INICIAR SESIÓNوبعد أن انتهى كلٌّ منهما من الاستحمام وتغيير ملابسه، خيّم على المنزل ذلك الهدوء المريح الذي يأتي بعد يوم طويل مليء بالمشاعر المتناقضة، فخرجت رهف من الغرفة وهي تجفف خصلات شعرها المبللة بمنشفة صغيرة، بينما كان جاسر يجلس في غرفة الجلوس يعبث بهاتفه بصمت، وما إن لمحها حتى رفع عينيه نحوها للحظة، قبل أن يشيح بنظره سريعًا وكأنه لا يريد أن يطيل التحديق أكثر مما ينبغي. أما رهف، فكانت تبدو مختلفة قليلًا عن الأمس، أقل توترًا، أقل خوفًا، حتى إن ملامحها التي اعتادت الانكماش والحذر بدأت تستعيد شيئًا من خفتها الطبيعية، وكأن وجودها في هذا المكان البعيد عن مدحت سمح لروحها أخيرًا بأن تلتقط أنفاسها. لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلًا، إذ انبعث فجأة صوت قرقرة خافتة من معدتها، فتجمدت مكانها للحظة، ثم وضعت يدها سريعًا على بطنها بخجل شديد، بينما اتسعت عيناها في حرج واضح. ساد الصمت لثانية واحدة فقط… قبل أن ينفجر جاسر ضاحكًا بخفة، ضحكة قصيرة لكنها صادقة، جعلت رهف تعبس وهي تنظر إليه باستياء مصطنع: "هذا ليس مضحكًا!" حاول جاسر كتم ابتسامته لكنه فشل، ثم نهض وهو يقول بنبرة مرحة لم تعتدها منه كثيرًا: "بل مضحك قليلًا…
وعلى الجانب الآخر تمامًا، بعيدًا عن صرخات مدحت وغضبه، وبعيدًا عن الجدران التي عاشت رهف بينهما عمرًا كاملًا وهي تشعر وكأنها سجينة لا ابنة، كانت هناك حياة أخرى تبدأ ببطء… حياة هادئة على نحوٍ غريب، حتى إن رهف نفسها لم تكن تعرف كيف تتعامل معها في البداية. فمنذ اللحظة التي استيقظت فيها في ذلك المنزل الصغير وسط الغابة، بدأت تشعر بشيء لم تختبره يومًا من قبل، شيء بسيط للغاية بالنسبة لأي إنسان… لكنه كان بالنسبة لها أشبه بمعجزة. الأمان. لا تخاف من صوت خطواتٍ يقترب من غرفتها. لا تنتفض مذعورة كلما فُتح باب. لا تضطر إلى مراقبة ملامح من أمامها لتخمن إن كان سيغضب أم لا. كانت المرة الأولى التي تتنفس فيها دون أن تشعر بأن الهواء نفسه مراقب. وفي صباح اليوم التالي، وبعد أن بدأت تستعيد شيئًا من هدوئها، خرجت من الغرفة بخطوات بطيئة، بينما كانت أشعة الشمس تتسلل من النوافذ الخشبية وتغمر المكان بدفءٍ ناعم، فوجدت فهد يقف في المطبخ يعد القهوة بهدوء، مرتديًا ملابس بسيطة تختلف كثيرًا عن مظهره الرسمي المعتاد. توقفت للحظة تتأمله بصمت، ثم نظرت حولها من جديد، وكأن عقلها بدأ أخيرًا يستوعب المكان الذي أتت إليه.
وبينما انتهى ذلك اليوم الطويل لدى جاسر ورهف على نحوٍ لم يكن أيٌّ منهما يتوقعه، حيث خفّت وطأة الخوف قليلًا للمرة الأولى، وحلّ محلها شيء دافئ يشبه الطمأنينة المؤقتة. حتى إن رهف استطاعت أخيرًا أن تغفو دون أن تستيقظ مذعورة كل بضع دقائق، بينما بقي جاسر مستيقظًا لبعض الوقت يراقب هدوء المنزل ويتأكد من أن كل شيء آمن، قبل أن يسمح لنفسه أخيرًا بالاستسلام إلى نومٍ متعب لكنه هادئ… كان هناك، في الجهة الأخرى، عالم مختلف تمامًا يشتعل غضبًا. كان مدحت يقف في وسط الفيلا كإعصارٍ فقد آخر ما يربطه بالهدوء، وجهه مشدود بعنف، وعيناه تقدحان شررًا، بينما كانت خطواته تضرب أرضية المكان بعصبية متزايدة، وكل دقيقة تمر دون أن يعود إليه خبرٌ عن رهف أو فهد كانت تزيد من اختناقه وغضبه، حتى بدا وكأن الهواء نفسه داخل الفيلا أصبح خانقًا تحت وطأة توتره. دخل أحد رجاله بتردد واضح، وبمجرد أن وقعت عيناه على مدحت، شعر بأن الكلمات اختنقت في حلقه، لكنه اضطر أن يقول بصوت خافت: "سيدي، فتشنا المنطقة بالكامل تقريبًا، لكن لا يوجد أي أثر لهما." ساد الصمت للحظة. صمت قصير… لكنه كان كافيًا ليجعل الرعب يتسلل إلى قلب الرجل. وفجأة، انفج
ظلّ جاسر واقفًا في مكانه بعد كلمات رهف الأخيرة، وكأن كل حرف خرج من فمها قد استقر داخله بثقلٍ مؤلم، لا يترك له فرصة للهرب أو التبرير. فقد شعر للمرة الأولى منذ سنوات طويلة أن شيئًا ما في داخله قد تصدّع فعلًا، وأن الصورة التي رسمها لنفسه كرجلٍ يتصرف دائمًا بعقلانية وحذر قد تهاوت أمام تلك الفتاة الجالسة أمامه، المنهارة إلى هذا الحد، والتي كانت طوال الوقت تصرخ طلبًا للمساعدة بينما هو… لم يفهم. اجتاحه ندمٌ قاسٍ، حادّ، أشبه بطعنة بطيئة في صدره، وهو يستعيد كل المواقف السابقة بينها وبين مدحت، كل مرة ظنّ فيها أنها مجرد فتاة مدللة، عنيدة، متمردة بلا سبب. وكل مرة وقف فيها صامتًا يراقب شجارها معه بعينٍ باردة، معتقدًا أنها تبالغ، أو تسيء فهم والدها، دون أن يتخيل للحظة أن خلف تلك النظرات المذعورة التي كانت تلمع أحيانًا في عينيها حكاية بهذا السواد. أخذ يحدق فيها بصمت، بينما كانت جالسة على الأريكة تبكي بانكسارٍ موجع، كتفاها يهتزان مع كل شهقة، وجسدها المرتجف يبدو أصغر وأضعف من أي وقت مضى. حتى بدا له وكأنها لا تبكي فقط خوفًا مما حدث الليلة، بل تبكي كل السنوات التي عاشت فيها وحيدة، كل المرات التي حا
وقف جاسر مكانه للحظة، يراقبها بصمت. ثم اقترب قليلًا، لكنه لم يلمسها هذه المرة، واكتفى بالوقوف على مسافة مناسبة، قبل أن يقول بصوتٍ أكثر هدوءًا: "أريد أن أفهم… كيف وصل الأمر إلى هذا الحد؟" رفعت رأسها قليلًا وعيناها حمراوان، لكن نظرتها كانت حذرة. "أليس هو والدكِ؟" تجمدت ملامحها للحظة، وكأن السؤال أصاب نقطة حساسة لم تكن مستعدة لها، ثم أشاحت بنظرها بعيدًا، وقالت بصوتٍ خافت: "لا تسأل." لكن جاسر لم يتراجع، بل قال بإصرارٍ هادئ: "يجب أن أعرف. إذا أردتُ مساعدتكِ، عليّ أن أفهم." ساد الصمت مجددًا، أطول هذه المرة، وكأنها تخوض صراعًا داخليًا، بين الرغبة في الصمت، والخوف من البوح، ثم تنهدت ببطء، وقالت دون أن تنظر إليه: "هو… ليس والدي." توقف الزمن للحظة. ثم أضافت بصوتٍ مكسور: "لم يكن يومًا كذلك، إنه زوج أمي." نظر إليها جاسر بتركيز، بينما تابعت، وعيناها تلمعان بالدموع: "هذا سر لا يعلمه أحد، وأي شخصٍ يقترب من معرفته… يختفي." ارتجف صوتها قليلًا، ثم انخفض أكثر: "وأنا كنت دائمًا وحدي في هذا." سكتت لحظة، ثم أكملت بصعوبة، وكأن كل كلمة تُنتزع منها: "منذ كنت صغيرة، كان يعاقبني بطرق لم أفهمها في الب
خرج جاسر من الغرفة بهدوء، وأغلق الباب خلفه بحذر شديد، كأنه يخشى أن يوقظها حتى من خلف الجدران. ثم توقف للحظة في الممر الضيق، يمرر يده على وجهه بإرهاق واضح، بينما كانت أفكاره تتسابق داخله بلا ترتيب، يستعيد ما حدث منذ دخوله الفيلا حتى خروجه منها، وكأن كل لحظة تمر الآن تحمل وزنًا مضاعفًا، ليس فقط بسبب خطورة ما أقدم عليه، بل لأن ما رآه غيّر شيئًا في داخله لم يعد كما كان. أخرج هاتفه من جيبه، ونظر إلى الشاشة لثوانٍ قبل أن يضغط على رقم محفوظ. رفعه إلى أذنه وانتظر، لم يطل الانتظار كثيرًا حتى جاءه صوت العقيد شوقي من الطرف الآخر، هادئًا كعادته، لكنه يحمل في نبرته يقظة لا تخطئها خبرة السنين. "جاسر؟" تنفّس جاسر بعمق، وكأنّه يحاول أن يضبط إيقاع أفكاره قبل أن ينطق، ثم قال بنبرة منخفضة، مقتضبة، لكنها محمّلة بما يكفي من التوتر: "سيدي العقيد، طرأ تطوّر لم يكن في الحسبان. الوضع لدى مدحت أكثر سوءًا مما كنّا نقدّر. لقد تمكّنت من الحصول على بعض الأدلة، وسأقوم بإرسالها إليكم حالًا، غير أنّني اضطررت إلى إخراج ابنته رهف من هناك." لم يأتِ الردّ فورًا، بل ساد صمت قصير، ثقيل في معناه، كأنّ الكلمات التي سمع
استيقظت حور في ذلك الصباح وكأنها لم تنم أصلًا. لم يكن هناك كابوس محدد أيقظها… بل كان شعور ثقيل، مستمر، يضغط على صدرها منذ أن فتحت عينيها. ظلت مستلقية لعدة دقائق، تحدّق في السقف الأبيض، وكأنها تنتظر أن يتغير شيء… أن تختفي فكرة واحدة فقط من رأسها. لكنها لم تختفِ. الحفل. تنهدت ببطء وأغمضت عينيه
انتهت المحاضرة الأخيرة، وخرجت حور من القاعة وهي تشعر بإرهاقٍ غريب… لم يكن إرهاق الجسد، بل ثقل ذلك الشعور الدائم بأنها مراقبة. فظهور فهد في حياتها يشعرها بأن خطواتها لم تعد طبيعية. كل شيء أصبح محسوبًا، وكل حركة مرصودة. تنهدت وهي تسير نحو بوابة الجامعة، تحاول إقناع نفسها أن تتجاهل وجوده، أن تتصر
وقفت حور أمام البحر، كأنها تقف على حافة عالمين؛ عالمٍ تعرفه بكل قسوته، وآخر مجهول يغريها بصمته الواسع. كانت الأمواج تتكسر أمامها بلا توقف، تصرخ ثم تهدأ، كأنها تعيد تمثيل ما يدور في داخلها. لأول مرة منذ سنوات، لم تحاول أن تكون قوية. تركت كل شيء ينهار. وانفجرت بالبكاء. لم يكن بكاءً عاديًا، بل
توقفت لحظة أمام المرآة، تتأمل ملامحها التي فقدت بريقها، وعينيها اللتين أثقلهما التعب والحزن. مرّرت أصابعها المرتجفة على وجنتيها، ثم تمنت بداخلها ألا تلتقي بمالك مرة أخرى. أغمضت عينيها للحظة لتجمع شتات نفسها، ثم استدارت وغادرت. خرجت من دورة المياه بخطوات متثاقلة، كأنها تحمل فوق كتفيها عبئًا لا يُ







