INICIAR SESIÓNمن خلف الزجاج، كان يستطيع رؤية الطريق المؤدي إلى منزله.
كان قريبًا. عشر دقائق تقريبًا. غرفته. مكتبه. ملابسه. أوراقه. كل شيء بقي هناك كما تركه. لكن آدم الكيلاني لم يشعر بالرغبة في العودة. أخرج هاتفه واتصل بإحدى العاملات في منزله. جاء صوتها بعد لحظات. «نعم، سيدي آدم؟» قال بهدوء: «أريد بعض أغراضي الشخصية.» «بالطبع، سيدي. ماذا تريد؟» نظر إلى انعكاسه فوق الزجاج. «بعض الملابس لأيام قليلة، وحاسوبي، والشاحن، والملفات الموجودة فوق مكتبي.» سكتت لحظة. ثم سألته: «هل أحضرها إلى المنزل يا سيدي؟» بقي صامتًا لثوانٍ. ثم قال: «لا. إلى منزل الآنسة ليان.» أنهى المكالمة. وبقي قرب النافذة. بعد وقت قصير، وصلت حقيبة تحتوي على ما طلبه. بعض الملابس. الحاسوب. الشاحن. الأوراق. لم تكن أشياء كثيرة. لكنها كانت كافية. كافية ليبقى. --- 55:17:09 كان الليل قد استقر فوق المدينة عندما وصل ياسين. فتح آدم الباب، فوجد صديقه يحمل حاسوبه تحت ذراعه ومجموعة من الأوراق في يده الأخرى. دخل ياسين، ثم توقف عندما رأى حقيبة آدم قرب المدخل. نظر إليها. ثم إلى آدم. «لا تقل إنك انتقلت.» رفع آدم حاجبه. «منزلي على بعد عشر دقائق.» نظر ياسين إلى الحقيبة. «وهذا يجعل الأمر أكثر غرابة، لا أقل.» ابتسم آدم رغم التعب. «ادخل قبل أن تغير رأيك.» جلس ياسين في غرفة المعيشة، وبدأ يرتب الوثائق فوق الطاولة. كانت الأوراق كثيرة. ترجمات. مراجعات. ملاحظات. ورسائل تصل من الفريق. جلس آدم إلى جانبه. فتح ياسين أحد الملفات، ثم رفع عينيه نحو غرفة ليان. «كيف حال ليان؟» نظر آدم نحو الباب المغلق. «يقول الجميع إنها تتحسن.» انتظر ياسين قليلًا. «وأنت؟» بقي آدم صامتًا. ثم قال: «أنا ما زلت أحاول أن أصدقهم.» توقف ياسين عن الكتابة للحظة. لم يقل شيئًا. كان يعرف هذا الشعور. الخوف الذي يبقى. حتى بعد أن ينتهي الخطر. --- 50:00:00 في مكان آخر، كانت حياة ياسين نفسها قد بدأت تتغير بطريقة لم يفهمها في البداية. في الماضي، كان يعود إلى منزله بعد العمل، يضع هاتفه قربه وينتظر رسالة من مريم. أحيانًا كانت والدته تسأله عنها، فتظهر على وجهه ابتسامة يعرفها جيدًا. «هل تحدثت مع مريم اليوم؟» وكان يجيبها: «سأتحدث معها لاحقًا يا أمي.» في الماضي، لم يكن ذلك يزعجه. كانت مريم جزءًا من مستقبل تخيله قبل أن يقرر إن كان يريده فعلًا. لكن الآن... رسائل أقصر. صمت أطول. ومكالمات أصبحت تنتهي قبل أن تبدأ. في البداية، حاول ياسين أن يفهم. ثم حاول أن يسأل. ثم بدأ ينتظر. وبعد فترة... بدأ يتعب. --- أما مريم، فكانت تتغير بطريقة أخرى. خرجت في ذلك المساء من منزلها بعد أن أخبرت والدتها بأنها تحتاج إلى بعض الهواء. لم تكن تعرف إلى أين تريد الذهاب، فاختارت الشوارع الأكثر ازدحامًا. توقفت أمام واجهات المحلات. راقبت الملابس. المجوهرات. الحقائب. اشترت أشياء لم تكن تحتاج إليها. ثم انتقلت من متجر إلى آخر، كأن الحركة نفسها قادرة على إسكات ما يدور داخل رأسها. وفي النهاية، جلست في مقهى هادئ. وضعت هاتفها فوق الطاولة. ظهر اسم ياسين. فتحت الرسالة. «أشعر أننا لم نعد نتحدث كما كنا.» بقيت تنظر إليها. لم تكن الكلمات قاسية. وهذا ما جعلها أصعب. كان يمكنها الاتصال ب كان يمكنها الاعتذار. كان يمكنها أن تقول إنها متعبة. لكنها لم تفعل. وضعت الهاتف مقلوبًا. لم تكن تريد أن تكذب عليه. وفي الوقت نفسه، لم تكن تملك الشجاعة لتقول الحقيقة. كانت لا تزال تفكر في آدم أكثر مما تريد الاعتراف به. لكنها أيضًا لم تكن تريد أن تبقى وحدها. ولهذا اختارت الطريق الأسهل. الابتعاد. ببطء. وترك ياسين يكتشف المسافة بنفسه. --- 45:06:34 كان صباح اليوم التالي مختلفًا. استيقظ آدم قبل ليان. كانت الشمس قد بدأت تدخل المنزل، وكانت الأوراق التي تركها هو وياسين فوق الطاولة لا تزال في أماكنها. جلس آدم أمام الحاسوب، وبدأ يراجع الرسائل الجديدة. وصلت رسالة من العميل. ثم أخرى. قرأها. وتغيرت ملامحه قليلًا. في مكان آخر، كانت مريم قد فتحت الملفات المتعلقة بالمشروع. بحثت عن اسم أحد العملاء. ثم فتحت المحادثة. ظلت أصابعها فوق لوحة المفاتيح للحظات. كانت تعرف أن رسالة واحدة يمكن أن تكون مجرد سؤال. ويمكن أن تكون بداية مشكلة. كتبت: «أتمنى أن يكون الجدول الزمني ما زال مناسبًا لكم. سمعت أن بعض المراحل أصبحت أبطأ قليلًا من المتوقع، وأردت فقط التأكد من أن كل شيء يسير وفق ما خططتم له.» قرأت الرسالة مرة. ثم مرة أخرى. لم تقل إن ليان مريضة. لم تقل إن المشروع متعثر. لم تقل أي كذبة واضحة. لكن ترتيب الكلمات لم يكن بريئًا. أرسلت الرسالة. بعد دقائق، جاء الرد. بدأ العميل يسأل عن التأخير. ثم عن نسبة الإنجاز. ثم عن الخطة البديلة. جلست مريم أمام الشاشة. وقرأت كل سؤال ببطء. شعرت بشيء بارد يتحرك داخلها. أنا لم أكذب. قالتها داخلها. ثم أضافت: أنا فقط جعلته يسأل. --- 40:00:00 مع حلول الغداء، كان المنزل قد عاد إلى نظامه الجديد. آدم وياسين أمام الحاسوب. الأوراق تتغير أماكنها باستمرار. رسائل تصل. وأخرى تُرسل. أما ليان، فكانت تحاول الهروب من الراحة. خرجت من غرفتها ببطء، فرفع آدم عينيه إليها فورًا. «إلى أين؟» توقفت ليان. «إلى هنا.» «لماذا؟» ضيقت عينيها. «هل تحتاج إلى سبب لأقف في غرفة المعيشة؟» نظر إليها آدم ثم إلى الساعة. «كان يجب أن ترتاحي ساعتين.» «ارتحت ساعة ونصف.» «ليان.» اقتربت منه قليلًا. «نصف ساعة فقط.» رفع آدم عينيه نحو ياسين. «هل تسمع هذا؟» لم يرفع ياسين رأسه من الأوراق. «لا تدخلني بينكما.» نظرت ليان إليه باستغراب. «حتى أنت؟» ابتسم ياسين وهو يكتب. «أنا أعمل منذ الصباح، وأنا لا أريد أن أبدأ جدالًا جديدًا بسبب نصف ساعة.» جلست ليان على الأريكة وقالت بثقة: «إذن بقيت هنا.» نظر إليها آدم. نظرت إليه. وبقي الصمت بينهما لثوانٍ. ثم عاد آدم إلى العمل. ابتسمت ليان بانتصار صغير. لاحظ ياسين ذلك. «لا تبتسمي هكذا.» نظرت إليه. «لماذا؟» «لأنكِ تتصرفين كأنك ربحتِ حربًا.» قالت ليان بهدوء: «ربما ربحتها فعلًا.» رفع آدم رأسه من جديد. «أنا أسمعك.» اختفت ابتسامتها قليلًا. «لم أقل شيئًا.» قال ياسين دون أن ينظر إليها: «وهذا بالضبط ما يقلقه.» نظرت ليان إلى الاثنين. ثم قالت: «أنتم تصبحون متشابهين بطريقة مزعجة.» --- 35:00:00 عاد المساء. وعادت غرفة الرسم إلى الحياة. جلس آدم أمام الجهاز اللوحي، وجلست ليان قربه. «اجعل الظل أخف هنا.» حرّك آدم القلم، ثم نظر إليها. «هكذا يا خبيرة المستوى الثالث؟» اقتربت من الشاشة. راقبت العمل. ثم هزت رأسها. «أفضل.» رفع آدم حاجبه. «لم تقولي قليلًا.» ابتسمت. «لأنك بدأت تتعلم.» جلس باستقامة أكثر. «إذن أنا في المستوى الثالث الآن.» نظرت إليه ليان. ثم إلى الشاشة. ثم عادت إليه. «لا.» تنهد. «قاسية.» «واقعية.» «الثاني ونصف؟» فكرت ليان قليلًا، وكأن الأمر يحتاج إلى تقييم رسمي. «ربما الثاني ونصف وربع.» نظر إليها بدهشة. «هذا تقدم.» ضحكت. لكن الضحكة اختفت سريعًا. سقط القلم من يدها. رفع آدم رأسه فورًا. كانت عيناها مغلقتين. ورأسها مائلًا قليلًا. نهض من مكانه. «ليان؟» فتحت عينيها ببطء، ونظرت إليه وهي تحاول أن تجمع نفسها. «أنا بخير يا آدم... فقط تعبت قليلًا.» اقترب منها، وانحنى حتى أصبح في مستوى عينيها. «لا أريد الجملة المعتادة، يا آنسة ليان. انظري إليّ وقولي لي الحقيقة. هل تشعرين بالدوار؟» ترددت. ثم ابتلعت ريقها. «قليلًا.» اختفت ابتسامته. مد يده إليها. «تعالي.» نظرت إلى يده. «إلى أين؟» «إلى السرير.» هزت رأسها. «لم أنتهِ.» رفع عينيه إليها. «ليان.» كان صوته هادئًا. لكنه لم يترك مجالًا كبيرًا للنقاش. وقفت أخيرًا. ثم تعثرت في الخطوة الأولى. كانت خطوة واحدة فقط. لكنها كانت كافية. أمسكها آدم قبل أن تسقط. هذه المرة لم تحاول المزاح. وضعت رأسها للحظة على كتفه. توقف جسده. ثم خفف ذراعيه حولها. «أمسكتك.» أغمضت عينيها. «أعرف.» بقيت بين ذراعيه للحظة. ثم همست: «لا تخف هكذا.» خفض آدم رأسه نحوها. «لا أعرف كيف.» رفعت ليان عينيها إليه. كان بينهما شيء جديد. لم يكن اعترافًا. ولم يكن وعدًا. لكنه كان واضحًا أكثر من اللازم. شعور لم يحاولا تسميته. --- 30:00:00 حل الليل مرة أخرى. في منزل ليان، بقيت المربية قريبة منها، بينما عاد آدم إلى غرفة الضيوف. كانت أغراضه فوق الطاولة. ملابس. حاسوب. وأوراق العمل. نظر إليها للحظة. ثم ابتسم لنفسه بسخرية خفيفة. منزله على بعد عشر دقائق. ومع ذلك، بدا بعيدًا جدًا. جلس على حافة السرير. فتح حاسوبه. حاول العمل. لكنه بعد دقائق أغلقه. كلما أغمض عينيه، عاد إليه المستشفى. وجه ليان. صوت الأجهزة. الانتظار. فتح عينيه. ونظر نحو الباب. كان المنزل هادئًا. ليان نائمة. والمربية قريبة منها. وكان من المفترض أن يكون ذلك كافيًا. لكنه لم يكن كافيًا لقلبه بعد. --- وفي مكان آخر، كان ياسين ينظر إلى هاتفه. لم تكن هناك رسالة جديدة من مريم. قرأ آخر رسالة أرسلها إليها. ثم وضع الهاتف جانبًا. وللمرة الأولى... لم يشعر بالحاجة إلى انتظار رد. كان هناك شيء ينتهي. ببطء. ودون صوت. لكنه بدأ يعرف ذلك. --- 25:00:00 ازدادت رسائل العميل. والشك بدأ يكبر. وفي اليوم التالي، اتصل بمريم. جلست في سيارتها قبل أن ترد، وكانت قد توقفت قرب متجر بعد جولة تسوق طويلة. قال الرجل من الطرف الآخر: «هل هناك مشكلة في المشروع؟» نظرت مريم إلى الشارع أمامها. «لا أعرف إن كان يمكنني أن أسميها مشكلة.» توقفت. وتركت الصمت يعمل. «ماذا تقصدين؟» قالت بهدوء: «ربما لا شيء. أنا فقط لا أحب أن أعد الناس بشيء قبل أن أتأكد منه.» «هل الموعد في خطر؟» أغمضت مريم عينيها للحظة. «لا أقول ذلك.» «لكن؟» فتحت عينيها. ونظرت إلى انعكاسها في المرآة. «ربما من الأفضل أن يكون لديكم بديل جاهز. مجرد احتياط.» أنهت المكالمة. ثم بقيت صامتة. لم تكن قد طلبت منه إلغاء المشروع. ولم تدفعه نحو قرار. كانت فقط تزرع فكرة. وتتركها تكبر وحدها. --- 20:00:00 في منزل ليان، لم يعد أحد يشعر أن الوقت يمر بصورة طبيعية. كل شيء أصبح مرتبطًا بالساعة. الملفات. الرسائل. المراجعات. حتى الطعام أصبح يُتناول بسرعة بين مهمة وأخرى. جلس آدم وياسين أمام الحاسوب، بينما وقفت ليان قرب باب غرفة الرسم، تنظر إلى الساعة. «عشرون ساعة.» رفع ياسين عينيه إليها. «أعرف.» نظرت إليه. «لم أقل لك.» أشار إلى آدم. «له.» رفع آدم رأسه من الأوراق. «وأنا أعرف أيضًا.» عقدت ليان ذراعيها حول نفسها. «إذن لماذا يبدو الجميع هادئًا؟» تبادل ياسين وآدم نظرة قصيرة. ثم قال آدم: «لأن الذعر لن ينهي شيئًا.» تأملت وجهه. «أنت خائف.» لم ينكر. «نعم.» ثم عاد إلى الشاشة. «لكننا نعمل.» --- 15:00:00 عاد الليل. كان التعب ظاهرًا على الجميع. ياسين لم يعد يتحدث كثيرًا. آدم أصبح يشرب القهوة ببطء دون أن يشعر بطعمها. أما ليان، فكانت تتعب بسرعة أكبر، لكنها أصبحت أكثر هدوءًا. جلس الثلاثة في غرفة المعيشة. كانت الأوراق منتشرة حولهم. والساعة لا ترحم أحدًا. قال ياسين وهو يفرك عينيه: «عندما ننتهي من هذا المشروع، لن أفتح حاسوبي لمدة أسبوع.» رفعت ليان رأسها. «يومين.» نظر إليها. «ماذا؟» «أنت لا تستطيع أسبوعًا.» صمت ياسين. ثم نظر إلى آدم. «هل تسمعها؟» قال آدم: «هي على حق.» نظر ياسين إليهما. «أنا أكرهكما.» ضحكت ليان. وقال آدم بهدوء: «إذن ما زلت بخير.» --- 10:00:00 لم تعد الساعات كثيرة. في الخارج، بدأ الفجر يقترب. وفي الداخل، بقي الضوء مشتعلًا. لم تعد ليان ترسم. جلست قرب آدم، تراقب فقط. كانت متعبة، لكنه كان يرفض أن تعود إلى العمل. قالت وهي تنظر إلى الشاشة: «يمكنني المساعدة.» دون أن ينظر إليها، قال: «أنت تساعدين.» «كيف؟» توقف آدم للحظة. ثم التفت إليها. «بأن تبقي بخير.» بقيت تنظر إليه. ثم أبعدت عينيها نحو الساعة. لم تقل شيئًا. --- 05:00:00 خمس ساعات فقط. كان ياسين يراجع النسخة الأخيرة. وآدم يرسل الملفات. وليان تجلس قربهما، وقد وضعت البطانية حول كتفيها مرة أخرى. بدأت الشمس تقترب من الأفق. وفي مكان آخر، كانت مريم تنظر إلى هاتفها، وإلى الرسائل التي ساهمت في صنعها. لم تكن تعرف بعد حجم ما بدأته. أما ياسين، فلم يعد يفكر فيها كما كان. كانت هناك مسافة جديدة بينهما. مسافة لم تصنعها كلمة واحدة. بل عشرات اللحظات الصغيرة. أما آدم وليان... فكانا يعيشان تحت ظل غموض لم يفهما مصدره. في الصباح... وثائق وترجمة. وفي الظهيرة... طعام ودواء وراحة. وفي المساء... رسم. ثم ليل طويل. وعمل لا ينتهي. وخوف لا يتحدث عنه أحد. --- استمرت الساعة في العد. 00:12:47 سبعون ساعة. لم تعد مجرد مهلة. كانت سبعين ساعة من المرض والعمل والخوف. سبعين ساعة تغيّرت خلالها المسافات بين الناس. مريم ابتعدت أكثر. وياسين توقف عن انتظارها. وآدم لم يعد يريد العودة إلى منزله القريب. وليان بدأت تفهم أن خوفه عليها أكبر مما يقوله. ومع كل ساعة مرت... كانت الطرق الأربعة تبتعد عن بعضها أكثر. لكنها، في الوقت نفسه، كانت تقترب من شيء واحد. شيء لم يظهر بعد. شيء كان ينتظرهم جميعًا في نهاية الطريق. وحين وصلت الساعة إلى دقائقها الأخيرة... لم يعرف أحد منهم إن كان ما يخشاه قد انتهى أخيرًا... أم أن العد التنازلي الحقيقي لم يبدأ إلا الآن.لم يحدث الإفلاس في يوم واحد. لم تستيقظ عائلة بني سليمان ذات صباح لتجد أن كل شيء اختفى. في البداية كانت مجرد أرقام تقل، ثم اتصالات لا تنتهي، ثم اجتماعات طويلة، ثم وجوه محامين لم تعد تحمل الأخبار الجيدة. وبعد ذلك... بدأت الأبواب تُغلق. كان أنس يقف في الممر الطويل داخل مقر المجموعة، يحمل صندوقًا صغيرًا بين ذراعيه. لم يكن الصندوق كبيرًا. بعض الأوراق الشخصية، صورة قديمة للعائلة، دفتر ملاحظات، وقلم كان والده يستخدمه منذ سنوات. نظر حوله للمرة الأخيرة. كان المكان نفسه. الجدران نفسها. الأرضية اللامعة نفسها. لكن شيئًا ما تغيّر. لم يعد المكان ملكًا لهم. خرج شهيد من أحد المكاتب وهو يحمل ملفًا، ثم توقف عندما رأى أخاه. نظر إلى الصندوق وقال: «هذا
في الطابق التاسع والعشرين من مبنى مجموعة راوي، وقف إبراهيم راوي أمام النافذة الممتدة من الأرض إلى السقف. كانت المدينة تحته تبدو واسعة ومضيئة؛ أضواء السيارات تنساب بين الشوارع، والأبراج الزجاجية تعكس بقايا ضوء المساء، فيما يتحرك الناس في الأسفل كما لو أن العالم لا يمكن أن يتغير بين ليلة وضحاها. لكن إبراهيم لم يكن ينظر إلى المدينة بإعجاب. كان ينظر إليها بصمت. عيناه باردتان، ويداه خلف ظهره، وكأنه يقف أمام لوحة يعرف تفاصيلها كلها، بينما لا يعرف الآخرون إلا ما يظهر منها. قال أخيرًا، بصوت منخفض وواضح: «حان الوقت لإنهاء كل هذا.» ثم استدار وغادر المكتب. --- ما إن دخل قاعة الاجتماعات
بعد مغادرة ليان البلاد بوقت طويل ، بدا كل شيء هادئًا على السطح. لقد استقرت فعلن هناك .كانت تضحك في ذلك المساء و تحتفل بنجاح مشروع اخيرا وهي تسير إلى جانب آدم، ولم يكن في ملامحها ما يوحي بأنها تفكر في شيء سوى المكان الذي أرادت الذهاب إليه. توقفت أمام واجهة مضاءة، ثم التفتت إليه بابتسامة واسعة، كأن الأيام الأخيرة لم تحمل معها أي خوف. قالت وهي تنظر إليه من طرف عينها: «لا تقل إنك ستخبرني أنني ما زلت بحاجة إلى الراحة.» رفع آدم حاجبه وهو يسير ببطء إلى جوارها، ثم مرر نظره فوق ملامحها قبل أن يجيب: «كنت أفكر في قولها فعلًا.» ضيقت ليان عينيها ولوحت بيدها أمامه باعتراض واضح. «آدم، انتهى مرضي.» قالتها بثقة، لكن آدم ابتسم وهز رأسه. «تعافيتِ، نعم، وهناك فرق بين التعافي وبين أن تتحولي فجأة إلى شخص لا يعرف كيف يجلس خمس دقائق.» فتحت فمها لترد، ثم ضحكت وأسرعت خطواتها أمامه قائلة: «لن أعطيك فرصة لتكمل.» راقبها آدم وهي تبتعد قليلًا، فتغيرت ابتسامته إلى نظرة أكثر هدوءًا قبل أن يلحق بها. كان سعيدًا لأنها عادت تضحك وتجادله بهذه الطريقة، لكنه ظل
عائلة بني سليمانأنس بني سليمان — الأخ الأكبرأنس هو الأخ الأكبر لليان، والشخص الذي يتحمل جزءًا كبيرًا من مسؤوليات العائلة والأعمال. دخل عالم المجموعة مبكرًا، ليس لأنه كان مجبرًا تمامًا، بل لأنه كان يرى في والده النموذج الذي يجب أن يكمل ما بدأه.شخصيته عملية، حادة عند الضرورة، ولا يحب الدوران حول المشكلة. قد يبدو قاسيًا في الاجتماعات، لكنه مختلف تمامًا داخل العائلة، خصوصًا مع إخوته.علاقته بليان قوية، لكنها ليست علاقة أخ متساهل. كثيرًا ما ينتقدها ويختلف معها، لكنه يصبح أول شخص يقف أمام أي شخص يحاول إيذاءها أو تحميلها مسؤولية لا تخصها.في أزمة مجموعة بي سي مي، كان من أوائل من حاولوا فهم الهجوم. ومع تصاعد الأزمة، بدأ يشعر بثقل المسؤولية باعتباره الابن الأكبر.نقطة ضعفه: شعوره بأنه يجب أن يحمي الجميع، حتى عندما لا يستطيع حماية نفسه.---شهيد بني سليمان — الأخ الأصغر من أنس والأكبر من ليانشهيد أكثر هدوءًا من أنس، وأقل اندفاعًا في الحديث. يعمل بعقل تحليلي، ويميل إلى دراسة التفاصيل قبل اتخاذ أي قرا
لم يكن الهدوء الذي عاد إلى حياة آدم وليان هدوءًا كاملًا. كان أشبه بفترة قصيرة يلتقط فيها الجميع أنفاسهم بعد سبعين ساعة من العمل والمرض والقلق، دون أن يعرفوا أن بعض الأشياء لم تكن قد انتهت بعد. في منزل ليان، بدأ الصباح مبكرًا كعادته. كانت الشمس تدخل من النوافذ الطويلة، وتنعكس فوق الطاولة التي بقيت عليها بعض الأوراق من الليلة السابقة. جلس آدم أمام الحاسوب، وقد فتح عدة ملفات في الوقت نفسه، بينما كانت ليان في غرفة الرسم تحاول ترتيب أدواتها. رفع آدم صوته قليلًا. «ليان، لا تحاولي حمل ذلك وحدك.» توقفت فورًا. نظرت إلى الباب. «أنا أحمل صندوقًا، وليس سيارة.» نهض آدم من مقعده واتجه نحوها. «آخر مرة قلتِ لي فيها إنكِ بخير، انتهى الأمر وأنتِ تنامين على كتفي.» رفعت حاجبيها. «وهل ستستخدم هذه الحادثة ضدي طوال حياتي؟» أخذ الصندوق من يدها وقال: «على الأقل إلى أن تتوقفي عن إعطائي أسبابًا جديدة.»
انغمس الناس في هذا المشهد الجميل، وشعروا بحيويته وشغفه الفريدين. كان كل شيء، من الخارج، يبدو وكأنه عاد أخيرًا إلى مكانه الصحيح. تعافت ليان، وعاد اللون تدريجيًا إلى وجهها، بينما بدأ الخوف ينسحب من ملامح آدم، ولو أنه لم يختفِ تمامًا. أما المشروع الذي ظن الجميع أنه قد يتعثر في اللحظات الأخيرة، فقد اكتمل أخيرًا. وصلت الرسالة في الصباح. قرأها آدم مرة، ثم توقف. نظر إلى الشاشة لثانية إضافية، كأنه يريد أن يتأكد من أن عينيه لم تخطئا. ثم ابتسم. «تمت الموافقة.» رفع ياسين رأسه فورًا من أمام حاسوبه. «ماذا؟» التفت إليه آدم، واتسعت ابتسامته هذه المرة. «النسخة النهائية. تمت الموافقة عليها.» ساد الصمت لحظة. ثم نهض ياسين من مكانه بسرعة حتى تحرك الكرسي خلفه. «أخيرًا؟» ضحك آدم، ومد هاتفه نحوه. «أخيرًا.» أخذ ياسين الهاتف، وقرأ الرسالة بنفسه، ثم أطلق زفرة طويلة وهو يعيد رأسه إلى الخلف. «لن أصدق شيئًا يصلني بالبريد الإلكتروني بعد اليوم.» خرج صوت ضحكة من أحد أفراد الفريق، ثم بدأت الكلمات تتداخل فوق بعضها. «هل انتهينا فعلًا؟» «اكتملت الرسومات؟» «والمراجعات؟» أجاب آدم وه







