لم تختفِ آثار المرض في اليوم التالي.
كانت ليان تبدو أفضل، نعم، لكن التحسن لم يكن يعني أنها عادت إلى ما كانت عليه. ظل التعب ظاهرًا في وجهها، وظلت حركتها أبطأ من المعتاد، كأن جسدها بدأ يستعيد قوته، لكنه لم يمنحها بعد الإذن بأن تعود إلى حياتها القديمة كما لو أن شيئًا لم يحدث.
جلست قرب نافذة غرفة المعيشة، وقد لفت بطانية خفيفة حول كتفيها. كان الصباح رماديًا وهادئًا، والضوء يتسلل ببطء من بين الستائر، فيرسم خطوطًا باهتة فوق الأرض. في الخارج، تحركت الأشجار مع هواء الصباح، وكانت السيارات تمر في الشارع القريب دون ضجيج كبير.
أمامها كوب ماء.
وعلبة الدواء.
وطبق صغير لم تلمسه بعد.
خرج آدم من المطبخ وهو يحمل الطعام بيديه. توقف عند مدخل الغرفة للحظة، ورفع عينيه إليها كما لو أنه يفحصها من بعيد قبل أن يقترب.
كانت شاحبة أكثر مما أعجبه.
وأكثر هدوءًا من المعتاد.
وضع الطبق أمامها، ثم جلس على الكرسي المقابل، وقال وهو يحاول أن يجعل صوته طبيعيًا:
«كلي قليلًا يا ليان.»
نظرت إلى الطعام، ثم رفعت عينيها إليه ببطء. «لست جائعة يا آدم، ولا أشعر أنني أستطيع تناول شيء الآن.» توقفت لحظة، ثم أضافت محاولة الابتسام: «وأعرف هذه النظرة، فلا تبدأ بالمحاضرة من فضلك.»
مال آدم قليلًا إلى الخلف، لكنه لم يبعد عينيه عن وجهها. «لن ألقي محاضرة. أنا فقط لا أطلب منكِ أن تكوني جائعة حتى تأكلي.» أشار إلى الطبق بطرف أصابعه، ثم أضاف بهدوء: «ثلاث ملاعق فقط، وبعدها يمكنكِ العودة إلى كره العالم كما تريدين.»
رفعت ليان حاجبًا، ونظرت إلى الطبق ثم إليه. «ثلاث ملاعق؟ هذا كل ما تريد؟»
أومأ بثقة. «لن أطلب الرابعة.»
تأملته للحظة، ثم أخذت الملعقة وقالت: «وإذا أكلت ثلاثًا فعلًا؟»
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه. «سأعتبر نفسي انتصرت.»
هزت رأسها بسخرية، ثم أخذت الملعقة الأولى ببطء.
ثم الثانية.
أما الثالثة، فترددت قبلها قليلًا.
كان آدم ينظر نحو النافذة في تلك اللحظة، متظاهرًا بأنه منشغل بحركة السيارات في الخارج، لكن ليان كانت تعرف أنه يراقب انعكاسها على الزجاج.
أخذت الملعقة الثالثة أخيرًا، ثم وضعتها فوق الطبق.
«انتهيت.»
التفت إليها فورًا. نظر إلى الطبق، ثم إليها، وكأنه يتأكد من الحساب بنفسه.
«ثلاث تمامًا.»
أراحت رأسها إلى الخلف وقالت: «وقلت إنك لن تطلب الرابعة.»
رفع آدم يديه باستسلام. «أنا رجل يحترم الاتفاقات.»
ضحكت ليان بخفة.
كانت ضحكة قصيرة، لكنها جعلت شيئًا مشدودًا في وجه آدم يرتخي أخيرًا.
بعد دقائق، مدت ليان يدها نحو علبة الدواء، لكن آدم أخذها قبل أن تصل إليها ووضع كأس الماء قرب يدها.
نظرت إليه بضيق.
«الآن؟»
أومأ.
«الآن.»
خفضت عينيها نحو الأقراص، وقالت وهي تعبث بإحدى الحبات بين أصابعها: «أكره هذا الجزء أكثر من المرض نفسه.»
أجابها آدم بهدوء: «أعرف. لكنك ستأخذينه.»
رفعت عينيها إليه. «وهل هذا أمر يا سيد آدم؟»
ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه. «هذا اقتراح شديد الجدية.»
تنهدت، ثم ابتلعت الدواء ببطء وشربت الماء.
بقيت للحظة تمسك الكأس بين يديها، ثم وضعته فوق الطاولة. تحركت عيناها ببطء نحو الممر المؤدي إلى غرفة الرسم.
لاحظ آدم ذلك فورًا.
تغير وجهه.
«لا.»
ابتسمت ليان، ونظرت إليه ببراءة مصطنعة. «أنا لم أقل شيئًا.»
أشار إليها بإصبعه وهو يهز رأسه ببطء. «وهذا بالضبط ما يقلقني فيكِ يا آنسة بن سليمان.»
---
ظهرت الساعة على شاشة الهاتف الموضوع فوق الطاولة.
70:00:00
بقيت ليان تنظر إليها للحظة.
سبعون ساعة.
لم يكن الرقم مخيفًا في حد ذاته، لكنه بدا مختلفًا عندما يتحول الوقت إلى شيء يُقاس أمام العين. سبعون ساعة لإنهاء العمل المتبقي، ومراجعة الوثائق، وإرسال النسخ الأخيرة، قبل أن يصبح التأخير مشكلة لا يمكن تفسيرها بسهولة.
رفعت ليان عينيها نحو آدم.
«سبعون ساعة.»
نظر إلى الشاشة، ثم عاد إليها.
«أعرف.»
«وأنت تمنعني من الرسم.»
رفع حاجبه. «أنا لا أمنعك من الرسم. أنا أمنع مريضة بالكاد أنهت ثلاث ملاعق من الطعام من أن تتصرف كأن شيئًا لم يحدث.»
ابتسمت ليان قليلًا.
ثم أشارت برأسها نحو غرفة الرسم.
«وهذا يختلف عن المنع؟»
نظر إليها آدم لثوانٍ، ثم تنهد.
«أنا سأرسم.»
ضيقت عينيها.
«أنت؟»
«نعم، أنا.»
ظهرت على وجهها ابتسامة صغيرة.
«هذه ستكون كارثة.»
«شكرًا على ثقتك.»
«أنا فقط أصف الواقع.»
وقف آدم من مكانه وأخذ الجهاز اللوحي. «إذن تعالي وشاهدي الواقع وهو يعمل.»
---
بعد ساعة، كانت ليان في غرفة الرسم.
لكنها لم تكن أمام الجهاز اللوحي.
كان آدم هو الجالس أمامه.
أمسك بالقلم الإلكتروني، وانحنى قليلًا نحو الشاشة، بينما جلست ليان خلفه ملفوفة ببطانيتها. لم تكن يده مترددة كما توقعت في البداية، وكان يعرف كيف يوازن الخطوط ويحدد المساحات واتجاه الضوء بدرجة جيدة.
لم يكن آدم رسامًا محترفًا.
لكنه لم يكن مبتدئًا أيضًا.
وبينهما، كانت هناك طريقة خاصة لتقييم مستوى الرسم: المستوى العادي، ثم المستوى الاحترافي، ثم مستوى الخبراء، ثم مستوى الماستر، ثم المستوى المثالي.
كانت تلك التسميات خاصة بعالمهما، طريقة بسيطة يستخدمانها للمزاح وتقييم التقدم، لا تصنيفًا رسميًا للرسم.
كان آدم في المستوى الثاني، المستوى الاحترافي، مع اقتراب تدريجي من المستوى الثالث في بعض الجوانب.
أما ليان، فكانت في المستوى الثالث، مستوى الخبراء، ولم تعد بعيدة كثيرًا عن المستوى الرابع.
ولهذا كانت تلاحظ أخطاءه بسرعة.
أشارت إلى الشاشة وقالت: «ابدأ من هنا، لكن لا تجعل الخط مستقيمًا أكثر من اللازم.»
حرّك آدم القلم، ثم توقف ونظر إلى ما رسمه. «هكذا يا آنسة بن سليمان؟ أم أنني سأسمع كلمة قليلًا بعد ثانيتين؟»
اقتربت ليان قليلًا، وراقبت الخط بعينين جادتين. «أكثر إلى اليسار، آدم. ليس كثيرًا... فقط قليلًا.»
أغلق عينيه للحظة.
ثم أدار رأسه نحوها.
«قلتِها.»
ابتسمت ليان.
«ماذا؟»
«قليلًا.»
حاولت أن تبدو جادة، لكنها فشلت. «لأنك تحتاج إليها.»
عاد آدم إلى الشاشة. «أنا أقترب من المستوى الثالث
، بالمناسبة.»
نظرت إلى الرسم، ثم إليه.
«لا.»
توقف القلم في يده.
«لا؟»
هزت رأسها بهدوء. «أنت في الثاني.»
رفع حاجبه. «الثاني ونصف.»
«الثاني.»
«اثنان ونصف.»
«آدم.»
ابتسم أخيرًا. «حسنًا، الثاني ونصف. لن نتشاجر على هذا أمام لوحة بريئة.»
ضحكت ليان، ثم أشارت إلى أعلى الشاشة.
«الضوء من الأعلى.»
رفع آدم رأسه تلقائيًا نحو سقف الغرفة.
حدقت ليان فيه.
ثم وضعت يدها فوق وجهها.
«يا سيد آدم.»
نظر إليها.
«ماذا؟»
خفضت يدها وقالت: «الضوء في اللوحة، وليس في السقف.»
عاد ينظر إلى الشاشة، وكأنه لم يفعل شيئًا غريبًا.
«كان عليكِ أن توضحي ذلك من البداية.»
ضحكت ليان، وضحك معها.
لكن ضحكتها توقفت بعد دقائق.
في البداية، لم يلاحظ آدم سوى أنها أصبحت أكثر هدوءًا.
ثم رأى أصابعها تشد البطانية.
ثم مال رأسها قليلًا إلى الخلف، وهي تحاول أن تجلس باستقامة.
توقف القلم فوق الشاشة.
نظر إليها آدم طويلًا، وامتلأت عيناه بقلق لم يحاول إخفاءه هذه المرة.
«هل أنتِ بخير يا ليان؟» سألها وهو ينهض من مكانه ببطء، ثم اقترب منها خطوة. «انظري إليّ... لا تقولي فقط إنك بخير. هل تشعرين بشيء؟»
فتحت ليان عينيها ببطء، ونظرت إليه بثقل واضح في ملامحها. أخذت نفسًا عميقًا، ثم ابتلعت ريقها قبل أن تجيب: «أنا بخير يا آدم، تعبت للحظة فقط.» توقفت قليلًا، وكأن الكلمات نفسها أصبحت تحتاج إلى جهد. «هناك دوار بسيط... ربما أشعر بأن الأرض تدور قليلًا، لكنني سأجلس وسأكون بخير.»
تغير وجهه فورًا.
«دوار؟»
حاولت أن تبتسم.
«لا تنظر إليّ هكذا، ربما الأرض فقط قررت أن تتحرك دون إذني.»
لم يبتسم.
اقترب أكثر.
«ليان، لا تمزحي الآن.»
حاولت الوقوف، ووضعت يدها على طرف المكتب. «سأذهب فقط إلى غرفة المعيشة، أحتاج إلى الجلوس في مكان—»
لكنها لم تكمل.
اختل توازنها فجأة.
تحركت قدمها إلى الخلف.
ونهض آدم بسرعة خاطفة.
وصل إليها قبل أن تسقط، وأمسك بها بكلتا ذراعيه. اصطدم جسدها بصدره، وشدها إليه بقوة، أقوى مما احتاج الأمر، كأن جسده تصرف قبل أن يتمكن عقله من التفكير.
تجمد للحظة.
كان الخوف ظاهرًا فوق ملامحه.
يده مشدودة حولها.
وأنفاسه أصبحت أسرع.
رفعت ليان رأسها قليلًا.
«آدم...»
خفض وجهه إليها.
«لا تتحركي.»
تأملت عينيه للحظة.
كان خائفًا فعلًا.
ليس ذلك القلق العادي الذي يظهر عندما يمرض شخص نحبه، بل خوف رجل رأى مرة شيئًا قريبًا منه يكاد يضيع، ولم يستطع أن ينسى الشعور حتى بعد أن انتهى الخطر.
همست ليان: «أنا فقط فقدت توازني، لم يحدث شيء.»
لم يتركها.
«وهذا يكفي بالنسبة لي.»
بقيت بين ذراعيه للحظة، ثم قالت بصوت منخفض وهي تحاول أن تخفف عنه:
«يا آدم... أنت تضغط عليّ.»
فتح عينيه قليلًا، ثم تراجع بسرعة.
«آسف.»
لكن قبل أن يبتعد تمامًا، أمسكت ليان بكم قميصه للحظة.
توقف.
نظرت إلى أصابعها، ثم رفعت عينيها إليه.
«لم أقصد... لا بأس.»
بقي آدم واقفًا أمامها، ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا:
«ستجلسين الآن. ولا يوجد نقاش.»
نظرت إليه.
«أمر آخر يا سيد آدم؟»
ظهرت ابتسامة ضعيفة على وجهه.
«هذه المرة، نعم.»
---
65:08:21
مرّت الساعات أسرع مما شعرت به ليان.
حل وقت الغداء، وأصبح ضوء الصباح أكثر قوة خلف النوافذ. كانت أوراق العمل قد بدأت تنتشر فوق طاولة غرفة المعيشة، وحل محل هدوء الصباح صوت لوحة المفاتيح ورسائل تصل على الهاتف كل عدة دقائق.
جلس آدم أمام حاسوبه، يراجع بعض الملفات، بينما بقيت ليان على الأريكة.
وصل الطعام.
لكنها نظرت إليه وكأنه عدو جديد.
رفع آدم رأسه من خلف الحاسوب.
«لا.»
نظرت إليه باستغراب. «ماذا لا؟»
أشار إلى وجهها.
«هذه النظرة.»
«أي نظرة؟»
«النظرة التي تقول إنك ستتفاوضين معي على الغداء.»
ابتسمت ليان رغمًا عنها.
«ربما كنت فقط أفكر.»
«أسوأ.»
أخذت وسادة صغيرة ووضعتها فوق ساقيها. «أنا مريضة، ألا يحق لي الحصول على امتيازات؟»
نظر آدم إليها لثوانٍ.
«أنتِ مريضة، ولهذا لا توجد امتيازات.»
«هذا ليس منطقيًا.»
«صحتك ليست نظام مكافآت.»
تنهدت ليان. «أنت تصبح مزعجًا جدًا عندما تقلق.»
خفض آدم عينيه إلى الأوراق، لكن صوته أصبح أهدأ.
«أعرف.»
ساد الصمت بينهما للحظة.
ثم تناولت ليان قطعة صغيرة من الطعام.
رفع آدم عينيه.
لاحظت ذلك.
«لا تنظر.»
«أنا لا أنظر.»
«أنت تنظر.»
«أنا أعمل.»
ابتسمت ليان.
«وأنت سيئ جدًا في الكذب.»
---
60:00:00
حل المساء.
تغير لون السماء خلف النوافذ، وتحول الضوء تدريجيًا إلى لون ذهبي خافت، ثم بدأت أضواء الشارع تظهر واحدة بعد الأخرى.
كانت المربية الليلية قد وصلت إلى المنزل.
استقبلتها ليان بنفسها، وهي أكثر نشاطًا قليلًا مما كانت عليه في الصباح، لكن التعب كان لا يزال ظاهرًا في خطواتها.
قالت لها المربية بهدوء: «مساء الخير، آنسة ليان.»
أجابتها ليان بابتسامة خفيفة. «مساء الخير. لا أريد أن تسمعي كلام آدم كله.»
رفعت المربية عينيها باستغراب بسيط، وفي تلك اللحظة خرج آدم من غرفة العمل.
«اسمعي كلامي كله.»
التفتت ليان إليه.
«انظروا إليه. بدأ يعطي الأوامر قبل أن تدخل المسكينة.»
قال آدم بهدوء: «هي هنا لمساعدتك.»
«وأنا لا أحتاج إلى مراقبة.»
اقترب قليلًا، وخفض صوته.
«ليان، لا أحد يراقبك.»
نظرت إليه.
«إذن لماذا هي هنا؟»
توقفت يده فوق علبة الدواء التي كان يحملها.
ثم قال بهدوء:
«لأنني لا أريد أن تستيقظي متعبة أو تشعري بشيء ولا تجدين أحدًا قربك.»
أخفضت ليان عينيها.
ثم رفعت رأسها وسألته:
«وأنت؟»
ساد الصمت.
بقي آدم ينظر إلى علبة الدواء بين أصابعه.
ثم قال:
«أنا موجود أيضًا.»
شعرت ليان بشيء ثقيل يتحرك داخل صدرها.
كان كلامه جميلًا.
لكنه لم يكن مريحًا تمامًا.
لأن خلفه كان هناك خوف أكبر من الكلمات.
---
مع حلول العشاء، وقف آدم قرب النافذة.
كان يحمل فنجان قهوة دافئًا بين يديه، وقد أصبح هذا الفنجان جزءًا من لياليه الطويلة في الأيام الأخيرة. رفعه إلى شفتيه وأخذ رشفة صغيرة، ثم بقي واقفًا دون حركة.