جميع فصول : الفصل -الفصل 8

8 فصول

١

الفصل الأولها هي وحدها على جزيرة معزولة حيث لا أثر للحياة سوى صدى الرياح العاتية، السماء تمطر بغضب وكأنها تعاقب الأرض بقطرات أشبه بالرصاص المنهمر.ارتجفت الأمواج تحت وطأة العاصفة تعزف لحنًا جنائزيًا يشبه قرع الطبول في معركة لا تنتهي ووسط هذا الجحيم السماوي جلست چوانا ممسكةً بخنـ ـجرها تحفر بأنفاسها المرهقة في قلب قطعة خشبية كأنها تحاول سلخ الماضي عن ذاكرتها لكن المطر كان عنيدًا إذ أخذ يجلد وجهها بلا رحمة كأنه يصر على محو كل أثر لدفءٍ قد يكون سكن ملامحها يومًا. عشر سنوات من التيه، عشر سنوات من الوحدة كأنها عمرٌ بأكمله حتى أوشكت الحقيقة أن تشرق من ظلمات الغموض وذلك حين عثرت أخيرًا على عائلة الأسيوطي.ظنت چوانا أنها قد اقتربت أخيراً من فك لغز مقتل والدتها إذ كانت على أعتاب اللحظة التي تزيل عنها اللعنة لكن الأقدار كانت تضحك بسخرية مُرة إذ انقلب الحلم إلى فخّ والأمان إلى فاجعة حين حاول من ادّعوا إعادتَها قتلَها بدم بارد. حاربتهم كوحش جريح صمدت رغم الفزع ورغم أنفاس الموت التي لامست عنقها، انتصرت على خاطفيها لكن البحر كان خصمًا أشد ضراوة إذ غرقت السفينة وابتلعها الموج ولم يترك لها سوى هذه
last updateآخر تحديث : 2026-04-10
اقرأ المزيد

٢

الفصل الثاني كان الليل قد أسدل عباءته الثقيلة على الكهف الذي لم يُسمع فيه سوى أنفاسٍ متقطعة تحاول الهروب من جدران الصمت. استلقى الاثنان على جانبي الكهف وكلٌّ منهما غارقٌ في شرنقة أفكاره كأنما ابتلعتهما عوالمٌ متوازية لا يجمعها سوى ظلمة واحدة. ثم... شقّ السكون أنينٌ خافت كنبضةٍ مختنقة أو صرخةٍ مكبّلة تحت الركام.فتحت "چوانا" عينيها على مهل وجفنيها يرفضان الاعتراف بالخطر، ثم اتسعت حدقتيها فجأة تحملقان في العتمة كمن يبحث عن طيفٍ مجهول.استدارت چوانا جهة الصوت فرأته... منكمشًا على نفسه كصفحةٍ طُويت بعنفٍ في روايةٍ ممزقة.وجهه كان باهتًا شاحبًا يشبه الأموات فقد أصبحت بشرته بيضاء كالجليد المتيبّس وقطرات العرق تنزف من جبينه كندى حزينٍ يتساقط من ورقةٍ تحتضر في صباحٍ شتوي. أخذ الغريب يتلوّى في صمت كمن يخوض معركةً مع عدوٍّ خفيّ.زحفت چوانا نحوه بقلقٍ يشبه النداء الأخير ويدها امتدت إليه كنسمةٍ مرتجفة تبحث عن الحياة. لامست ذراعه تهزه برفق لكن لا ردّ... ولا حتى ارتعاشة. كان ساكنًا أكثر من اللازم كأنّ الألم قد انتزع وعيه وسجنه داخل ذاته."أيها الأحمق هل تسمعني؟ هل أنت بخير؟!"قالتها ونبرتها ت
last updateآخر تحديث : 2026-04-10
اقرأ المزيد

٣

الفصل الثالث**في قصر الأسيوطي...**تزين المكان كعروس ليلة زفافها؛ أضواء خافتة تتراقص على الجدران، موسيقى هادئة تنساب بين الزوايا وزهور نادرة تنبعث منها رائحة الأناقة والترف. كان كل ركن من أركان القصر يشهد على بذخٍ لا يعرف الاقتصاد طريقه فقد أُعدّ المكان للاحتفال بعيد ميلاد الأميرة المتوجة في عرش المال والجمال... شروق الأسيوطي.كانت شروق وكأنها نجمة انفلتت من مجرة تتألق بثوبٍ من أحدث التصاميم ينسدل على جسدها كالشفق على صفحة البحر تحيط بها زمرة من الوجوه اللامعة تتسابق في مدحها.قالت إحدى الحاضرات وعينيها تلمع بالدهشة: "شروق... فستانك ليس من هذه الأرض! كأنه مجرة درب التبانة نُسجت بالخيوط الفضية لتحتضنك."أضافت أخرى بنبرة ممزوجة بالغيرة والإعجاب: "هذا من إصدار أحدث صيحات الربيع للموضة، أليس كذلك؟ حاولت استئجاره دون جدوى... كيف لك أن تملكيه؟ لا عجب فأنت ابنة الأسيوطي، والدك كريم كما السماء!"اقتربت صبية ثالثة تهمس بشغفٍ في أذنها: "عيد ميلاد سعيد، يا نجمة الشاشة القادمة... سمعت أن مخرجًا عرض عليك دورًا بطولة؟ لا شك أنكِ ستغزين الساحة قريبًا... فقط لا تنسينا حين تصعدين إلى القمة."ق
last updateآخر تحديث : 2026-04-10
اقرأ المزيد

٤

الفصل 4انتظرها وهو يراها تُسلم نفسها للقدر كما تسلّم زهرة ذابلة أوراقها للريح حتى تحوّلت في أعين الجميع إلى مشهدٍ هزليّ وكأنها ارتضت أن تكون أضحوكة محزنة أمام مسرح الأعين المتربّصة.خفض فهد نبرته وكأن صوته خرج من أعماق قلبه ولا يعرف السبب وراء سخطه لما يحدث معها، وقال:"هل هذه هي إرادتك الحقيقية؟ إن أردتِ سأمنحك أمنية أخرى لحياة مختلفة."رفعت چوانا حاجبيها في اندهاش لم تخفِه، ونظرت إليه كأنها تستجوب يقينه ثم قالت بسخرية مبطنة بحزنٍ عميق:"فرصة أخرى؟ أمنية أخرى؟ هل تظن نفسك جنيًّا خرج من مصباحي السحري؟"عمّ الصمت فجأة جراء تجاوزها بالحديث مع فهد الاقتصاد وسرت الدهشة كتيار كهربائي بين الحضور حتى شروق وسوسن تبادلتا نظرات حائرة تتساءلان بصمت:**ما الذي يحدث؟ هل يعرف هذا الفهد تلك المتشردة؟**ثبت فهد نظره في عينيها كما لو أنه يبحث عن شظايا عقل بات في طي النسيان إنها بلهاء حقاً لا تعرف وضعها بين هؤلاء، وقبل أن يتفوه بكلمة، قاطعه صوت هاني الذي اقتحم المشهد بابتسامة مصطنعة:"لقد أسعدتني رؤيتك سيد فهد! لماذا لم تخبرني بقدومك؟"أُسقِط في يد الحضور، وبدت علامات الذهول مرسومة على الوجوه، كأنما ن
last updateآخر تحديث : 2026-04-10
اقرأ المزيد

٥

الفصل 5قالت شروق، وقد ارتسم على شفتيها انحناءة خبيثة تُخفي خلفها نوايا لا يُستهان بها:"أي ثوبٍ فاخرٍ ذاك الذي تظنّ أنه سيُخفي جوهرها القرويّ؟! ستبقى فتاةً ساذجة مهما حاولت أن تتقمص دور النخبة!"لم يكن في قلبها ذرة خوف من أن يلومها هاني على سخريتها اللاذعة من چوانا بل على العكس كانت تتباهى في أعماقها أنها قد منحتها أثمن ما في خزانتها من فساتين. وكأنها تقول لنفسها في مزيج ساخر من الكرم والخُبث: "هي من اختارت أن تأتي هذه الليلة تحديداً لتفسد حفل عيد ميلادي فلا تلومنّ إلا جهلها بذوق المدينة!"ولم تكتفِ شروق بالفستان وحده بل دسّت بين خطوات چوانا عقبة أخرى؛ حذاء بكعبٍ عالٍ، يبلغ ارتفاعه أربع بوصات وكأنها أرادت أن تجعل من كل خطوةٍ تخطوها چوانا رقصة على خيط رفيع بين الأناقة والسقوط.ضحكت في سرّها قائلة:"أراهن أنها لم ترتدِ مثل هذا الحذاء في حياتها قط! حتماً سيخونها السلم... ستتعثّر وستتهاوى أمام أعين الجميع... يا للروعة!"أحست شروق بفخرٍ يكاد يُسْكرها، شعور بالدهاء كأنها على وشك أن تصفق لنفسها وسط التصفيق المتوقع من الحاضرين لا حبًا، بل شماتة.وتمتمت بنبرة مشبعة بالغلّ:"سيرى الجميع... سير
last updateآخر تحديث : 2026-04-14
اقرأ المزيد

٦

الفصل السادس جمال مذهلأطرقت چوانا برأسها تحاول أن تُخفي عاصفةً من المشاعر تدفّقت بين أضلعها كأنها موسيقى حزينة تعزفها أوتار قلبها ومن ثم رفعت طرف فستانها كمن تزيح الستار عن مشهدٍ مرتقب وبدأت تتهادى في مشيتها على درجات السُّلم بخطوات تحمل في خفّتها معنى التحدي وفي ثباتها شيئًا من الكبرياء المستتر.لم يرَ الضيوف وجهها أولًا... بل استقبلتهم قدماها النحيلتان كإعلان مبكّر عن أن الجمال قد قرر اليوم أن يمشي بينهم على الأرض.ضوء الثريا الكبير الذي انسدل كعرش من البلور فوق رؤوسهم انكسر على أصابع قدميها الرقيقة فأشعل لمعانها كما لو أن الملائكة قد قبّلت كاحليها الحريريين قبيل نزولها.كان هذا المشهد وحده كفيلًا بأن يبعثر خيال الحاضرين ويجعله يرتحل في مدارات من الدهشة والانبهار... ساقاها لم تكونا مجرد طرفين يحملان الجسد بل قصيدة تمشي نُسجت من التوازن والجاذبية والعنفوان.حتى شروق وبالرغم مما تحمله من نوايا خبيثة إلا أنها فوجئت بكمال التكوين، وحِدّة تأثيره وها هي ترمق بعض الرجال بنظرة جانبية فقرأت الإعجاب يلمع في أعينهم كأنها تُترجم لغة الصمت لكن ما أقلقها لم تكن مقلهم بل تلك العين الواحدة التي كا
last updateآخر تحديث : 2026-04-14
اقرأ المزيد

٧

الفصل ٧كانت زينةُ شعرِها مبعثرةً كأحلامٍ أجهدها السهر وخصلاتُها المشعثة تتدلّى على وجنتين شاحبتين تلك التي خُلِقت لتكون بؤرة الضوء وبهجة المنصّة بدت كنجمةٍ انطفأ وهجها. ــ «شــروق!»دوّى صوت سوسن كصرخةِ فزعٍ مزّقت سكون القاعة واندفعت إلى المسرح ورغم القلق الذي كان يعصف بصدرها عصف الرياح بالأشرعة لم تنسَ أمر چوانا؛ فمالت بكتفها تدفعها جانبًا في حركةٍ خاطفة كأنها تُزيح ظلًّا عن شمسٍ تحتضر.كانت چوانا تنتعل حذاءً بكعبٍ شاهق، يعلو أربع بوصات تقف عند حافة المسرح المؤقت وقفةَ من يثق بالأرض وإن كانت رخوة لكن دفعة سوسن جاءت قويةً كقدرٍ مباغت، فاختلّ توازنها، وترنّحت خطواتها، وكادت تسقط من علٍ كطائرٍ خذله جناحه.في تلك اللحظة الفاصلة بين السقوط والنجاة، بين الألم والسلامة، تحرّكت چوانا بسرعةٍ غريزية؛ ومن ثم رفعت يديها تحيط رأسها بحمايةٍ يائسة وكأنها تعقد هدنةً مع الأرض قبل الاصطدام لتقلّل احتمالات ارتجاجٍ قد يعصف بوعيها غير أن المفاجأة كانت أسبق من الخوف… لم يلامس جسدها الخشب البارد ولم تستقبلها الأرض بقسوتها المعهودة بل أحاطت بها يدٌ قوية ثابتةٌ كجدارٍ من أمان تسند ظهرها بثقةٍ لا تعرف الترد
last updateآخر تحديث : 2026-04-14
اقرأ المزيد

٨

الفصل 8ابتسمت چوانا وجاء الرد كنسيمٍ خافت من الماضي:ــ «اسمي… ساني.»كان هذا الاسم هو اللقب الذي أطلقه عليها والداها بالتبني هدية من الخارج، رمز الانتماء الذي حملته معها طيلة حياتها.قال فهد بعد هدوءٍ قصير:ــ «فهمت… وما زلتِ لم تخبريني ما هي أمنيتك.»ولما أدركت چوانا إصرار الرجل الذي يحيط بكل كلمة بجدية لا تُقهر تلاعبت بالكلمات كراقصة على حافة المسرح:ــ «إذا كنت حقًا تريد أن ترد لي الجميل، فلماذا لا تتزوجني؟»تجمّد فهد لوهلة؛ كأنّ الهواء اختنق بين ضلوعه وارتسمت على وجهه تعابير متشابكة، لم تكن چوانا لتفكّ رموزها بسهولة ولتهدئة الجو المتوتّر تنحنحت چوانا بخفة وأكملت بنبرة مازحة:ــ «كنت أمزح فقط… على أي حال، انسَ الأمر… لا أحتاج إلى شيء حقًا.»فجأة قال فهد بصوت حازم يخلو من أي تردد:ــ «أستطيع فعل ذلك.»ارتجفت چوانا لحظة وصوتها خرج متقطّعًا بين الصدمة وعدم التصديق:ــ «ماذا؟ ماذا يمكنك أن تفعل؟»كان السؤال يعلو على وقع قلبها المتسارع بينما بقيت الكلمات معلّقة في الهواء بين جدية فهد ولعبة المزاح التي لم تكن تتوقع أن تتحوّل إلى وعدٍ يفوق الخيال.استعاد فهد رباطة جأشه وارتسم على وجهه ت
last updateآخر تحديث : 2026-04-14
اقرأ المزيد
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status