LOGINمرت بضع ساعات على المؤتمر الصحفي الذي زلزل أركان العاصمة، لكن الصدى لم يهدأ في قلوب الثلاثة. في القصر السري، كان الهدوء مخيفاً بعد الضجيج الإعلامي. كانت ياسمين تجلس في مكتبها الصغير داخل الجناح، تتابع ردود أفعال الأسهم العالمية على اعتراف أدهم، لكن عينيها كانت تختلس النظر بين الحين والآخر نحو الحديقة.
قررت ياسمين اليوم أن تمنح أدهم فرصة، ليس من أجله، بل من أجل "زين" الذي لم يتوقف عن السؤال عن "السيد الطويل". كانت تعرف أن حرمان الطفل من والده هو انتقامٌ ناقص، فالحقيقة لا تُحجب بغربال الكراهية.
"أدهم،" نادت ياسمين وهي تخرج إلى الرواق. كان أدهم يقف هناك، يحدق في لوحة قديمة، ويبدو عليه الإرهاق الشديد. "سأذهب لأنهي بعض الأوراق القانونية مع المحامي في المدينة. سأترك زين معك لثلاث ساعات. هل تستطيع تحمل المسؤولية؟"
لمعت عينا أدهم ببريقٍ لم يره أحد فيه منذ سنوات. كان بريق الأمل. "معي؟ وحدي؟ ياسمين، أنا.. أنا لا أعرف كيف أشكركِ. أعدكِ أنني لن أغمض جفني عنه ثانية واحدة."
"لا تشكرني،" قالت ببرود وهي تتجاوزه. "افعل ذلك من أجل ابنك فقط."
غادرت ياسمين، وبقي أدهم واقفاً أمام باب غرفة زين. شعر برهبة لم يشعر بها حين واجه مئات الصحفيين. طرق الباب ببطء، ودخل ليجد زين جالساً يفكك سيارة لعبة معقدة.
"مرحباً يا بطل،" قال أدهم وهو يجلس على الأرض بجانبه، متجاهلاً بذلته الفاخرة التي تساوي ثروة. "هل تحتاج لمساعدة من مهندس قديم؟"
نظر إليه زين بشك، ثم مد إليه قطعة صغيرة. "أمي قالت إنك والدي.. هل هذا يعني أنك ستعيش معنا دائماً؟ وهل ستأخذنا بعيداً عن أمي مجدداً؟"
غصّ أدهم بريقه، وشعر بطعنة في قلبه. "لا يا زين، لن آخذكم بعيداً أبداً. أنا هنا لأكون حارسك الشخصي، ولأعوضك عن كل الألعاب والقصص التي فاتتنا. والدي.. نعم، أنا والدك، وهذا يعني أنني سأحبك أكثر من أي شيء في العالم."
مرت الساعات الثلاث وكأنها حلم لأدهم. لعبا بالكرة، علمه زين كيف يرسم ديناصوراً "بجناحين"، وقصّ عليه أدهم قصصاً عن أسلافه من آل جسار وكيف بنوا إمبراطوريتهم. لأول مرة، لم يكن أدهم هو "المدير التنفيذي الصارم"، بل كان مجرد أبٍ يحاول استعادة ابنه بالضحكات واللعب.
"أتعرف يا سيدي الطويل؟" قال زين وهو يتثاءب ويرتمي في حضن أدهم. "رائحتك تشبه رائحة الصابون الذي كانت أمي تستخدمه حين تتحدث عنك وهي تبكي."
تجمد أدهم. هل كانت ياسمين تبكي عليه؟ هل كانت تفتقده رغم كل ما فعله؟ ضم الصغير إلى صدره بقوة، وشعر بدمعة ساخنة تفلت من عينه. "أنا آسف يا زين.. سأمسح كل تلك الدموع، أعدك."
في هذه الأثناء، كانت ياسمين تقود سيارتها عائدة من المدينة. كان الطريق الملتوي المؤدي للقصر مظلماً وخالياً. فجأة، لاحظت ضوءاً قوياً يسطع في مرآتها الخلفية. سيارة دفع رباعي سوداء كانت تلاحقها بسرعة جنونية. حاولت ياسمين زيادة سرعتها، لكن السيارة الأخرى صدمتها من الخلف بقوة جعلت مقود السيارة يختل في يدها.
"ما الذي يحدث؟" صرخت ياسمين وهي تحاول السيطرة على السيارة. تذكرت رسالة سيلين: "إذا لم تكن لي، فلن تكون لأحد". هل كانت سيلين تحاول قتلها الآن؟
في القصر، كان أدهم قد وضع زين في سريره، وحين خرج للصالة، وجد هاتفه يرتجف. كان اتصالاً من مجهول.
"أدهم جسار،" جاء صوتٌ مشوه عبر جهاز تغيير الأصوات. "لقد أعلنت حبك أمام العالم، والآن حان وقت الوداع. زوجتك العزيزة في رحلة أخيرة نحو الهاوية. إذا أردت رؤيتها حية، فعليك أن تأتي لـ 'جسر الشمال' وحدك.. والآن!"
"ياسمين!" صرخ أدهم، وسقط الهاتف من يده. لم يفكر مرتين؛ ركض نحو مرآبه، استقل أسرع سياراته وانطلق كالبرق، تاركاً خلفه جيشاً من الحراس لحماية زين.
وصل أدهم إلى الجسر، ليجد سيارة ياسمين محطمة عند الحافة، تكاد تسقط في النهر السحيق. كانت ياسمين فاقدة للوعي داخلها، والسيارة تتأرجح بشكل مرعب.
ركض أدهم نحو السيارة وهو يصرخ باسمها، لكنه توقف حين رأى "سيلين" تقف في الظل، وبيدها جهاز تحكم صغير. كانت تبدو كالمجنونة، شعرها مبعثر وعيناها غائرتان.
"سيلين! توقفي!" صرخ أدهم وهو يلهث. "خدي كل مالي، خذي الشركات، لكن اتركي ياسمين!"
"المال لم يعد يهمني يا أدهم!" ضحكت سيلين بهستيرية. "لقد أذللتني أمام الجميع! جعلتني أهرب كالفأر بينما ترفع شأن تلك الخادمة! اليوم، سأحرق قلبك كما أحرقت كبريائي. ضغطة واحدة، وستسقط حبيبتك في النهر، ولن يجدوا جثتها أبداً."
في تلك اللحظة، فتحت ياسمين عينيها بتعب، رأت أدهم وهو يقف أمام سيلين، ورأت الخطر المحدق بها. "أدهم.. اذهب.. زين يحتاجك،" همست بصوت واهن.
"لن أترككِ مجدداً يا ياسمين!" قال أدهم وهو يتقدم ببطء نحو سيلين، وعيناه ثابتتان عليها. "إذا أردتِ قتل أحد، فاقتليني أنا. أنا من خدعتكِ، أنا من تركتكِ.. هي بريئة."
"أنت بطل الآن؟" سخرت سيلين وهي تضع إصبعها على الزر. "حسناً، فلتموتا معاً!"
انقض أدهم على سيلين في اللحظة التي ضغطت فيها على الزر، وسمع صوت انزلاق إطارات سيارة ياسمين نحو الهاوية. صرخة ياسمين شقت صمت الليل، بينما سقط أدهم وسيلين على الأرض وهما يتصارعان.
هل سقطت ياسمين؟ هل انتهى كل شيء في لحظة الندم الأخيرة؟
مرت خمس سنوات على ذلك الفجر الذي غادرت فيه عائلة "أدهم جسار" العاصمة، تاركين خلفهم حطام القصور وصراعات السلطة. في جزيرةٍ هادئة تقع على أطراف المحيط، حيث تلامس الأمواج شرفات البيوت البيضاء البسيطة، كانت ياسمين تعيش حياةً لم تحلم بها يوماً. لم تعد سيدة الأعمال القاسية، بل أصبحت المرأة التي تجد سعادتها في مراقبة غروب الشمس مع زوجها، وفي تربية طفلها الذي أصبح الآن صبياً يافعاً في العاشرة من عمره."زين! لا تبتعد كثيراً عن الشاطئ!" نادت ياسمين وهي تجلس على أريكةٍ خشبية، وفي يدها كتاب عن الفلسفة، لكن عينيها كانت تراقب أدهم وهو يعلم ابنهما فنون الغوص.كبر "زين" ليصبح نسخةً طبق الأصل من والده في ملامحه، لكنه ورث عن أمه ذلك الذكاء الثاقب والهدوء الذي يسبق الفعل. كان طفلاً غير عادي، يقضي ساعاتٍ أمام الحاسوب ليس للعب، بل لتعلم لغات البرمجة وفك الألغاز، وكأنه يستعد لشيءٍ لا يعرفه أحد.خرج أدهم من الماء، عضلاته مشدودة بفعل الرياضة المستمرة، ووجهه الذي كانت تملؤه التجاعيد من الهموم صار يشع بالسكينة. جلس بجانب ياسمين وطبع قبلةً رقيقة على جبينها. "أتدركين أننا لم نفتح بريدنا الإلكتروني الخاص بالشركة
كان الفجر يزحف بخجل فوق أنقاض الجناح الشرقي للقصر، كأنه يخشى إيقاظ الذكريات المؤلمة التي دُفنت تحت الركام. في وسط تلك الساحة، كانت ياسمين تجلس على درجات السلم الرخامي، تحتضن "زين" الذي غط في نوم عميق بعد ليلة لم يشهدها طفل في عمره. وبجانبها، كان أدهم يضمد جراحه بنفسه، رافضاً الذهاب للمستشفى قبل أن يتأكد أن عائلته قد استعادت شعورها بالأمان."لقد انتهى الأمر حقاً هذه المرة، أليس كذلك؟" همست ياسمين وهي تنظر للأفق البرتقالي.التفت أدهم نحوها، كانت عيناه تحملان تعباً لا يوصف، لكنه تعبٌ ممزوج بالراحة. "نعم يا ياسمين. يوسف في قبضة العدالة، وسيلين وعمر لن يخرجا للنور قبل عقود. لكن الأهم من ذلك.. أننا أصبحنا نعرف الحقيقة كاملة. والدي أخطأ، لكنه حاول التكفير، ووالدك كان بطلاً مات ليحمينا جميعاً."أخرج أدهم من جيبه "المفاتيح" التي استعادها من يوسف. "هذه المفاتيح لم تكن تفتح خزائن مال، بل كانت تفتح حقيقة أن والدك قد وهب كل أملاكه السرية لمؤسسات خيرية، وترك لنا فقط 'الشركة' لنكبرها بعرق جبيننا وبصدقنا. لقد أراد لنا أن نكون عصاميين، لا ورثة لمالٍ مشبوه."ابتسمت ياسمين بمرارة. "والدي كان دائماً
تحت أضواء السرداب الخافتة التي كانت تتراقص مع ذرات الغبار المتصاعدة من أثر الانهيار، وقف "الثعلب" ببروده المستفز، يمسح حلة بيضاء لم تتسخ رغم الجحيم المحيط به. لكن ما لفت انتباه ياسمين لم يكن سلاح سليم المصوب نحو رأس الرجل، بل كان وجه أدهم.. أدهم الذي شحب لونه وكأنه رأى شبحاً خرج من القبر."أنت.." همس أدهم بصوتٍ مرتعش، وهو ينزل سلاحه ببطء ذهولاً. "عمي 'يوسف'؟"صرخت ياسمين بصدمة: "عمك؟ أدهم، هل تقول أن هذا الرجل هو شقيق والدك؟"ضحك الثعلب -أو يوسف الجسار- ضحكةً جافة خالية من أي مشاعر. "أهلاً بابن أخي العزيز. لقد كبرت يا أدهم، وأصبحت تشبه والدك الخائن في كل شيء، حتى في نظرة الضعف التي تملأ عينيك الآن."تقدم سليم خطوة، ولم يتزحزح سلاحه ميليمتراً واحداً. "سيد أدهم، لا تنخدع بالمظاهر. هذا الرجل هو من أدار عمليات غسيل الأموال دولياً، وهو من حرض عمر وسيلين. إنه ليس عمك، إنه الشيطان الذي كان يرتدي قناع العائلة.""أدهم، اسمعني جيداً،" قال يوسف وهو يتجاهل سليم تماماً. "والدك لم يكن الضحية كما تظن ياسمين. والدك كان شريكي، وعندما قرر 'كمال الكيلاني' أن يبلغ السلطات عن حساباتنا السرية، كان وال
مرت ثلاثة أشهر على حفل الزفاف الأسطوري الذي أعاد لم شتات آل جسار وآل كيلاني. كانت الحياة في القصر قد استعادت نبضها الطبيعي؛ ضحكات "زين" تملأ الأروقة، واجتماعات العمل بين أدهم وياسمين تحولت إلى جلسات عصف ذهني يمتزج فيها الذكاء العاطفي بالخبرة المالية. بدا وكأن كل العواصف قد هدأت، وأن السفينة أخيراً رست في ميناء الأمان.لكن ياسمين، بحسها الذي صقلته سنوات الغربة، كانت تشعر بشيءٍ غريب. سليم، الرجل الذي كان ظلها لسنوات، والذي كان المحرك الخفي لكل عمليات الإنقاذ، بدأ يتصرف بغموض. كان يغيب لساعات، وهاتفه المشفر لا يتوقف عن الرنين، ونظراته لأدهم كانت تحمل مزيجاً من الاحترام والحذر المبالغ فيه.في ليلةٍ ممطرة، كانت ياسمين تجلس في المكتبة تراجع بعض ملفات المؤسسة الخيرية الجديدة، حين رأت سليم يخرج من باب القصر الخلفي متجهاً نحو الغابة المحيطة. لم تتردد؛ وضعت معطفها وتبعته بحذر، مستعينةً بخبرتها في مراقبة الخصوم.توقف سليم عند كوخٍ قديم كان يُستخدم لتخزين أدوات الحديقة. رأت ضوءاً خافتاً ينبعث من الداخل، وسمعت صوتاً مألوفاً يتحدث عبر جهاز لاسلكي متطور."الهدف مستقر.. العائلة في أمان.. الدفعة ا
وقف أدهم وياسمين في ردهة القصر الكبرى، وعيناهما معلقتان بذلك الطرد الخشبي الصغير الذي وضعه سليم على الطاولة المرمرية. كان الطرد يحمل أختاماً شمعية قديمة من مكتب محاماة عريق في "أوسلو"، ومكتوباً عليه بخط يد كمال الكيلاني الواثق: "يُفتح فقط عندما تجتمع ياسمين وأدهم تحت سقف واحد بقلوبٍ صافية".ارتجفت يد ياسمين وهي تكسر الختم. لم تكن تخشى الفقر أو الخسارة المادية، فقد استعادت كل شيء، لكنها كانت تخشى أن ينبش الماضي جرحاً جديداً يفسد لحظة السلام الهشة التي تعيشها مع أدهم. فتحت الصندوق، لتجد بداخله مفتاحاً ذهبياً صغيراً، وخريطة لمنطقة جبلية في الشمال، ورسالة مسجلة على شريط صوتي قديم.وضع أدهم الشريط في الجهاز، وساد صمتٌ رهيب في القاعة، قبل أن يخرج صوت كمال الكيلاني، هادئاً وعميقاً كما تذكرته ياسمين دائماً."ابنتي الحبيبة ياسمين.. أدهم يا بني.. إذا كنتما تسمعان هذا الصوت الآن، فهذا يعني أنكما قد اجتزتما اختبار النار والرماد. ياسمين، لقد كنتِ دائماً بوصلة الحق، وأنت يا أدهم، كنتَ دائماً الرجل الذي يملك قلباً أبيض غلفه كبرياء زائف. السر الذي أخفيتُه ليس عن مناجم الليثيوم، بل عن 'الشراكة الإن
غادرا المستشفى والضمادات تلف جسديهما، لكن الروح كانت أقوى من أي وقت مضى. استقرت ياسمين وأدهم في جناح واحد في القصر، ليس كزوجين تماماً، بل كحليفين يتقاسمان الجراح والهدف. كان سليم ينتظرهما في المكتب السري، وأمامه شاشات تعرض تحركات الحسابات البنكية للمحامي "فريد"، الرجل الذي كان ياسمين تظنه بمثابة عمٍ لها."فريد لم يكن مجرد محامٍ يا ياسمين،" بدأ سليم وهو يعرض وثائق قديمة. "لقد كان العقل المدبر الذي أقنع والدكِ بالتوقيع على التنازلات لوالد أدهم قبل سنوات، مدعياً أنها مجرد إجراءات حماية. هو من قبض الثمن من الطرفين، وهو من أخفى الوصية الحقيقية التي تمنحكِ حق إدارة مناجم الشمال حتى قبل وفاته."شعرت ياسمين بغصة في حلقها. "فريد؟ الرجل الذي كان يمسح دموعي وأنا طفلة؟ الذي كان يخبرني أن والدي مات فقيراً بسبب سوء حظه؟"وضع أدهم يده على كتفها بقوة. "الخيانة لا تأتي إلا من القريب يا ياسمين، لأن البعيد لا نثق به أصلاً. فريد الآن يتحالف مع سيلين وعمر، هم يشكلون 'مثلث الشر' الذي يريد إزاحتنا ليتقاسموا الكعكة.""ماذا سنفعل؟" سألت ياسمين وهي تمسح دمعة متمردة. "هو يملك النسخة الأصلية من الوصية، وبدون


![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)




