Share

حصون الذاكرة

Penulis: Omr milo
last update Tanggal publikasi: 2026-03-15 10:57:10

لم يكن القصر السري لأدهم جسار مجرد مبنى محصن، بل كان عبارة عن متحفٍ للندم. حين دخلت ياسمين الجناح المخصص لها ولابنها، شعرت وكأن الزمن قد توقف. الألوان التي تحبها، نوع الزهور الذي كانت تفضله، وحتى العطر الخفيف الذي كان يملأ أركان المكان.. كل شيء كان مصمماً ليخبرها أن أدهم لم ينسَ تفصيلاً واحداً يخصها طوال سنوات غيابها.

​وضع "زين" حقيبته الصغيرة وجلس على السرير الضخم بحيرة. "ماما، لماذا هذا الرجل الطيب يحبنا؟ ولماذا يسكن في مكان يشبه قصور الحكايات؟"

​جلست ياسمين بجانبه، وحاولت جاهدة أن تحافظ على ثباتها. "إنه ليس حباً يا زين، إنه.. إنه مجرد رد دين قديم. نم الآن يا حبيبي، غداً سيكون يوماً طويلاً."

​بعد أن غط زين في نوم عميق، خرجت ياسمين إلى الشرفة الواسعة المطلة على حديقة القصر. كانت ليلة هادئة، لكن العاصفة بداخلها لم تهدأ. شعرت بحركة خلفها، ولم تكن بحاجة للالتفات لتعرف أنه هو. رائحة سجائره الفاخرة وخطواته الواثقة كانت محفورة في ذاكرتها.

​"لقد نام أخيراً؟" سأل أدهم بصوت منخفض، وهو يقف على مسافة محترمة منها، محاولاً عدم إزعاج حصونها المنيعة.

​"نعم، نام وهو يتساءل عن كرمك المفاجئ،" أجابت ياسمين دون أن تنظر إليه. "ما الذي تحاول فعله يا أدهم؟ هل تظن أن إحاطتنا بالرفاهية سيمحو ليلة طردي من ذلك القصر الآخر؟"

​تنهد أدهم بعمق، وتقدم خطوة واحدة. "ياسمين، أنا لا أحاول شراء عفوكِ بالمال، فقد تعلمتُ الدرس جيداً. أنا فقط أحاول أن أكفر عن خطيئتي بأن أكون الحائط الذي يحميكما من الوحوش التي أطلقتها أنا بغبائي."

​التفتت إليه ياسمين، وكانت عيناها تلمعان تحت ضوء القمر. "الوحوش؟ أنت كنت أكبر وحش واجهته في حياتي! لقد جعلتني أشك في نفسي، في صدقي، وفي كل شيء جميل آمنت به. أتذكر ماذا قلت لي؟ 'مكافأة نهاية الخدمة'.. هل تذكر ذلك الشيك؟"

​"أذكره في كل كابوس يطاردني،" قال أدهم بصدقٍ جارح. "ياسمين، منذ أن رحلتِ، لم أدخل غرفتنا ولو لمرة واحدة. تركتُ كل شيء كما هو، حتى ثوبكِ الذي نسيتِه فوق المقعد. كنتُ أدخل هناك فقط لأتشمم عطركِ وأبكي كطفل ضائع. سيلين لم تكن سوى غشاوة، شيطان تلاعب بعقلي في لحظة ضعف، لكن قلبي.. قلبي لم يغادر اسمكِ أبداً."

​"كاذب!" صرخت ياسمين بصوت خفيض وهي تقترب منه، ودموعها بدأت بالانهيار. "لو كنتَ تحبني لما صدقتَ كذبة واحدة عنها. لو كنتَ تحبني لما تركتني أواجه العالم وحيدة وأنا أحمل قطعة منك في أحشائي! هل تعرف كم ليلة قضيتها وأنا أتضور جوعاً وأنا أحاول توفير ثمن حليب زين؟ هل تعرف كم مرة مرض فيها وكنتُ أجلس بجانبه وأبكي لأنني لا أملك من يواسيني؟"

​لم يحتمل أدهم رؤية دموعها. تقدم بسرعة ووضع يديه على وجهها، وبكل جرأة مسح دموعها بإبهامه. لم تدفعه هذه المرة، ربما لأنها كانت بحاجة لتفريغ هذا الألم.

​"أنا آسف.. كلمة لا تكفي، وأعرف ذلك،" همس أدهم وهو يقرب جبهته من جبهتها. "لكنني سأثبت لكِ. غداً، سأعقد مؤتمراً صحفياً، سأعلن فيه أن زين هو ابني الوحيد ووريثي الشرعي، وسأعلن طلاقنا القديم باطلاً لأنني أريدكِ زوجة لي أمام الله والناس."

​انتفضت ياسمين وابتعدت عنه. "مؤتمر صحفي؟ أنت مجنون! هل تريد أن تجعل حياة طفلي عرضة للإعلام ولأطماع سيلين؟ أنت لا تفكر إلا في نفسك وفي صورتك أمام المجتمع!"

​"بل أفكر في حمايته!" رد أدهم بقوة. "بمجرد أن يعرف الجميع أنه ابني، لن يجرؤ أحد على لمس شعرة منه. القانون، السلطة، والمال.. كلها ستكون درعاً له."

​"القانون سيأخذ ابني مني إذا حاولتَ المطالبة بحضانته،" قالت ياسمين بخوف.

​"أقسم لكِ بكل ما هو غالٍ عندي، لن آخذ زين منكِ أبداً. أنا فقط أريد أن أكون في حياتكما. أريد أن أسمعه يناديني 'أبي' ولو لمرة واحدة قبل أن أموت."

​تركت ياسمين أدهم واقفاً في الشرفة ودخلت إلى غرفتها وأغلقت الباب. ارتمت على سريرها وانفجرت في بكاء مرير. كانت تشعر بأن حصونها بدأت تنهار، وأن قلبها الخائن بدأ يحن للرجل الذي حطمها.

​في صباح اليوم التالي، استيقظت ياسمين على صوت ضحكات قادمة من الحديقة. نظرت من النافذة لتجد مشهداً جعل قلبها يتوقف: أدهم كان يجلس على العشب مع زين، وكان يعلمه كيف يطلق طائرة ورقية ضخمة. كان زين يضحك بملء فيه، وأدهم ينظر إليه بنظرة لم ترها ياسمين في عينيه قط.. نظرة الأب الذي وجد ضالته.

​في تلك اللحظة، رن هاتف ياسمين. كان رقماً غريباً.

​"هل تعجبكِ حياة القصور مجدداً؟" كان صوت سيلين مليئاً بالسم. "لا تفرحي كثيراً يا ياسمين. لقد أرسلتُ للصحافة صوراً لكِ وأنتِ تدخلين منزل أدهم السري، مع عنوان عريض: 'عشيقة أدهم جسار تعود بطفل مجهول لابتزازه'. استعدي للفضيحة التي ستحطم إمبراطورية (ياك) التي تفتخرين بها."

​شحب وجه ياسمين، ونظرت إلى أدهم وزين في الأسفل. كانت سيلين تحاول حرق كل شيء مجدداً، ولكن هذه المرة، ياسمين لم تعد تلك الفتاة التي تهرب.

​"سليم!" صرخت ياسمين وهي تخرج من الغرفة. "أخبر أدهم أن يجهز المؤتمر الصحفي الآن. سنواجه العالم معاً، ولكن بشروطي أنا."

​بدأت الحرب الكبرى، ولم يعد هناك مجال للتراجع.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • رَحلَتْ فصار العالم غيهباً   الجزء الثاني - الفصل 1: هدوء يسبق العاصفة).

    مرت خمس سنوات على ذلك الفجر الذي غادرت فيه عائلة "أدهم جسار" العاصمة، تاركين خلفهم حطام القصور وصراعات السلطة. في جزيرةٍ هادئة تقع على أطراف المحيط، حيث تلامس الأمواج شرفات البيوت البيضاء البسيطة، كانت ياسمين تعيش حياةً لم تحلم بها يوماً. لم تعد سيدة الأعمال القاسية، بل أصبحت المرأة التي تجد سعادتها في مراقبة غروب الشمس مع زوجها، وفي تربية طفلها الذي أصبح الآن صبياً يافعاً في العاشرة من عمره.​"زين! لا تبتعد كثيراً عن الشاطئ!" نادت ياسمين وهي تجلس على أريكةٍ خشبية، وفي يدها كتاب عن الفلسفة، لكن عينيها كانت تراقب أدهم وهو يعلم ابنهما فنون الغوص.​كبر "زين" ليصبح نسخةً طبق الأصل من والده في ملامحه، لكنه ورث عن أمه ذلك الذكاء الثاقب والهدوء الذي يسبق الفعل. كان طفلاً غير عادي، يقضي ساعاتٍ أمام الحاسوب ليس للعب، بل لتعلم لغات البرمجة وفك الألغاز، وكأنه يستعد لشيءٍ لا يعرفه أحد.​خرج أدهم من الماء، عضلاته مشدودة بفعل الرياضة المستمرة، ووجهه الذي كانت تملؤه التجاعيد من الهموم صار يشع بالسكينة. جلس بجانب ياسمين وطبع قبلةً رقيقة على جبينها. "أتدركين أننا لم نفتح بريدنا الإلكتروني الخاص بالشركة

  • رَحلَتْ فصار العالم غيهباً   شمسُ الحق الواضحة

    كان الفجر يزحف بخجل فوق أنقاض الجناح الشرقي للقصر، كأنه يخشى إيقاظ الذكريات المؤلمة التي دُفنت تحت الركام. في وسط تلك الساحة، كانت ياسمين تجلس على درجات السلم الرخامي، تحتضن "زين" الذي غط في نوم عميق بعد ليلة لم يشهدها طفل في عمره. وبجانبها، كان أدهم يضمد جراحه بنفسه، رافضاً الذهاب للمستشفى قبل أن يتأكد أن عائلته قد استعادت شعورها بالأمان.​"لقد انتهى الأمر حقاً هذه المرة، أليس كذلك؟" همست ياسمين وهي تنظر للأفق البرتقالي.​التفت أدهم نحوها، كانت عيناه تحملان تعباً لا يوصف، لكنه تعبٌ ممزوج بالراحة. "نعم يا ياسمين. يوسف في قبضة العدالة، وسيلين وعمر لن يخرجا للنور قبل عقود. لكن الأهم من ذلك.. أننا أصبحنا نعرف الحقيقة كاملة. والدي أخطأ، لكنه حاول التكفير، ووالدك كان بطلاً مات ليحمينا جميعاً."​أخرج أدهم من جيبه "المفاتيح" التي استعادها من يوسف. "هذه المفاتيح لم تكن تفتح خزائن مال، بل كانت تفتح حقيقة أن والدك قد وهب كل أملاكه السرية لمؤسسات خيرية، وترك لنا فقط 'الشركة' لنكبرها بعرق جبيننا وبصدقنا. لقد أراد لنا أن نكون عصاميين، لا ورثة لمالٍ مشبوه."​ابتسمت ياسمين بمرارة. "والدي كان دائماً

  • رَحلَتْ فصار العالم غيهباً   مرآةُ الماضي المكسورة

    تحت أضواء السرداب الخافتة التي كانت تتراقص مع ذرات الغبار المتصاعدة من أثر الانهيار، وقف "الثعلب" ببروده المستفز، يمسح حلة بيضاء لم تتسخ رغم الجحيم المحيط به. لكن ما لفت انتباه ياسمين لم يكن سلاح سليم المصوب نحو رأس الرجل، بل كان وجه أدهم.. أدهم الذي شحب لونه وكأنه رأى شبحاً خرج من القبر.​"أنت.." همس أدهم بصوتٍ مرتعش، وهو ينزل سلاحه ببطء ذهولاً. "عمي 'يوسف'؟"​صرخت ياسمين بصدمة: "عمك؟ أدهم، هل تقول أن هذا الرجل هو شقيق والدك؟"​ضحك الثعلب -أو يوسف الجسار- ضحكةً جافة خالية من أي مشاعر. "أهلاً بابن أخي العزيز. لقد كبرت يا أدهم، وأصبحت تشبه والدك الخائن في كل شيء، حتى في نظرة الضعف التي تملأ عينيك الآن."​تقدم سليم خطوة، ولم يتزحزح سلاحه ميليمتراً واحداً. "سيد أدهم، لا تنخدع بالمظاهر. هذا الرجل هو من أدار عمليات غسيل الأموال دولياً، وهو من حرض عمر وسيلين. إنه ليس عمك، إنه الشيطان الذي كان يرتدي قناع العائلة."​"أدهم، اسمعني جيداً،" قال يوسف وهو يتجاهل سليم تماماً. "والدك لم يكن الضحية كما تظن ياسمين. والدك كان شريكي، وعندما قرر 'كمال الكيلاني' أن يبلغ السلطات عن حساباتنا السرية، كان وال

  • رَحلَتْ فصار العالم غيهباً   ظلالُ الحارس الخفي

    مرت ثلاثة أشهر على حفل الزفاف الأسطوري الذي أعاد لم شتات آل جسار وآل كيلاني. كانت الحياة في القصر قد استعادت نبضها الطبيعي؛ ضحكات "زين" تملأ الأروقة، واجتماعات العمل بين أدهم وياسمين تحولت إلى جلسات عصف ذهني يمتزج فيها الذكاء العاطفي بالخبرة المالية. بدا وكأن كل العواصف قد هدأت، وأن السفينة أخيراً رست في ميناء الأمان.​لكن ياسمين، بحسها الذي صقلته سنوات الغربة، كانت تشعر بشيءٍ غريب. سليم، الرجل الذي كان ظلها لسنوات، والذي كان المحرك الخفي لكل عمليات الإنقاذ، بدأ يتصرف بغموض. كان يغيب لساعات، وهاتفه المشفر لا يتوقف عن الرنين، ونظراته لأدهم كانت تحمل مزيجاً من الاحترام والحذر المبالغ فيه.​في ليلةٍ ممطرة، كانت ياسمين تجلس في المكتبة تراجع بعض ملفات المؤسسة الخيرية الجديدة، حين رأت سليم يخرج من باب القصر الخلفي متجهاً نحو الغابة المحيطة. لم تتردد؛ وضعت معطفها وتبعته بحذر، مستعينةً بخبرتها في مراقبة الخصوم.​توقف سليم عند كوخٍ قديم كان يُستخدم لتخزين أدوات الحديقة. رأت ضوءاً خافتاً ينبعث من الداخل، وسمعت صوتاً مألوفاً يتحدث عبر جهاز لاسلكي متطور.​"الهدف مستقر.. العائلة في أمان.. الدفعة ا

  • رَحلَتْ فصار العالم غيهباً   أمانةُ الغائب

    وقف أدهم وياسمين في ردهة القصر الكبرى، وعيناهما معلقتان بذلك الطرد الخشبي الصغير الذي وضعه سليم على الطاولة المرمرية. كان الطرد يحمل أختاماً شمعية قديمة من مكتب محاماة عريق في "أوسلو"، ومكتوباً عليه بخط يد كمال الكيلاني الواثق: "يُفتح فقط عندما تجتمع ياسمين وأدهم تحت سقف واحد بقلوبٍ صافية".​ارتجفت يد ياسمين وهي تكسر الختم. لم تكن تخشى الفقر أو الخسارة المادية، فقد استعادت كل شيء، لكنها كانت تخشى أن ينبش الماضي جرحاً جديداً يفسد لحظة السلام الهشة التي تعيشها مع أدهم. فتحت الصندوق، لتجد بداخله مفتاحاً ذهبياً صغيراً، وخريطة لمنطقة جبلية في الشمال، ورسالة مسجلة على شريط صوتي قديم.​وضع أدهم الشريط في الجهاز، وساد صمتٌ رهيب في القاعة، قبل أن يخرج صوت كمال الكيلاني، هادئاً وعميقاً كما تذكرته ياسمين دائماً.​"ابنتي الحبيبة ياسمين.. أدهم يا بني.. إذا كنتما تسمعان هذا الصوت الآن، فهذا يعني أنكما قد اجتزتما اختبار النار والرماد. ياسمين، لقد كنتِ دائماً بوصلة الحق، وأنت يا أدهم، كنتَ دائماً الرجل الذي يملك قلباً أبيض غلفه كبرياء زائف. السر الذي أخفيتُه ليس عن مناجم الليثيوم، بل عن 'الشراكة الإن

  • رَحلَتْ فصار العالم غيهباً   خيانة في ثوب الأمانة

    غادرا المستشفى والضمادات تلف جسديهما، لكن الروح كانت أقوى من أي وقت مضى. استقرت ياسمين وأدهم في جناح واحد في القصر، ليس كزوجين تماماً، بل كحليفين يتقاسمان الجراح والهدف. كان سليم ينتظرهما في المكتب السري، وأمامه شاشات تعرض تحركات الحسابات البنكية للمحامي "فريد"، الرجل الذي كان ياسمين تظنه بمثابة عمٍ لها.​"فريد لم يكن مجرد محامٍ يا ياسمين،" بدأ سليم وهو يعرض وثائق قديمة. "لقد كان العقل المدبر الذي أقنع والدكِ بالتوقيع على التنازلات لوالد أدهم قبل سنوات، مدعياً أنها مجرد إجراءات حماية. هو من قبض الثمن من الطرفين، وهو من أخفى الوصية الحقيقية التي تمنحكِ حق إدارة مناجم الشمال حتى قبل وفاته."​شعرت ياسمين بغصة في حلقها. "فريد؟ الرجل الذي كان يمسح دموعي وأنا طفلة؟ الذي كان يخبرني أن والدي مات فقيراً بسبب سوء حظه؟"​وضع أدهم يده على كتفها بقوة. "الخيانة لا تأتي إلا من القريب يا ياسمين، لأن البعيد لا نثق به أصلاً. فريد الآن يتحالف مع سيلين وعمر، هم يشكلون 'مثلث الشر' الذي يريد إزاحتنا ليتقاسموا الكعكة."​"ماذا سنفعل؟" سألت ياسمين وهي تمسح دمعة متمردة. "هو يملك النسخة الأصلية من الوصية، وبدون

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status