Home / الرومانسية / وردة في عرين السلطان / "موكب الطاعة.. وزفة الدم"

Share

وردة في عرين السلطان
وردة في عرين السلطان
Author: بدر رمضان

"موكب الطاعة.. وزفة الدم"

last update publish date: 2026-05-21 07:20:22

السواد لم يكن مجرد لون اتشحت به نساء دار "أبو المجد"، بل كان كائناً حياً يتنفس في الزوايا، يمتص البقايا الأخيرة من ضوء الشمس المتسلل عبر النوافذ الخشبية العتيقة. في وسط المندرة الكبيرة، كانت "ليلى" تقف كتمثال من مرمر وسط عاصفة من النحيب والصرخات المكتومة. يداها الباردتان كانتا تختبئان داخل أكمام ثوبها الأسود الفضفاض، بينما عيناها الواسعتان، اللتان كانتا يوماً ما بلون بحيرات صافية، تجمدتا على الفراغ.

لقد رُفعت الرايات البيضاء فوق الدار، لكنها لم تكن رايات سلام، بل كانت رايات استسلام لـ "سلطان الجبل".

ـ "يا مري يا بنيتي.. عيسوقوكي كيف النعجة لدار اللي قتلوا ولدنا؟ كيف يا عثمان توافق على الذل ده واصل؟!"

كان هذا صوت عمتها وهي تلطم خديها بـ قهر، بينما عمها "عثمان أبو المجد" كان يجلس على مقعده الخشبي المذهب، مطأطأ الرأس، كبريائه الصعيدي الذي ناطح السحاب لسنوات تفتت تحت وطأة الرصاص الذي حصد رجال العائلة في ليلة واحدة. مسك عثمان عصاه الأبنوسية بيد ترتعش، وقال بصوت متحشرج خرج من أعماق صدره الجريح:

ـ "امسكي لسانك يا حرمة! ماريدش حديت عاد.. الجبل مابيرحمش، وقاسم الراوي لو مالقاش الدية واصلة لباب سرايته قبل ما الشمس تغيب، عيمحي اسم أبو المجد من النجع كله. التار عياكل الأخضر واليابس، وروح 'فرحة' اللي هربت وطينت راسنا بالطين هي السبب في كل ده!"

عند سماع اسم أختها "فرحة"، انتفض قلب ليلى. فرحة.. الأخت التوأم، الوردة التي عشقها سلطان الجبل، والتي اختفت في ليلة زفافها لتترك وراءها بركاناً من الشك والدم. الجميع يقول إنها هربت مع "أدهم الهواري"، والجميع يرى أن ليلى هي البديلة التي يجب أن تدفع الثمن، أن تُقدم كقربان لتهدئة وحش كاسر لا يعرف الرحمة.

أخذت ليلى نفساً عميقاً، وشعرت بالغصة تخنق حلقها. التفتت إلى عمها وقالت بصوت هادئ، هدوء ما قبل العاصفة، لكنه يحمل نبرة قوة لم يعهدوها فيها:

ـ "خلاص يا عمي.. الحديث مابقاش ليه عازة. أنا قايمة لـ نصيبي. بس افتكر زين.. أنا داخلة دار الراوي راسي مرفوعة، مش داخلة مكسورة. ليلى أبو المجد مابتنحنيش."

في الخارج، كان صوت أبواق السيارات وهتافات رجال "الراوي" تقترب كطبول حرب. لم تكن زفة عروس، بل كانت موكباً لاستعراض القوة والتملك. أطلقت السيارات العنان لأعيرتها النارية في الهواء، رصاصات متتالية هزت أركان النجع، تعلن للجميع أن "البديلة" في طريقها إلى العرين.

نزلت ليلى من درج الدار الكبيرة، يرافقها عمها الذي ألقى فوق رأسها شالاً أسود ثقيلاً حجب وجهها عن الأعين. خطت خطواتها نحو السيارة السوداء الفارهة التي كانت تنتظرها عند الباب. كان يقف بجانب السيارة رجل ضخم الجثة، ذو ملامح صارمة، يرتدي جلباباً صعيدياً داكناً ويحمل سلاحاً آلياً على كتفه. نظر إلى ليلى بنظرة خالية من أي مشاعر، وفتح لها الباب الخلفي قائلاً بجفاء:

ـ "اتفضلي يا ست ليلى.. السلطان مستني في السرايا، ومابيحبش التأخير واصل."

ركبت ليلى السيارة، وأُغلق الباب خلفها بصوت قوي تردد صداه في عقلها كأنه صوت قفل سجن أبدي. تحركت السيارة وسط غبار الطرقات الترابية، تاركة وراءها دار عائلتها، وتاركة وراءها الفتاة التي كانتها بالأمس. طوال الطريق، كانت تنظر إلى يدها، إلى الأصابع التي كانت تعزف على أوتار الفرح يوماً، وكيف أصبحت الآن مقيدة بوعود الدم والثأر. لم تبكِ، فالدموع رفاهية لا تملكها "الدية".

وصل الموكب إلى سرايا عائلة الراوي. كانت قلعة حصينة تقف في حضن الجبل الشرقي، جدرانها العالية المبنية من الحجر الصلد تبث الرعب في النفوس. الحراس ينتشرون في كل مكان، والعيون تترصد الوافدة الجديدة بفضول ممزوج بالشماتة.

نزلت ليلى من السيارة، وتقدمت بخطوات ثابتة رغم الارتجاف الخفي في ركبتيها. دخلت من البوابة الحديدية الضخمة إلى البهو الكبير. المكان كان واسعاً، تتدلى من سقفه ثريا كريستالية ضخمة تحاكي قصور الملوك، لكن برودتها كانت تلف المكان. في نهاية البهو، كان هناك درج دائري عريض، وفي أعلاه.. كان يقف هو.

"قاسم الراوي".. سلطان الجبل.

كان يقف بجسده الفارع، متكئاً على سور الشرفة الداخلية. يرتدي جلباباً أسود فاخراً، وفوق كتفيه عباءة مطرزة بخيوط القصب الراقية. لمت رأسه عمامة صعيدية أتقن لفها، تبرز ملامح وجهه الحادة كالسيف. لحية خفيفة مهذبة بدقة تحيط بفك عريض وقاسٍ. عيناه الحادتان كصقر يتربص بفريسته، كانتا تشعان ببريق غامض.. بريق يمتزج فيه الغضب المتأجج بالوجع الدفين. كان في الثلاثين من عمره، لكن هيبته تجعله يبدو كملك يحكم النجع بكلمة واحدة.

نظر ليلى إليه، ورفعت رأسها لتبادله النظرة عبر الشال الخفيف الذي يغطي وجهها. التقت الأعين، وشعرت ليلى وكأن الهواء سُحب من صدرها. لم يكن رجلاً عادياً، كان إعصاراً متحركاً.

نزل قاسم الدرج ببطء، دقات حذائه على الرخام كانت تبدو لليلى كعد تنازلي لشيء مرعب. وقف أمامها مباشرة، تفصله عنها خطوات قليلة. رائحة عطره النفاذة، الممزوجة برائحة التبغ والبارود، اقتحمت حواسها. رفع يده ببطء، وبتمريرة واحدة قاسية، أزاح الشال عن وجهها.

اتسعت عيناه لثانية واحدة، ثانية واحدة فقط ظهرت فيها صدمة مكتومة. ملامحها كانت نسخة طبق الأصل من "فرحة".. نفس العيون الواسعة، نفس الشفاه المرسومة، لكن الفارق كان في النظرة. فرحة كانت رقيقة، منكسرة، كالعصفور. أما ليلى.. فكانت نظرتها قوية، تتحدى كبرياءه.

تصلبت ملامح قاسم فوراً، واختفت الصدمة ليحل محلها جمود مرعب. اقترب منها خطوة أخرى، حتى شعرت بأنفاسه الحارة تلامس جبينها، وقال بصوت جهوري، عميق وبارد كأعماق الجبل:

ـ "نورتي جحيمك يا بنت أبو المجد.. كنت فاكر إنهم عيبعتوا لي 'دية' تعوضني عن اللي راح، ماكنتش خابر إنهم عيبعتوا لي 'نسخة مشوهة' من الخاينة اللي هربت!"

نزلت الكلمات على ليلى كجلدات السوط، لكنها لم تطرف بعينها. ضغطت على أسنانها وردت بصوت واثق:

ـ "أنا مش نسخة من حد يا سلطان الجبل.. وأختي مش خاينة، والأيام عتبين لك الحقيقة. أما وجودي اهنه، فهو عشان حقن الدم، مش عشان أسمع كلام مالوش عازة."

اشتعلت النار في عيني قاسم من جراء ترفعها وعنادها. قبض على ذراعها بقوة جعلتها تحبس أنفاسها من الألم، وهمس بفحيح مرعب:

ـ "الحقيقة أنا اللي بكتبها بيدي اهنه في النجع ده يا ليلى.. ومن النهاردة، إنتي مابقاش ليكي اسم، إنتي 'البديلة'.. وعقد امتلاكك انكتب بالدم، والي ليلة عتعرفي فيها كيف الجبل لما بينهار، بيسحق الورد اللي تحتيه!"

ألقى بذراعها بقوة، والتفت إلى الخدم والحراس الذين كانوا يقفون بترقب، وزعق بصوت زلزل جدران السرايا:

ـ "خدوها على الأوضة الجوانية.. ومحدش يدخل لها واصل لحد ما أجي لها بليل. الليلة.. عتبدأ زفة الحق!"

مشيت ليلى مع الخادمة وهي تشعر بأن ذراعها كاد ينكسر من قبضته، لكنها لم تلتفت خلفها. كانت تعلم أن خلف هذه السرايا المحصنة، وأمام هذا الرجل الذي يقسم ألا يلين، ينتظرها صراع لا يرحم.. صراع ستكون فيه إما الضحية، أو السلطانة التي تروض الجبل.

تزاحمت الظلال على جدران الغرفة "الجوانية" كأنها أشباح تتربص بالوافدة الجديدة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • وردة في عرين السلطان   محكمة الصوان

    تجمعت خيوطُ الشمس الأولى فوق أسطح سرايا آل الراوي، لكنها لم تكن شمساً تملأ النفوس بالدفء، بل كان نوراً كاشفاً حاداً يشق غبار المؤامرة الذي خيّم على النجع طوال غياب سيده. في "الديوان الكبير"، حيث امتزجت رائحة القهوة المرة المغلية على الجمر بعبق التبغ الصعيدي الأصيل وبخور الجاوي، كان مجلس النجع قد اكتملت أركانه. جلس كبار العائلات وعمد القرى المجاورة على المقاعد الخشبية العتيقة المحفورة بختم الأجداد، وجوههم محفورة بتضاريس الشرف والصبر، وعيونهم تترقب ما ستؤول إليه هذه الليلة الطويلة.في صدر القاعة، وقف "قاسم الراوي" شامخاً كالجبل الشرقي، جسده الطاغي يفرض هيبته على كل من في المكان دون حاجة للحركة. كان يرتدي جلبابه الصعيدي الأسود الفاخر، وعباءته المقصبة بخيوط الذهب تنسدل على كتفيه العريضين كراية ملكية. عيناه الصقريتان لم تعودا كالسابق؛ بل كانتا تلمعان بذلك الضوء الذهبي الخافت، النبض السري الذي انطبع في حدقتيه بعد تحطيمه لصولجان الأبعاد، وكأنه كشاف كوني يقرأ خبايا النفوس ويجرد الخونة من أقنعتهم. بجانبه، كانت تقف "ليلى"، سلطانة قلبه وعرينه، بعباءتها السوداء الملوكية، كفها متشابكة بأصابع

  • وردة في عرين السلطان   فتح الثغرة

    في أعمق زوايا القبو القديم، حيث تتكاثف العتمة وتتلاشى أنفاس الأحياء ليحل محلها عبق الموت والزمن، وقف قاسم الراوي كأنه ماردٌ نُحت من صخور الجبل الشرقي. الغبار الكثيف المعلق في الهواء كان يتراقص في حزم الضوء الخافتة، ورائحة الرطوبة والعفن المنبعثة من الطوب اللبن الأسود كانت تزكم الأنوف، لكنها بالنسبة لقاسم كانت رائحة الأرض، رائحة الأجداد الذين شيدوا هذا العرين ليصمد في وجه العواصف. تقدم قاسم بخطوات بطيئة وئيدة نحو الجدار القبلي، حيث كان يستقر تمثال الأجداد؛ ذلك التمثال الحجري الضخم الضارب في القدم، والمصنوع من البازلت الأسود الصلد، والذي يمثل الفارس الأول لعائلة الراوي وهو يقبض على لجام جواده بعزة وكبرياء صعيدي لا يلين. كانت عينا قاسم تلمعان بذلك الضوء الذهبي الخافت، تلك الهالة السرية التي ورثها من البعد الآخر، وكأنها كشّافٌ كوني يكشف ما خفي عن عيون البشر. وقفت ليلى قريبة منه، تكاد تلتصق بظهره العريض، عباءتها السوداء المطرزة بخيوط القصب تتناغم مع حركاتها الرشيقة، وعيناها الواسعتان تفيضان بمزيج من الشغف الروماني والترقب المشوب بالحذر. خلفهما، عند بداية الدرج الحجري

  • وردة في عرين السلطان   الصندوق الأسود

    التفت قاسم نحو سليم، وجاء صوته عميقاً جهورياً، يحمل بحة الوعيد الصعيدي والصلابة التي لا تلين، وقال وعيناه مصوبتان نحو الشق الضوئي:ـ "يا سليم.. يا ولد عمي. البوابة دي ما عاد لهاش عازة في دنيانا واصل. دي ثغرة في جدار الجبل، ولو فضلت مفتوحة كديه، الكلاب اللي بـ ينهشوا في ضهرنا.. المنظمة، وجماعة جوليا والمحامي، ع يلاقوا طريق يوصلوا بيه لـ أسرار الأجداد. السحر والوهم اللي جوه ع يخليهم يتحكموا في رقاب الخلائق، وقاسم الراوي مش ع يسمح إن أرض الصعيد تكون ممر لـ غدرهم. البوابة دي لازم تتهد، وتتدفن تحت صخر الصوان لـ حد قيام الساعة."خطا سليم خطوة نحو الأمام، ممسكاً بسلاحه الآلي، وعلامات التقدير والدهاء العسكري ترتسم على وجهه الحاد، ورد بصوت منخفض قوي:ـ "معاك حق يا سلطان. إحنا ع نخوض حرب مع خونة الداخل، مع جابر والمحامي اللي بـ يبيعوا الأرض بـ المتر، والمنظمة واقفه على الأعتاب مستنية إشارة. لو حد فيهم عرف بطريق البوابة دي، مش ع يقدر عليهم واصل لا جيش ولا حكومة. بس كيف ع تهد حجر مسحور بـ القوة دي يا خوي؟ السلاح اللي معايا ده أقصاه يطير رقاب، لكنه ما ع يهدش بوابات أبعاد."ا

  • وردة في عرين السلطان   اللقاء العظيم

    كان الممر الصخري المؤدي إلى خارج الجبل يزداد اتساعاً كلما تقدموا، والرياح الباردة القادمة من أفق النجع بدأت تداعب الوجوه، حاملةً معها رائحة تراب الصعيد الرطب ونبت الحلفاء. مشى قاسم في المقدمة، واضعاً يده الضخمة في يد ليلى، مشبكاً أصابعه بأصابعها بقوةٍ كادت توجع عظامها، لكنها كانت الوجع المحبب الذي يطرد كوابيس الفراق. وخلفهما كان سليم يسير بخطى عسكرية متزنة، عيناه تجولان في الظلام يميناً ويساراً، وسلاحه الآلي في وضع الاستعداد، فرغم عودة السلطان، إلا أن غريزة المخابرات فيه كانت تذكره بأن "خونة الداخل" وجماعة جابر والمحامي لا يزالون يتربصون بالسرايا.في وسط هذا المسير الصامت، بدأت ليلى تلاحظ أموراً غريبة وغير مألوفة تسري في جسد زوجها. لم تكن الملاحظة بالعين المجردة فحسب، بل بحسها التخاطري الجديد الذي بات يقرأ الذبذبات الخفية في الهواء. عندما كانت تنظر إلى جانبه الأيمن، رأت عينيه الصقريتين لم تعودا كالسابق؛ كانتا تلمعان بين الحين والآخر بضوءٍ ذهبيٍ خافت، نبضاتٌ من النور السري تشع من بؤبؤ العين كلما ركز نظره على زاوية معتمة في الكهف، وكأن البُعد الآخر قد ترك وسمه الأبدي في بصيرته.

  • وردة في عرين السلطان   سحر من حجر الجبل

    انطلقت ليلى وسليم في الممر الضيق الذي يعقب مركز الوادي، وكانت شظايا الزجاج المحطم تحت أقدامهما تعزف إيقاعاً مرعباً يتماشى مع دقات قلبيهما. لم تكن جدران الكهف مستقرة، بل كانت المرايا المتبقية على الجوانب تهتز وتتموج كأنها مياه راكدة ألُقيت فيها أحجار ثقيلة. كانت طاقة المكان تتصاعد، محملة بأصداء المؤامرات التي تحاك في عتمة السرايا، وبتلك الأنفاس الخبيثة للمحامي وجابر اللذين يظنان أن العرين بات مستباحاً.وفيما كانت ليلى تتقدم بخطى ثابتة، مدفوعة بذاك العشق الجارف وقوة الشوك التي ولدت في قلبها، لاحظ سليم أن الضباب الرمادي بدأ يتكثف حول قدميه بشكل مريب. كان يحاول أن يكون درعاً لحمايتها، ويراقب الثغرات الأمنية بعين الضابط المحنك، لكن الجبل كان يملك قوانين أخرى لا تعترف بالخطط العسكرية ولا بالتدريب المخابراتي. فجأة، التمعت مرآة ضخمة ذات إطار صخري أسود على يمين سليم، وانبثق منها ضوء أحمر قاني كدمٍ طازج.تصلب جسد سليم في مكانه، وسقط سلاحه الآلي من يده ليرتطم بالأرض الصخرية محدثاً دويّاً حاداً. اتسعت عيناه بذهول، وتحولت نظراته الصقرية إلى نظرات تائهة مستسلمة، فقد وقع في "فخ المرايا" ال

  • وردة في عرين السلطان   اختبار الروح

    كان "وادي المرايا" يمتد أمام ليلى كمتاهةٍ من الزجاجِ المسحور، حيثُ لا صخور ولا رمال، بل جدرانٌ شاهقةٌ من المرايا الصقيلة التي تعكسُ ليس فقط الجسد، بل خبايا الروح وأصداءَ المستقبل. عندما خطت ليلى أول خطوةٍ داخل هذا الوادي، شعرت بأنفاسِها تتجمد، فالمرايا لم تكن عادية؛ بل كانت تتراقصُ فيها صورها، صورٌ لليلى التي قد تكون، وليلى التي كانت، وليلى التي يخشى قاسم أن يراها.وقفت ليلى في المركز، وسط دائرةٍ من المرايا العملاقة. في المرآة الأولى، رأت نفسها منحنية الظهر، ثوبها الصعيدي ممزق، عيناها غارقتان في دموعِ ذلٍّ لا ينتهي، وكأنها ليلى التي استسلمت لمؤامراتِ السيوفي، ليلى التي قبلت أن تعيشَ في الظل، خاضعةً لمن يملكون القوة، ترتجفُ من أدنى تهديد. في المرآة الثانية، رأت نفسها بملابسَ غريبةٍ فاخرة، تضحكُ بشماتةٍ وهي تسلمُ خنجرَ قاسم للمحامي الخائن، وجهها يقطرُ غدراً، وهي تبيعُ النجعَ مقابلَ وعودٍ بالذهب؛ كانت تلك ليلى التي أكلها الطمع، ليلى التي باعت العهدَ بـ "حفنةٍ من وعودٍ كاذبة". أما في المرآة الثالثة، فكانت ليلى تظهرُ بعباءتها السوداء المطرزة، واقفةً بـ شموخٍ يزلزلُ الجبال، عيناها تحم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status