LOGINدفعَ صلاح المرأة أمامه ببرود، فسقطت تمارة على السرير مطلِقةً أنينًا مكتومًا.لولا أنه خفّف قوّته قليلًا، لما كانت الآن على السرير، بل على الأرض.قال صلاح ببرود، وهو يلقي جملة واحدة: "قلتُها من قبل، لا اهتمام لي بنساءٍ أخريات".تقدّم ليفتح الباب.وما إن وضع يده على المقبض حتى عقد حاجبيه، حاول لفّه مرة بعد مرة، لكنه لم يستطع فتح الباب.يبدو أنه أُغلق بإحكام من الخارج.جاء من خلفه صوت بكاء خافت، فالتفت صلاح، وتذكّر أنها قد تكون هي الأخرى ضحية، فتحرّكت شفتاه بخفّة: "يمكنك أن تأخذي حمّامًا بماء بارد".رفعت تمارة عينيها المحمرّتين قائلة: "لا أملك ملابس".قال صلاح: "…إذًا انسَي الأمر".فهو لا يملك أيضًا ملابس يمكنها ارتداؤها، هل يُعقل أن يعطيها ثيابه؟كانت فاتن قد صعدت عدّة طوابق حتى وصلت إلى منزل صلاح.وضعت يدها على جرس الباب، وتردّدت طويلًا قبل أن تضغط عليه.بعد قليل، جاءت والدة صلاح لتفتح الباب.وكما في المرّة السابقة تمامًا، ما إن رأت فاتن حتى همّت بإغلاق الباب انعكاسيًا.لكنها توقّفت فجأة، وكأنها تذكّرت شيئًا، فابتسمت ابتسامة غريبة، ثم فتحت الباب مجددًا."آنسة فاتن، جئتِ ف
لم يرغب صلاح في الشرب.كان يريد أن يأخذ ذلك الشيء ويغادر فورًا، لكن في نبرة والدته ونظرتها، ما بين القسوة والتوسّل، ما جعله عاجزًا عن أن يدير وجهه ببرود ويترك المكان.كان لا بدّ له من الحصول على تلك الأشياء وإعادتها إلى فاتن ليعطيها تفسيرًا، فعليها أن تعرف كيف فقدت طفلها، وأن السبب كان والدته.ومهما يكن، فهي في النهاية أمه التي ربّته أكثر من عشرين عامًا.تحرّك حلق صلاح قليلًا، ثم أمسك بالكأس وابتلعه دفعة واحدة.ليكن هذا الكأس حدًّا فاصلًا، قطعًا نهائيًا.بعد أن انتهى، أخذ علبة الرهوديولا، ونهض متجهًا إلى الباب.قالت تمارة بدهشة، وهي تنهض: "سيد صلاح، لماذا تغادر؟" لكن ما إن أنهت جملتها حتى تمايل جسدها بعنف، واحمرّ خداها احمرارًا غير طبيعي.كان صلاح قد وصل إلى المدخل، فغطّى رأسه بيده وتراجع خطوتين، ثم سقط فجأة على الأريكة، واصطدمت ساقاه الطويلتان بطاولة الشاي فأصدرت صوتًا حادًا.كان أسفل بطنه كأنه نارًا مشتعلة تتأجّج بعنف، وبدأ العرق الحار يتساقط بلا سيطرة، وتحرّكت تفاحة آدم، وأخذت رغبة غامضة لا توصف تتخمّر في جسده.أما تمارة فكانت حالتها أسوأ منه، فصلاح، رغم ذلك، كان لا يزال م
تصلّبت فاتن في لحظة، وتدفّقت إلى مسامعها الكلمات من حولها، باردةً وحادّة كالسكاكين.تجمّدت أصابعها، وكأن أطرافها كلّها فقدت الإحساس، ولم يبقَ لديها سوى جسدٍ بلا روح، كجثةٍ تمشي.إذًا، أهذا هو الأمر الذي أخفاه عنها صلاح؟بعد برهة طويلة، استطاعت أن تنتشل نفسها من تلك الحالة، وصعدت إلى الأعلى.وفي الوقت الذي كانت فيه فاتن تتجه إلى الطابق العلوي، كان صلاح قد جلس بالفعل في غرفة المعيشة.غير أنّ ملامحه كانت أبرد مما كانت عليه عند دخوله، وكأن طبقةً من الجليد غلّفت عينيه، فلا يُرى فيهما أي دفء.كانت تمارة بجانبه تكاد تذوب من الإحساس بالظلم، ونظرت نحو والدته، وقالت بصوت متردد: "عمة إلهام…"لم تفهم لماذا يرفضها، مع أن ظروفها ممتازة إلى هذا الحد.وفوق ذلك، فقد خرجت خِلافًا لرغبة والدتها.فبعد أن عرفت منى أن صلاح سبق له الزواج، لم تعد ترغب فيه صهرًا، لكن تمارة لم تستطع أن تترك الأمر هكذا، فما زالت تتذكر تلك الليلة التي التقت فيها بصلاح لأول مرة.لذلك، انتهزت غياب منى عن البيت، وتسللت إلى هنا.لكن لماذا ما زال صلاح يعاملها ببرود؟في أي شيء هي أقل من زوجته السابقة؟قالت والدة صلاح مذكّر
ولكن، هل حصلت فاتن الآن على حياة جيدة حقًا؟مرت لمحة من الحيرة في عيني صلاح، ولم يعد يعرف فجاة إن كان إصراره على فاتن صحيحًا أم خاطئًا.ربما لو لم يؤسس الشركة، كان بإمكانهما إقناع والد فاتن بطرق أخرى، ألن يكون الوضع حينها مختلفًا؟قال بعدها بصوت هادئ: "عودي إلى المنزل، لن أخرج مرة أخرى". ثم نظر إلى والدته خلفه وأضاف برصانة: "سلمي لي ما تبقى من الزعفران".وبمجرد أن قال ذلك، غادر.انتهى لقاءه مع والدته هذه المرَّة بلا ودّ.بعد ذلك، بقي صلاح بجانب فاتن طوال الوقت، حتى أنه ترك أمور الشركة مؤقتًا، وأوكلها لآخرين.ولحسن الحظ، كان سمير يساعده في متابعة الأمور.وبفضل وجوده المستمر ليلاً ونهارًا، تحسنت حالة فاتن كثيرًا، وبدأت تدريجيًا تخرج من ظل فقدان طفلها، على الرغم من أنها أحيانًا كانت تغرق في التفكر عند رؤية بعض الأشياء الصغيرة.أحيانًا كانت ترى زجاجة رضاعة طفلٍ آخر، وأحيانًا لعبة صغيرة…لكنها على الأقل بدأت تتعافى.عندما لاحظ صلاح تحسن حالتها، شعر أخيرًا ببعض الاطمئنان، وبعد بضعة أيام من الصمت، اتصلت والدته أخيرًا لتسلمه الزعفران.عندما سمع صلاح ذلك، أراد على الفور إرسال مساعده
مع سؤال منى هذا، عمّ الصمت في الغرفة الخاصة.تجمدت تعابير وجه والدة صلاح فجأة، ورأت تعابير الأم وابنتها تتغير، فاستجمعت نفسها سريعًا محاولًة التدارك.لكن في هذه اللحظة قال صلاح بصوت هادئ: "أنا متزوج بالفعل".سقطت الملعقة من يد تمارة على الأرض، وظلت مذهولة لبرهة، ثم امتلأت عيناها بالدموع فجأة.نهضت منى بغضب، وقالت: "لماذا لم تخبريني منذ البداية أن ابنكِ متزوِّجٌ بالفعل؟"قالت والدته مرتبكة: "لا، إنه… كان يمزح فقط…" ثم نظرت إلى صلاح بحدة وأضافت: "هناك امرأة كانت تلاحقه، لكنهما انفصلا منذ زمن طويل".ابتسمت منى بسخرية.مثل هذه الأكاذيب قد تنطلي على البعض، لكنها لا تخدع من خبر الحياة مثلها.إذا انفصلا منذ البداية، فلماذا لم يُذكر ذلك بوضوح؟ والأهم، حتى لو لم تكذب والدته، فصلاح رجل سبق له الزواج.حتى لو كان لديه كل شيء، فماذا يعني ذلك؟ هل يجب أن تزوج ابنتها من رجلٍ سبق له الزواج؟سحبت منى يد تمارة بغضب، وقالت لهما: "ابنتي لا يمكن أن تتزوج مثل هذا الرجل، لنذهب".كانت تمارة ما زالت مذهولة، فتم سحبها بعيدًا، ونظرت قبل رحيلها إلى صلاح بنظرة توديع مختلطة بالحزن.شعرت والدته بالغضب الش
ثم نظر إلى فاتن بابتسامة دافئة مجددًا، وقال: "سأخرج هذا المساء للقيام ببعض الأمور، إذا احتجتِ أي شيء اتصلي بي، سأعود بأسرع وقت ممكن، حسنًا؟"حركت فاتن شفتيها، أرادت أن تسأله إلى أين سيذهب. لكنها في النهاية لم تفتح فمها لتسأل.غادر صلاح المستشفى، وركب السيارة متجهًا إلى فندق أربع نجوم.كانت والدته قد أرسلت أحدًا ليحجز غرفة خاصة منذ الصباح، وكان صلاح آخر من وصل، ووقف أمام الباب بينما كانت أصوات الضحك والمرح تكاد تخرج من الغرفة.قبض على يديه بقوة، وعم الغموض في عينيه، بينما استعاد عقله كلمات سمير التي قالها له في ذلك اليوم: "خادمتك، الخالة هناء، أخذت إجازة وعادت إلى المنزل، أليس كذلك؟ كنت قد استدعيتها وسألتها قبل أن تذهب، وإذا كنتَ قد بحثت عنها، فستعرف من كان موجودًا يوم وقوع حادثة فاتن".عند سماع هذه الكلمات، شعر صلاح بصدمة، وظهرت في ذهنه شكوك لم تكن عنده من قبل. أو ربما كان قد اشتبه منذ البداية، لكنه لم يرغب في التفكير بالأمر...لكن الآن، كان الباب أمامه، وكان لا بد له من المواجهة.دفع الباب بقوة، فتوقَّفت فجأة أصوات الضحك والدردشة، وتوجهت جميع العيون إليه. رأى والدته، وتمارة







