All Chapters of رَحلَتْ فصار العالم غيهباً: Chapter 1 - Chapter 10

19 Chapters

رماد القلب

كانت ليلة شتوية عاصفة، وكأن السماء قررت أن تشارك "ياسمين" نحيبها الصامت قبل أن يبدأ. وقفت ياسمين في منتصف بهو قصر "آل جسار" الفاخر، تمسك بين أصابعها المرتجفة ظرفاً صغيراً يحتوي على أعظم سر في حياتها؛ تقرير طبي يؤكد أنها حامل في شهرها الثاني. كانت دقات قلبها تتسارع، ليس خوفاً، بل حماساً لردة فعل زوجها "أدهم جسار" الذي طالما انتظر هذا الخبر لسنوات.​فُتح الباب الضخم، ودلف أدهم بجسده الفارع وطلته التي تهتز لها أركان الشركات الكبرى. لكنه لم يكن وحده. خلفه مباشرة، كانت تقف "سيلين"، المرأة التي ظنت ياسمين أنها غادرت حياتهما للأبد منذ سبع سنوات. كانت سيلين تبتسم ابتسامة النصر، وهي تضع يدها بتملك على ذراع أدهم.​"أدهم؟" همست ياسمين، والظرف يكاد يسقط من يدها. "ما الذي تفعله سيلين هنا؟"​لم ينظر أدهم إليها بحب كما اعتاد، بل كانت عيناه باردتين كجليد الشتاء الذي يضرب النوافذ. "ياسمين، سأكون مباشراً معكِ. سيلين عادت لأنها صاحبة هذا المكان الحقيقية. سبع سنوات قضيتها معكِ كانت مجرد 'سد فراغ' حتى تستعيد هي قوتها وتعود إليّ."​تراجعت ياسمين خطوة للخلف، شعرت وكأن الأرض تميد بها. "سد فراغ؟ أدهم، أنا زوج
last updateLast Updated : 2026-03-15
Read more

عودة الغريبة

مرت خمس سنوات على تلك الليلة التي غادرت فيها "ياسمين" قصر آل جسار، وهي تحمل جرحاً في كرامتها وطفلاً في أحشائها. في تلك السنوات، لم تكن ياسمين تنام إلا قليلاً؛ كانت تبني إمبراطوريتها بدموعها وعرقها في مدينة بعيدة لا يعرفها فيها أحد.​اليوم، تقف ياسمين أمام مرآتها في جناحها الفاخر بفندق "المؤتمرات الكبرى" في العاصمة. لم تعد تلك الفتاة ذات الملابس البسيطة والوجه الشاحب. كانت ترتدي بدلة نسائية رسمية باللون الأحمر القاني، وشعرها الأسود مصفف بدقة يبرز حدة ملامحها وجمالها الذي صار "خطيراً".​"ماما، هل هذه هي المدينة التي وُلدتِ فيها؟" سأل الصغير "زين" وهو ينظر من النافذة الضخمة إلى ناطحات السحاب. كان زين في الخامسة من عمره، يملك ذكاءً يسبق سنه، وعينين سوداوين واسعتين هما نسخة طبق الأصل من عيني "أدهم جسار"، لكن بنظرة بريئة لم تلوثها الأطماع.​التفتت إليه ياسمين وابتسمت ابتسامة لم تصل لعينيها الباردتين. "نعم يا حبيبي. لكننا لسنا هنا للزيارة، نحن هنا لنستعيد كل ما سُلب منا."​على الجانب الآخر من المدينة، كان أدهم جسار يجلس في مكتبه الضخم، محاطاً بالأوراق والملفات. كان يبدو أكبر سناً، وعلى وجهه
last updateLast Updated : 2026-03-15
Read more

حطام رجل

​ساد صمتٌ ثقيل في قاعة الاجتماعات، صمتٌ لم يقطعه سوى طنين أجهزة التكييف وأنفاس أدهم المضطربة التي كانت تخرج منه بصعوبة، وكأنه يغرق في هواء الغرفة. كان يحدق في الصغير "زين" القابع بين ذراعي ياسمين بذهولٍ شلّ حركته تماماً. كان الصغير يملك شعراً فحمياً ناعماً، وجبهةً عريضة، وعينين سوداوين واسعتين كانتا تراقبان أدهم بفضولٍ طفولي بريء، عيونٌ كانت بمثابة مرآة تعكس وجه أدهم قبل أن تلوثه الخيبات.​"ياسمين.. أرجوكِ، قولي شيئاً،" خرج صوت أدهم محشرجاً، كأنه يخرج من حطام رجلٍ دمره زلزال مفاجئ. "هذا الصغير.. ملامحه، نظرته.. إنه يشبهني لدرجة لا يمكن تجاهلها. هل هو.. هل هو ابني؟ هل غادرتِ وأنتِ تحملين قطعةً مني دون أن تخبريني؟"​لم تهتز شعرة واحدة في ياسمين، ولم تتغير ملامحها الرخامية التي اكتسبتها من سنوات الصمود. انحنت بهدوء ووضعت زين على الأرض، ثم مسحت على شعره بحنانٍ فائق وقالت له بصوت ناعم: "زين حبيبي، اذهب مع السكرتير سليم، لديه بعض القصص الجميلة والحلويات في المكتب المجاور. أمي لديها عمل مهم يحتاج لتركيز، حسناً؟"​"حسناً يا أمي،" أجاب زين بصوتٍ رنان كان بمثابة طعنة في قلب أدهم. التفت الصغير ن
last updateLast Updated : 2026-03-15
Read more

هدايا مسمومة

لم تغمض جفنٌ لأدهم جسار في تلك الليلة. كان يقف أمام نافذة مكتبه، يراقب أضواء العاصمة التي بدت باهتة أمام وهج الحقيقة التي عصفت به. "زين".. ذلك الصغير الذي يحمل ملامحه، صوته، وحتى عناده. كيف استطاعت ياسمين أن تخفي عنه هذا الكنز لخمس سنوات؟ وكيف تجرأ هو على طردها وهي تحمل ثمرة حبهما؟​مع أول خيوط الفجر، استدعى أدهم مساعده "سليم". لم تكن ملامحه توحي بأنه الملياردير الصارم، بل كان يبدو كأبٍ يحاول يائساً لملمة شظايا عائلته.​"سليم، أريد قائمة بأفضل متاجر الألعاب في العالم. لا، بل أريد شراء متجر كامل!" قال أدهم بنبرة محمومة. "أريد أحدث الأجهزة، ألعاب الذكاء، وحتى خيولاً صغيرة إذا لزم الأمر. أريد أن يعرف زين أن والده يمكنه أن يحضر له النجوم ويضعها بين يديه."​نظر سليم إليه بشفقة. "سيدي، السيدة ياسمين ليست المرأة التي تقبل الرشوة بمشاعر ابنها. لقد رأيت نظرتها أمس، إنها تحتقر كل ما يمت بصلة لثروتك."​"افعل ما أمرتك به!" صرخ أدهم بيأس. "إذا لم أستطع الوصول لقلبها الآن، سأصل لقلب ابني. إنه طفل، والاطفال يحبون من يسعدهم."​في تمام الساعة العاشرة صباحاً، كانت شاحنة فخمة تقف أمام الفندق الذي تقيم ف
last updateLast Updated : 2026-03-15
Read more

شباك الأفاعي

كانت العاصمة تبدو كغابة من الأسمنت لا ترحم الضعفاء، وبينما كانت ياسمين تظن أنها عادت كصياد، كانت هناك أفاعٍ تختبئ في الظلال تنتظر لحظة ضعفها. في أحد الأقبية الفاخرة والمنعزلة، كانت "سيلين" تجلس وأمامها كؤوس الكريستال، وعيناها تلمعان بحقدٍ لم تطفئه السنوات.​"إذاً، عادت ياسمين ومعها نسخة مصغرة من أدهم،" قالت سيلين وهي تخاطب رجلاً غامضاً يجلس أمامها. "تلك الغبية تظن أن النجاح في الشمال سيحميها هنا. لا تعلم أن أدهم جسار حين يندم يصبح أكثر خطورة مما كان عليه حين كان قاسياً."​"ماذا تريدين منا أن نفعل يا سيدة سيلين؟" سأل الرجل بصوت خفيض.​"أريد أن أزعزع استقرارها. أريدها أن تشعر أن وجودها في هذه المدينة خطر على ابنها. إذا خافت، ستهرب، وإذا هربت، سينهار أدهم تماماً، وحينها سأتمكن من استعادة نفوذي في شركته. ابدأوا بمراقبة تحركاتها، وأريد 'رسالة تحذيرية' تصلها غداً."​في هذه الأثناء، كان أدهم يجلس في سيارته أمام الفندق، يراقب النافذة المضاءة في الطابق العشرين حيث تقيم ياسمين. كان يشعر بالعجز، هو الذي يملك آلاف الموظفين والمليارات، لا يستطيع أن يشتري ابتسامة من ابنه أو كلمة عفو من زوجته السابق
last updateLast Updated : 2026-03-15
Read more

حصون الذاكرة

لم يكن القصر السري لأدهم جسار مجرد مبنى محصن، بل كان عبارة عن متحفٍ للندم. حين دخلت ياسمين الجناح المخصص لها ولابنها، شعرت وكأن الزمن قد توقف. الألوان التي تحبها، نوع الزهور الذي كانت تفضله، وحتى العطر الخفيف الذي كان يملأ أركان المكان.. كل شيء كان مصمماً ليخبرها أن أدهم لم ينسَ تفصيلاً واحداً يخصها طوال سنوات غيابها.​وضع "زين" حقيبته الصغيرة وجلس على السرير الضخم بحيرة. "ماما، لماذا هذا الرجل الطيب يحبنا؟ ولماذا يسكن في مكان يشبه قصور الحكايات؟"​جلست ياسمين بجانبه، وحاولت جاهدة أن تحافظ على ثباتها. "إنه ليس حباً يا زين، إنه.. إنه مجرد رد دين قديم. نم الآن يا حبيبي، غداً سيكون يوماً طويلاً."​بعد أن غط زين في نوم عميق، خرجت ياسمين إلى الشرفة الواسعة المطلة على حديقة القصر. كانت ليلة هادئة، لكن العاصفة بداخلها لم تهدأ. شعرت بحركة خلفها، ولم تكن بحاجة للالتفات لتعرف أنه هو. رائحة سجائره الفاخرة وخطواته الواثقة كانت محفورة في ذاكرتها.​"لقد نام أخيراً؟" سأل أدهم بصوت منخفض، وهو يقف على مسافة محترمة منها، محاولاً عدم إزعاج حصونها المنيعة.​"نعم، نام وهو يتساءل عن كرمك المفاجئ،" أجابت يا
last updateLast Updated : 2026-03-15
Read more

اعتراف أمام العالم

كانت القاعة الكبرى في "برج جسار" تضج بالحياة، ولكنها حياة من النوع الذي تخشاه ياسمين؛ فلاشات الكاميرات التي لا تتوقف، وهمسات الصحفيين الجائعين لخبرٍ ينهي مسيرة الملياردير أو يرفع من شأن سيدة الأعمال الغامضة القادمة من الشمال. كان الخبر الذي سربته سيلين قد انتشر كالنار في الهشيم، والصحف الصفراء بدأت بالفعل في طباعة العناوين المسيئة عن "الطفل المجهول" و"الابتزاز العاطفي".​خلف الكواليس، كانت ياسمين تقف أمام المرآة، تمسح على فستانها الزمردي الذي يعكس قوة شخصيتها. كانت يداها ترتجفان قليلاً، ليس خوفاً على نفسها، بل خوفاً على "زين" الذي كان يقف خلفها يمسك بطرف فستانها، لا يفهم لماذا كل هذا الضجيج.​دخل أدهم الغرفة، كان يبدو في قمة أناقته، لكن عينيه كانتا تحملان تصميماً انتحارياً. اقترب من ياسمين، وبدون استئذان، أمسك بيديها المرتجفتين.​"ياسمين، انظري إليّ،" قال أدهم بصوتٍ هادئ وثابت. "اليوم، سأعيد لكِ كل ما سلبته منكِ. لن يجرؤ أحد بعد الآن على نطق اسمكِ بسوء، ولن يجرؤ أحد على التشكيك في نسب زين. هل أنتِ مستعدة؟"​"لستُ متأكدة،" همست ياسمين وهي تنظر لزين. "أدهم، إذا تحول هذا المؤتمر إلى كارث
last updateLast Updated : 2026-03-15
Read more

ليلة استعادة الأب

​مرت بضع ساعات على المؤتمر الصحفي الذي زلزل أركان العاصمة، لكن الصدى لم يهدأ في قلوب الثلاثة. في القصر السري، كان الهدوء مخيفاً بعد الضجيج الإعلامي. كانت ياسمين تجلس في مكتبها الصغير داخل الجناح، تتابع ردود أفعال الأسهم العالمية على اعتراف أدهم، لكن عينيها كانت تختلس النظر بين الحين والآخر نحو الحديقة.​قررت ياسمين اليوم أن تمنح أدهم فرصة، ليس من أجله، بل من أجل "زين" الذي لم يتوقف عن السؤال عن "السيد الطويل". كانت تعرف أن حرمان الطفل من والده هو انتقامٌ ناقص، فالحقيقة لا تُحجب بغربال الكراهية.​"أدهم،" نادت ياسمين وهي تخرج إلى الرواق. كان أدهم يقف هناك، يحدق في لوحة قديمة، ويبدو عليه الإرهاق الشديد. "سأذهب لأنهي بعض الأوراق القانونية مع المحامي في المدينة. سأترك زين معك لثلاث ساعات. هل تستطيع تحمل المسؤولية؟"​لمعت عينا أدهم ببريقٍ لم يره أحد فيه منذ سنوات. كان بريق الأمل. "معي؟ وحدي؟ ياسمين، أنا.. أنا لا أعرف كيف أشكركِ. أعدكِ أنني لن أغمض جفني عنه ثانية واحدة."​"لا تشكرني،" قالت ببرود وهي تتجاوزه. "افعل ذلك من أجل ابنك فقط."​غادرت ياسمين، وبقي أدهم واقفاً أمام باب غرفة زين. شعر ب
last updateLast Updated : 2026-03-15
Read more

بين الموت والولادة

في تلك اللحظة الحرجة، بدا وكأن الزمن قد تمدد ليصبح دهراً. صوت انزلاق هيكل السيارة المعدني فوق حافة الجسر الخرسانية كان يمزق سكون الليل كأنه صرخة استغاثة. انقض أدهم على سيلين بكل ما أوتي من قوة، محاولاً انتزاع جهاز التحكم، بينما كانت السيارة تتأرجح في الهواء، ونصفها الخلفي قد فقد تلامسه مع الأرض تماماً.​"ياسمين! تمسكي!" صرخ أدهم وهو يدفع سيلين بعيداً، ليركض نحو السيارة التي كادت أن تهوي في النهر السحيق.​كانت ياسمين عالقة في مقعد السائق، حزام الأمان الذي كان يحميها أصبح الآن قيداً يمنعها من الخروج والسيارة تميل نحو الهاوية. نظرت عبر النافذة المحطمة لتجد عينَي أدهم؛ لم ترَ فيهما الملياردير المغرور، بل رأت الرجل الذي أحبته يوماً، الرجل الذي كان مستعداً الآن لإلقاء حياته في الهاوية ليمسك بيدها.​"أدهم.. اتركها.. ستسقط بك!" صرخت ياسمين وهي ترى أدهم يمسك بمقدمة السيارة بيديه العاريتين، محاولاً بكل قوته تثبيتها ومنعها من الانزلاق لثوانٍ إضافية.​"لن أترككِ مجدداً! حتى لو كان هذا آخر عمل أقوم به في حياتي!" زأر أدهم، وكانت عروق وجهه تنفجر من شدة الجهد. برزت عضلات ذراعيه وهو يصارع الجاذبية وال
last updateLast Updated : 2026-03-15
Read more

تحالف الأرواح الجريحة

لم يكن فجر العاصمة هادئاً كما اعتاد أدهم جسار أن يراه من شرفة مكتبه. هذه المرة، لم يكن وحيداً، كانت ياسمين تقف بجانبه، وعيناها تلمعان ببريق التحدي رغم آثار التعب والندوب الطفيفة التي خلفها حادث الجسر. كانت التقارير المالية المتلاحقة على شاشة الحاسوب تشير إلى "هجوم منظم"؛ أسهم شركة (ياك) التابعة لياسمين تتعرض لعمليات بيع مكثفة ومشبوهة بهدف خفض قيمتها السوقية لتمكين "عمر الجسار" من الاستحواذ عليها.​"عمر لا يلعب منفرداً،" قال أدهم بصوتٍ أجش وهو يفرك جبينه بيده المضمدة. "لقد طردتُه منذ ثلاث سنوات بعد أن اكتشفتُ اختلاسه لمبالغ ضخمة من صندوق استثمارات العائلة. هو لا يريد شركتكِ فقط يا ياسمين، هو يريد تدمير كل ما يربطني بكِ، يريد كسر الجناح الذي بدأتُ أحلق به مجدداً."​التفتت إليه ياسمين، وكانت ملامحها تشع بقوة لم يعهدها أدهم إلا في كبار القادة. "إذا كان يظن أنني لقمة سائغة لأنه يواجه امرأة، فهو واهم. لقد بنيتُ (ياك) من العدم، وسط ثلوج الشمال وصمت الغربة. لن أسمح لمراهقٍ حاقد أن يسلب طفلي مستقبله."​"ما هي خطتكِ؟" سأل أدهم بإعجابٍ لم يستطع إخفاءه.​"الهجوم هو أفضل وسيلة للدفاع،" أجابت ياسمي
last updateLast Updated : 2026-03-15
Read more
PREV
12
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status