All Chapters of بين قلبه وسلاحه: Chapter 21 - Chapter 30

103 Chapters

الفصل 21

لم يكن ما رآه جاسر مجرد موقف عابر يمكن التعامل معه بهدوء، بل كان مشهدًا أشعل داخله شيئًا أشبه بالانفجار، فكل ما كان مكبوتًا داخله من قلق منذ الصباح، وكل ذلك الإحساس الغامض بأن هناك خطأ ما، تحوّل في لحظة واحدة إلى غضب عارم لم يعد قادرًا على السيطرة عليه.اندفع نحوهم بسرعة، خطواته كانت ثقيلة وحادة، وكأن الأرض نفسها لا تستطيع إيقافه، وعيناه مثبتتان على مازن الذي كان ما يزال ممسكًا برهف، يحاول جذبها رغم مقاومتها الضعيفة، بينما هي بالكاد تقف على قدميها.في لحظة خاطفة، وصل جاسر إليهم، ولم يعطِ نفسه وقتًا للتفكير أو حتى للكلام، بل مدّ يده بسرعة وسحب رهف بقوة من يد مازن، جاعلًا إياها خلف ظهره مباشرةً وكأنه يحاول أن يحجبها عن العالم بأسره، عن أي أذى يمكن أن يصل إليها، دون أن يدرك حتى ما يفعله بشكل واعٍ.كانت حركته سريعة وحاسمة، لدرجة أن مازن تراجع خطوة للخلف بدهشة، قبل أن يستوعب ما حدث، لكن تلك اللحظة القصيرة كانت كافية.دون سابق إنذار، اندفع جاسر نحوه، ووجه له أول لكمة بكل ما يحمله من غضب، لكمة لم تكن مجرد رد فعل، بل كانت تفريغًا لكل التوتر الذي تراكم داخله منذ أن رأى رهف بتلك الحالة.تراجع م
Read more

الفصل 22

ظل جاسر لثوانٍ طويلة يقود السيارة دون أن يشعر بالطريق من حوله، وكأن كل شيء خارج الزجاج قد تلاشى، ولم يبقَ سوى صوت أنفاسه المتسارعة، وصورة رهف بجانبه، ممددة بلا حراك، وجهها شاحب بشكل مخيف، وعيناها مغلقتان وكأنها انسحبت من العالم تمامًا. كان عقله يدور في دائرة مغلقة، بين صوت يخبره أن يتجه فورًا إلى المشفى، وصوت آخر يتردد فيه صدى كلماتها الأخيرة: "لا… المشفى لا… وإياك أن تخبر أبي…"، تلك الكلمات لم تكن مجرد طلب عابر، بل كانت مليئة بالخوف، بإصرار غريب جعله يتردد، وكأنه يشعر أن خلفها شيئًا أكبر مما يراه. ضغط على المقود بقوة، ثم أخرج هاتفه بيد مرتجفة، واتخذ قراره أخيرًا، قرار لم يكن مثاليًا، لكنه بدا له الأقل خطرًا في تلك اللحظة. بحث بسرعة في قائمة الأسماء، ثم ضغط على رقم صديقة يعرفها جيدًا، طبيبة يثق بها، ورفع الهاتف إلى أذنه بينما عيناه لا تفارقان الطريق. لم ينتظر طويلًا حتى جاءه صوتها: "ألو؟" قال بسرعة، دون مقدمات، وصوته يحمل توترًا واضحًا: "علا! أحتاج مساعدتكِ حالًا، الأمر طارئ." صمتت للحظة، ثم تغير صوتها إلى الجدية: "ماذا حدث؟" أخذ نفسًا سريعًا، ثم قال بإيجاز لكنه بلهفة: "
Read more

الفصل 23

مرّت الدقائق ببطء ثقيل خارج الغرفة، حتى بدا لجاسر وكأن الزمن نفسه قد فقد إيقاعه، وكأن كل ثانية تُسحَب منه سحبًا، وهو جالس هناك محدق في الباب المغلق، ينتظر، دون أن يعرف تحديدًا ما الذي ينتظره… هل ينتظر أن تُفتح الأبواب ليطمئن؟ أم أن ما خلفها سيزيد الأمور تعقيدًا؟ داخل الغرفة، كانت الطبيبة علا تعمل بهدوء وتركيز، تتنقل بين الأدوات بحرفية، رغم أن ما رأته لم يكن سهلًا حتى بالنسبة لها، فقد انتهت من تنظيف الجروح واحدة تلو الأخرى، ثم بدأت بوضع الشاش الطبي بعناية فوق كل أثر مفتوح، تثبته بلاصق خاص، محاولة أن تقلل من الألم والاحتكاك قدر الإمكان. لم تكن الجروح سطحية، ولم تكن عشوائية، بل كانت واضحة، منتظمة بشكل مخيف، وكأنها نتيجة تكرار لا حادثة واحدة، وهذا ما جعل نظرات علا تتغير أكثر من مرة أثناء العمل، لكنها التزمت الصمت، فهذه ليست لحظة طرح الأسئلة. بعد الانتهاء، نظرت إلى وجه رهف الشاحب، ولم يعجبها ما رأت، فضعفها كان واضحًا، أنفاسها هادئة أكثر من اللازم، وملامحها مرهقة بشكل لا يتناسب مع فتاة في عمرها، فتوجهت فورًا نحو الحامل الطبي، وعلّقت لها محلولًا مغذيًا، ثم أعدّت حقنة مسكنة وأعطتها لها برف
Read more

الفصل 24

بدأت رهف تستعيد وعيها ببطء، وكأنها تعود من مكان بعيد جدًا، مكان لا يحمل سوى الألم والتعب، كانت رؤيتها ضبابية في البداية، لا تستطيع تمييز الوجوه أو التفاصيل، فقط أضواء باهتة وأصوات خافتة تتداخل في رأسها دون وضوح، بينما شعرت بثقل غريب في جسدها، وكأنها غارقة في شيء يمنعها من الحركة بسهولة. تحركت أصابعها قليلًا، ثم حاولت أن تفتح عينيها أكثر، ومع كل ثانية، بدأ المشهد يتضح تدريجيًا، السقف الأبيض، الإضاءة الهادئة، ثم ملامح شخص يقف قريبًا منها… ملامح تعرفها جيدًا. فهد! اتسعت عيناها قليلًا، وكأن الإدراك عاد إليها فجأة، ثم تحركت نظراتها بسرعة إلى الجانب الآخر، لتجد فتاة تقف بجانبه، تبدو هادئة، ترتدي معطفًا طبيًا، وتحمل ملامح جادة. طبيبة. في تلك اللحظة، وكأن كل شيء عاد دفعة واحدة. نظرت بسرعة إلى يدها، لتجد أنبوب المحلول موصولًا بها، والسائل يتدفق ببطء داخل عروقها. فزعت. ثم اندفعت محاولة النهوض بشكل مفاجئ، وكأنها تريد الهروب من المكان فورًا، لكن ما إن تحركت حتى اخترق الألم جسدها بالكامل، خاصة في ظهرها، فخرجت منها صرخة حادة، وسقطت مجددًا على الأريكة. "آه…!" وضعت يدها على المكان القريب من
Read more

الفصل 25

كان يقود بهدوء هذه المرة، دون تلك السرعة المرتبكة التي كانت قبل قليل، وكأن الطريق نفسه أصبح أكثر استقرارًا، أو ربما لأن ما حدث قد استنزف منهما ما يكفي من التوتر، فلم يعد لدى أيٍّ منهما طاقة للكلام. جلست رهف بجانبه بصمت، رأسها مائل قليلًا نحو النافذة، وعيناها تتبعان الطريق دون تركيز حقيقي، بينما كانت تشعر بثقل غريب في جسدها، ليس فقط من أثر الألم، بل من كل ما مرّ عليها خلال هذا اليوم، يوم بدا وكأنه أطول من أن يُحتمل. أما جاسر، فكان يقود بصمت هو الآخر، عينيه على الطريق، لكن عقله لم يكن معه بالكامل، كان ما رآه، وما سمعه، وما اكتشفه… يتكرر في رأسه بلا توقف، وكأن كل جزء من الصورة يحاول أن يجد له تفسيرًا، لكنه يفشل في كل مرة. مرّت دقائق طويلة دون كلمة واحدة، حتى بدا الصمت بينهما وكأنه جزء من المكان، لا يمكن كسره بسهولة. وفجأة، خفّف جاسر السرعة، ثم انحرف قليلًا إلى جانب الطريق، قبل أن يوقف السيارة. التفتت رهف نحوه بدهشة واضحة، وكأنها خرجت من شرودها على هذا التوقف المفاجئ، ثم نظرت حولها سريعًا، محاولة أن تفهم السبب. لم يقل شيئًا، بل فتح باب السيارة ونزل، تاركًا إياها في حيرة. نظرت من ال
Read more

الفصل 26

دخلت رهف إلى الفيلا بخطوات سريعة قدر استطاعتها، تحاول أن تبدو طبيعية رغم الألم الذي كان ما يزال يثقل جسدها، عيناها تتحركان بحذر في الأرجاء، وكأنها تخشى أن يظهر مدحت فجأة في أي لحظة، أن يوقفها، أن يسألها، أو ربما… أن يلاحظ شيئًا.لكن الممر كان هادئًا.لم يكن هناك أحد.تنفست ببطء، وكأنها نجت من مواجهة لم تكن تملك القدرة عليها، ثم اتجهت مباشرة نحو السلم، وبدأت تصعده بحذر، تمسك الدرابزين بيد، بينما يدها الأخرى تحاول أن تخفف الضغط عن ظهرها قدر الإمكان.كل درجة كانت تذكرها بما حدث، بالألم، بالخوف، وبذلك السر الذي خرج منها أخيرًا… سر لم تكن تنوي أن تخبر به أحدًا.وصلت إلى غرفتها، أغلقت الباب خلفها بسرعة، ثم استندت إليه للحظة، أغمضت عينيها وكأنها تحاول أن تترك كل شيء خارج هذا الباب.تحركت ببطء نحو السرير، وجلست عليه بتعب واضح، ثم مالت قليلًا إلى الخلف، تشعر بثقل اليوم بأكمله ينهار فوقها دفعة واحدة.كان الصمت في الغرفة مختلفًا… مريحًا، لكنه في الوقت ذاته مخيف، لأنه يتركها وحدها مع أفكارها.هل كان من الصحيح أن تخبره؟ترددت الفكرة في ذهنها فجأة، وكأنها لم تفكر بها جيدًا من قبل.هل كان يجب أن تقو
Read more

الفصل 27

استيقظت رهف في صباح اليوم التالي ببطء شديد، وكأن جسدها يرفض العودة إلى الوعي، فتحت عينيها بصعوبة، وشعرت بثقل غريب يحيط بها، لم يكن مجرد إرهاق عابر، بل تعب عميق متراكم، يضغط على كل جزء فيها، خاصة ظهرها الذي كان يؤلمها حتى مع أقل حركة.حاولت أن تتحرك قليلًا، لكنها ما إن غيرت وضعها حتى اخترق الألم جسدها، فشهقت بخفوت وأغمضت عينيها مرة أخرى، كأنها تحاول الهرب من واقعها المؤلم.لكنها كانت تعلم… لا مهرب.فتحت عينيها مجددًا، ونظرت إلى سقف غرفتها، صامتة، بينما بدأ عقلها يستيقظ تدريجيًا، ويعيد ترتيب ما حدث بالأمس، من لحظة استيقاظها على الألم، إلى الجامعة، ثم مازن، ثم… فهد.توقفت أفكارها عند هذه النقطة.ثم تنهدت ببطء، وأدارت وجهها قليلًا نحو الطاولة القريبة، حيث وضعت الأدوية والمراهم التي أحضرها لها.بقيت تنظر إليها للحظات، قبل أن تتذكر فجأة…الضماد.اليوم… يجب أن تغيّر الضمادات.شعرت بانقباض خفيف في صدرها، ليس خوفًا من الألم فقط، بل من الفكرة نفسها.كيف ستفعل ذلك؟حاولت أن تتخيل الأمر، أن تمد يدها إلى ظهرها، أن ترى الجروح، أن تنظفها… لكن مجرد التفكير كان مرهقًا.أغمضت عينيها، وتمتمت بخفوت: "سأف
Read more

الفصل 28

كان الليل قد ألقى بثقله على المكان، وهدأت أرجاء الفيلا بشكل شبه كامل، ذلك الهدوء الذي لا يعني الراحة دائمًا، بل يحمل في طياته حذرًا مستمرًا، خاصة في مكان كهذا. أوقف جاسر سيارته على مسافة مناسبة، بحيث لا تلفت الانتباه، ثم ترجل منها ببطء، ونظر حوله بعين خبيرة، يتأكد من خلو المكان وكأنه يقيس كل خطوة قبل أن يخطوها. لم يتجه نحو المدخل الرئيسي. بل استدار بهدوء، واتخذ طريقًا جانبيًا يقوده إلى الفناء الخلفي حيث تقل الحركة وتقل العيون التي قد تلاحظه. كان يعلم جيدًا أن ما يفعله الآن… ليس ضمن مهامه، بل قد يكون تجاوزًا واضحًا، وربما خطأ قد يكلفه الكثير إن كُشف. لكنه رغم ذلك… لم يتراجع. تحرك بخفة، متجنبًا مصادر الإضاءة، حتى وصل إلى الجهة التي تطل على شرفة غرفة رهف، رفع نظره إلى الأعلى، وحدد موقعها بدقة، ثم أخذ نفسًا عميقًا، وكأنه يستعد لخطوة لا رجعة فيها. بدأ يتسلق. ببطء، بحذر، مستعينًا بالحواف والنتوءات الصغيرة، جسده يتحرك بانسيابية، وعيناه لا تتوقفان عن مراقبة كل زاوية، كل نافذة، كل احتمال. وصل إلى الشرفة أخيرًا، أمسك بحافتها، ورفع نفسه بصمت، ثم قفز إلى الداخل بخفة محسوبة. ما إن استقر،
Read more

الفصل 29

ظلت رهف واقفة في مكانها للحظات، وكأن قدميها قد تجمدتا، لا تعرف إن كانت تتقدم خطوة أو تتراجع، بينما كانت الأفكار تتدافع في رأسها بشكل أربكها أكثر مما كانت عليه. هذا غير لائق… كانت الفكرة الأولى والأكثر وضوحًا، كيف يمكن أن تسمح له بذلك؟ كيف تقف أمامه بهذا الشكل، وتطلب منه أن يساعدها في أمر كهذا؟ هو في النهاية… حارسها الشخصي، مجرد شخص يعمل لدى والدها، هناك حدود واضحة يجب ألا تُكسر. ألن يكون هذا تجاوزًا؟ ترددت الفكرة في ذهنها بقوة، وجعلتها تشعر بعدم الارتياح، وكأنها على وشك اتخاذ قرار قد تندم عليه لاحقًا. لكن فكرة أخرى تسللت سريعًا، أكثر واقعية… وأكثر إلحاحًا. وماذا ستفعلين إذًا؟ نظرت للحظة نحو الطاولة، نحو الأدوية والمراهم، وتذكرت ما قالته الطبيبة، أن الجروح تحتاج إلى عناية مستمرة، وأن إهمالها قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة. يوم بعد يوم… وهي بالكاد تستطيع الوقوف، فكيف ستفعل كل ذلك وحدها؟ ليس هناك أحد… توقفت عند هذه النقطة تحديدًا، لا أحد يعلم، لا أحد يمكنه المساعدة، لا خادمة، ولا صديقة، ولا أي شخص آخر. إلا هو. رفعت عينيها نحوه ببطء، فوجدته واقفًا بهدوء، لا يقترب، لا يضغط، فقط ينت
Read more

الفصل 30

ظلت رهف واقفة في مكانها لبرهة طويلة بعد أن أنهى فهد ما كان يفعله، عيناها معلّقتان به وكأنها تحاول استيعاب ما حدث للتو، فالموقف بأكمله كان أكبر من مجرد مساعدة عابرة، كان شيئًا يتجاوز الألم الجسدي إلى شعور عميق بالأمان لم تختبره منذ وقت طويل، شعور جعلها تقف صامتة، ممتنة، لكنها في الوقت ذاته مرتبكة، لا تعرف كيف تعبّر، ولا حتى كيف تتصرف بعد ذلك.كانت نظراتها نحوه تحمل امتنانًا صريحًا، واضحًا في عمق عينيها، امتنانًا لمن لم يخذلها حين احتاجت، لمن جاء دون أن يُطلب منه، وتحمل مخاطرة واضحة فقط ليخفف عنها ألمًا لم تكن قادرة على مواجهته وحدها، وللحظة، وجدت نفسها تتساءل بصدق: ماذا كانت ستفعل لو لم يكن موجودًا؟لكن هذا الامتنان سرعان ما امتزج بشيء آخر، خجل خفيف تسلل إلى ملامحها، وتوتر غير مفهوم تمامًا، ربما بسبب قرب المسافة، أو طبيعة ما حدث، أو لأن وجوده في هذه المساحة الخاصة بها لم يعد يبدو عاديًا كما كان من قبل.لاحظ جاسر ذلك التغير، التقطه بهدوء دون أن يحدق أو يحرجها، فاختار أن ينقذها من هذا الصمت الذي بدأ يثقل الجو، وقال بنبرة طبيعية، وكأنه يفتح بابًا آمنًا للحديث: "هل تنوين الذهاب إلى الجامعة
Read more
PREV
123456
...
11
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status