All Chapters of بعد رحيلي شابَ شعره في ليلة: Chapter 451 - Chapter 460

475 Chapters

الفصل 0451

رحل عبيد.في الليل، لم تزعج زهرة أحدا، ولم يكن إلى جوار عبيد سوى أهل البيت، يحرسونه، وأضرمت عند رأس السرير شمعة الخلود.في مثل هذا السكون، كان المقصود أيضا أن يودع شيب وهادئة والدهما على مهل.كان شيب واقفا إلى جوار السرير، قامة مستقيمة وملامح وسيمة، يمسك بيدي أختيه الصغيرتين.أم زهرة، رغم حزنها، شدت من أزرها، ونزلت إلى الطابق الأول تدير شؤون البيت، وترتب ما يلزم لما بعد الفجر، فعبيد كان من كبار الأثرياء، ولا بد أن يأتي كثيرون لتقديم العزاء.ومع انبلاج الفجر وبياض الأفق، خارت قوى أم زهرة.عندها ظهر ظل طويل أمامها، وما إن رفعت بصرها حتى تبين أنه سلام.أشعل سيجارة ووضعها بين شفتيه، يتصرف بهدوء كمن اعتاد العمل، لا يكتفي بتوجيه الخدم بل يشاركهم الحمل والترتيب، كما اتصل بوالده يستشيره، فاستدعي الطاقم الذي تولى عزاء شيخ عباس سابقا، ولم تمض سوى لحظات حتى حضروا.ومع وجود المختصين، عاد النظام إلى الفيلا بسرعة، وكل شيء جرى بصوت خافت، من دون أي جلبة قد تقلق الراحل.حينها فقط فهمت أم زهرة ترتيبات عبيد، وتعقد شعورها.رحل عبيد، وترك وراءه أرملة وأيتاما.مع بزوغ النهار، توالت أخبار الوفاة، فجاء أقارب
Read more

الفصل 0452

عند الغسق، ذهبت زهرة إلى (لوتس).كما يوحي الاسم، ففي شهر أغسطس امتلأت الفيلا بأزهار اللوتس، أغصانها المثقلة برؤوس الزهر المتدلية، تنحني بمحاذاة الجدران، ومن بعيد بدت كبحر وردي من الزهور.ذلك اللون الوردي كان لطيفا إلى حد بالغ!لا يشبه إطلاقا أسلوب عبيد في السابق.كان البستاني يعمل في الحديقة، ولما رآها قادمة—ولعله تلقى تعليمات مسبقة من عبيد—تعرف عليها، فنزع قفازيه وتقدم يحييها قائلا: "يا سيدتي، هذه النباتات أوصى بها السيد عبيد، زرعت منذ أشهر، والآن تزهر على نحو جميل."كان البستاني يعلم بوفاة عبيد، لكنه تلقى وصية منه: إن جاءت زوجته، فلا يذكر إلا الأمور السعيدة، ويضع الحديث عن الموت جانبا، ويكتفي بمرافقتها في نزهة هادئة بين أزهار اللوتس التي تملأ الحديقة.مدت زهرة يدها ولمست بتلات الزهور الوردية، فاشتد وخز الحنين في أنفها.ارتجفت أصابعها قليلا وهي تلامسها برفق، كأن أطرافها تصل إلى قلب عبيد، إلى آخر ما تركه في هذا العالم من حنان. قال إنه سيعامل الأطفال كأنهم من صلبه، وقد فعل.رفعت زهرة بصرها إلى السماء عند الغروب، والسحب الملونة تملأ الأفق.وانحدرت دمعة من طرف عينها.لم تدخل البيت، اكتفت
Read more

الفصل 0453

عادت إلى بيت عائلة دين عند الغسق.توقفت السيارة، لكن زهرة لم تنزل.نظرت إلى السماء الزرقاء الداكنة خارج النافذة، وقالت بصوت خافت: "سلام، اذهب من فضلك، ولا تعد إلى هنا بعد الآن."ساد صمت طويل داخل السيارة.أدار سلام وجهه قليلا، وكان ضوء خافت من الخارج يقسم ملامحه فيجعلها أكثر حدة ووضوحا، نظر إليها عبر المرآة الخلفية، وبعد لحظة قال بصوت مبحوح: "هذا المكان يحتاج إلي."لم يكن كلامه بلا أساس، فأسرة والدة شيب ما تزال تطمع في ممتلكات عائلة دين.وفوق ذلك، زهرة على وشك الولادة.وجود سلام يجعل أولئك الناس لا يجرؤون على التمادي.جاء صوت زهرة من المقعد الخلفي: "هذا غير مناسب، ولا يليق."عينا سلام السوداوان ظلتا معلقتين بصورة المرأة في المرآة، كان وجهها الجانبي يبدو ناحلا، مع أنها حامل في أشهرها الأخيرة، إلا أن ملامحها خلت من أي امتلاء، ما يدل على أن رحيل عبيد كان ضربة قاسية لها.ظل يحدق بها طويلا قبل أن يقول بصوت منخفض: "أفهم ما تفكرين به، تخشين أن يكون لي قصد آخر، لكن يا زهرة، هل أنا ذلك النوع من الرجال؟ عبيد توفي للتو، وكل ما أريده الآن هو أن أعتني بك وبالأطفال. أما مسألة المشاعر، فأستطيع الانتظ
Read more

الفصل 0454

لم يعد سلام يعود مباشرة إلى منزل عائلة دين.بل دخل أولا ليأخذ حماما.خلع القميص والبنطال، ودخل جسده الطويل القوي إلى مقصورة الاستحمام، فتح رأس الدش، وسرعان ما امتلأ المكان ببخار كثيف طمس ملامحه، غير أن الحزن العميق في عينيه ظل واضحا.عبيد رحل، وزهرة بقيت وحدها.وهو أيضا أصبح وحيدا.لكنه لا يعرف كيف يستعيد زهرة، ولا كم سيستغرق ذلك، ولا بأي طريقة عليه أن يفعل.غير أنه يعرف أمرا واحدا: أنه لن يتخلى.بعد عشر دقائق، مد ذراعيه وأغلق الماء الساخن، مسح وجهه، وسحب المنشفة ليجفف جسده. وبينما كان يمسح، انخفض بصره، تأمل للحظات، ثم اختار أن يتجاهل ما رآه.ارتدى سلام ثيابه، وفي تلك اللحظة رن جرس الباب.ظن أنه عامل النظافة بالساعة، لكنه ما إن فتح الباب حتى تفاجأ بسهيل.كان سهيل يرتدي بدلة كلاسيكية أنيقة، كأنه خرج لتوه من مناسبة رسمية، مظهره متقن ومشرق. حدق فيه سلام لحظة، ثم أدخله قائلا بنبرة ساخرة: "وما الذي أتى بالسيد سهيل إلى هنا؟"دخل سهيل، وتجول قليلا وهو يتفحص الشقة."مرتبة بشكل جيد.""وهناك حقائب سفر؟ هل عقدت العزم فعلا على أن تصبح صهرا لعائلة دين؟ لا بد أن العم والعمة سيتألمان، لكني أظن أنهما
Read more

الفصل 0455

عند الساعة الثامنة مساء، عاد سلام مرة أخرى إلى منزل عائلة دين.كان القصر هادئا، ولا تزال فيه بقايا حزن رحيل رب البيت. رغم إزالة الأقمشة البيضاء واللافتات السوداء، فإن ذلك السكون الجنائزي ظل عالقا في كل زاوية، لا يزول.توقفت سيارة فاخرة سوداء، ولما رآه خدم عائلة دين، ناداه أحدهم بتردد: "السيد سلام؟"أخرج سلام من صندوق السيارة حقيبتي سفر، في هيئة من يبدو عازما على الإقامة الطويلة. أصيب الخدم بالذهول: هل سيقيم هنا فعلا؟ هل سيبقى في بيت عبيد دين مع زوجته وأطفاله؟قال سلام بنفاد صبر: "ساعدوني في نقلها إلى غرفة الضيوف، الغرفة التي كنت أقيم فيها عادة."تنفس الخادم الصعداء.ليلة صيفية، نسيم خفيف…تفحص سلام المكان، ثم اتجه إلى الأرجوحة الصغيرة في الفناء وجلس عليها، فهي المكان المفضل للفتيات الصغيرات في البيت.جلس يتأرجح بخفة، وبعد قليل ركضت نحوه طفلة ممتلئة ناعمة."عم سلام، هل ستقيم هنا؟"خفض سلام رأسه، ونظر إلى الصغيرة البيضاء الممتلئة، لطيفة إلى حد يبعث على الابتسام.لم يرب أي من أطفال عائلة عباس بهذه العناية.كان عبيد بارعا حقا في تربية الأطفال.رفع سلام الطفلة بيد واحدة وأجلسها على فخذه، وم
Read more

الفصل 0456

لكن حينما لامست أصابعه باب الغرفة، تراجع من جديد.قرب الوصول يورث الهيبة.اليوم، كلاهما في موضع بالغ الحساسية: هو رجل أعزب، وهي أرملة عبيد. لا يفصل بينهما سوى باب واحد، ومع ذلك كأن بينهما جبالا شاهقة وألسنة الناس القاسية.أنزل الرجل كفه ببطء.وقف وحيدا في عتمة الليل طويلا، ثم مضى بصمت.على الجانب الآخر من الباب، كانت زهرة مسندة ظهرها إلى اللوح الخشبي. ما إن سمعت وقع الخطوات في الممر حتى عرفت أنه سلام، عرفت أنه كان عند الباب، وعرفت تردده.لحسن الحظ، لم يطرق الباب.دخلت زهرة غرفة النوم ببطء. لغياب عبيد، بدت الغرفة أكثر وحدة من المعتاد. جلست وحدها عند رأس السرير، وتحت ضوء المصباح نزعت الخاتم من إصبعها بهدوء، وأمعنت النظر في الكلمات المحفورة في داخله.كان عبيد قد أمر بنقشها.كانت إعلان حبه.لم يقلها لها يوما، لكنها كانت واضحة إلى حد لا يخفى، كلمات إنجليزية لا يمكن ألا ترى؟في الحقيقة، خلال السنوات التي سافر فيها سلام إلى دولة مجد، كان عبيد على الأرجح يحبها، لكنه كان يخفي ذلك في كل مزحة، وهي الآن نادمة، نادمة لأنها لم تكن معه في وقت أبكر.لكن الحياة، في نهاية الأمر، لا تخلو من الندم والأسى.
Read more

الفصل 0457

يبدو أن عائلة أحمد قد تقبلت وجود سلام.السبب بسيط: لا يمكن طرده، ولا يمكن كسره.سلام ترسخ في بيت عائلة أحمد.في الخارج، لم تخل الأحاديث من الشائعات، لكن من جهة، سلام جلب لتواد صفقة بقيمة مليارات الدولارات، ومن جهة أخرى يقف خلفه بيت عائلة عباس كاملا. سهيل لعائلة عباس، معروف بدهائه وقسوته، من يجرؤ على تخريب شأن سلام، فإن سهيل كفيل بإهلاكه؟لذلك، في دائرة النخبة في مدينة العاصمة، من يجرؤ على مضغ الألسنة عبثا؟ومع ذلك، تبقى الأمور غير واضحة تماما.زهرة لم تعد تطلب منه الرحيل، لكنها نادرا ما تتحدث إليه، وكأن الاحتكاك بينهما شبه معدوم. ليس كرها له، بل لأن هذه العلاقة جاءت عبثية ومربكة، حتى إنها شعرت بالعجز. غير أن سلام لم يتجاوز حدوده قط، وكان دائم الالتزام بالأدب واللياقة.……سلام يدير شركتين في آن واحد.كان مشغولا إلى حد أن قدميه لا تمسان الأرض، ولا يستطيع البقاء دائما مع زهرة والأطفال، فاستعان بطاقم محترف. ومع ذلك، مهما بلغ انشغاله، كان يحرص على العودة إلى البيت قبل الثامنة مساء، يلعب قليلا مع الأطفال، ويتأكد أن زهرة بخير، ثم ينجز ما تبقى من أعماله في غرفة المكتب.غالبا لا ينام قبل الواحد
Read more

الفصل 0458

سلام خفض نظره وقال: "لكنني لا أريد أن أقصر بحق تلك المرأة مرة أخرى، عذرا يا أنوار."قال ذلك ثم مضى بخطوات واسعة.وخلفه، ذلك الجسد الفاتن المثير، لم يلتفت إليه أصلا.أنوار، في نظره، ليست سوى رمز لمشروع، وصورة للمال، أهي امرأة أم لا، كيف يبدو شكلها، كم خصرها نحيف وكم صدرها كبير—كل ذلك لا يعنيه.هو لا يهتم إلا بالأعمال، أما النساء فواحدة منهن في بيته.كان يبتعد أكثر فأكثر. في دورة المياه، كانت أنوار تمسك بسيجارة نسائية رفيعة بين أصابعها الطويلة، وفي عينيها سحر متأمل. لقد تعرت إلى هذا الحد، ومع ذلك لم يتحرك فيه أدنى إحساس—أهو رجل فعلا؟لعقت أنوار شفتيها وأجرت اتصالا هاتفيا، وكان الاتصال بسهيل."السيد سهيل، الصفقة تمت، وقد خفضت هامش الربح بنسبة اثنين بالمائة.""على السيد سهيل أن يعوضني عن ذلك.""وبالمناسبة، هل سلام رجل حقا؟"……من الطرف الآخر جاء صوت ضحكة خفيفة لرجل: "شكرا لتعبك يا أنوار."أنوار رمت الهاتف.لولا العمل، لما احتاجت إلى بيع سحرها وجاذبيتها. ومع ذلك، لو كان سلام قد قبل، لكانت راضية.أغمضت عينيها وهي تسحب نفسا من السيجارة، أمامها صورة ساقي سلام الطويلتين داخل بنطال رسمي ضيق، يلم
Read more

الفصل 0459

حل الليل.دخلت ببطء سيارة سوداء لامعة إلى الفيلا.كان سلام قد شرب أكثر قليلا من اللازم، ولما نزل من السيارة اختل توازنه بعض الشيء، فسارع السائق إلى إسناده قائلا: "انتبه يا سيد سلام."قال سلام بلا اكتراث: "لا بأس."ثم وضع سترة بدلته على ذراعه ودخل بهدوء إلى المدخل، لكنه تجمد لحظة وهو يبدل حذاءه. تحت ضوء أصفر خافت، كانت زهرة تنزل من الطابق الثاني، ويبدو أنها نزلت لتشرب ماء.سمعت الحركة فنظرت، ثم توقفت بدورها.قال الرجل بصوت أجش قليلا: "عطشانة؟ جئت لتشربي ماء؟ انتظري، سأجلب لك من غرفة الشاي."رفضت زهرة: "لا داعي، سأفعل بنفسي."كانت على وشك الولادة، جسدها ثقيل، وخطواتها بطيئة.وحين وصلت إلى غرفة الشاي، أخذت كأسا زجاجيا وملأته بماء فاتر، وما إن شربت نصفه حتى توقفت فجأة، إذ سمعت وقع خطوات خلفها، ثم أغلق باب الغرفة برفق.في المكان الضيق، لم يبق سوى شخصين—رجل وامرأة، على الحقيقة.انزلقت الكأس من بين أصابعها البيضاء النحيلة، واستقرت على الطاولة الصغيرة.خفضت المرأة عينيها، وكان وجهها البيضاوي تحت الضوء يبدو أبيض وديعا، وقالت بصوت خافت في ليل أهدأ ما يكون: "لقد شربت كثيرا."كان الرجل يسند ظهره إ
Read more

الفصل 0460

في الداخل، كانت الإضاءة تومض بين السطوع والخفوت.كانا حبيبين في الماضي، أما الآن فالعلاقة بينهما ملتبسة لا يمكن توصيفها بكلمات واضحة.بعد صمت طال، تحرك تفاحة آدم في حلق الرجل قليلا، ثم سمع همس المرأة: "اذهب. شكرا لك على ما فعلته هذه الأيام.""لن أذهب."لم يلتفت الرجل إلى الصفعة على وجهه، بل استدار وفتح الباب، وبقي صوته هادئا: "سأوصلك إلى الطابق العلوي."المرأة: "سلام."قال بصوت مكبوت: "صفعتني، أعد ذلك نوعا من المزاح. إن أعجبك، يمكنك أن تصفعيني مرة أخرى."لم تتمالك زهرة نفسها فشتمته: "مختل."أمسك الرجل بمعصمها، وكانت عيناه السوداوان تحدقان فيها بتركيز، تحملان الكثير من المشاعر، تذكر لحظاتهما الجميلة، وشجاراتهما، وتلك الليلة عند النافذة الزجاجية حيث تشابكا بشغف، حين شد أصابعها بعنف وهو ينهكها بلا هوادة.كان هو المخطئ، لذلك غضبت، وهو مستعد لتحمل كل شيء.قال سلام بصوت أجش: "نعم، أنا مريض! لو لم أكن مريضا لما جئت إلى بيت عبيد لأعتني بأطفاله وزوجته. زهرة، هذا المرض متجذر في القلب، ولن يشفى طوال العمر. إن لم تسامحيني، أخشى أن أبقى مجنونا إلى الأبد."رفعت كفها قسرا، ووضعت على صدره.كان صدره حا
Read more
PREV
1
...
434445464748
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status