เข้าสู่ระบบكانت ريم تعتقد أن الأمور تسير بهذا الشكل. حتى سمعت بالصدفة أن فيصل سيشارك في إدارة هذا المشروع أيضًا. عبست وقالت: "أليس من المفترض أن يكون المشروع تحت إشراف السيد عامر؟ كيف يمكن أن يكون لمشروع واحد مسؤولان؟"اقترب منها المساعد بحذر، وهمس: "هذا بناءً على طلب الرئيس القديم لمجلس الإدارة".ازداد عبوس ريم، ومرت في ذهنها صورة عامر البارد خلال اليومين الماضيين. لم تتمكن من قراءة أي شيء من ملامحه، هل أصبح لا مباليًا حقًا؟ أم أنه يخفي مشاعره بطريقة تجعلها حتى هي لا تكتشف أي خلل؟ شعرت أنها لم تعد تفهم ما يدور في رأس والده.لم يهدأ قلقها، وأخبرها حدسها أنه لا يمكن للأمور أن تستمر على هذا المنوال، فقررت التوجه مباشرة إلى مكتب عامر. بمجرد دخولها، التفت إليها بنظرة قصيرة، ثم خفض رأسه قائلًا: "لقد جئتِ في الوقت المناسب، هناك أمر أريد إخبارك به. غدًا سنسافر إلى مدينة البراعم لمدة يومان، رتبي أمور لولو عندما تعودين"."هكذا بسرعة؟"أجابها: "الطرف الثاني لمشروع ميناء اللمعة موجود في مدينة البراعم".عرفت ريم من نبرة صوته أن القرار اتُخذ منذ الصباح الباكر، وأنه قرر أن يصطحبها معه. لم تعترض؛ فكونها ا
مثل هذه الأمور تحدث بكثرة، ولا يمكنها مساعدة كل الناس، وحتى لو رغبت، فالتدخل غصبًا في شؤون الآخرين أمرٌ غير واقعي. تراجعت ريم عن الفكرة السابقة... لا تحب الأمهات أطفالهن، فهناك أمهات أنانيات وسيئات.كانت ريم قلقة من تأثير ما حدث اليوم على تكوين شخصية لولو وأخلاقه. فأهم شيءٍ في تربية الأطفال، هو بناء شخصيتهم وصقل منظومتيهم الأخلاقية. ظلت قلقة طوال الطريق، وعند العودة للمنزل، تحدثت معه بلطف محاولة تهدئته ومواساته. لكنها فوجئت بمدى قدرة لولو على التأقلم.قال لها بابتسامة هادئة، وهو ما أدهشها جدًا: "أعرف أن أم تلك الفتاة سيئة، لكن أمي ليست كذلك، لذلك لن أصدقها".ابتسمت ريم براحة وارتياح، بعد أن هدأت من صدمتها قليلًا.كانت حالة والدتها مستقرة، ولم تعد تستيقظ مذعورة في منتصف الليل، فتمكنت ريم من العودة إلى عملها.كان المساعد يحسدها على عطلتها، حتى أن هذا كاد يُكتب على وجهه: "سكرتيرة ريم، لديك الكثير من الإجازات، هل يمكنك أن تطلبي من السيد عامر أن يمنحني بعضها، ولو قليلًا فقط؟"لقد سأم حقًا من كونه عبدًا لعمله، وأراد لو يرتاح قليلًا.ضحكت ريم بخفة، وقالت: "عليك أن تطلب هذا منه بنفسك".ار
تغيرت تعابير وجه المرأة قليلًا: "أتريدين استخدام هذا لتخيفيني؟"ردت ريم بحدة وسخرية في عينيها: "الأمر يعتمد على ما تفعلينه أنتِ. الأشياء الملقاة جانبًا، من يعرفها يعرف أنها مجرد ممتلكات ضائعة، أما من لا يعرف، فيظنها طُعمًا. كيف يمكن أن يكون إعادة المفقود خطأ؟"أدركت المرأة أنها لا تستطيع مواجتها، و بدت عليها علامات الإحراج والغضب الشديدين. ومعها تغيّرت همسات من حولها.صرخ أحدهم: "أنتِ... تحاولين التملص من المسؤولية! لم أرَ مثلك من قبل، ترتكبين خطأً ولا تشعرين بأي ذنب، بل وتتحدثين وكأنك على حق!"قالت ريم ببرود: "تتجرئين على والدتي بالكلام الفارغ، وأنا لم أسُبَّكِ أصلًا، بل وضبطت نفسي، لكنك تريدين مني أيضًا أن أتكلم معك بلطف؟"كان التعبير على وجه ريم وكأنها تقول: "ما هذا الهراء الذي تتحدثين عنه؟"بدأ الغضب يتصاعد في المرأة، فقررت توجيه نظرة صارمة لابنتها الصغيرة بجانبها.نظرت ريم إلى الفتاة، وتفاجأت. كانت نحيلة جدًا، شعرها هزيل بسبب سوء التغذية، جسدها ضعيف. وبدت الفتاة عاجزة عندما دفعتها والدتها، فوقعت على الأرض، تفرك عينيها وتبكي.أشارت المرأة نحو ريم وقالت: "لقد أخفتِ ابنتي، ادف
كان لولو قد سأل أصدقاءه في الروضة عن جداتهم، وكيف تتصرفن. وعندما قارن، اكتشف أن جدته مختلفة تمامًا عن الجميع. فقط جدته كانت تلعب مثل الأطفال، وكلامها غير مرتب أحيانًا، لكن لولو لم يمانع، بل على العكس، كان يحب جدته كثيرًا.رأت ريم لولو يتبع جدته عن قرب، فاطمأنت واستمرت في اختيار حاجياتها. وعندما كاد تنهي من مشترياتها وتستعد للعثور على موظف الدفع والرحيل، وقع ما لم تكن تتوقعه.سمعت ضجة من بعيد: "أنتِ أيها العجوز، تسرقين! تعالوا جميعًا، أمسكوا باللصة!"دافع عنها لولو بسرعة: "هذا كلام خاطئ، جدتي ليست لصة، أنتِ من لم ترغبي بهذا الشيء، ووضعتِه هنا، وجدتي فقط التقطته لتراه!"لكن المرأة كانت في منتصف العمر، ترافقها ابنتها، وبما أنها كبيرة في السن، تجاهلت رأي الطفل، وألقت بكل الخطأ على أم ريم، البالغة المسؤولة الوحيدة.قالت المرأة بسخرية: "كنت أحاول الاعتناء بطفلتي، وأيضًا أحمل الخضار، فوضعت الهاتف هنا للحظة، فهل من المعقول أن تأخذي هاتفي؟"وحين تجمع الناس حولها، رفعت صوتها صارخة: "تعالوا جميعًا لتقيِّموا الموقف! من على حق ومن على خطأ؟ امرأة بالغة، أليس من المفترض أن تعرف أنها لا ينبغي لها ل
بعد وقت قصير، وجدت ريم في يدها تميمة للحماية على شكل سوار. وهي تمرر السوار بين أصابعها، اجتاحها شعور بالمرارة الشديدة. كان هذا السوار قد تركته لها والدتها منذ زمن بعيد...بعد اختفاء والدتها، خشيت أن رؤية هذا السوار ستزيد من ألمها، فاحتفظت به مخزنًا بعيدًا. والآن، بعد كل هذه السنوات، عاد إليها، وكأنها دارت دورة كاملة ثم عادت في النهاية إلى نقطة البداية.أخذت ريم السوار إلى المنزل، ووجدت والدتها مشغولة باللعب مع نفسها. لم يكن لولو موجودًا، فكان هذا أسلوبها للتسلية. لحسن الحظ، مستوى ذكاء والدتها لا يتجاوز طفلًا صغيرًا في الخامسة من عمره. لذلك لم تشعر بالوحدة حتى وهي تلعب بمفردها، لكن ريم كانت تشعر بألم في قلبها كلما رأت والدتها هكذا، كما يحدث الآن.قالت: "أمي، لقد عدت. انظري، ما هذا؟ هل تتذكرينه؟"أخذت والدتها السوار، وقالت بابتسامة مفاجئة: "السوار... إنه السوار الذي أعطيتُه لريمو حبيبتي".إنها تتذكره!فوجئت ريم للحظة، وسرعان ما امتلأت عيناها بالدموع، وقالت بصوت مبحوح: "أمي، ما زلتِ تتذكرين!"رغم أن إصابة الدماغ جعلت والدتها تنسى الكثير، حتى والدها لم تذكره كثيرًا، إلا أنها كانت تتح
بدا الحزن في عينيها خافتًا وهي تنظر إلى المارة خارج المطعم.لسببٍ ما، شعر عامر بالضيق لمجرد رؤيتها هكذا، فوجَّه نظرةً إلى النادل، وقال: "أحضروا كل أطباقكم المميزة".ذُهل النادل لثوانٍ، ثم ابتسم ابتسامة عريضة. يا له من زبون كبير بحق.وُضعت الأطباق على الطاولة، وكان البخار يتصاعد من قدر المرق الساخن المقسوم لنصفين، وكان النصف الحار منه مواجهًا لريم، حتى أنه أحرق عينيها قليلًا. فانتقلت للجلوس بجانب عامر.قال عامر بما يخالف قلبه: "كنتِ تتجاهلينني تمامًا قبل قليل، والآن جئتِ لتجلسي هنا. واضح أنكِ لم تكوني مُجبرة، وإلا لما عرفتِ كيف تقتربين مني."صمتت ريم لحظة، ولم ترد. في الواقع، هذا صحيح. ولكن مع مقاطعته هذه، شعرت أن مزاجها أصبح أفضل قليلًا.بعد أن وصلت الأطباق، لم يكن الطعام يحتاج إلا لبضع لحظات في قدر المرق قبل أن يُلتقط ويؤكل، أما عامر فلم يأكل تقريبًا، بل كان يلتقط الطعام ويضعه في طبق ريم.لم تمضِ لحظات حتى امتلأ وعاء ريم تقريبًا، حتى كاد لا يتسع للمزيد.قالت بسرعة وهي تبتعد بالصحن خائفة أن يملؤه عامر بالمزيد: "كفى، هذا يكفي".ترك عامر عيدان الطعام، وكأن الأمر مؤسف بالنسبة له. و







