LOGINصوفيسرتُ معهم وأنا أشعر أن قدميّ فقدتا الإحساس، كأنني لا أمشي فوق أرضٍ حقيقية، بل أُسحب داخل كابوس طويل لا نهاية له. كانت أصوات السلاسل المعدنية خلفي تمزق أعصابي مع كل خطوة؛ جون ما زال يقاومهم رغم القيود الفضية التي تنهش جلده وتحرق ذئبه ببطء. كلما تعثر أو حاول الانقضاض على أحدهم، كانوا يضربونه بعنف أكبر، لكنه لم يتوقف. كان يقاتل كوحشٍ جريح حُرم من حق حماية رفيقته. التفتُّ نحوه أكثر من مرة، وكل مرة كانت عيناه تلتقيان بعيني للحظة خاطفة وسط الفوضى. لم أرَ فيهما خوفًا على نفسه، ولا ألمًا من السلاسل أو الدماء التي تغطي جسده… فقط خوفٌ عليّ أنا. وذلك حطم شيئًا داخلي. “جون…” همست باسمه بصوت مرتجف، لكنه زمجر بعنف عندما اقترب مني أحد الحراس أكثر من اللازم، حتى وهو مكبل. كان مستعدًا لتمزيقهم بأسنانه مهما كان الثمن. جرّوه بعيدًا عني عبر ممر جانبي، بينما أكملتُ طريقي نحو القاعة الرئيسية محاطةً بالحراس من كل جانب. شعرت للحظة أن جدران القلعة نفسها تنظر إليّ بغرابة، كأن المكان الذي تربيت فيه لم يعد يعرفني. هذه ليست قلعتي… ليس موطني… ليس المكان الذي غادرته قبل سنوات. كل شيء بدا
صوفيتحركنا أنا وجون نحو الشمال مع أول خيوط الفجر، بعدما ودّعت أطفالي بصعوبةٍ مزقت شيئًا داخلي.لم أكن معتادة على الابتعاد عنهم.حتى خلال الحروب، وحتى في أسوأ الأيام، كنت أحرص دائمًا أن أعود لرؤية وجوههم آخر النهار، لأسمع ضحكاتهم الصغيرة التي كانت وحدها قادرة على إخماد قسوة هذا العالم داخلي.لكن هذه المرة كانت مختلفة.شيءٌ ما كان يضغط فوق صدري منذ اللحظة التي قررنا فيها الرحيل.تركتُ الصغيرين مع إيلارا ولينا، وحاولت أن أبدو هادئة أمامهما، لكن ابنتي الصغيرة تشبثت بثوبي وكأنها تشعر بما أعجز أنا نفسي عن تفسيره.“أمي… لا تذهبي.”قالتها بصوتها الطفولي المرتجف.وكدتُ… أقسم أنني كدت أتراجع عن الرحلة بأكملها.لكن جون كان يقف خلفي بصمته المعتاد، يراقب ارتباكي دون أن يتدخل، حتى نجحت أخيرًا بإبعاد يدي الصغيرة عن ثوبي، وانحنيت أقبّل جبين طفلتي.“سأعود سريعًا.”كذبة.كنت أشعر منذ البداية أنها كذبة.طوال الطريق، كان جون يشعر بفوضى أفكاري عبر رابطنا، ويحاول تهدئتي كلما شعر بتزايد خوفي.“الأمور ستكون بخير.”كررها أكثر من مرة وهو يقود حصانه بجانبي.لكن كل شيء حولنا كان يناقض كلماته.السماء كانت رمادية
دانيالبدأ الجنوب يتنفس أخيرًا.ليس بصورة كاملة… لكنه لم يعد ذلك المكان الملطخ بالخوف والدم كما كان يوم وصلت إليه لأول مرة.الطرقات التي كانت تغرق بالصراخ ليلًا أصبحت أكثر هدوءًا، والأسواق التي اختبأ الناس فيها خلف الأبواب المغلقة بدأت تستعيد شيئًا من الحياة. حتى وجوه السكان تغيّرت؛ لم تعد النظرات المرتعبة تلاحق رجال القطيع أينما مروا، بل حلّ مكانها ترقبٌ حذر ممزوج بأمل خافت.أمل بأن هذا الكابوس قد ينتهي فعلًا.وقفت فوق أسوار القلعة أراقب الجنوب الممتد أسفل الجبال، بينما كانت الرياح الباردة تعبث بشعري وعباءتي السوداء الثقيلة. منذ أيام قليلة فقط، كانت هذه الأراضي أشبه بجسد يحتضر… أما الآن، فقد بدأت تستعيد نبضها ببطء.وللمرة الأولى منذ زمن طويل…شعرت أن ما نفعله هنا لم يكن مجرد حرب.بل إعادة بعث.حتى جاكسن تغيّر.كنت أراقبه بصمت خلال الأيام الماضية، وأكاد لا أصدق أن هذا الرجل نفسه هو ذاك الذئب الغارق بالكراهية والرغبة بالانتقام قبل فترة قصيرة. وجود أليس بجانبه غيّر شيئًا داخله، شيئًا لم يستطع حتى هو إنكاره.بدأ بجمع أفراد قطيعه المشتتين بنفسه، متنقلًا بين القرى والمستوطنات الصغيرة والحد
دانيال كان أول شيء فعلته فور استيقاظي هو التوجه نحو المكان الذي بيع فيه ريمي. منذ أن وطأت قدماي هذه المنطقة لأول مرة، وأنا أنتظر هذه اللحظة تحديدًا. لحظة أقتلع هذا الوكر من جذوره. بعد أن تناولت طعامي سريعًا، ارتديت ملابس بسيطة لا تلفت الانتباه، ثم خرجت متجهًا نحو النادي. كنت أعلم أن الوقت ما يزال مبكرًا، ولن أجد مرتادين أو موسيقى صاخبة كما في الليل… فقط أولئك الذين يعملون خلف الستار القذر لهذا المكان. السماء كانت رمادية، والمدينة شبه نائمة، لكن داخلي كان يغلي بطريقة جعلت خطواتي أسرع من المعتاد. كلما اقتربت من النادي، عاد وجه ريمي إلى ذهني. الخوف في عينيها. الذل. والرائحة الثقيلة لذلك المكان اللعين. توقفت أمام الباب الرئيسي. كان مغلقًا. ابتسمت ببرود. ثم، دون أن أطرق، رفعت قدمي وركلت الباب بكل قوتي. صدر صوت ارتطام هائل، وانخلع الباب من مكانه كأنه مصنوع من الورق. دخلت ببطء. كان المكان فارغًا تقريبًا، باستثناء عمال تنظيف توقفوا مذعورين فور رؤيتي. بعضهم أسقط ما كان يحمله، وآخرون تراجعوا للخلف وكأنهم رأوا شبحًا. تقدمت نحوهم بهدوء مخيف. “أين المسؤول؟” تباد
دانيال بعد قليل، دوّى صوت جاكسون من الجهة الأخرى للغرفة: “الطعام جاهز.” رفعتُ رأسي، ثم توجهت نحو الطاولة الخشبية الصغيرة حيث كانت أليس تقف بحماسٍ واضح، تحمل وعاء الحساء بكلتا يديها وكأنها تحمل أعظم إنجازٍ حققته في حياتها. بل ربما كان كذلك فعلًا. وهي تصرّ على تعلّم الطهو، بعدما اكتشفت أن معظم ما تعرفه عن حياة البشر يعود لقرون مضت، وأن إعداد الحساء الحديث — بحسب تعبيرها — “أعقد من فنون التعذيب القديمة.” وضعت الوعاء فوق الطاولة بحذر، ثم بدأت تسكب الحساء لنا واحدًا تلو الآخر، وعيناها تلمعان بترقب طفولي جعلني أكتم ابتسامة صغيرة. “هذه المرة أنا متأكدة أنه نجح.” قالت بفخر واضح. تبادلنا النظرات أنا وجيني بصمت، بينما جلس جاكسون أمام طبقه مباشرة وبدأ بالأكل دون تردد، وكأنه لا يخشى شيئًا في هذا العالم بعد الآن. أما أليس… فجلست تراقبنا بتوتر شديد، تنتظر الحكم النهائي على “تحفتها الفنية”. رفعتُ الملعقة ببطء، ولاحظتُ أن جيني فعلت الشيء نفسه بجانبي، لكنها كانت تتجنب النظر إلى أليس بطريقة أثارت شكوكي فورًا. ضيّقت عيني نحوها قليلًا. كانت تخفي شيئًا. تذوقتُ الحساء أخيرًا…
كان قلب جاكسن يخفق بقوة، لم أكن بحاجةٍ لأن يتكلم؛ نبضه كان واضحاً لي، مكشوفاً ككتابٍ مفتوح. كنتُ أعرف ما الذي يريده، أو بالأحرى… من الذي يريده. لم أعلّق، لم أحرجه، فقط التفتُّ إليه وقلتُ بهدوءٍ يحمل قراراً لا يقبل التردد: “هيا بنا… نذهب إلى منزلك. سنبات هناك الليلة.” رأيتُ البريق في عينيه فوراً، تلك اللمعة التي حاول كبحها دون جدوى، لكنه التزم الصمت، ربما لأنه لم يجد الكلمات… أو لأنه لم يرد أن يفضح ما بداخله أكثر. تحركنا. كانت خطواته تسبقني دون وعيٍ منه، تتسارع شيئاً فشيئاً، كأن جسده هو من يقوده، لا عقله. لم أوقفه، فقط راقبتُ ذلك التوتر الجميل الذي يسيطر عليه، ذلك الشوق الذي يحاول أن يبدو هادئاً… ويفشل. حتى وصلنا. وقف أمام الباب، طرقه، لكن تلك اللحظات القليلة التي تلت بدت أطول مما ينبغي. رأيتُ القلق يتسلل إلى ملامحه، يتجسد في شدّ فكه، وفي عينيه اللتين ثبتتا على الباب كأنهما تخشيان ما خلفه. مرّت ثوانٍ أخرى… ثم فُتح الباب. ظهرت فتاةٌ بشرية، ملامحها بسيطة لكنها تحمل شيئاً من الدفء الفطري. نظرتُ إليها للحظة، أقيّم، أراقب، قبل أن أعرف لاحقاً أن اسمها جيني. وفي اللحظة الت
ما إن انتهينا من الرقصة، وبينما كان دويُّ التصفيق الحار يملأ أركان القاعة الكبرى، شقَّ المكان صوتُ "ياسمين" الصارخ ؛ كان صوتاً كدويِّ انفجارٍ مزق المكان وقطع كل صوتٍ آخر. وفي لحظة واحدة، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ تحول دانيال إلى ذئبٍ ضخم، لم يكن "أنديميون" الذي أعرفه، بل كان كائناً أضخم بأضعاف، بج
لم يدم سكونُ العناق طويلاً؛ فقد قاطع تلك اللحظة طرقٌ متتالٍ على الباب الخشبي، أعادنا بقسوة إلى واقعنا المليء بالالتزامات. تحرك دانيال بحزم، لفّ منشفةً بيضاء حول وسطه، وبرزت عضلات ظهره المنحوتة وهو يتجه نحو الباب بوقارٍ لا يتأثر حتى في لحظات خلوته. فتح الباب قليلاً، فكان هناك أحد الخدم يحمل حقائب
وقفتُ في وسط القاعة الكبرى، وحولي تلك الوجوه التي تنظر إليّ بقدسيةٍ لم أفهمها، شعرتُ بجسدي يتصلب وعقلي يرفض الاستيعاب. ولماذا يفيض الشوق من عيونهم نحوي ؟ أحست إيلارا بتوتري الواضح، وبرجفة يدي التي كانت تبحث عن أمانٍ ما، فنظرت نحو المرأة التي احتضنتني وقالت بصوتٍ هادئ يحاول امتصاص الصدمة:"أمي..
تلك الليلة، لم يكن الفراش الوثير سوى ساحة لمعركة أفكاري. كنتُ أتقلب يمنة ويسرة، وأغطية السرير الحريرية تلتف حولي كقيودٍ ناعمة. كلمات إيلارا كانت تدوي في عقلي كصاعقةٍ لم يهدأ رنينها؛ "إلهة القمر المتجسدة". حاولتُ تفنيد المعلومات ببرودٍ منطقي: مَن هو "بان"؟ ولماذا فعل ما فعل؟ وهل استهدافه لإيلار







