Share

٢

last update publish date: 2026-04-10 20:26:17

الفصل الثاني

كان الليل قد أسدل عباءته الثقيلة على الكهف الذي لم يُسمع فيه سوى أنفاسٍ متقطعة تحاول الهروب من جدران الصمت.

استلقى الاثنان على جانبي الكهف وكلٌّ منهما غارقٌ في شرنقة أفكاره كأنما ابتلعتهما عوالمٌ متوازية لا يجمعها سوى ظلمة واحدة.

ثم... شقّ السكون أنينٌ خافت كنبضةٍ مختنقة أو صرخةٍ مكبّلة تحت الركام.

فتحت "چوانا" عينيها على مهل وجفنيها يرفضان الاعتراف بالخطر، ثم اتسعت حدقتيها فجأة تحملقان في العتمة كمن يبحث عن طيفٍ مجهول.

استدارت چوانا جهة الصوت فرأته... منكمشًا على نفسه كصفحةٍ طُويت بعنفٍ في روايةٍ ممزقة.

وجهه كان باهتًا شاحبًا يشبه الأموات فقد أصبحت بشرته بيضاء كالجليد المتيبّس وقطرات العرق تنزف من جبينه كندى حزينٍ يتساقط من ورقةٍ تحتضر في صباحٍ شتوي.

أخذ الغريب يتلوّى في صمت كمن يخوض معركةً مع عدوٍّ خفيّ.

زحفت چوانا نحوه بقلقٍ يشبه النداء الأخير ويدها امتدت إليه كنسمةٍ مرتجفة تبحث عن الحياة.

لامست ذراعه تهزه برفق لكن لا ردّ... ولا حتى ارتعاشة.

كان ساكنًا أكثر من اللازم كأنّ الألم قد انتزع وعيه وسجنه داخل ذاته.

"أيها الأحمق هل تسمعني؟ هل أنت بخير؟!"

قالتها ونبرتها تحمل مزيجًا من الذعر والرجاء أخذت تصرخ لتوقظ فيه ما تبقّى من حياة.

لكن الصدى وحده أجابها.

بسرعةٍ يائسة مدّت يدها المرتجفة نحو صدغه وما إن لامسته حتى ارتدّت قليلًا... فجلده كان متوهجاً بحرارةٍ مرعبة كجمرةٍ دفنت تحت الرماد لكنها لا تزال تحترق.

الحُمّى كانت تشتعل فيه كحريقٍ داخلي يلتهم خلاياه بنهم أو كـَ سمّ يجري في عروقه كما يسري الليل في جسد المدينة.

شعرت به فتلك اللحظة القاتلة حين يفهم الجسد أنّه لم يعد يقاتل بل يُهاجم من الداخل، أجل إنها توقن تمامًا أنه قد التهب جرحه والسمّ بدأ يغرس أنيابه.

همست في نفسها والقلق ينهش عقلها:

"لو كان لديّ بعض الأموكسيسيلين... لو كنتُ فقط أملك أي مضاد حيوي لكان بإمكاني إنقاذه... لكن من أين لي بذلك في جزيرةٍ لا يسكنها سوى الصمت وبعض الأشباح!"

نظرت إليه ولم تعد ترى رجلاً فقط بل جسدًا يخوض حربًا دون سلاح ودون طبيب، ودون وعدٍ بالنجاة وهي الوحيدة التي تُمسك بخيط الحياة لكنه خيطٌ واهن على وشك أن ينقطع.

انحنت فوقه كما تنحني الصلاة فوق قبرٍ مفتوح تحدّق في ملامحه الممزقة بالألم كأنها تقرأ خارطة زمنٍ يوشك على الانتهاء.

شهقت بفزع فقد علمت من النظرة الأولى إلى وجهه أنه لا مهرب من القرار ولا فكاك من المجازفة فالحمّى تشتعل في عروقه مثل ثعبانٍ ناري يلتفّ حول قلبه، يضغط، يزأر ويهدّد بالانقضاض.

بأناملٍ مرتجفة كأنها تعزف على وتر الحذر بدأت تفكّ أزرار قميصه حتى يُبرد هواء الليل جسده المحموم فلا حياء حين يداهمك الموت.

الجلد تحت أصابعها بدا كورقةٍ محروقةٍ من كتابٍ منسيّ وحرارته أشبه بلهيبٍ هائج يحاول كسر حدود الجسد.

لكن... ما إن خفّ وهج الحمى قليلاً حتى داهمته ارتعاشة مفاجئة كأن أحدهم ألقاه وسط عاصفةٍ ثلجية في أقاصي الجحيم.

شفتاه المزرقّتان انفجرتا بتمتماتٍ لا يفهمها سوى من تحدّث بلغة الألم لكنه لفظها بوضوحٍ كافٍ ليهزّ قلبها:

"الطقس... بارد... ما عدتُ أشعر بأطرافي، ساعديني أرجوكِ"

اهتز ثباتها وهي تستمع إلى رجاءه فعضّت على شفتها بـ حيرة... كانت تلك اللحظة الفاصلة لا تقبل التردد إنه يحتضر.

أسرعت چوانا تدفع جسده الهزيل إلى قرب النار علّ وهجها يتسلل إليه لكن النار لم تكن أكثر من وهجٍ خادع إذ ظلّ جسده يرتجف كوترٍ ممزق.

"اللعنة..."

لفظتها كأنها تطرد بها كلّ ما بقي من منطق.

ثم وبلا تفكير انخلع من ذهنها أي ذرة تعقل ونزعت ملابسها بهدوء عاصفة على وشك الاجتياح ثم زحفت نحوه واستلقت بجواره تحتضنه بذراعيها تذيب المسافة بينه وبين الحياة.

لم تعد تفكّر لا في الحياء ولا في المنطق، فلم تهتم إن كان أحمقًا أو إن كان غريبًا جلّ ما كان يهمها أن تبقيه حيًا فإنقاذ حياةٍ ما في هذا العالم المجنون ربما يكون السبيل الوحيد لنجاتها...

راحت الأفكار تنخر في رأسها كالسوس الذي تختبئ بين شقوق الوعي:

"إن كانوا من حاولوا قتلي هم ذاتهم من جاءوا بي إلى هنا... فماذا تحاول عائلة الأسيوطي إخفاءه وتخشى أن أكشفه؟ وإن كان الأمر كذلك... فأنا لن أرحم."**

خدرُ الإرهاق بدأ يتسلل إلى أطرافها يُغشي وعيها رويدًا وفكرة واحدة سيطرت عليها ألا وهي حالما غرقت السفينة كانت في عرض البحر وعندما استفاقت وجدت نفسها هنا فلابد من وجود يد خفية تريد أن تعزلها عن العالم.

غفَت وهي لا تزال تحيط جسده بجسدها كأنها آخر مَن يحرس روحه من الانطفاء

لكن النوم ككل شيءٍ في هذه الجزيرة لم يكن هادئًا.

استفاقت فجأة على وقع خطواتٍ مبهمة تدقّ على الأرض خارج الكهف كأنها طبولٌ تُعلن الحرب.

اتسعت عيناها تحاول النهوض ولكن عضلاتها تيبّست كوترٍ مشدود على وشك الانقطاع.

"هل هناك أحد؟!"، السؤال كان أضعف من أن يُقال بصوت مسموع فجلست ترتجف من شدة الخوف تتلمّس الأرض إلى جانبها بحثاً عن ذلك الغريب الذي كانت تسعفه ليلة أمس لكن ما صدَمها لم يكن الخطوات بل الغياب، لقد اختفى

لكن سترت كانت فوقها مسدلة كغطاء نجاةٍ أُلقي من طائرةٍ تهوي.

نهضت بسرعة ترتدي ملابسها بارتباكٍ كمن يجهز حاله لجنازةٍ لا يعرف مَن الميت فيها.

أخذ قلبها يدق لا بل يعصف كأنها طبولُ معركةٍ على وشك أن تبدأ.

خطت خارج الكهف تتقدّم بحذر وكل ذرة في جسدها تصرخ، وقد غزت عقلها أفكار شتى تمتمت بها بخفوت:

"فإن كانوا هم من حاولوا قتلي... فكم من الدماء جفّت على أيديهم؟ وكم بقي لي من الوقت قبل أن أصبح أنا الضحية التالية؟"

حينما بلغت "چوانا" مشارف الكهف كان صدرها يعلو ويهبط كأشرعةٍ في مهبّ الإعصار، زنبضات قلبها تدقّ أبواب الغيب كأنما تهمس لها الأرواح بشيءٍ لم يُكتب بعد.

أمامها على مشارف الظلام كانت الجبال ترسم ملامح غولٍ نائم وفوق عتبة السواد وقف صفٌ من الحراس كأنهم أشباحٌ نُسجوا من عتمة يرتدون ثيابًا داكنة وفي الأفق البعيد ارتجفت السماء بنبضات مروحية تدور كما يدور قدرٌ غامض فوق رؤوسهم، وعلى مقربة من الكهف وقف قائد الحراس يُحادث رجلاً بدا وكأنه خرج لتوّه من رحم الموت ثم فجأة استدار الرجل.

كانت تلك اللحظة كأنها خلقت لأجلها فقط أول مرة تراه فيها بكامل ملامحه تحت ضوءٍ لا يخون.

وجهه الشاحب بدا كقمرٍ مثقوب وسامته لا تطمئن بل تثير ارتيابًا غريبًا في أحشائها وكأنها أمام لغزٍ نُحت من الجمال والخطر معًا.

لم يتحرك لكن وقوفه وحده كان يكفي لإشعال الرعب في الهواء كأنه ظلٌ تمرد على صاحبه أو سرٌ تحوّل إلى جسد وبالرغم من أنه بدا كأي رجل إلا أن شيئًا في حضوره كان يصرخ: "أنا لست منهم"... أسرارٌ تتلوى في ملامحه معانٍ لا تُقال وشظايا حياةٍ لا تُروى.

قالت في سرّها وقد اتسعت حدقتاها كمَن يشهد معجزة:

"إنه يتعافى بسرعة غير طبيعية وكأن جسده يرفض الموت."

همّت أن تتكلم أن تُخرج ما ظلّ عالقًا بين صدرها وحنجرتها غير أن صوته سبقها ناعمًا كالسّم بارداً كحدّ السكين يحمل بين طبقاته قسوة لا تُقال لكنها تُشعَر:

"ماذا تريدين؟"

تجمّدت الكلمات في حلقها كما لو أن السؤال كان سهمًا طائشًا أصابها في الروح.

. أجابت بدهشةٍ يملؤها الذهول:

"ماذا؟"

كان سؤاله أقرب إلى صفعة لا تُوجع الجسد بل تشتّت الفكر وتغرق الوعي في لجّة من الاحتمالات.

اقترب منها خطوة وبالرغم من أن صوته لم يرتفع لكنه كان ملأ الفضاء من حولها.

نظر إليها بعينين باردتين خاليتين من أي معنى أو دفء وقال بنبرة لا تحمل أثرًا للامتنان:

"لقد أنقذتِ حياتي... لذلك، سأمنحكِ أمنية، ماذا تريدين؟"

ارتبكت "چوانا" وتحوّلت كلمات الرجل إلى ومضات برقٍ تصدح في رأسها كأنّها صدى لرعدٍ لا يهدأ يضرب أعصابها بلا رحمة.

ثم وكأن شرارةً اندلعت في صدرها فانفجرت الكلمات من فمها كطلقة طائشة:

"يا له من جفاء! أنقذتك من فم الموت ولم تملك حتى أن توفيني حقي بكلمة شكر؟! حتى عرضك هذا يفوح بغطرسة فجة أيها الأحمق"

ما إن خرجت حروفها حتى عمّ الصمت كأن الزمن توقّف ليصغي، والتفتت عيون هؤلاء المصطفين خلفه كجيش دفاع نحوها يرمقونها بذهول وكل نظرة كانت أشبه بخنجرٍ يوشك أن يغوص في عنقها.

أعين الحراس لم تكن تنظر إلى وجهها بل إلى داخلها كأنهم يفتّشون في صدرها عن نوايا خفيّة أو جنونٍ طافح.

أما هو... ذلك الرجل الغريب فبقي جامدًا كتمثال حُفر في الرخام لا طرفة عين ولا رعشة في عضلة وجهه، لكن صوته انساب بعدها كنصلٍ بارد ينزلق على العنق:

"ستندمين... إن ضيّعتِ الفرصة."

تسرب الغضب في شرايينها كسمٍ دافئ لكن عقلها كان كربّانٍ يترنّح على متن مركبٍ متهالك وسط بحرٍ لا يعرف الرحمة، فقالت بتراجع:

"قاربي لن يصمد في هذه الأمواج... والبحر لا يعرف الشفقة."

صمتت للحظة فهي تعلم أن الحظ قد غادرها وتركها تواجه لعبة الحياة وحدها تلك اللعبة التي قد تنقلب في لحظة إلى مأساة لا رجعة منها.

ضغطت على أسنانها كأنها تحاول أن تقضم حيرتها ثم قالت بصوتٍ مكتوم:

"أعيدوني إلى المنزل."

رمقها الغريب بنظرة باردة عميقة كمن يرى في طلبها خيبة أو سذاجة لا تليق بالمكان.

"هذا كل شيء؟"

سؤاله كان كالسياط لا يجلد الجسد بل يجلد الطموح.

أجابت دون أن تبرق في عينيها أيّ رغبة فقط حاجة عميقة للهروب:

"هذا كل ما يهمني الآن... ربما فيما بعد سأُملي عليك أمنياتي"

أمنيتها الوحيدة التي ظلت تخبّئها خلف ضلوعها كانت بسيطة... النجاة من هذا الكابوس الحجري... أجل فجزيرةٌ مهجورة كتلك حتماً محاصرة بالأشباح بدت كقبرٍ مفتوح ينتظرها أن تستلقي فيه وقد آن لها أن تهرب قبل أن يُسدّ الغطاء.

نظر إليها مجددًا وهذه المرة لم يُخفِ سخريته كأنّه يرى طفلةً تظن نفسها قادرة على اقتحام نيران لعبة الكبار ثم التفت نحو المروحية بخطى بطيئة كل خطوة منه كأنها تصفع الأرض.

تبعته "چوانا" دون كلمة في صمتٍ يشبه انسحاب القمر خلف غيوم الشتاء.

***

مرّت ثلاث ساعات كأنها ثلاثة أعوام والمروحية تقاوم السماء تصارع رياحًا ملأى بالمجهول حتى بدت المدينة تحتهم كلوحة قديمة بُعثت من الرماد.

كانت السماء ملبدة كأنها تخبّئ شيئًا في قلبها.

"هل هذا هو المكان؟"

سألها الرجل ببرودٍ أشبه بصفعة جليدية وهو يشير إلى قصرٍ عتيق بدا كأثرٍ من زمنٍ مضى قابعًا وسط الغيوم كروحٍ تائهة ترفض الرحيل.

أجابت "چوانا" وصوتها متكسّر تحت ثقل الذكريات:

"أظن ذلك..."

كانت تحاول الإمساك بخيوط الذاكرة تلك التي تفلت دومًا من بين يديها، فهي لا تتذكر الكثير عن طفولتها فقط شذراتٍ ضبابية، صورًا مهشّمة كزجاجٍ طُعن بحجر... لكنها كانت كافية لتقودها إلى هذا المكان، هذا القصر الذي حمل ملامح العائلة التي اختفت من حياتها كما تختفي الشمس خلف الغروب.

من المفترض أن يكون هذا القصر لعائلة المفتي، لكن كل شيء قد تغيّر إذ أصبح ملكًا لرجلٍ واحد، رجلٌ لم يكلف نفسه عناء البحث عنها حين ابتلعتها العزلة لعشر سنوات كاملة، إنه والدها... رجلٌ جاحد صنع من الغياب وطنًا ومن الصمت إرثًا.

قطع الغريب السكون بأمرٍ حازم:

"أنزِلوا."

فأجابه الطيار على الفور كما لو أن الصمت نفسه انحنى:

"أوامرك سيدي، نحن على وشك الهبوط."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عشق خلق ملحمة "سلسلة قلوب تتناحر عشقًا"    ٨

    الفصل 8ابتسمت چوانا وجاء الرد كنسيمٍ خافت من الماضي:ــ «اسمي… ساني.»كان هذا الاسم هو اللقب الذي أطلقه عليها والداها بالتبني هدية من الخارج، رمز الانتماء الذي حملته معها طيلة حياتها.قال فهد بعد هدوءٍ قصير:ــ «فهمت… وما زلتِ لم تخبريني ما هي أمنيتك.»ولما أدركت چوانا إصرار الرجل الذي يحيط بكل كلمة بجدية لا تُقهر تلاعبت بالكلمات كراقصة على حافة المسرح:ــ «إذا كنت حقًا تريد أن ترد لي الجميل، فلماذا لا تتزوجني؟»تجمّد فهد لوهلة؛ كأنّ الهواء اختنق بين ضلوعه وارتسمت على وجهه تعابير متشابكة، لم تكن چوانا لتفكّ رموزها بسهولة ولتهدئة الجو المتوتّر تنحنحت چوانا بخفة وأكملت بنبرة مازحة:ــ «كنت أمزح فقط… على أي حال، انسَ الأمر… لا أحتاج إلى شيء حقًا.»فجأة قال فهد بصوت حازم يخلو من أي تردد:ــ «أستطيع فعل ذلك.»ارتجفت چوانا لحظة وصوتها خرج متقطّعًا بين الصدمة وعدم التصديق:ــ «ماذا؟ ماذا يمكنك أن تفعل؟»كان السؤال يعلو على وقع قلبها المتسارع بينما بقيت الكلمات معلّقة في الهواء بين جدية فهد ولعبة المزاح التي لم تكن تتوقع أن تتحوّل إلى وعدٍ يفوق الخيال.استعاد فهد رباطة جأشه وارتسم على وجهه ت

  • عشق خلق ملحمة "سلسلة قلوب تتناحر عشقًا"    ٧

    الفصل ٧كانت زينةُ شعرِها مبعثرةً كأحلامٍ أجهدها السهر وخصلاتُها المشعثة تتدلّى على وجنتين شاحبتين تلك التي خُلِقت لتكون بؤرة الضوء وبهجة المنصّة بدت كنجمةٍ انطفأ وهجها. ــ «شــروق!»دوّى صوت سوسن كصرخةِ فزعٍ مزّقت سكون القاعة واندفعت إلى المسرح ورغم القلق الذي كان يعصف بصدرها عصف الرياح بالأشرعة لم تنسَ أمر چوانا؛ فمالت بكتفها تدفعها جانبًا في حركةٍ خاطفة كأنها تُزيح ظلًّا عن شمسٍ تحتضر.كانت چوانا تنتعل حذاءً بكعبٍ شاهق، يعلو أربع بوصات تقف عند حافة المسرح المؤقت وقفةَ من يثق بالأرض وإن كانت رخوة لكن دفعة سوسن جاءت قويةً كقدرٍ مباغت، فاختلّ توازنها، وترنّحت خطواتها، وكادت تسقط من علٍ كطائرٍ خذله جناحه.في تلك اللحظة الفاصلة بين السقوط والنجاة، بين الألم والسلامة، تحرّكت چوانا بسرعةٍ غريزية؛ ومن ثم رفعت يديها تحيط رأسها بحمايةٍ يائسة وكأنها تعقد هدنةً مع الأرض قبل الاصطدام لتقلّل احتمالات ارتجاجٍ قد يعصف بوعيها غير أن المفاجأة كانت أسبق من الخوف… لم يلامس جسدها الخشب البارد ولم تستقبلها الأرض بقسوتها المعهودة بل أحاطت بها يدٌ قوية ثابتةٌ كجدارٍ من أمان تسند ظهرها بثقةٍ لا تعرف الترد

  • عشق خلق ملحمة "سلسلة قلوب تتناحر عشقًا"    ٦

    الفصل السادس جمال مذهلأطرقت چوانا برأسها تحاول أن تُخفي عاصفةً من المشاعر تدفّقت بين أضلعها كأنها موسيقى حزينة تعزفها أوتار قلبها ومن ثم رفعت طرف فستانها كمن تزيح الستار عن مشهدٍ مرتقب وبدأت تتهادى في مشيتها على درجات السُّلم بخطوات تحمل في خفّتها معنى التحدي وفي ثباتها شيئًا من الكبرياء المستتر.لم يرَ الضيوف وجهها أولًا... بل استقبلتهم قدماها النحيلتان كإعلان مبكّر عن أن الجمال قد قرر اليوم أن يمشي بينهم على الأرض.ضوء الثريا الكبير الذي انسدل كعرش من البلور فوق رؤوسهم انكسر على أصابع قدميها الرقيقة فأشعل لمعانها كما لو أن الملائكة قد قبّلت كاحليها الحريريين قبيل نزولها.كان هذا المشهد وحده كفيلًا بأن يبعثر خيال الحاضرين ويجعله يرتحل في مدارات من الدهشة والانبهار... ساقاها لم تكونا مجرد طرفين يحملان الجسد بل قصيدة تمشي نُسجت من التوازن والجاذبية والعنفوان.حتى شروق وبالرغم مما تحمله من نوايا خبيثة إلا أنها فوجئت بكمال التكوين، وحِدّة تأثيره وها هي ترمق بعض الرجال بنظرة جانبية فقرأت الإعجاب يلمع في أعينهم كأنها تُترجم لغة الصمت لكن ما أقلقها لم تكن مقلهم بل تلك العين الواحدة التي كا

  • عشق خلق ملحمة "سلسلة قلوب تتناحر عشقًا"    ٥

    الفصل 5قالت شروق، وقد ارتسم على شفتيها انحناءة خبيثة تُخفي خلفها نوايا لا يُستهان بها:"أي ثوبٍ فاخرٍ ذاك الذي تظنّ أنه سيُخفي جوهرها القرويّ؟! ستبقى فتاةً ساذجة مهما حاولت أن تتقمص دور النخبة!"لم يكن في قلبها ذرة خوف من أن يلومها هاني على سخريتها اللاذعة من چوانا بل على العكس كانت تتباهى في أعماقها أنها قد منحتها أثمن ما في خزانتها من فساتين. وكأنها تقول لنفسها في مزيج ساخر من الكرم والخُبث: "هي من اختارت أن تأتي هذه الليلة تحديداً لتفسد حفل عيد ميلادي فلا تلومنّ إلا جهلها بذوق المدينة!"ولم تكتفِ شروق بالفستان وحده بل دسّت بين خطوات چوانا عقبة أخرى؛ حذاء بكعبٍ عالٍ، يبلغ ارتفاعه أربع بوصات وكأنها أرادت أن تجعل من كل خطوةٍ تخطوها چوانا رقصة على خيط رفيع بين الأناقة والسقوط.ضحكت في سرّها قائلة:"أراهن أنها لم ترتدِ مثل هذا الحذاء في حياتها قط! حتماً سيخونها السلم... ستتعثّر وستتهاوى أمام أعين الجميع... يا للروعة!"أحست شروق بفخرٍ يكاد يُسْكرها، شعور بالدهاء كأنها على وشك أن تصفق لنفسها وسط التصفيق المتوقع من الحاضرين لا حبًا، بل شماتة.وتمتمت بنبرة مشبعة بالغلّ:"سيرى الجميع... سير

  • عشق خلق ملحمة "سلسلة قلوب تتناحر عشقًا"    ٤

    الفصل 4انتظرها وهو يراها تُسلم نفسها للقدر كما تسلّم زهرة ذابلة أوراقها للريح حتى تحوّلت في أعين الجميع إلى مشهدٍ هزليّ وكأنها ارتضت أن تكون أضحوكة محزنة أمام مسرح الأعين المتربّصة.خفض فهد نبرته وكأن صوته خرج من أعماق قلبه ولا يعرف السبب وراء سخطه لما يحدث معها، وقال:"هل هذه هي إرادتك الحقيقية؟ إن أردتِ سأمنحك أمنية أخرى لحياة مختلفة."رفعت چوانا حاجبيها في اندهاش لم تخفِه، ونظرت إليه كأنها تستجوب يقينه ثم قالت بسخرية مبطنة بحزنٍ عميق:"فرصة أخرى؟ أمنية أخرى؟ هل تظن نفسك جنيًّا خرج من مصباحي السحري؟"عمّ الصمت فجأة جراء تجاوزها بالحديث مع فهد الاقتصاد وسرت الدهشة كتيار كهربائي بين الحضور حتى شروق وسوسن تبادلتا نظرات حائرة تتساءلان بصمت:**ما الذي يحدث؟ هل يعرف هذا الفهد تلك المتشردة؟**ثبت فهد نظره في عينيها كما لو أنه يبحث عن شظايا عقل بات في طي النسيان إنها بلهاء حقاً لا تعرف وضعها بين هؤلاء، وقبل أن يتفوه بكلمة، قاطعه صوت هاني الذي اقتحم المشهد بابتسامة مصطنعة:"لقد أسعدتني رؤيتك سيد فهد! لماذا لم تخبرني بقدومك؟"أُسقِط في يد الحضور، وبدت علامات الذهول مرسومة على الوجوه، كأنما ن

  • عشق خلق ملحمة "سلسلة قلوب تتناحر عشقًا"    ٣

    الفصل الثالث**في قصر الأسيوطي...**تزين المكان كعروس ليلة زفافها؛ أضواء خافتة تتراقص على الجدران، موسيقى هادئة تنساب بين الزوايا وزهور نادرة تنبعث منها رائحة الأناقة والترف. كان كل ركن من أركان القصر يشهد على بذخٍ لا يعرف الاقتصاد طريقه فقد أُعدّ المكان للاحتفال بعيد ميلاد الأميرة المتوجة في عرش المال والجمال... شروق الأسيوطي.كانت شروق وكأنها نجمة انفلتت من مجرة تتألق بثوبٍ من أحدث التصاميم ينسدل على جسدها كالشفق على صفحة البحر تحيط بها زمرة من الوجوه اللامعة تتسابق في مدحها.قالت إحدى الحاضرات وعينيها تلمع بالدهشة: "شروق... فستانك ليس من هذه الأرض! كأنه مجرة درب التبانة نُسجت بالخيوط الفضية لتحتضنك."أضافت أخرى بنبرة ممزوجة بالغيرة والإعجاب: "هذا من إصدار أحدث صيحات الربيع للموضة، أليس كذلك؟ حاولت استئجاره دون جدوى... كيف لك أن تملكيه؟ لا عجب فأنت ابنة الأسيوطي، والدك كريم كما السماء!"اقتربت صبية ثالثة تهمس بشغفٍ في أذنها: "عيد ميلاد سعيد، يا نجمة الشاشة القادمة... سمعت أن مخرجًا عرض عليك دورًا بطولة؟ لا شك أنكِ ستغزين الساحة قريبًا... فقط لا تنسينا حين تصعدين إلى القمة."ق

  • عشق خلق ملحمة "سلسلة قلوب تتناحر عشقًا"    ١

    الفصل الأولها هي وحدها على جزيرة معزولة حيث لا أثر للحياة سوى صدى الرياح العاتية، السماء تمطر بغضب وكأنها تعاقب الأرض بقطرات أشبه بالرصاص المنهمر.ارتجفت الأمواج تحت وطأة العاصفة تعزف لحنًا جنائزيًا يشبه قرع الطبول في معركة لا تنتهي ووسط هذا الجحيم السماوي جلست چوانا ممسكةً بخنـ ـجرها تحفر بأنفاسه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status