All Chapters of بين قلبه وسلاحه: Chapter 81 - Chapter 90

103 Chapters

الفصل 81

حلَّ اليوم الثاني فوق القبو ببطءٍ ثقيل يشبه الزحف، وكأن الزمن نفسه أصبح يتعمد تعذيبهما، بينما كانت الرطوبة الباردة تلتصق بالجدران الإسمنتية العفنة وتملأ الهواء برائحة خانقة من الدم والصدأ والتعب، في حين بدا الضوء الخافت المتسلل من الفتحة الصغيرة أعلى الباب أضعف من أن يمنح أي شعور حقيقي بقدوم الصباح.كانت رهف في أسوأ حالاتها منذ بدأت هذه الكارثة كلها.فبعد ليلة كاملة من الألم والبكاء والخوف المتواصل، بدا جسدها وكأنه استنزف حتى آخر ما فيه من قوة، بينما أصبحت الحروق في ساقيها أكثر التهابًا، حتى إن مجرد تحريكهما قليلًا كان كفيلًا بإخراج أنفاس متقطعة موجوعة منها، أما عيناها فكانتا حمراوين ومتورمتين بصورة واضحة، وكأن النوم لم يقترب منها ولو للحظة واحدة.لكن الأسوأ لم يكن التعب الجسدي، بل ذلك الانكسار البطيء الذي بدأ يتمدد داخلها شيئًا فشيئًا.ذلك الإحساس المرعب بأن الأمل نفسه بدأ يختفي.كانت تجلس مقيدة بصمت هذه المرة، وعيناها معلقتان بالفراغ أمامها دون تركيز حقيقي.أما جاسر، فرغم حالته التي لم تكن أفضل بكثير، ورغم الألم العنيف الذي كان يضرب جسده مع كل حركة أو نفس، إلا أن شيئًا مختلفًا كان ي
Read more

الفصل 82

تجمدت رهف غريزيًا وهي تضغط ظهرها أكثر إلى الكرسي، بينما رفع جاسر عينيه إليه بهدوء قاتل، وكأن وجوده لم يعد يثير داخله سوى احتقار بارد. توقف مدحت أمامهما للحظات دون أن يتحدث، وكأنه يستمتع بمشهد تعبهما وانكسارهما، قبل أن يقول أخيرًا بصوت منخفض هادئ بصورة مرعبة: "يبدو أن الليلة الماضية كانت قاسية عليكما." لم يرد أحد. لكن مدحت لم يكن بحاجة إلى إجابة، فقد كانت ملامحهما وحدها كافية لإرضاء غروره. اقترب أكثر من رهف أولًا، حتى شعرت بأنفاسها تختنق فور اقترابه، ثم انحنى قليلًا نحوها وقال بنبرة ناعمة مستفزة: "أخبريني يا رهف… هل بدأتِ تفهمين أخيرًا أن الهرب مني كان أكبر خطأ ارتكبتِه في حياتك؟" ارتجفت شفتاها دون رد، بينما شعرت بالغثيان من قربه، أما جاسر فشد قبضته بصمت حتى برزت عروق يده رغم الإنهاك. ضحك مدحت بخفة، ثم استقام أخيرًا والتفت نحو جاسر، لتختفي الابتسامة تدريجيًا من وجهه وهو يقول ببرود واضح: "أما أنت، فأعترف أنني توقعت أن تنكسر أسرع من هذا." ثبت جاسر عينيه عليه دون خوف، وفي تلك اللحظة تحديدًا حرّك معصمه المقيد ببطء بسيط للغاية، حركة بدت عشوائية لأي شخص يراقبه، لكنها في الحقيقة كانت ا
Read more

الفصل 83

وفي تلك اللحظة، اندفع عدد من الرجال إلى الداخل على وقع أصوات العراك. صرخ مدحت بغضب هائل وقد اشتعلت ملامحه بجنون حقيقي: "اقتلوه!" وفي اللحظة التالية مباشرة اندفع الرجال نحو جاسر دفعة واحدة، بينما كان هو يقاتلهم بآخر ما تبقى له من قوة وإرادة، رغم الألم الذي كان يمزق جسده مع كل حركة، ورغم الدماء التي بدأت تسيل مجددًا من جروحه التي لم تلتئم أصلًا، إلا أنه استمر في الضرب والدفع والمقاومة بعنف يائس، وكأن كل ما بداخله يرفض السقوط قبل أن يضمن خروج رهف من هذا المكان. لكن مدحت، الذي كان يراقب المشهد بعينين مشتعلتين بالغضب، أدرك سريعًا أن جاسر لن يتوقف بسهولة، وأن رجاله رغم عددهم يجدون صعوبة في السيطرة عليه بسبب شراسته الجنونية، فاختفت آخر ذرة هدوء من ملامحه، قبل أن يُدخل يده داخل جيبه ويُخرج سكينًا صغيرة لامعة انعكس ضوؤها الباهت داخل القبو بصورة مرعبة. ثم اتجه مباشرة نحو رهف. اتسعت عيناها بصدمة وهي تراه يقترب،ثم قبض على شعرها بعنف شديد من الخلف وأجبر رأسها على الارتفاع، لتخرج منها شهقة ألم مرتجفة بينما التصق النصل بجلد ذراعها. "فهد…!" صرخت بخوف، لكن مدحت لم يمنحها فرصة أخرى. ضغط السكين
Read more

الفصل 84

دوّى الانفجار داخل الفيلا بعنفٍ هائل جعل الأرضية تهتز تحت الأقدام وكأن المبنى بأكمله تعرض لزلزال مفاجئ، بينما ارتجفت جدران القبو وتساقطت ذرات الغبار من السقف الإسمنتي فوق رؤوسهم بصورة كثيفة، حتى إن الضوء الخافت المعلق في الزاوية أخذ يتأرجح بعنف ناشرًا ظلالًا مشوشة ومخيفة على الوجوه المتوترة.تجمد مدحت في مكانه فورًا.للحظة قصيرة اختفت تلك النظرة المتعجرفة المعتادة من عينيه، وحل محلها ارتباك واضح لم يستطع إخفاءه بالكامل، بينما أخذ ينظر حوله بسرعة وكأنه يحاول استيعاب ما حدث للتو، لأن آخر شيء كان يتوقعه هو أن تصل الحرب إلى داخل منزله نفسه.أما رهف، فقد انتفض جسدها بالكامل على أثر الانفجار، لكن صدمتها لم تكن مركزة على ما يحدث في الأعلى بقدر ما كانت معلقة بفهد المستلقي فوق الأرض.كانت عيناها لا تغادرانه ولو لثانية واحدة، بينما بقي جسده ساكنًا بصورة مرعبة وسط بركة الدم التي بدأت تنتشر ببطء أسفل رأسه، حتى بدا المشهد كله ككابوس حقيقي يزداد سوءًا مع كل ثانية تمر.شعرت رهف بأن أنفاسها تختنق داخل صدرها وهي تنظر إليه، بينما أخذ عقلها يرفض تصديق أنه لا يتحرك، لا يفتح عينيه، لا يرد عليها، وكأن الضر
Read more

الفصل 85

ظلّت رهف منحنية فوق صدر فهد لفترة لم تعد قادرة حتى على تقديرها، بينما كانت شهقاتها المتقطعة تمتزج بصوت الرصاص البعيد والانفجارات التي ما تزال تهز أرجاء الفيلا فوقهما، حتى بدا القبو كله وكأنه يغرق تدريجيًا داخل فوضى مرعبة لا نهاية لها.أما هي فلم تعد تشعر بالعالم الخارجي أصلًا، لأن عالمها بالكامل اختصر في تلك اللحظة داخل الجسد الراقد تحتها، والجروح التي تغطيه، والخوف الساحق من أن يتوقف قلبه عن النبض في أي ثانية.كانت دموعها تنهمر بلا توقف فوق قميصه حتى تبللت ملابسه بالكامل، بينما بقيت ذراعها ملتفة حوله بصورة يائسة وكأنها تخشى أن يُنتزع منها إن ابتعدت عنه للحظة واحدة فقط، وكلما شعرت بأن أنفاسه أصبحت أضعف، كانت تبكي بصورة أعنف وتقترب منه أكثر، كأن قربها وحده قادر على إبقائه حيًا.أما جسدها هي… فقد بدأ ينهار ببطء.الألم الذي يضرب ساقيها المحروقتين كان يزداد قسوة مع مرور الوقت، حتى أصبحت تشعر وكأن النار ما تزال مشتعلة داخل لحمها، بينما الجرح العميق في ذراعها الذي شقه مدحت قبل قليل لم يتوقف عن النزف تمامًا، وكانت الدماء تنساب ببطء على جلدها وملابسها دون أن تملك حتى القوة للاهتمام بذلك.بدأت
Read more

الفصل 86

لم تكن تعلم كم من الوقت مرّ عليها وهي غارقة في ذلك الظلام الثقيل الذي ابتلع وعيها بالكامل، ولا إن كان ما عاشته سابقًا قد انتهى فعلًا أم أنها ما تزال عالقة داخل ذلك الكابوس الدموي الذي لم يمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها. فقد كان كل شيء حولها ضبابيًا إلى درجة جعلتها تشعر وكأن روحها انفصلت عن جسدها لفترة طويلة ثم أُعيدت إليه قسرًا، ببطء مؤلم يشبه عودة شخص غريق إلى سطح الماء بعد أن أوشك على الاختناق. بدأت رهف تفتح عينيها بصعوبة شديدة، وكأن جفونها تحولت إلى أحجار ثقيلة لا تقوى على رفعها، بينما كان رأسها ينبض بألم حاد جعل الرؤية أمامها مهزوزة وغير مستقرة. ولم تستطع في البداية تمييز المكان الذي توجد فيه، إذ لم ترَ سوى لون أبيض ساطع يحيط بها من كل اتجاه، أبيض بارد ومزعج جعل قلبها ينقبض دون سبب واضح. ثم بدأت التفاصيل تتضح تدريجيًا أمام عينيها المرتجفتين؛ سقف أبيض، رائحة معقمات حادة تخنق أنفاسها، صوت أجهزة طبية منتظم، وستائر تتحرك ببطء تحت تيار هواء بارد. حاولت التحرك قليلًا، لكن الألم الذي اجتاح جسدها جعلها تطلق أنينًا خافتًا خرج من أعماقها دون إرادة، فقد كانت تشعر وكأن كل عظمة داخل جسدها قد
Read more

الفصل 87

عندما استعادت رهف وعيها للمرة التالية، لم يكن الأمر مشابهًا لاستيقاظها الأول المليء بالذعر والصراخ والانهيار، بل كان أشبه بخروج بطيء ومتعب من بحر عميق أغرق روحها حتى لم تعد تملك القوة لمقاومته. فقد فتحت عينيها هذه المرة بهدوء غريب، هدوء بارد ومؤلم يشبه استسلام شخص أنهكته الصدمات حتى لم يعد قادرًا على الركض خلف الحقيقة، أو ربما لم يعد يملك الشجاعة الكافية لمواجهتها. لم تكن تعرف إن كان ذلك بسبب مفعول المهدئ الذي ما يزال يسري في عروقها ويخدر أعصابها الثقيلة، أم لأن روحها نفسها أصبحت مرهقة إلى درجة جعلتها تخشى سماع أي إجابة قد تدمر ما تبقى منها بالكامل. فقد كانت تشعر أن قلبها يقف على حافة شيء مرعب، وأن كلمة واحدة فقط قد تدفعه للسقوط نهائيًا في هاوية لن يخرج منها أبدًا. ظلت تحدق في السقف الأبيض بصمت طويل، دون أن تتحرك، بينما كان الألم ينتشر داخل جسدها كتيار بطيء وحارق، خاصة في ساقيها اللتين شعرت بثقلهما وكأنهما لا تنتميان إليها. أما رأسها فكان مثقلًا بصورة خانقة جعلت أفكارها ضبابية ومبعثرة، لكنها رغم ذلك كانت تعرف جيدًا ما هو السؤال الذي تخشى طرحه. فهد. حتى التفكير باسمه أصبح يؤلمها
Read more

الفصل 88

ما إن أُغلق الباب خلف بسام حتى ساد الغرفة صمت ثقيل بصورة مؤلمة، صمت لم يكن هادئًا فعلًا، بل ممتلئًا بأصوات خفية لا يسمعها سواها؛ صوت خوفها، وارتجاف قلبها، وأنفاسها المضطربة التي بدأت تضيق تدريجيًا كلما رفعت عينيها نحو السرير الموجود في منتصف الغرفة. وللحظة قصيرة… لم تستطع النظر إليه. بقيت جالسة على الكرسي المتحرك قرب الباب وكأن شيئًا داخلها يخشى مواجهة الحقيقة كاملة، فحتى الآن، ورغم كل ما أخبروها به، كانت هناك زاوية صغيرة داخلها تأمل أن يكون الأمر أقل سوءًا مما تخيلته، لكن مجرد شعورها برائحة المعقمات الثقيلة وصوت الأجهزة الطبية المنتظم كان كافيًا ليجعل الخوف يلتف حول قلبها ببطء قاتل. أخذت نفسًا مرتجفًا بصعوبة، ثم رفعت عينيها أخيرًا نحوه. وفي اللحظة التي وقع بصرها عليه، شعرت وكأن شيئًا حادًا انغرس مباشرة داخل صدرها. كان فهد مستلقيًا فوق السرير بلا حركة تقريبًا، هادئًا بصورة لم تعهدها فيه أبدًا، حتى بدا وكأنه شخص آخر لا يمت لذلك الرجل الذي اعتاد مواجهة العالم بعناد وقوة بأي صلة. فقد كان وجهه شاحبًا بشكل موجع، شحوب مخيف جعل بشرته أقرب إلى البياض البارد، بينما التف ضماد طبي كبير حول
Read more

الفصل 89

لم تكن رهف تعلم كم من الوقت مرّ وهي جالسة بجانب فهد بتلك الحالة المنهارة، فقد فقدت إحساسها الكامل بالزمن منذ اللحظة التي رأت فيها جسده ساكنًا فوق ذلك السرير الأبيض، وكل ما بقي داخلها كان ذلك الألم الثقيل الذي استقر في صدرها كحجر هائل يسحق أنفاسها ببطء، بينما ظلت ممسكة بيده وكأنها تخشى أنه إن أفلتتها للحظة فسوف يبتعد عنها إلى الأبد. كانت الغرفة غارقة في هدوء خانق، لا يقطعه سوى الصوت المنتظم للأجهزة الطبية المتصلة به، ذلك الصوت الذي تحول مع الوقت إلى شيء مرعب بالنسبة لها، لأنها باتت تربط كل نبضة تصدر عنه بحقيقة أنه ما يزال عالقًا بين الوعي واللاوعي، بين أن يعود إليها… أو يرحل دون أن يمنحها فرصة أخرى. أما هي، فكانت منهكة بالكامل. حتى البكاء لم يعد يخرج منها بانهيار كما في البداية، بل تحول إلى دموع صامتة تنساب من عينيها دون توقف، وكأن جسدها أصبح أضعف من أن يتحمل حتى التعبير عن ألمه. وفي لحظة ما، بعدما أنهكتها الدموع والخوف والتفكير، انحنت ببطء فوق السرير وأسندت رأسها المتعب قرب يد فهد التي كانت ما تزال محتضنة بين يديها، وأغمضت عينيها للحظات قصيرة محاولة التقاط أنفاسها، بينما كانت تشعر
Read more

الفصل 90

بقيت رهف جالسة فوق سريرها بعد مغادرة الممرضة، تحدق في الفراغ أمامها بعينين شاردتين وكأن عقلها انفصل تدريجيًا عن المكان من حولها، بينما كان الصمت يطبق على الغرفة بصورة خانقة لا يقطعها سوى الصوت الخافت لأجهزة التكييف وحركة السيارات البعيدة خلف زجاج النافذة. إلا أن ذلك الهدوء الظاهري لم يكن موجودًا داخلها أبدًا، بل كانت تشعر وكأن رأسها ممتلئ بعاصفة لا تهدأ، أفكار سوداء متشابكة تلتف حول عنقها ببطء حتى تكاد تخنقها. كانت ما تزال تمسك الملعقة بين أصابعها دون حركة، بينما برد الطعام أمامها منذ وقت طويل، لكنها لم تعد تشعر بالجوع أصلًا، ولم يعد جسدها يطالب بشيء سوى الراحة من كل هذا الثقل الذي يسحق روحها منذ سنوات. كلما حاولت التوقف عن التفكير… عادت الذكريات إليها بقسوة أكبر. كل ما مرت به من قسوة وحزن. ثم مدحت… دائمًا مدحت. كأن وجوده يطاردها حتى داخل أنفاسها. أغمضت عينيها ببطء، لكنها في اللحظة نفسها شعرت وكأن صوته عاد ليتردد داخل رأسها بوضوح مرعب، ذلك الصوت البارد المخيف الذي لطالما جعل الدم يتجمد داخل عروقها. "تذكري…" ارتجف جسدها فورًا. وعادت تلك اللحظة أمام عينيها كاملة، وكأنها تحدث
Read more
PREV
1
...
67891011
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status