LOGINما إن عدنا من الوادي حتى اختفت الابتسامة التي كانت على وجه راشد تمامًا، كأنها لم تكن موجودة أصلًا. الرجل الذي ضحك بصوت حقيقي، الذي أمسكني بقوة، فجأة.
رجع الشيخ. الهادئ. الصارم. الذي يحمل هموم القبيلة كلها على كتفيه الواسعتين. كنت أمشي بجانبه في طريق العودة، أراقبه بطرف عيني. كل خطوة كانت تذكرني. أتذكر يده وهي تنزلق تحت ثوبي، أتذكر أنفاسه الساخنة على رقبتي، أتذكر صوته المبحوح وهو يقول "لو ما وقفنا الحين... راح آخذك هنا على الأرض". حاولت أن أنسى. كان خطأ. هذا ما اتفقنا عليه داخليًا. لكن جسدي كان يخونني. كلما مرت نسمة باردة على بشرتي، تذكرت دفء أصابعه. أنا: "من ساعة وإنت ساكت." لم يجب. نظره مثبت على الرمال أمامه كأنه يحسب كل حبة رمل. أنا: "هذا السكوت حق التفكير... ولا حق إني رشيتك بالماء قبل ما تقبلني؟" لمعت ابتسامة صغيرة جدًا على شفتيه، لكنها اختفت في أقل من ثانية، كأنها ذنب ارتكبه. راشد: "الأمر أخطر مما توقعت." اختفى المزاح من وجهي فورًا. "تقصد آثار الأقدام؟" أومأ برأسه بجدية. "نعم." "ممكن تكون لأحد من أهل القبيلة." توقف عن السير فجأة والتفت إليّ. نظراته ثقيلة، تحمل الكثير مما لا يستطيع قوله الآن. "أهل القبيلة لا يأتون إلى الوادي من هذه الجهة أبدًا." "كيف تعرف؟" "لأنها طريق قديم... طريق استخدمته عصابات قبل أكثر من عشرين سنة." سكت فجأة، كأنه ندم على كلامه. أنا: "طريق قديم ماذا؟" هز رأسه بإصرار. "لا شيء يخصك الآن." تنهدت بضيق شديد وأنا أعقد ذراعيّ. "رجعنا للأسرار مرة أخرى. جميل." عندما وصلنا إلى القبيلة، لاحظتُ فورًا أن الجو مختلف. الرجال يتجمعون في مجموعات صغيرة يتحدثون بأصوات منخفضة، والحراسة واضحة أكثر من المعتاد. حتى الأطفال، الذين كانوا يركضون بحرية صباحًا، أصبحوا الآن محصورين داخل الخيام بأوامر أمهاتهم. اقتربت نورة مني بسرعة، وجهها يعكس القلق. "الحمد لله إنكم رجعتوا سالمين." أنا: "خير؟ شو اللي صاير؟" همست وهي تنظر حولها بحذر: "الشيخ طلب اجتماع طارئ مع كل رجال القبيلة. حتى اللي في الرعي جابوهم." نظرت إلى راشد. كان يتجه نحو مجلس الرجال بخطوات سريعة وحاسمة، ظهره مستقيم، كأنه يحمل جبلًا. قبل أن يدخل، التفت نحوي للحظة قصيرة فقط. "لا تبتعدين عن الخيمة. هذا أمر." رفعت حاجبي بسخرية. "بدأنا نعطي أوامر مرة أخرى؟" دخل المجلس وأغلق الباب الثقيل خلفه بهدوء. جلست مع نورة وأم راشد داخل خيمة النساء. حاولت أن أركز على القهوة التي بين يدي، لكن فضولي كان يقتلني، وذكريات الوادي تتسلل إلى ذهني كل دقيقة. أنا: "وش يصير داخل المجلس بالضبط؟" أم راشد تنهدت بعمق وهي تفرك يديها. "إذا اجتمع الرجال بهذا العدد الكبير وبهذه السرعة... فمعناه فيه أمر كبير جدًا. ربما خطر يهدد القبيلة كلها." كنت أعبث بطرف عباءتي بتوتر. لا أحب الانتظار، ولا أحب أن أكون آخر من يعرف ما يحدث. خاصة بعد كل ما جرى بيني وبين راشد. داخل مجلس الرجال: وضع راشد القلادة الفضية فوق السجادة الحمراء في وسط المجلس. ساد الصمت المطبق. اقترب الشيخ فهد، أكبر رجال القبيلة سنًا، وكان جسده يرتجف قليلاً وهو يحمل القلادة بيده. ما إن رأى الرمز المحفور عليها حتى شحب وجهه شحوب الموت. همس بصوت مرتجف: "مستحيل... بعد كل هذه السنين." رفع راشد رأسه بحدة. "تعرفه يا عم فهد؟" أغمض الشيخ فهد عينيه طويلاً، كأنه يسترجع ذكريات مؤلمة. "وكيف أنساه... هذا الرمز أعاد إلينا أسوأ أيام القبيلة." نظر الرجال إلى بعضهم البعض في حيرة. سأل أحدهم: "أي رمز هذا بالضبط يا شيخ؟" تنهد الشيخ فهد تنهيدة طويلة ثقيلة قبل أن يبدأ يروي: "قبل أكثر من عشرين سنة، كانت هناك جماعة منظمة تستولي على الأراضي بالقوة والترهيب. كل من يعارضها... يختفي أو يُقتل. سيطرت على عدة قبائل في المنطقة..." ساد الصمت الثقيل. أكمل الشيخ: "وسالم... جد العنود... كان أول من وقف في وجههم بكل شجاعة. لم يكن هاربًا كما كنا نظن، بل كان يحارب في الخفاء." تجمد راشد في مكانه. نظر إلى القلادة طويلاً. "إذن... جدي لم يكن جبانًا." "لا يا ولدي. كان بطلًا." استمر الاجتماع لأكثر من ساعة. ناقشوا الخطط، وكيفية تعزيز الحراسة، ومن يمكن أن يكون وراء إعادة هذا الرمز بعد كل هذه السنين. راشد كان هادئًا، لكنه حاسم. أعطى أوامره بوضوح، وكأنه يحاول أن يغرق نفسه في العمل حتى لا يتذكر ما حدث بيننا في الوادي. في الخارج، وصل صبري إلى آخره. وقفت فجأة. أنا: "ما أقدر أنتظر أكثر. بروح أشوف." نورة أمسكت بيدي بقوة: "عنود، الشيخ قال لا تبتعدي!" ابتسمت بتحدٍ: "برجع بسرعة، ما راح ياخذوني." خرجت من الخيمة بهدوء ومشيت نحو مجلس الرجال. كان الباب مغلقًا، لكن الأصوات المتقطعة تصل إليّ. اقتربت أكثر... "كنت أعرف." أغمضت عيني بيأس. التفت ببطء. ناصر، واقف خلفي بهدوء كالظل. أنا: "يا أخي... أنت إنسان ولا جن؟" ابتسم ابتسامة خفيفة: "قلت لكِ... ما أتركك." وضعت يدي على رأسي. "أنا تعبت منك والله." رد بجدية: "وأنا لا." دفعت الباب بخفة، لكن ناصر أمسكه بقوة. "ممنوع." أنا: "بدخل دقيقة بس." "لا." "نص دقيقة." "لا." "عشر ثواني!" "لا." زفرت بقوة. "أكرهك." ابتسم لأول مرة ابتسامة واسعة: "بعد الشيخ؟" انفجرت ضاحكة رغمًا عني. "لا... أنت الأول حاليًا." وفي تلك اللحظة بالذات، انفتح باب المجلس. خرج راشد. نظر أولًا إلى الباب، ثم إليّ، ثم إلى يد ناصر الممسكة بالباب. رفع حاجبًا باستفهام. "ماذا يحدث هنا؟" أنا ابتسمت بأوسع ابتسامة أملكها: "ولا شيء أبدًا." نظر راشد إلى ناصر، الذي برر الموقف بسرعة صادقة. اقترب راشد مني حتى أصبح على بعد خطوة واحدة. صوته منخفض جدًا، يكاد يكون همسًا يخصني وحدي: "عنود... ألم أقل لك لا تقتربي من المجلس؟" عقدت ذراعيّ. "وأنا قلت لك... ما أحب أكون آخر واحدة تعرف." تنهد بعمق. ثم... ولأول مرة منذ عودتنا من الوادي... مد يده بهدوء ورَفع خصلة صغيرة من شعري كانت تغطي عيني اليسرى، وأبعدها بلطف خلف أذني. تجمدت في مكاني. وهو تجمد أيضًا. بقيت أصابعه قرب أذني لثانية أطول مما يجب. شعرنا كلانا بالكهرباء تمر بيننا. تذكرت يديه على جسدي، قبلاته الحارة، أنيني في فمه. سحب يده بسرعة كأنها أحرقته. التقت أعيننا للحظات طويلة. كان في نظرته مزيج من الرغبة المكبوتة، والغضب من نفسه، والعزم على اعتباره "خطأ لن يتكرر". أما ناصر... فابتعد خطوات إلى الخلف ونظر إلى السماء متمتمًا: "واضح إني لازم أروح أشوف الحراسة." بقينا وحدنا لثوانٍ. راشد همس بصوت خشن: "ارجعي للخيمة يا عنود." لكن عينيه كانتا تقولان شيئًا آخر تمامًا. بقينا واقفين أمام مجلس الرجال لثوانٍ طويلة. الهواء بيننا كان ثقيلاً، مشحونًا بكل ما حاولنا نسيانه في الوادي. يد راشد كانت لا تزال مرفوعة قرب وجهي، وكأنها نسيت طريق العودة. رفعت عينيّ إليه ببطء. كان ينظر إليّ بنظرة معقدة: مزيج من القلق، والرغبة المكبوتة، والغضب من نفسه. راشد همس بصوت خشن منخفض: "ارجعي للخيمة يا عنود. الليلة ما فيه خروج." أومأت برأسي، لكنني لم أتحرك. "وش اللي صار داخل؟" نظر حوله بسرعة ليتأكد أن أحدًا لا يسمعه، ثم اقترب خطوة أخرى. أصبحنا قريبين جدًا، أقرب مما يجب في مكان عام. "الأمر أكبر مما توقعنا. القلادة اللي لقيناها مرتبطة بجماعة قديمة كانت تهدد القبيلة قبل أكثر من عشرين سنة. جدك سالم... لم يكن هاربًا. كان يحاربهم." اتسعت عيناي. "يعني... كل اللي سمعتُه عنه كذب؟" "نعم. والآن يبدو أن أحداً يريد إعادة فتح الجرح القديم." تنهدت بعمق وأنا أحاول استيعاب المعلومات. لكن عقلي كان مشغولاً بشيء آخر: دفء جسده القريب، ورائحة عطره الممزوجة برائحة الرمال والعرق. كأنه شعر بتوتري، ابتعد راشد خطوة إلى الخلف فجأة، وكأنه تذكر اتفاقنا الصامت: كان خطأ. "روحي ارتاحي. أنا لازم أكمل مع الرجال." استدرتُ ببطء، لكن قبل أن أبتعد ثلاث خطوات، ناداني: "عنود." التفتُ. "خذي ناصر معك. ولا تطلعي بره الخيمة مهما صار." ابتسمت بسخرية خفيفة. "يعني حتى في بيتكم أنا سجينة؟" لم يبتسم. نظراته كانت جادة جدًا. "اليوم مو وقت عناد." عدتُ إلى الخيمة وأنا أشعر بثقل غريب في صدري. نورة كانت تنتظرني بفضول واضح. "وش صار؟" "اجتماع عن خطر قديم. القلادة اللي لقيناها مرتبطة بجماعة كانت تحارب جدي." أم راشد هزت رأسها بحزن. "كنت أعرف إن سالم ما كان يهرب. كان رجل شجاع." جلست على الأرض وأنا أحتضن ركبتيّ. حاولت أن أركز على القصة، على الخطر الذي يهدد القبيلة، لكن ذاكرتي كانت تعيد مشهد الوادي باستمرار: يد راشد على مؤخرتي، لسانه في فمي، صوته المبحوح وهو يهددني بأنه لن يستطيع التوقف. كان خطأ. كررتها في رأسي مئات المرات. لكن الجسد لا ينسى بسهولة. مرّت الساعات ببطء. مع غروب الشمس، ازدادت الحراسة. رأيت راشد من بعيد يتحدث مع الرجال، يعطي تعليماته بحزم. كان يتجنب النظر نحو خيمتنا عمدًا. في منتصف الليل، لم أستطع النوم. خرجت بهدوء من الخيمة. الهواء البارد صفع وجهي. "ما تقدرين تنامين؟" صوت ناصر جاء من الظلام. كان جالسًا قرب الخيمة كالتمثال. أنا: "واضح." "الشيخ أمرني أحميكِ. حتى من نفسك." ابتسمت رغمًا عني. "هو دائمًا يفكر في كل شيء." سكت ناصر للحظة، ثم قال بهدوء: "اليوم شفته ينظر إليكِ بطريقة مختلفة. مو طريقة الحارس." احمر وجهي. "تخيل." "أنا ما أتخيل. أنا أشوف." قبل أن أرد، ظهر راشد فجأة من بين الخيام. كان يرتدي عباءته الداكنة، وجهه متعب. توقف عندما رآني خارج الخيمة. راشد: "قلت لكِ لا تطلعين." أنا: "ما قدرت أنام." نظر إلى ناصر، فاعتذر ناصر وابتعد قليلاً ليعطينا خصوصية. اقترب راشد حتى أصبح أمامي. الصمت بيننا كان ثقيلاً. "عنود..." بدأ يتكلم بصوت منخفض. "اللي صار في الوادي..." قاطعته: "كان خطأ. اتفقنا." نظر إلى الأرض، ثم رفع عينيه إليّ. "نعم. كان خطأ. أنا مسؤول عن سلامة القبيلة، وعن سلامتك. ما يصير أفقد السيطرة." لكنه عندما قالها، كانت عيناه تقول العكس. كانت تنظر إلى شفتيّ، إلى رقبتي، كأنها تتذكر كل شيء. مددت يدي وأمسكتُ بطرف عباءته دون تفكير. "وتبي تنسى؟" تنهد بعمق. "أحاول." ثم رفع يده ببطء ووضعها على خدي بلطف. أصبع إبهامه يمسح بشرتي بحنان يتناقض مع كلماته. "لكن صعب... جدًا." اقتربنا أكثر. أنفاسنا اختلطت. كنت أشعر بدقات قلبه، أو ربما كانت دقات قلبي. فجأة... سمعنا صوت حركة غريبة من جهة التلال. شد راشد يدي بقوة ودفعني خلفه. "ادخلي الخيمة الحين!" ناصر ظهر بسرعة مع ثلاثة حراس. راشد أمر بصوت حاد: "شدوا الحراسة! فيه شيء." قبل أن أدخل، نظر إليّ نظرة أخيرة. نظرة تحمل وعدًا وتحذيرًا في الوقت نفسه. "غدًا... لازم نتكلم." دخلت الخيمة وقلبي يدق بجنون. لم يعد الأمر مجرد خطأ. بل أصبح قرارًا سيغير كل شيء.كانت الغرفة هادئة إلا من صوت المكيف الخافت. راشد يجلس على حافة السرير، المفتاح القديم بين أصابعه، يقلبه ببطء كأنه يقرأ فيه شيئًا غير مكتوب. الضوء الخافت من المصباح الجانبي يلقي ظلالًا طويلة على وجهه. الساعة تجاوزت منتصف الليل، وعنود نائمة في الغرفة المجاورة، أو هكذا ظن. نظر إلى المفتاح طويلاً، ثم همس لنفسه: «كل شيء يقودني إلى هناك... لكن القبيلة تنتظر.» أخرج هاتفه واتصل بفارس. صوته كان هادئًا وحاسمًا: «جهز الرجال. نرجع بكرة مع الفجر. وجودي هنا صار يلفت الأنظار أكثر مما ينبغي. رجال القبيلة يحتاجونني، والمدينة... المدينة ستنتظر.» أنهى المكالمة، ووضع الهاتف جانبًا. أحس فجأة أن الباب خلفه فُتح بهدوء. استدار. عنود واقفة في مدخل الغرفة، شعرها منسدل على كتفيها، وعيناها نصف نائمتين لكن الغضب فيهما واضح تمامًا. قالت بصوت منخفض لكنه حاد: «مين قال إننا راجعين؟» راشد تنهد، ووضع المفتاح على الطاولة: «أنا.» اقتربت خطوتين: «أنت؟ منذ متى صرت تقرر وحدك؟» رد بهدوء محاولًا تهدئة الأمر: «القبيلة مسؤوليتي يا عنود. الرجال هناك ينتظرون أوامر. كل يوم أتأخر يزيد الشكوك.» قاطعتْه فورًا: «والخيوط كلها ه
انطلقا فورًا. لم يتبادلا كثيرًا من الكلام في السيارة، لكن الصمت بينهما لم يكن ثقيلًا. كان الطريق هادئًا، والشمس تميل إلى الغروب، تلقي بظلالها الطويلة على الأرصفة الخالية. راشد يمسك عجلة القيادة بقبضة ثابتة، وعنود تنظر من النافذة ثم تلتفت إليه فجأة، بابتسامة خفيفة تخفي توترها. قالت بصوت ناعم: «هل تعلم أننا لم نكمل يومًا طبيعيًا منذ تزوجنا؟» ابتسم راشد دون أن يبتعد بصره عن الطريق: «طبيعي؟ ما هو الطبيعي يا عنود؟» أجابت وهي تضع يدها على ذراعه: «أن نستيقظ معًا، نشرب القهوة، نتشاجر على من يغسل الصحون، ثم ننام دون أن نفكر في ملفات قديمة أو أسماء تختفي. هذا هو الطبيعي الذي لم نعرفه بعد.» أمسك بيدها دون أن ينظر إليها، وضغط أصابعه بلطف: «سنصل إليه. وبعدها... سأجعل لك أيامًا عادية حتى تملّي منها.» ضحكت بهدوء، ثم اقتربت أكثر، وضعت رأسها على كتفه للحظات: «لا أملّ منك أنت. حتى لو لم يكن هناك أيام عادية.» في تلك اللحظة، بدا التوتر أخف. لم يكن الحب بينهما صاخبًا، بل هادئًا وعميقًا، يختبئ في الإيماءات الصغيرة وفي الكلمات التي تُقال دون زخرفة. وصلا إلى العنوان المكتوب في الملف. المبنى ق
استيقظتُ متأخرة على غير عادتي. لأول مرة منذ أيام، لم يكن صوت إطلاق نار يوقظني، ولا خوف يجعل قلبي يدق قبل شروق الشمس. فتحتُ عيني ببطء، ومددتُ يدي إلى الجهة الأخرى من السرير. فارغة. جلستُ بسرعة ونظرتُ حولي. «راشد؟» لم يجب أحد. نهضتُ وخرجتُ من الغرفة، فوجدته واقفًا في الشرفة، يستند إلى السور الحديدي، وبين يديه الورقة القديمة. لم ينتبه لوجودي. كان شاردًا تمامًا، كأن الصورة تأخذه إلى زمن آخر. اقتربتُ منه بهدوء ووقفتُ بجانبه. «صباح الخير.» التفتَ إليّ وابتسم ابتسامة خفيفة. «صباح النور.» نظرتُ إلى الصورة التي يمسكها. جدي... ووالد راشد... والطفل المجهول. مددتُ يدي وأخذتها. تأملتُ الوجوه بهدوء وقد عادت إليّ الأسئلة نفسها. «من أمس وأنا أفكر فيه.» «وأنا كذلك.» أشرتُ إلى الطفل: «لو كان عمره خمس أو ست سنوات وقتها... فهو اليوم في الثلاثين تقريبًا.» أومأ راشد بصمت، ثم قال: «وأعتقد أنه يعرف أكثر مما نعرف.» رفعتُ رأسي إليه: «يعني بنبدأ ندور عليه؟» نظر إلى المدينة الممتدة أمامنا: «إيه.» ابتسمتُ بخفة: «أخيرًا عندنا هدف واضح... بدل ما كل يوم نهرب.» نظر إليّ بطرف عينه:
أول ما خرجنا من المقبرة، شعرتُ أن جسمي كله قد فارقه العزم. كأن الليالي الطوال والدموع والرصاص قد سحبت مني آخر قطرة طاقة. ركبتُ السيارة بصمت، وفارس يقود بسرعة حذرة، بينما سالم في المقعد الأمامي يضغط بيده على كتفه المصاب. أما راشد، فقد جلس بجانبي، وأمسك يدي طوال الطريق دون أن ينطق بكلمة. كان دفء كفه يقول ما لا تستطيع الكلمات التعبير عنه.لم نتحدث كثيرًا. كان التعب أعمق من الحديث.بعد نحو نصف ساعة، وصلنا إلى شقتي. أغلق فارس الباب بهدوء، وساعد سالم على الجلوس على الأريكة. لم تمضِ دقائق حتى حضر الطبيب الذي يعرفه فارس. فحص الجرح بهدوء، ثم ابتسم ابتسامة مطمئنة.«الرصاصة خدشت فقط، لم تدخل. سيكون بخير بعد راحة قصيرة.»تنفستُ براحة عميقة، وهمستُ: «الحمد لله.»ابتسم سالم بتعب وهو ينظر إلينا، محاولًا أن يخفف الجو الثقيل: «واضح إنكم زعلانين لأني ما مت.»رمقه فارس بنظرة حادة: «تكلم أقل.»ضحكتُ رغم الإرهاق: «أول واحد يطلع من الموت ويبدأ يستهبل.»ضحك سالم بخفة، ثم قال: «إذا ما مزحت... أموت فعلًا.»حتى راشد ابتسم هذه المرة. ابتسامة صغيرة، نادرة، كأنها أول شعاع ضوء بعد عاصفة طويلة.---بعد قليل،
بقينا واقفين في وسط الشارع المزدحم، والصمت يلفنا كغطاء ثقيل. كلمات سالم لا تزال تتردد في أذني: «لا تروحون للمقبرة... نصبوا لكم فخًا كبيرًا.»انقطع الاتصال، لكن الخوف بقي معلقًا في الهواء.رفع راشد هاتفه مرة أخرى وحاول الاتصال بفارس، ثم بسالم. لا رد. الخط مشغول أو خارج الخدمة. شدّ فكه، وعيناه تحترقان بغضب مكتوم."راشد..." همستُ بصوت مرتجف، "سالم ما كان يمزح. صوته... كان يبدو وكأنه مصاب."نظر إليّ طويلاً. في عينيه مزيج من القلق عليّ والتصميم الذي لا يلين. "أعرف. لكن لو تركنا المقبرة الآن، راح يضيع كل شيء. الوثيقة هناك. وأبي... ما كان يخبيها إلا لسبب."أمسك يدي مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن فيها دفء فقط، بل توتر. "ما راح أخليكِ تواجهين هذا لوحدك. لكن القرار قرارك أنتِ يا عنود."ابتلعت ريقي. صورة جدي تتراءى أمامي، وكلماته في الرسالة: «أنتِ الآن مع راشد...» "نروح. بس مو بهالطريقة. لازم نكون أذكى منهم."ابتسم راشد ابتسامة خافتة، لكنها لم تصل إلى عينيه. "هذا بالضبط اللي كنت أبغاه أسمعه.ركبنا سيارة أجرة أولاً، ثم غيرناها مرتين في طريقنا خارج المدينة. راشد كان يراقب المرايا باستمرار،
توقفتُ عن التنفس تمامًا.كان الظلام كثيفًا يلتهم كل شيء، ولم يبقَ سوى وقع خطوات ثقيلة تقترب ببطء مرعب بين رفوف الأرشيف القديمة. كل خطوة كانت أقرب... أقرب.شد راشد يدي بقوة أكبر، حتى شعرت بحرارة كفه تخترق برودة المكان المتجمدة. همس دون أن يلتفت، صوته خافت لكنه حاد كالسكين:"إذا صار أي شيء... لا تتركين يدي أبدًا."أومأت برأسي في صمت، وقلبي يدق كطبول الحرب.وفجأة...اشتعل ضوء مصباح يدوي صغير في آخر القاعة. ثم آخر. ثم ثالث. تحركت الثلاثة أضواء بين الرفوف بثقة، كأن أصحابها يعرفون كل زاوية في هذا المكان المظلم.همس الرجل المسن بخوف مكتوم: "يا ساتر يا رب..."اقترب أحدهم من المكتب وأخذ يقلب الملفات بعنف شديد. سقطت الأوراق على الأرض، وتناثرت الصور القديمة كأوراق الخريف الميتة. قال بصوت خشن جاف:"فتشوا كل شيء. الملف لازم يكون هنا."قطب راشد حاجبيه. همس لي بسرعة: "هم مو جايين عشانا... جايين يدورون الملف."في تلك اللحظة الدقيقة، انحنى الرجل المسن خلف مكتبه بسرعة مذهلة، وأشار بعينيه المذعورتين إلى درج سفلي خفي لم أنتبه له من قبل. فهم راشد الإشارة فورًا.استغل انشغال الرجال، وتحرك كالظل ب







