشقٍ امتزج بـ نصرٍ مؤزر، وشعر بـ نبضها المتسارع يروي ملحمة الصمود، معلنين لـ كبار النجع الذين انحنوا إجلالاً لـ سلطانهم أنَّ كرامة العرين م ع تنكسرش واصل!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • وردة في عرين السلطان   نذر الزحف الغادر

    غابتْ شمسُ العصرِ خلفَ سنامِ الجبلِ الشرقيِّ الوعرِ، تاركةً وراءَها شفقاً مدمىً بـ الحمرةِ النحاسيةِ الساخنةِ، صبغَ جدرانَ سرايا آل الراوي بـ ظلالٍ من الوجلِ والترقبِ الخانقِ. كان النجعُ يعيشُ في تلك الساعاتِ على صفيحٍ ساخنٍ؛ فالهمساتُ تنخرُ في بيوتِ الطينِ عن صكوكِ ميرال السيوفي ووعودها المسمومةِ التي شقتْ صفوفَ الكبارِ. هواءُ المساءِ القادمِ من صوبِ النيلِ كان يحملُ برودةً مريبةً، غسلتْ عتباتِ السرايا الحجرية العتيقةِ بـ رائحةِ الغبارِ الرطبِ ونبتِ الحلفاءِ، ممتزجةً بـ فحيحِ مؤامرةٍ قذرةٍ كانت تُطبخُ على نارٍ هادئةٍ في دهاليزِ النفوذِ وراءَ البحارِ وفي غرفِ البندرِ المظلمةِ.في "غرفةِ المراقبةِ والاتصالِ السريةِ" القابعةِ في أحشاءِ السرايا السفليةِ، حيثُ تلتقي جدرانُ الحجرِ الصوانيِّ الأسودِ بـ التكنولوجيا الحديثةِ، كان "سليم الراوي" يقف كـ نمرٍ محبوسٍ في عرينهِ. كان يرتدي جلبابه الداكنَ المنبثقَ من سوادِ الليلِ، وعباءتهُ الشتوية الثقيلة تنسدلُ فوق كتفيهِ العريضينِ، متأهباً بـ سلاحهِ الشخصيِّ المحشوِ بـ الذخيرةِ الحيةِ. كانت الأجهزةُ اللاسلكيةُ المشفرةُ تومضُ بـ أضواءٍ حم

  • وردة في عرين السلطان   أسرار الوجار

    تسللتْ ليلى من الممرات الخلفية للسرايا كأنها طيفٌ من أطياف الجبل، تفرّ من ضجيج الفتنة الذي ملأ الباحة الخارجية بعد أن عاثت فيه ميرال السيوفي بوعودها المسمومة وصكوكها القانونية. كانت جدران السرايا الحجرية السميكة تبدو في هذا المساء كأنها تئن تحت وطأة المؤامرات التي تحاك في الظلام، بينما انقبض صدر ليلى بنيران غيرةٍ صعيدية عاتية كادت تفتت ضلوعها، ممتزجةً بتوجسٍ عميق على عرينها وزوجها. تلمست نصل الخنجر الصعيدي المستقر في حزامها بحركةٍ آلية، ونهبت الأرض بخطواتٍ رشيقـة ملوكية، متجهةً نحو القبو السفلي حيث يقع "وجار الحاجة نبيلة".عند عتبة الوجار، تلاشت أصوات النجع ليحل محلها سكونٌ مهيب تفوح في أرجائه رائحة حطب الطلح المحترق، ورائحة البخور الجاوي العتيق، وعبق القهوة البكر التي تغلي على مهلٍ فوق رماد الموقد الطيني. كان المكان يغرق في ظلالٍ برتقالية دافئة تعكسها ألسنة اللهب المرتجفة، وفي وسط هذا الركن الذي يختزل تاريخ آل الراوي بأكمله، كانت "الحاجة نبيلة" تجلس بوقارها الملكي كأنها حارسة الزمان. عباءتها السوداء الفضفاضة تنسدل حول جسدها النحيل، ويداها المجعدتان اللتان عاصرتا عهود الدم والتا

  • وردة في عرين السلطان   فحيح المؤامرة في ليل العرين

    في الجانب الشرقي القاصي من سرايا آل الراوي، حيث تقف "المضيفة القديمة" شامخةً بجدرانها المبنية من الطوب اللبن العتيق والحجر الصواني الأسود، كانت العتمة قد ضربت سياجها المحكم فوق الأرجاء، ليحل محل صخب النهار سكون مريب يقطر بمؤامرات الليل وخيانة الداخل. كانت الأجواء داخل المضيفة الفسيحة مشحونة بضباب كثيف من تبغ السجائر البندرية الفاخرة، وممتزجة برائحة القهوة المرة المغلية على مهل فوق جمر الموقد النحاسي. أنوار المصابيح الزيتية المتدلية من السقف الخشبي كانت ترتجف مع كل هبة ريح باردة تتسلل عبر النوافذ المقوسة، ملقيةً بظلال مشوهة طويلة للأجساد الجالسة بالداخل، كأنها أشباح تحيك كفن النجع في الخفاء.في صدر القاعة المفرشة بالسجاد العجمي الداكن، كانت "ميرال السيوفي" تجلس كحية رقطاء تنفث سمها بدم بارد. كانت ترتدي ثوباً مخملياً أسود يبرز قوامها الممشوق الطاغي، وتضع فوق كتفيها فرواً ناعماً ينم عن ثراء البندر ونفوذه، بينما كانت عيناها الخضراوان تلمعان ببريق الجشع والتملّك الطاغي وهي تقلب بين أصابعها المطلية باللون القرمزي صكوك الملكية وأوراق النيابة الملكية. وبجانبها كانت تجلس "فوزية" واجمة، ع

  • وردة في عرين السلطان   صكوك الماضي الأسود تفترس حاضر السلطان

    تلبدتْ سماءُ نجع الراوي بسحبٍ خريفيةٍ داكنةٍ، حجبتْ خيوطَ الشمس الآفلة ولفتْ السرايا الكبيرة برداءٍ من الغموض والتوجس، كأنَّ جدران الصوان العتيقة كانت تشعر بالزلزال الذي يوشك أن يضرب أركانها. داخل "الديوان الكبير"، كان الصمت خبراً عاتياً يربض فوق صدور الحاضرين؛ كبار العائلات وعمد القرى جلسوا على مقاعدهم الخشبية المحفورة بختم الأجداد، والوجوه التي غسلها الفخر بنصر البارحة عادت لتتوشح بالوجوم والحيرة. اختلطت رائحة التبغ الصعيدي المعتق بزفرات الصدور القلقة، وبدا بخور الجاوي المتصاعد من المباخر النحاسية كأنه دخان معركة جديدة لا تُدار بالبنادق، بل بالعهود المسمومة وكيد المدائن.في وسط هذه الأجواء المشحونة، كانت "ميرال السيوفي" تقف في بقعة الضوء الضعيفة المنبعثة من الثريا الكريستالية العتيقة. دخلت السرايا كإعصارٍ مغلف بالحرير والعطور الباريسية؛ قامتها الممشوقة الطاغية وشياكتها العالمية أحدثتا هرجاً ومرجاً لم يشهده النجع من قبل، وعيناها الخضراوان اللامعتان كأفاعي العشب كانت تشعان بثقةٍ مطلقة، ثقةِ من يملك الأرض ومن عليها بقوة صاغتها عقول غامضة وراء البحار.أمامها، وقف قاسم الراوي ك

  • وردة في عرين السلطان   الغريبة والعهد القديم

    غصَّ "الديوان الكبير" بسرايا آل الراوي بكبار النجع وعمد العائلات الصعيدية الأصيلة، الذين تقاطروا على السرايا بوجوهٍ واجمة وعيونٍ يملؤها الترقب والقلق بعد أن جرى خبر عودة فوزية ومطالبتها بـ "حقوقها القديمة" مجرى النار في الهشيم. كان الهواء داخل القاعة الفسيحة ثقيلاً، مشحوناً برائحة التبغ الصعيدي العتيق الممتزج بعبير بخور الجاوي الذي يتصاعد من المباخر النحاسية، ملقياً بظلاله ووشوشاته على الجدران الصخرية السميكة التي شهدت أحكام الدم والتار عبر العقود. جلس الشيوخ والحكماء على مقاعدهم الخشبية العتيقة المحفورة بختم الأجداد، والهمسات بداخلهم لا تنقطع عن تلك "العاصفة الجديدة" التي دبت في العرين بعد ساعاتٍ قليلة من تطهيره من دنس المحامي وجابر.في صدر القاعة، وقف قاسم الراوي كعادته كـ الطود الراسخ، قامته الطاغية تفرض مهابةً سلطانية تسري في نفوس الحاضرين دون حاجةٍ للحركة. كان يرتدي جلبابه الأسود الفاخر، وعباءته المقصبة بخيوط الفضة تنسدل على كتفيه العريضين، بينما كانت عيناه الصقريتان تلمعان بذلك الضوء الذهبي الخافت، النبض السري المتوارث الذي ناله من البُعد الآخر، والذي كان يمنحه قدرةً على ق

  • وردة في عرين السلطان   خلخال المدائن

    تبدّلت ألوانُ المغارب فوق نجع الراوي، لتترك السماءَ مشحونةً بـ ضبابٍ رماديٍّ ثقيل امتزج بـ أنوار الفجر الجديدة، كأنَّ الأيامَ ترفضُ أن تمنحَ السرايا الكبيرة هدنةً حقيقيةً بعد ليلة الحساب الطاحنة. لم تكن أنفاسُ أهل النجع قد استقرت بعدُ في صدورهم عقبَ سقوط المحامي وجابر وتطهير العرين، حتى انشق سكونُ الباحة الخارجية عن جلبةٍ غيرِ معهودة. صريرُ البوابة الحديدية الضخمة لـ سرايا آل الراوي، تلك البوابة التي نُقشت عليها صراعاتُ العقود وخُتمت بـ دماء المخلصين، انفتح بـ قوةٍ ووقارٍ مفاجئ، محدثاً دويّاً صدى في أرجاء الجدران الصخرية السميكة.من قلب الظلال، ولجت سيارةٌ سوداء فارهة لم يألفها طينُ النجع الوعر، لتتوقف في وسط الساحة الرحبة. انفتح الباب بـ بطء، لـ تخطو إلى الأرض قدمٌ تزن خطواتُها هيبةً وتمدناً مختلفاً تماماً عن خشونة الجبل. كانت "فوزية".. ابنةُ عم قاسم التي غادرت الديار منذ سنين طويلة مع أبوها مهاجرةً صوب "مصر" (القاهرة)، حيث ذابت في كنف الحياة العصرية وانقطعت أخبارها خلف جدران البندر الصاخبة.دخلت فوزية بـ كامل قامتها الممشوقة، كأنها طيفٌ من زمنٍ آخر؛ جمالُها الصعيدي الأصيل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status