Home / الرومانسية / وردة في عرين السلطان / نَسجُ الأفاعي في الخفاء

Share

نَسجُ الأفاعي في الخفاء

last update Petsa ng paglalathala: 2026-05-24 21:35:06

لم يكن الفجر الذي بزغ فوق قمم الجبل الشرقي فجراً عادياً يحمل تباشير الطمأنينة لأهل نجع الراوي؛ بل كان فجراً رمادياً تشبعت سماؤه بخيوط داكنة من أثر حريق السرايا القديمة الذي ظل يتصاعد منه الدخان كأنه أنفاس وحش يحتضر في جوف الصخور. نسيم الصباح البارد كان يلفح الوجوه، ممزوجاً برائحة احتراق أخشاب الأبنوس العتيقة وبارود الديناميت الذي فجره حمدان الهواري قبل أن يلقى حتفه.

في الجناح العلوي من السرايا الكبيرة، حيث ساد سكون مريب يشبه الهدوء الذي يسبق اقتلاع الجذور، كانت "ليلى" تقف أمام النافذة الخشبية الضخمة. أزاحت الستائر المخملية الثقيلة بيدين ما زالتا ترتعشان خفية من هول ما عشته في تلك الليلة الطاحنة تحت الأنقاض. كانت ترتدي ثوباً صعيدياً فضفاضاً من الحرير الأخضر الداكن، يبرز شحوب وجهها وبياض بشرتها النقية، وشعرها الأسود الطويل ينسدل خلفها كشلال غسق متمرج يتحدى برود الجواء.

نظرت ليلى إلى باحة السرايا الواسعة، حيث كان الحراس ينتشرون بكثافة غير معهودة، أسلحتهم الآلية مشرعة، والعيون تترصد كل حركة وافدة من أطراف النجع. شعرت بغصة في حلقها؛ الأرض التي تقف عليها، السرايا التي تحميها، والنجع بأسره.. كل هذا الإرث اتضح أنه ملك لأمها الراحلة، سرقته العائلات الكبيرة بالدم والتزوير. ورغم أنها مزقت العقد بكبرياء وعناد لتختار قاسم وعشقه، إلا أن أطياف ذلك السر كانت تهمس في أذنها بأن الفخ الأكبر لم ينتهِ بعد، بل بدأ يغير جلده.

انفتح الباب الخشبي الداخلي للغرفة الجوانية برفق حذر، لتنبعث معه رائحة المسك والبخور النفاذ الممتزج برائحة التبغ الصعيدي الثقيل وعطر "السلطان" الطاغي. التفتت ليلى بجسدها كله، ونبض قلبها بعنف وهي تراه يخطو نحوها.

"قاسم الراوي".. سلطان الجبل.

كان يتقدم بخطوات وئيدة، ثقيلة، تحمل هيبة ملوك الصعيد رغم الجراح التي أثقلت جسده الضخم. كان جلبابه الأبيض الناصع مفتوحاً عند الصدر، ليظهر الضمادات البيضاء السميكة التي لفت كتفه وظهره العريض لحمايته من نزف الشظايا. جبهته الحادة كانت تحمل جرحاً غائراً تلون باللون القاتم، وعمامته الصعيدية كانت ملفوفة بإتقان يبرز فكه العريض وقسوة ملامحه الصخرية. عيناه الصقريتان، اللتان تحولتا إلى جمرتين مشتعلتين بفعل قلة النوم والغضب المكبوت، تفرستا في ملامح وجهها بمجرد أن دخل.

لم يتحدث لثوانٍ؛ بل وقف يتأمل سكونها وجاذبيتها الطاغية التي سحرت كيانه. تحرك نحوها حتى انعدمت المسافة بينهما، وحاصرها بجسده الفارع وبنيته العضلية الضخمة أمام النافذة، لتشعر ليلى بأنفاسه الحارة الحارقة تلفح جبينها. امتدت يده الضخمة ذات الأصابع القاسية، وقبضت على معصم يدها اليمنى برفق حاسم، ونظر إلى وشم الوردة الدقيق المرتسم هناك.

ـ "لسه الخوف عياكل في ضلوعك يا سلطانة قلبي؟" قالها قاسم بصوته الرخيم العميق، ونبرته حملت تملكاً شرساً وجنونياً لا يعرف الرحمة. "النجع كله قفلته بيدي الليلة، ومفيش نَفَس عيمر من البوابة الخارجية إلا بإذن السلطان. غيرة الجبل عتقلي إن الوردة دي مابقاش ينفع تلمحها عيون غريبة واصل بعد اللي حصل."

رفعت ليلى عينيها الواسعتين لتلتقي بنظراته الحارقة، ووضعت كفها الصغير الآخر فوق موضع قلبه النابض كطبول الحرب على صدره، وقالت بنبرة عاصفة بالعناد والرومانسية:

ـ "الخوف مش على نفسي يا قاسم.. الخوف عليك إنت من الغدر اللي عيطلع لنا من تحت الأرض كيف الحيايا. الأرض والسرايا ورقها اتمزق تحت رجلينا في السرايا القديمة، وأنا ما خايفاش من ملوك ولا مطاريد طالما إني ساكنة جوة حصن صدرك. إنت داري وأماني يا سلطاني."

انحنى قاسم برأسه نحوها، وبحركة طاغية، سحبها لـ حضنه بقوة هائلة اعتصرت أضلعها، ودفن وجهه في عنقها يستنشق عبير شعرها المخملي. كان يعانقها بـ جنون عاشق كاد أن يفقد روحه واستعادها من براثن الموت تحت الأنقاض. همس في أذنها بفحيح تملك حاسم قطع أنفاسها:

ـ "أنتي بقيتي نفسي اللي عأتنفسه يا ليلى.. وعشقي ليكي عيحرق الصعيد كله لو حد فكر بس يمر قدام خيالك. إنتي مِلكي.. مِلك السلطان بعهد الدم والنار، ومفيش قوة فوق الأرض عتقدر تنتزعك من عريني واصل طالما فيا عِرق عينبض!"

أنزل شفتيه ليطبع قبلة حارة، طويلة وعميقة على شفتيها، قبلة تلاشت معها برودة الفجر، وعمّدت تملكه لها وسط هذه العواصف الطاحنة التي تحيط بهما من كل جانب.

وفي تلك الأثناء، بعيداً عن الرومانسية الحارقة التي غلفت غرفة السلطان، كانت أفاعي المؤامرة الجديدة تنسج كفن الخديعة بدم بارد داخل النجع الجواني.

في المكتب السري الفاخر للقصر المهجور لعائلة الهواري، كان الضوء الخافت لمصباح زيتي ينعكس على وجه "مروان الراوي".. ابن عم قاسم، والثعلب الجديد الذي دخل ساحة المعركة. كان مروان يرتدي حُلة فرنجية رمادية فاخرة وساعة ذهبية تطوق معصمه، تبرز طبيعة حياته في قاهـرة المعز بعيداً عن جلاليب الصعيد، لكن عينيه الغائرتين كانتا تشعان بمكر وذكاء شيطاني لا يرحم.

كان مروان يمسك بـ "النسخة الثانية المسجلة" لعقود ملكية أرض ليلى، العقود التي تحمل أختاماً رسمية قديمة لا يمكن الطعن فيها. وبجانبه كان يجلس اثنان من كبار وجهاء النجع، وجوههم تقطر حِقداً ورغبة في إسقاط "السلطان" الذي أذل كبرياءهم طويلاً.

ـ "قاسم واهم.. واهم واصل لو فاكر إن تمزيق الورق في الخرابة القديمة عينهي الحكاية" قال مروان بصوت هادئ، ناعم كالحرير لكنه قاطع كالسيف، وهو يرتشف من كأسه ببرود. "قاسم عايش دور العاشق مع البديلة، وفاكر إن الجبل صفي ليه بعد ما دبح أدهم وحمدان ومطاريدهم. ماخابرش إن القانون في مصر عيمشي فوق رقبة التار والبنادق الآلية!"

تقدم أحد الوجهاء، يدعى "الشيخ علام"، وقال بنبرة خبيثة:

ـ "وكيف عتمشي اللعبة يا مروان بيه؟ قاسم جبار، ولو شم خبر إنك عتحرك الحكومة ضد السرايا، عيعلق رؤوسنا كلنا على باب النجع وم مش عيهمه حد واصل."

ابتسم مروان ضحكة خبيثة باردة، ووضع العقود بـ حسم داخل حقيبته الجلدية:

ـ "البلاغ الرسمي عيوصل للنيابة بكرة الصبح بـ أختام الدولة.. البلاغ عيقلي إن قاسم الراوي واضع يده على أرض عيلة 'أبو المجد' بالغصب والإكراه، وإنه اتجوز ليلى كـ 'دية' تحت تهديد السلاح عشان يسرق ورثها ويجبرها تتنازل عن حقوقها! ع نخلي الشرطة تطوق السرايا بـ أمر قضائي، وقاسم مش عيقدر يضرب نار على الحكومة وإلا هيبقى مطرود من الجنان والقانون!"

وتابع مروان وعيناه تضيقان بـ مكر أعنف:

ـ "بس اللعبة الكبيرة مش بره السرايا.. اللعبة الكبيرة من جوة! 'فرحة' قاعدة دلوقت في الجناح السفلي كيف القطة المكسورة، والغل اللي في جوفها من أختها ليلى ماماتش، هو بس مستخبي ورا الرعب. أنا بعت لها خادمة من رجالي، وحطينا ليها رسالة تحت عتبة الباب عتقول لها إن قاسم هو اللي زور تمزيق العقد القديم عشان يفضل مسيطر على أملاك عيلتها، وإن ليلى خانتها وأخدت العرش والعشق اللي كان ليها! فرحة لما تصدق الكدبة دي، عتقلب السرايا من جوة، وع تخلي ليلى تشك في قاسم.. والعشق لما يدخل فيه الشك، عيتحول لـ بارود يحرق العرين بلي فيه!"

ضرب الوجهاء كفوفهم بعلامات الشماتة والطاعة، وبدأت الأفاعي تتحرك لـ نقل الرسالة الملعونة إلى جناح فرحة، لتبدأ فصول مؤامرة خفية تعتمد على سلاح الشك والغيرة الأنثوية الطاحنة.

مع حلول المساء، كان النجع يستعد للاحتفال الكبير بسلامة السلطان وسلطانته. السرايا الكبيرة أُضيئت بالكامل، وتدلت الفوانيس الملونة في الباحة الواسعة، واجتمع رجال عائلات نجع الراوي في المندرة الخارجية الكبيرة الكاشفة، حيث وُضعت الموائد المحملة بالذبائح والأطعمة الفاخرة، وصوت المزامير والطبول الصعيدية كان يصدح ليعلن الصلح الحقيقي واستقرار العرش لـ قاسم.

في الجناح السفلي، كانت "فرحة" تجلس بجانب النافذة الخشبية المغلقة، تضع رأسها على حافتها وتبكي بـ صمت مرير. لم تكن تبكي خوفاً، بل كان القهر يأكل في ضلوعها؛ رأت كيف قبل قاسم يد ليلى أمام الجميع، وكيف أعلنها سلطانة الجبل والقلب، بينما تُركت هي كأطياف من الماضي لا قيمة لها.

انفتح الباب برفق، ودخلت الخادمة الموالية لـ مروان الراوي. تحركت بحذر كالأشباح، ووضعت كأساً من الماء، وتحته انزلقت ورقة مطوية صغيرة كُتبت بحبر أسود غامض. همست الخادمة بنبرة مسمومة:

ـ "الست فرحة.. الورقة دي من يد مروان بيه الراوي.. عيقلك إن ليلى خدعتك، وإن قاسم زور الحكاية كلها عشان ياخذ أرض عيلتكم ويسجنك اهنه وسط الحريم!"

انتفضت فرحة وشحب وجهها بالكامل. بمجرد خروج الخادمة، سحبت الورقة بلهفة وفتحتها تحت ضوء الشمعة المرتعش، وبدأت تقرأ الكلمات المسمومة التي صاغها مروان بمكر: «إلى فرحة.. الوردة التي دبلت بـ غدر أختها. ليلى قطعت العقود قدام قاسم عشان تخليه يثق فيها ويسجل الأرض باسمها هي وبس! قاسم عيلعب بيكي وبعيلتك، ولو فضلتي ساكتة، عتعيشي جارية تحت رجلين أختك البديلة طول عمرك.. اسمعي الكلام بكرة واقلبي الطاولة عليها قبل ما يفوت الأوان!».

تصلب جسد فرحة، واشتعلت نار الغيرة والغل القديم في أعماق جوفها كـ سمٍّ سرى في عروقها. نظرت نحو الجناح العلوي حيث تعيش ليلى في أحضان قاسم، وهمست بنبرة تقطر حِقداً:

ـ "ليلى... عملتي كدة فيا؟! أخدتي مكاني وعشقي ودلوقت عتسرقي أرض بوي؟! والله ما عأسيبكم تتهنوا واصل!!"

في الأعلى، كانت ليلى تجلس في غرفتها الجوانية دافئة الأركان، ترتدي ثوباً ناعماً من الحرير الأبيض المطرز، وتنتظر عودة قاسم من المندرة الخارجية. انفتح الباب فجأة، ودخل قاسم بـ طلته الطاغية وضخامته التي تملأ المكان أماناً. كان قد تخلص من أعباء الضيافة وبقي بجلبابه الصعيدي الداكن، وعيناه الصقريتان تشتعلان بـ غيرة تملك شرسة بمجرد أن رآها بهذا السكون والجمال.

أغلق الباب الحديدي الثقيل خلفه برفق مرعب، وتقدم نحوها بخطوات بطيئة، كفهد يطوق وردته الثمينة. حاصرها بجسده الفارع فوق الفراش الحريري، وأمسك بكفيها وضغط عليهما برفق حاسم، ونظر في عينيها بنظرة تملك جنونية، وهمس بفحيح العشق الشرس:

ـ "النجع كله نام الليلة يا ليلى واصل.. ورجالي ع يقفلوا السرايا صخرة صخرة. غيرة السلطان عتقلي إن الوردة دي مابقاش ينفع تلمحها عيون إنس ولا جان بعد النهار ده. إنتي مِلكي.. مِلكي بعهد الحق والعناد، وماريدش حد في الدنيا يشاركني فيكي، حتى لو كان خيالك بالمرآة!"

ابتسمت ليلى بـ رقة وعناد يعشقه، ودفنت رأسها في صدره العريض المليء بالجروح، واستنشقت رائحة التبغ وعطره النفاذ، وشعرت بأن دقات قلبه القوية هي حصنها الوحيد ضد العالم:

ـ "وأنا ماليش مِلك ولا سلطان بره عرينك يا قاسم.. إنت حبيبي وسجاني، وعشقي ليك ع يفضل قايد طول ما فيا نَفَس واصل في الدنيا."

انحنى قاسم وطبع قبلة عميقة دافئة على شفتيها، لـ يغرق العاشقان في لحظة من الرومانسية الطاغية والحرارة التي أنستهم جحيم المؤامرات بالخارج.

ولكن.. بينما كان العرين ينعم بـ أمانه الزائف، كانت "فرحة" تقف في الرواق السفلي وسط الظلام، وعيناها تلمعان بـ شر جديد، ممسكة بـ زجاجة سمٍّ بطيء أرسلها لها مروان الراوي لـ تضعها في طعام شقيقتها ليلى بكرة الصباح، لـ تبدأ خيوط المؤامرة الجديدة في التحرك بـ صدمات وأحداث لا تنتهي واصل في نجع الراوي المشتعل!

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • وردة في عرين السلطان   غسق النصر

    تلاقت فيالق العتمة الماورائية ببارود الرجال عند عتبات "سرايا آل الراوي" الشامخة، لتتحول الساحات الفسيحة والممرات الرخامية العتيقة في غضون ثوانٍ معدودات إلى مرجلٍ لاهثٍ يقذف بالحمم والدم المحرّم. كان الضباب الأزرق الفسفوري الكثيف يغلي كالبحر الهائج، وتقاذفته لفحات الصقيع الشاتي القاسية التي زادت الأجواء برودةً لا ترحم، بينما كانت الجدران الحجرية العتيقة تنقبض وتنبض بنقوشها الفرعونية المشعة، كأنها حصنٌ يتمزق بين تاريخه الملعون وبين جبروت سلالة العرين التي رفضت الانحناء لغير خالقها.في قلب هذه الملحمة العاصفة، كان سلطان الجبل قاسم الراوي يقف ببنيته الفولاذية العريضة وطوله الفارع، كالصخرة العتية التي تتكسر عليها أمواج المنون. كان الصراع النفسي يطحن جوفه الصارم؛ فالأرض التي يطأها بجرأة وكبرياء رجل صعيدي ممتلئ بالشهامة تتهادم من تحته، والحيطان التي ورثها عن جده منصور بدأت تتنفس برائحة الملوك السبعة وأنفاس جيوشهم القادمة من أقصى الحدود المترامية للجبل الغربي. لكن جمر الغضب المكتوم في عينيه الذئبيتين الحادتين لم يكن وليد الخوف، بل كان وقوداً لشغف تملكي شرس لا يرحم؛ شغفٌ بحماية سلطانة كو

  • وردة في عرين السلطان   قيامة العرين وسعير الوجد

    زلزلت النبوءة الصاعقة أركان الوعي، فمادت الأرض تحت الأقدام الفولاذية لـ "سرايا آل الراوي"، وتحوّل ذلك الحصن المنيع الممتد عبر العصور إلى فخّ ماورائيّ لاهث، يبتلع خلف أبوابه الموصدة كبرياء السنين ويقين الرجال. لم يكن الضباب الأزرق الفسفوري الكثيف الذي يلف الممرات الرخامية مجرد طاقة عابرة، بل غدا كائناً حياً ينبض بأنفاس الملوك السبعة، يتغلغل في مسام الجدران الحجرية العتيقة ليعيد صياغة تاريخ النجع بمدادٍ من العتمة والدم المحرّم. تحجّر الحراس الأشداء في الساحات الفسيحة كأشجارٍ ميتة لوّثها الخوف، واستحالت زغاريد نسوة النجع التي ظلّت تتردد لساعات طوال إلى أصداء جنائزية مرعبة، تطحن القلوب وتعلن بطلان الأمان العائد.عند عتبة المندرة الكبرى، حيث كانت الشموع النحاسية الكبيرة ترتعش بلهيبٍ باهت تقاذفته عواصف الغيب، كان سلطان الجبل قاسم الراوي يقف بطوله الفارع وبنيته الفولاذية العريضة في مواجهة الكيان العملاق. كان الصراع النفسي يمزق جوفه برغبة تملكية شرسة وعاطفة جياشة جرت في عروقه كالحمم البركانية التي تهد الجبال؛ لأول مرة في تاريخه الحافل بالمعارك والكمائن الدولية على تخوم الجبل الشرقي، يشع

  • وردة في عرين السلطان   جمر العناق ونذير الغسق

    تجمّدت الأنفاس في الصدور الواجفة كأنها شظايا من صقيع كانون، واستحالت الساحات الفسيحة لـ "سرايا آل الراوي"—التي طالما كانت رمزاً للعز الصعيدي والمنعة والسطوة—إلى مسرحٍ لاهث لملحمةٍ ماورائية حابسة للأنفاس أطاحت بكل الثوابت والتحصينات في كسر من الثانية. كان الضباب الأزرق الفسفوري الكثيف يلتف حول الأعمدة الرخامية الشامخة والدروب الحجرية كأفعى لزجة انبعثت من جوف الجبل الغربي المنسي، لتبث سموم العتمة في عروق الحراس الأشداء؛ الذين وقفوا شاخصين كالتماثيل الحجرية المتحجرة، وعيونهم تقدح بذات البريق الشيطاني البارد الذي أعلن بطلان النصر المؤقت وسقوط الأمان العائد.عند عتبة السرداب السري المؤدي إلى الممرات العلوية الشاسعة، كان سلطان الجبل قاسم الراوي يقف بجسده الفولاذي وبنيته الطاغية العريضة كالجبل الأشم الذي تضربه العواصف فلا ينحني. كان الصراع النفسي يمزق أحشاءه برغبة تملكية شرسة ولوعة دفينة تكاد تصهر الحديد في صدره؛ لم يعد العدو أفاعي دولية أو مكائد من البندر يمكن تصفيتها بالبارود والدم، بل كان ينظر إلى تاريخ عائلته وعرينه وهو يُستباح في عقر داره. في يده اليسرى، كان يضم طفله وولي عهده "من

  • وردة في عرين السلطان   لظى العهد وسعير العناق

    مادت الأرض تحت الأقدام الفولاذية، واستحالت القاعة الصخرية العتيقة لباطن الجبل الغربي إلى مرجلٍ يغلي ببارود الرجال وسحر العتمة الماورائي المحرم. كانت الصرخة التي انطلقت من جوف ليلى تمزق سكون الهاوية كشفرة نصلٍ حامٍ، صرخةٌ لم تكن وليدة الرعب البشري العابر، بل كانت زلزالاً هز أركان وجدانها وهي ترى زوجها وسلطان قلبها، قاسم الراوي، يغوص بجسده الفولاذي الطاغي في تلك الفجوة السحيقة التي انشقت بغتة، ممسكاً بمعصمه ذلك الكيان الصخري الأسود المقصب بالنقوش الفرعونية القديمة، والذي كان يجذبه نحو القاع المجهول بعنفوانٍ لا يرحم كبرياء الأسد الجريح.لم تكن خطوط البارود التي أطلقها سليم ورجال النجع الأشداء من مدافعهم الرشاشة قادرة على اختراق ذلك السور المغناطيسي الأزرق الفسفوري الذي عاد ليتشكل حول الفجوة؛ كانت الشظايا الحجرية تتطاير كالمطر الفضي، والدخان الأبيض الكثيف ينفث في الأجواء ليمتزج برائحة الكبريت العتيق وبخور العود الذي كان عالقاً بثياب ليلى الغجرية المنسدلة في كبرياء. كان الصراع النفسي في تلك الأجزاء من الثانية يطحن القلوب طحناً؛ فقاسم، وهو يتأرجح بين باطن الأرض وظاهرها، كان عقله الصار

  • وردة في عرين السلطان   الندوب الغالية

    ارتجت أركان الهاوية الصخرية تحت وطأة الطلقة الفضية الجريئة، وامتزج دوي البارود الصعيدي الحامي بصرخات مكتومة، متهدجة ومرعبة، انطلقت من جوف الظلال السبعة التي تراجعت خطوتين إلى الوراء كأفاعٍ مباغتة أصابها السّم في مقتل. تحول الوميض الأزرق الفسفوري الذي كان يملأ الفضاء بحبس الأنفاس إلى شظايا ضوئية متناثرة تعكس الرعب الماورائي البارد على الجدران الحجرية العتيقة لباطن الجبل الغربي. كان الموقف قد تخطى حدود العقل الإنساني ليدخل في كسر من الثانية إلى عالم الملاحم الأزلية؛ حيث لا بقاء إلا لمن امتلك عقيدة صلبة وعشقاً جارفاً يهد الجبال ويصهر الحديد.في تلك اللحظة القاتلة الممتلئة بالصدمة والذهول الصاعق، لم يكن قاسم الراوي ينظر إلى الظلال المتهاوية بفعل طلقة الغدر، بل كان يلتفت بكامل جسده الفولاذي وبنيته الطاغية العريضة نحو مدخل السرداب المظلم. جحظت عيناه الذئبيتان الحادتان اللتان جابهتا الموت في كمائن الجبل الشرقي وتحدتا غدر الأفاعي الدولية، واحتَقن وجهه الأسمر الشامخ بمزيج معقد، عنيف وحارق من الشغف الجنوني والوجع النفسي الدفين. تيبست أصابعه فوق مقبض سلاحه الآلي وهو يرى سلطانة قلبه، وترياق

  • وردة في عرين السلطان   ترانيم الفداء والهاوية

    غاصت السرايا العتيقة لآل الراوي في لجة من جحيم صامت، جحيم لا تلتهم نيرانه الأجساد، بل تقتات على بقايا الروح واليقين. انقشع الأثر الماورائي للظلال السبعة، لكنه ترك خلفه عتمة داكنة ثقيلة، هبطت على أرجاء الجناح الملكي كوشاح من الرصاص. تلاشت أنوار الشموع الزرقاء لتترك الغرفة غارقة في رماد الرعب، ولم يعد يكسر جمود هذه العتمة الشاتية القاسية سوى صوت أنفاس ليلى المتحشرجة، المتقطعة كنزع أخير، بعد أن تحررت يد الغيب عن جسدها الرقيق وتركتها تسقط فوق الفراش الملكي الوثير كعصفور بلله المطر وعصف به الإعصار.تحرك قاسم الراوي داخل الجناح كالنمر الجريح الذي سُلبت منه أعز فرائسه. كان جسده الفولاذي وبنيته الطاغية يرتجفان ليس من الصقيع، بل من فوران الدم في عروقه برغبة تملكية شرسة وعاطفة جياشة تحولت بغتة إلى لوعة حارقة تفتت الصخر. الصراع النفسي الذي كان يمور في صدره بلغ ذروة لم يبلغها من قبل طوال تاريخه الحافل بالمعارك؛ هو سلطان الجبل، الرجل الذي لم تنحنِ قامته أمام كبار البندر ولم تهتز هيبته برصاص الكمائن الدولية، يقف الآن عاجزاً، ينظر إلى السرير الخشبي الفارغ الذي كان منذ قليل يضم ولي عهده ونسله ا

  • وردة في عرين السلطان   أطيافُ العرشِ الجديد

    لم يكن الفجر الذي بَزغ فوق قمم الجبل الشرقي فجراً عادياً؛ بل كان غسيلاً تطهرت به أرض نجع الراوي من دماء الخيانة التي تلوثت بها لسنوات. رائحة البارود التي كانت تخنق الأنفاس بدأت تتلاشى، تاركةً المكان لنسمات الصباح الباردة التي تحمل ريح الجبل العليل.في أعلى شرفة السرايا الكبيرة، التي أُعيد ترميم الج

  • وردة في عرين السلطان   رمادُ الأقنعة

    الكلمات لم تهبط على مسامع ليلى كالصاعقة فحسب، بل كانت كزلزالٍ شق الأرض من تحت قدميها وابتلع كل ما تؤمن به في هذه الحياة. انقطعت الأنفاس في صدرها، وتراجعت خطوات إلى الوراء وهي تنظر إلى قاسم بعينين متسعتين بذهول مطلق، كأنها تحاول استيعاب حقيقة مستحيلة. الخنجر الصغير الذي سقط من يدها كان يرتد على الأر

  • وردة في عرين السلطان   أقنعةُ النجع.. والسرُّ المدفون

    السكون الذي حلّ بالساحة بعد دوي الرصاصة الأخيرة كان أثقل من صخور الجبل ذاته. جثة أدهم الهواري الملقاة على التراب أصبحت صفحة من الماضي، لكن الصندوق الحديدي الصغير الذي يحمله الحارس كان بمثابة بركان جديد يوشك أن ينفجر تحت أقدام الجميع.تقدم قاسم بخطوات بطيئة، وعيناه الصقريتان تلمعان ببريق غامض. انتزع

  • وردة في عرين السلطان   بين أنقاضِ العرين

    الرائحة لم تكن رائحة الصباح الصعيدي المعتاد الذي يفوح بندى الزرع وتراب الأرض الطيبة؛ بل كانت رائحة رماد خانق، خليط من خشب الأبنوس المحترق، وتجارة السلاح المحرمة التي تفحمت في بهو السرايا الكبيرة.مع خيوط الفجر الأولى، كانت "ليلى" تقف على تلة مرتفعة في مواجهة السرايا. الشال الأسود كان يلتف حول كتفيه

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status