LOGINتسللتْ ليلى من الممرات الخلفية للسرايا كأنها طيفٌ من أطياف الجبل، تفرّ من ضجيج الفتنة الذي ملأ الباحة الخارجية بعد أن عاثت فيه ميرال السيوفي بوعودها المسمومة وصكوكها القانونية. كانت جدران السرايا الحجرية السميكة تبدو في هذا المساء كأنها تئن تحت وطأة المؤامرات التي تحاك في الظلام، بينما انقبض صدر ليلى بنيران غيرةٍ صعيدية عاتية كادت تفتت ضلوعها، ممتزجةً بتوجسٍ عميق على عرينها وزوجها. تلمست نصل الخنجر الصعيدي المستقر في حزامها بحركةٍ آلية، ونهبت الأرض بخطواتٍ رشيقـة ملوكية، متجهةً نحو القبو السفلي حيث يقع "وجار الحاجة نبيلة".
عند عتبة الوجار، تلاشت أصوات النجع ليحل محلها سكونٌ مهيب تفوح في أرجائه رائحة حطب الطلح المحترق، ورائحة البخور الجاوي العتيق، وعبق القهوة البكر التي تغلي على مهلٍ فوق رماد الموقد الطيني. كان المكان يغرق في ظلالٍ برتقالية دافئة تعكسها ألسنة اللهب المرتجفة، وفي وسط هذا الركن الذي يختزل تاريخ آل الراوي بأكمله، كانت "الحاجة نبيلة" تجلس بوقارها الملكي كأنها حارسة الزمان. عباءتها السوداء الفضفاضة تنسدل حول جسدها النحيل، ويداها المجعدتان اللتان عاصرتا عهود الدم والتار تمسكان بعصاها الأبنوسية، بينما كانت عيناها الغائرتان تحدقان في جمر الموقد كأنها تقرأ فيه الغيب وسطور الطالع. انحنت ليلى لتدخل من الباب الخشبي القصير، وجلست على قبالتها فوق سجادٍ صوفيّ قديم، وظهرها الممشوق كالنخلة يعكس جسارةً لا تلين رغم احتراق أحشائها من الغيرة والمؤامرة. التفتت نبيلة نحوها ببطء، ولم تكن بحاجةٍ لسماع شكوى ليلى؛ فقد قرأت في عينيها الواسعتين اللامعتين ببريق البصيرة التخاطرية كل ما يدور في السرايا من هرجٍ ومرج. تنحنحت الحاجة نبيلة، وأرجحت عصاها ببطء فوق الرماد، وجاء صوتها خشناً عميقاً يحمل صلابة الصخر الصعيدي: ـ "تعالي يا ولد بطني.. تعالي يا سلطانة العرين. خابرة إيه اللي زق رجليكي لـ عندي في عتمة الليل.. خابرة إن جمر الغيرة بـ ينهش في ضلوعك من وقت ما ظهرت الست ميرال بـ توب البندر وعقودها المبلولة بمكر الغريب. قعدي يا ابنة الأصول، واطرحي الهم من عروقك، فـ السرايا دي م ع تتهدش بـ كم ورقة كتبها خائن في الضلمة، وقاسم م ع يشوفش حرمة غيرك واصل لو انطبقت السما على الأرض." تنهدت ليلى، وتلاحقت أنفاسها الساخنة في صدرها، وشبكت أصابعها النحيلة بقوة وهي تنظر إلى جمر الموقد، وقالت بصوتها العميق الجهوري الذي يحمل بحة الوجع والتحدي الصعيدي: ـ "كيف اطرح الهم يا أمي ونبيلة، وميرال واقفة في وسط الديوان وبـ تلم حولها كبار النجع بـ الفلوس والمشاريع؟! ع تقول إنها شريكة قاسم في الطين وفي المخدع بـ صكوك رسمية من المديرية الكبيرة في مصر! أنا حسيت بـ تخاطري وبـ روحي إن قاسم صادق وإن جوازهم كان صوري بـ أمر الأجداد لـ حقن الدم، بس كبريائي بـ ينزف يا حاجة.. كبرياء الحرمة اللي حمت الدار بـ غياب سيدها بـ يرفض إن غريبة تيجي تلوّث هوا عشنا بـ ماضي مكنتش شريكة فيه. قوليلي يا حكيمة الدار.. ميرال دي إيه سرها القديم اللي مخبياه ورا فروا البندر وشياكة المدائن؟! كيف ع نكسر سم الأفعى دي لـ وحيدنا؟" التمعت عينا الحاجة نبيلة ببريقٍ داهية خبيث، وانحنت قليلاً نحو ليلى، لتدخل بكلماتها في أعماق عقلها التخاطري، وقالت بنبرةٍ مليئة بـ الأسرار والمؤامرات المبطنة: ـ "اسمعي زين يا ليلى.. واسمعي سر م ع يعرفوش في النجع ده غيري أنا والتراب اللي تحت رجلين الأجداد. ميرال السيوفي مش ابنة عم حقيقية لـ قاسم بـ صلة الدم الطاهرة واصل! زمان.. لما الحرب كانت قايمة بين الراوي والسيوفي، وأبوها هرب لـ مصر، المنظمة الدولية ورا البحار وجماعة جوليا رادوا يزرعوا (عقرب) في قلب بيتنا لـ أجل ما يتجسس على سر العهد ويملك البوابة السحرية. ميرال دي اتولدت في بلاد الغرب، وأبو ميرال تبناها بـ ورق مزور في مصر بـ أمر المنظمة لـ أجل ما يدخلوها السرايا بـ صك الجواز الصوري اللي بـ تلوح بيه دلوك! عروقها مفيهاش نقطة دم صعيدي حر، مفيهاش طهارة العهد اللي ورثتيها إنتي بـ روحك وبـ بصيرتك!" اتسعت عينا ليلى بذهولٍ صاعق شل أطرافها لثوانٍ، وشعرت بالطاقة الذهبية المستمدة من وادي المرايا تنبض في عروقها بـ ثورةٍ عاتية، فتابعت نبيلة وعصاها تضرب الأرض ضرباتٍ حاسمة ممتتالية: ـ "ونقطة ضعفها يا سلطانة قلبي.. هي (الخوف من طاقة الجبل)! ميرال لأن عروقها مفيهاش دم العهد، ومفاصلها اتغذت على غدر المدائن وصناعة الغريب، م بـ تقدرش تقف قبال الضي اللي بـ يطلع من عيونك ولا بـ تتحملش وشوشة حيطان السرايا الصوانية لما بـ تثور. طاقة الجبل بـ تعمل لها عَمى في عقلها وبـ ترعب قلبها الخاوي. لما تقف قبالها، ما تكلميهاش بـ لغة القوانين والبندر اللي بـ تحتمي وراهم؛ لاه.. اقفي قبالها بـ طولك بـ كبرياء الحرمة اللي بـ تمشي الأرض بـ إشارتها، واطلعي في عيونها بـ الضي الذهبي وبـ التخاطر الروحي، وع تشوفي كيف ع تنهار كـ الأشباح بـ عز النهار وتكشف عورة كذبها قصاد الرجال ولـ وحيدها!" نزلت كلمات نبيلة على قلب ليلى كـ الدواء الشافي الذي أحرق جمر الغيرة لـ يحوله إلى إعصارٍ من الجسارة والكبرياء الملوكي الذي لا يلين. تلاشت مسحة الشجن من وجهها الممشوق الحاد، وحل محلها ذلك البريق الصعيدي الصلد كـ صوان الجبل الشرقي. وقفت ليلى بكامل قامتها الشاهقة، وعادت ذراعها الفولاذية المعنوية لتشتد بقوة، ونظرت إلى الحاجة نبيلة بنظرة تفيض بـ العشق والتحدي والمؤامرة المضادة، وقالت بصوتها العميق الجهوري: ـ "وعزة جلال الله وعقد الأجداد ونبض قاسم اللي بـ يغلي في عروقي، لـ أخلي ميرال تندم على اليوم اللي فكرت تدوس فيه عتبة سرايا آل الراوي يا أمي! إذا كانت هي متسلحة بـ ورق النفوذ وبـ نجس المنظمة، فـ أنا متسلحة بـ طين الأرض وبـ عهد الصدق اللي م بـ يكدبش واصل. الجبل ع يقف معايا، والضي اللي في عيني ع يكون كفن لـ مكرها بـ البندر. السرايا داري وقاسم سلطاني، واللي ع تقرب من عشي ع تدوق شوك الوردة اللي بـ يطير الرقاب!" انحنت ليلى لتقبل رأس الحاجة نبيلة التي دعت لها بـ البركة والنصر، ثم التفتت وتحركت نحو المخرج بـ خطواتٍ ثابتة سريعة تنهب الأرض، وعقلها التخاطري ينسج خيوط المؤامرة المضادة لـ سحق تلك الغريبة.. كان الممرُّ الطويل المؤدي إلى الجناح الشرقي للسرايا يغرق في عتمةٍ برزخيةٍ حاسمة، حيث تلاقتْ ظلالُ الأعمدة الصخرية الشاهقة المنحوتة من صوان الجبل مع خيوط شمس العصر الشاحبة المتسللة عبر المشربيات الخشبية العتيقة. كان الهواء في هذا الركن المعزول ثقيلاً كأنفاس المحاربين، مشحوناً برائحة غبار الشرف القديم، وبخور الجاوي الممتزج بعطر باريسي نفاذ يخص ميرال السيوفي، عطر يحمل ريح المدائن الغريبة ونذر المؤامرات التي حيكت في صالونات النفوذ خلف البحار. كانت كل صخرة في الجدران تبدو كأنها تتنفس ببطء، تترقب الصدام الذي لا مفر منه بين ربة الدار وبين الأفعى التي ولجت العرين بصكوك الملكية الزائفة. من نهاية الممر، كانت "ميرال السيوفي" تسير بخلخالها الرنان وخطواتها الواثقة المتبخترة، قوامها الممشوق الطاغي وثوبها المخملي الأسود يفرضان في الظلال هالة من الغطرسة والتملك. كانت تبتسم ببرود وهي تقلب في يدها ملف النيابة الملكية، تظن أن النجع قد انشطر تحت قدميها بعد أن أغوت كبار العائلات بالوعود والمشاريع المشبوهة، وأن السرايا وقاسم قد أصبحا قاب قوسين أو أدنى من السقوط في شباك قانون الحجر. ولكن، عند منتصف الممر، تجمدت خطوات ميرال فجأة، وانمحت الابتسامة الباردة عن شفتيها لتتحول إلى وجوم حذر؛ فقد انشقت الظلال عن "ليلى". كانت واقفة كالسارية الصلدة، جسدها الرشيق يفيض بكبرياء صعيدي ملوكي لا يلين، وعباءتها السوداء المطرزة بخيوط القصب تنسدل حولها كدرع منيع. لم تكن هناك بنادق ولا خناجر مستلة، بل كانت مواجهة صامتة، مواجهة أرواح وعيون اختزلت كل صراعات الدم والوجود في النجع. نظرت ليلى إلى ميرال بعينيها الواسعتين، وفوراً، أطلقت طاقة بصيرة التخاطر الروحي التي نالتها من وادي المرايا وغذتها بكلمات الحاجة نبيلة عند الوجار. في تلك اللحظة الحرجة، انبعث من حدقتي ليلى ذلك الضوء الذهبي الخافت بقوة هائلة، ضياء حاد تغلغل في عتمة الممر وبدأ يشق أستار العقل الباطن لميرال. لم تكتفِ ليلى بالنظر، بل ركزت عقلها التخاطري في جدران الصوان المحيطة بهما، مستدعاةً روح الأرض وطهارة العهد القديم الذي يلف السرايا. فجأة، تحول الصمت في الممر إلى جحيم مرعب لم يسمعه سوى ميرال بداخل عقلها. بدأت حيطان الصوان تهتز في عيون الغريبة، وانطلق من الصخر "وشوشة" خشنة مرعبة، أصوات الأجداد وحفيف الجبل وثورة الطين التي بدأت تصرخ في خلايا دماغ ميرال: (غريبة.. دم خائن.. لا مكان للعقرب في العرين!). شحب وجه ميرال المتمدن بـ صدمة زلزلت كيانها، وشعرت بـ برودة الموت تسري في عظامها؛ فنقطة ضعفها التي كشفتها نبيلة—وهي الخوف من طاقة الجبل الخارقة لأن عروقها خالية من دم العهد الطاهر—بدأت تفتك بعضلها. اهتز ثباتها، وارتعشت يدها الممسكة بـ الملف، وشعرت بـ عمى مؤقت ورعب حاد يكاد يطبق على أنفاسها وهي ترى الضوء الذهبي في عيني ليلى يتسع كأنه إعصار يوشك أن يبتلع غطرستها. استجمعت ميرال آخر ما تملكه من مكر ونفوذ مدفوع بـ سلاح المنظمة الدولية، وخطت خطوة دفاعية متوترة نحو الأمام، وحاولت جاهدة ألا تظهر رعبها من وشوشة الحيطان وطاقة الضي، ورفعت ملف العقود في وجه ليلى بـ غيظ وعنف، وتحدثت بـ نبرة حادة مخنوقة شابتها رعدة الخوف المكتوم، قائلة بـ وعيد: ـ "م ع تهزنيش ألاعيب السحر والخوارق دي واصل يا ليلى! اطلعي في الورق ده زين.. الورق ده بـ يحميه اللواء رفعت ومنصور بيه بـ قوة الحكومة وبـ شرع النيابة الكبيرة بـ البندر! قاسم الراوي صِبح في جيب ميرال بـ حكم صك الجواز الرسمي، والسرايا دي النصف بتاعها ملكي بـ القانون. إنتي حرمة ملهاش أصل اهنه، ومكانك ع يكون ورا القضبان بـ تهمة النصب وإثارة الفتنة بـ السحر في النجع. المنظمة الدولية واقفه ورايا بـ السلاح وبـ النفوذ، واليد اللي ع تقف في طريقي لـ أجل ما تاخد ملكي.. ع تتدفن في السجن بـ قوة القانون وغدر الغريب واصل!" لم ترمش ليلى، ولم يتراجع الضوء الذهبي في عينيها ذرة واحدة؛ بل خطت خطوة ملوكية شاهقة نحو ميرال، حتى التقت أنفاسهما، وتداخل كبرياء الزوجة والسلطانة بـ غدر الخائنة، وجاء صوت ليلى عميقاً جهورياً، يحمل بحة الجبروت والصلابة الصعيدية التي تزلزل الرواسي، وقالت بـ هدوء مخيف يقطر بـ المؤامرة المضادة والثقة المطلقة: ـ "قانون البندر بـ تبليه وتشربي ميته تحت رجلين الأحرار في الجبل يا ميرال! أنا خابرة زين إيه اللي مخبياه ورا فروا المدائن وعطور مصر.. خابرة بـ تخاطري وبـ دم العهد اللي بـ يسرى في عروقي إنك م ابنة عم حقيقية لـ قاسم، وإن أبوكي تباّناكي بـ ورق مزور في مصر بـ أمر المنظمة وجماعة جوليا لـ أجل ما تكوني عقرب بـ يتجسس على سر الأرض! السرايا دي حيطانها صوان، وم بـ تقبلش دنس الغريب، والوشوشة اللي بـ ترعب قلبك الخاوي دلوك هي أول سطر في كفن مكركم. قاسم سلطاني وروحي، والورق المبلول بتاعك ده ع نحرقه بـ جمر الصدق قصاد النجع كله، وع تخرجي من البوابة الكبيرة بـ ذل وصغار ما شفتيه في عمرك واصل. الشوك حامي العش، والوردة ع تطير رقبتك لو فكرتِ تلمسي شبر من طين داري!" انطلقت موجة تخاطرية أخيرة من عيني ليلى أحدثت صدى مكتوماً في الممر، فـ تراجعت ميرال خطوتين لـ الوراء بـ ذعر والتصق ظهرها بـ العمود الصخري وهي تلهث كمن يلفظ أنفاسه، بينما التمعت عيناها بـ حقدٍ أسود ومؤامرة دموية جديدة أدركت معها أن ليلى ليست مجرد حرمة صعيدية بـ تتحارب على رجل، بل هي عقبة عاتية وجدار نار يجب سحقه بـ الرصاص الحي. انتهت المواجهة الصامتة بـ نظرة تحدٍّ نارية كشفت عورة الغريبة، لـ تنسحب ميرال بـ خطوات مرتبكة نحو المضيفة لـ تستعجل الضربة العسكرية لـ المنظمة، بينما بقيت ليلى واقفة بـ شموخٍ ملوكي لا يعرف الانكسار، معلنةً لـ ظلال السرايا أنَّ العرين محروس بـ بصيرتها وعهدها للأبد!غابتْ شمسُ العصرِ خلفَ سنامِ الجبلِ الشرقيِّ الوعرِ، تاركةً وراءَها شفقاً مدمىً بـ الحمرةِ النحاسيةِ الساخنةِ، صبغَ جدرانَ سرايا آل الراوي بـ ظلالٍ من الوجلِ والترقبِ الخانقِ. كان النجعُ يعيشُ في تلك الساعاتِ على صفيحٍ ساخنٍ؛ فالهمساتُ تنخرُ في بيوتِ الطينِ عن صكوكِ ميرال السيوفي ووعودها المسمومةِ التي شقتْ صفوفَ الكبارِ. هواءُ المساءِ القادمِ من صوبِ النيلِ كان يحملُ برودةً مريبةً، غسلتْ عتباتِ السرايا الحجرية العتيقةِ بـ رائحةِ الغبارِ الرطبِ ونبتِ الحلفاءِ، ممتزجةً بـ فحيحِ مؤامرةٍ قذرةٍ كانت تُطبخُ على نارٍ هادئةٍ في دهاليزِ النفوذِ وراءَ البحارِ وفي غرفِ البندرِ المظلمةِ.في "غرفةِ المراقبةِ والاتصالِ السريةِ" القابعةِ في أحشاءِ السرايا السفليةِ، حيثُ تلتقي جدرانُ الحجرِ الصوانيِّ الأسودِ بـ التكنولوجيا الحديثةِ، كان "سليم الراوي" يقف كـ نمرٍ محبوسٍ في عرينهِ. كان يرتدي جلبابه الداكنَ المنبثقَ من سوادِ الليلِ، وعباءتهُ الشتوية الثقيلة تنسدلُ فوق كتفيهِ العريضينِ، متأهباً بـ سلاحهِ الشخصيِّ المحشوِ بـ الذخيرةِ الحيةِ. كانت الأجهزةُ اللاسلكيةُ المشفرةُ تومضُ بـ أضواءٍ حم
تسللتْ ليلى من الممرات الخلفية للسرايا كأنها طيفٌ من أطياف الجبل، تفرّ من ضجيج الفتنة الذي ملأ الباحة الخارجية بعد أن عاثت فيه ميرال السيوفي بوعودها المسمومة وصكوكها القانونية. كانت جدران السرايا الحجرية السميكة تبدو في هذا المساء كأنها تئن تحت وطأة المؤامرات التي تحاك في الظلام، بينما انقبض صدر ليلى بنيران غيرةٍ صعيدية عاتية كادت تفتت ضلوعها، ممتزجةً بتوجسٍ عميق على عرينها وزوجها. تلمست نصل الخنجر الصعيدي المستقر في حزامها بحركةٍ آلية، ونهبت الأرض بخطواتٍ رشيقـة ملوكية، متجهةً نحو القبو السفلي حيث يقع "وجار الحاجة نبيلة".عند عتبة الوجار، تلاشت أصوات النجع ليحل محلها سكونٌ مهيب تفوح في أرجائه رائحة حطب الطلح المحترق، ورائحة البخور الجاوي العتيق، وعبق القهوة البكر التي تغلي على مهلٍ فوق رماد الموقد الطيني. كان المكان يغرق في ظلالٍ برتقالية دافئة تعكسها ألسنة اللهب المرتجفة، وفي وسط هذا الركن الذي يختزل تاريخ آل الراوي بأكمله، كانت "الحاجة نبيلة" تجلس بوقارها الملكي كأنها حارسة الزمان. عباءتها السوداء الفضفاضة تنسدل حول جسدها النحيل، ويداها المجعدتان اللتان عاصرتا عهود الدم والتا
في الجانب الشرقي القاصي من سرايا آل الراوي، حيث تقف "المضيفة القديمة" شامخةً بجدرانها المبنية من الطوب اللبن العتيق والحجر الصواني الأسود، كانت العتمة قد ضربت سياجها المحكم فوق الأرجاء، ليحل محل صخب النهار سكون مريب يقطر بمؤامرات الليل وخيانة الداخل. كانت الأجواء داخل المضيفة الفسيحة مشحونة بضباب كثيف من تبغ السجائر البندرية الفاخرة، وممتزجة برائحة القهوة المرة المغلية على مهل فوق جمر الموقد النحاسي. أنوار المصابيح الزيتية المتدلية من السقف الخشبي كانت ترتجف مع كل هبة ريح باردة تتسلل عبر النوافذ المقوسة، ملقيةً بظلال مشوهة طويلة للأجساد الجالسة بالداخل، كأنها أشباح تحيك كفن النجع في الخفاء.في صدر القاعة المفرشة بالسجاد العجمي الداكن، كانت "ميرال السيوفي" تجلس كحية رقطاء تنفث سمها بدم بارد. كانت ترتدي ثوباً مخملياً أسود يبرز قوامها الممشوق الطاغي، وتضع فوق كتفيها فرواً ناعماً ينم عن ثراء البندر ونفوذه، بينما كانت عيناها الخضراوان تلمعان ببريق الجشع والتملّك الطاغي وهي تقلب بين أصابعها المطلية باللون القرمزي صكوك الملكية وأوراق النيابة الملكية. وبجانبها كانت تجلس "فوزية" واجمة، ع
تلبدتْ سماءُ نجع الراوي بسحبٍ خريفيةٍ داكنةٍ، حجبتْ خيوطَ الشمس الآفلة ولفتْ السرايا الكبيرة برداءٍ من الغموض والتوجس، كأنَّ جدران الصوان العتيقة كانت تشعر بالزلزال الذي يوشك أن يضرب أركانها. داخل "الديوان الكبير"، كان الصمت خبراً عاتياً يربض فوق صدور الحاضرين؛ كبار العائلات وعمد القرى جلسوا على مقاعدهم الخشبية المحفورة بختم الأجداد، والوجوه التي غسلها الفخر بنصر البارحة عادت لتتوشح بالوجوم والحيرة. اختلطت رائحة التبغ الصعيدي المعتق بزفرات الصدور القلقة، وبدا بخور الجاوي المتصاعد من المباخر النحاسية كأنه دخان معركة جديدة لا تُدار بالبنادق، بل بالعهود المسمومة وكيد المدائن.في وسط هذه الأجواء المشحونة، كانت "ميرال السيوفي" تقف في بقعة الضوء الضعيفة المنبعثة من الثريا الكريستالية العتيقة. دخلت السرايا كإعصارٍ مغلف بالحرير والعطور الباريسية؛ قامتها الممشوقة الطاغية وشياكتها العالمية أحدثتا هرجاً ومرجاً لم يشهده النجع من قبل، وعيناها الخضراوان اللامعتان كأفاعي العشب كانت تشعان بثقةٍ مطلقة، ثقةِ من يملك الأرض ومن عليها بقوة صاغتها عقول غامضة وراء البحار.أمامها، وقف قاسم الراوي ك
غصَّ "الديوان الكبير" بسرايا آل الراوي بكبار النجع وعمد العائلات الصعيدية الأصيلة، الذين تقاطروا على السرايا بوجوهٍ واجمة وعيونٍ يملؤها الترقب والقلق بعد أن جرى خبر عودة فوزية ومطالبتها بـ "حقوقها القديمة" مجرى النار في الهشيم. كان الهواء داخل القاعة الفسيحة ثقيلاً، مشحوناً برائحة التبغ الصعيدي العتيق الممتزج بعبير بخور الجاوي الذي يتصاعد من المباخر النحاسية، ملقياً بظلاله ووشوشاته على الجدران الصخرية السميكة التي شهدت أحكام الدم والتار عبر العقود. جلس الشيوخ والحكماء على مقاعدهم الخشبية العتيقة المحفورة بختم الأجداد، والهمسات بداخلهم لا تنقطع عن تلك "العاصفة الجديدة" التي دبت في العرين بعد ساعاتٍ قليلة من تطهيره من دنس المحامي وجابر.في صدر القاعة، وقف قاسم الراوي كعادته كـ الطود الراسخ، قامته الطاغية تفرض مهابةً سلطانية تسري في نفوس الحاضرين دون حاجةٍ للحركة. كان يرتدي جلبابه الأسود الفاخر، وعباءته المقصبة بخيوط الفضة تنسدل على كتفيه العريضين، بينما كانت عيناه الصقريتان تلمعان بذلك الضوء الذهبي الخافت، النبض السري المتوارث الذي ناله من البُعد الآخر، والذي كان يمنحه قدرةً على ق
تبدّلت ألوانُ المغارب فوق نجع الراوي، لتترك السماءَ مشحونةً بـ ضبابٍ رماديٍّ ثقيل امتزج بـ أنوار الفجر الجديدة، كأنَّ الأيامَ ترفضُ أن تمنحَ السرايا الكبيرة هدنةً حقيقيةً بعد ليلة الحساب الطاحنة. لم تكن أنفاسُ أهل النجع قد استقرت بعدُ في صدورهم عقبَ سقوط المحامي وجابر وتطهير العرين، حتى انشق سكونُ الباحة الخارجية عن جلبةٍ غيرِ معهودة. صريرُ البوابة الحديدية الضخمة لـ سرايا آل الراوي، تلك البوابة التي نُقشت عليها صراعاتُ العقود وخُتمت بـ دماء المخلصين، انفتح بـ قوةٍ ووقارٍ مفاجئ، محدثاً دويّاً صدى في أرجاء الجدران الصخرية السميكة.من قلب الظلال، ولجت سيارةٌ سوداء فارهة لم يألفها طينُ النجع الوعر، لتتوقف في وسط الساحة الرحبة. انفتح الباب بـ بطء، لـ تخطو إلى الأرض قدمٌ تزن خطواتُها هيبةً وتمدناً مختلفاً تماماً عن خشونة الجبل. كانت "فوزية".. ابنةُ عم قاسم التي غادرت الديار منذ سنين طويلة مع أبوها مهاجرةً صوب "مصر" (القاهرة)، حيث ذابت في كنف الحياة العصرية وانقطعت أخبارها خلف جدران البندر الصاخبة.دخلت فوزية بـ كامل قامتها الممشوقة، كأنها طيفٌ من زمنٍ آخر؛ جمالُها الصعيدي الأصيل







