로그인الفصل 4
انتظرها وهو يراها تُسلم نفسها للقدر كما تسلّم زهرة ذابلة أوراقها للريح حتى تحوّلت في أعين الجميع إلى مشهدٍ هزليّ وكأنها ارتضت أن تكون أضحوكة محزنة أمام مسرح الأعين المتربّصة. خفض فهد نبرته وكأن صوته خرج من أعماق قلبه ولا يعرف السبب وراء سخطه لما يحدث معها، وقال: "هل هذه هي إرادتك الحقيقية؟ إن أردتِ سأمنحك أمنية أخرى لحياة مختلفة." رفعت چوانا حاجبيها في اندهاش لم تخفِه، ونظرت إليه كأنها تستجوب يقينه ثم قالت بسخرية مبطنة بحزنٍ عميق: "فرصة أخرى؟ أمنية أخرى؟ هل تظن نفسك جنيًّا خرج من مصباحي السحري؟" عمّ الصمت فجأة جراء تجاوزها بالحديث مع فهد الاقتصاد وسرت الدهشة كتيار كهربائي بين الحضور حتى شروق وسوسن تبادلتا نظرات حائرة تتساءلان بصمت: **ما الذي يحدث؟ هل يعرف هذا الفهد تلك المتشردة؟** ثبت فهد نظره في عينيها كما لو أنه يبحث عن شظايا عقل بات في طي النسيان إنها بلهاء حقاً لا تعرف وضعها بين هؤلاء، وقبل أن يتفوه بكلمة، قاطعه صوت هاني الذي اقتحم المشهد بابتسامة مصطنعة: "لقد أسعدتني رؤيتك سيد فهد! لماذا لم تخبرني بقدومك؟" أُسقِط في يد الحضور، وبدت علامات الذهول مرسومة على الوجوه، كأنما نُزعت أقنعتهم دفعة واحدة. بينما أغمضت سوسن عينيها بتوجس عاجزة عن تصور ما ستؤول إليه الأمور إذ اتضح عدم معرفة فهد لزوجها وسيتكرر نفس المشهد السخيف الذي حدث معها ومع ابنتها منذ قليل... وتمتمت في سرها بأعين متحلقة: **ما الذي يحدث بحق السماء؟** بدأ هاني يستشعر خللاً في الجو، نظرات الناس، الصمت المطبق، وجود فهد المتوتر... تجول بعينيه حتى وقعتا على چوانا، وفجأة تقلّصت ملامحه كمن ابتلع مرارة النسيان. استدار إلى شروق وسألها بامتعاضٍ ظاهر: "لماذا أحضرتِ متسولة إلى حفل عيد ميلادك؟ أخرجيها فورًا!" تجمدت شروق وإن كانت في أعماقها تتلذذ بتلك الفوضى لكنها حاولت التبرير بصوت مرتجف: "أبي... إنها..." لكن چوانا كانت أسرع تقدّمت خطوة وحدّقت فيه قائلة: "أبي؟... ألا تتذكّرني؟ أنا چانا!" ذاك الاسم القديم "چانا" خرج من فمها كصرخة مكتومة من الماضي جعلت هاني يرفع حاجبيه في صدمة كمن لسعته الحقيقة: "چا... چوانا؟" أومأت برأسها وخطت نحوه خطواتٍ ثقيلة كأنها تعبر حقولًا من الأشواك: "نعم يا أبي... أنا چوانا." كانت ذاكرتها ثقوبًا من الغموض، لم تتذكر شيئًا بوضوح منذ عقدٍ من الزمن لكنها لم تنسَ ملامح هذا الوجه. ترنّح هاني كأن الأرض اهتزت تحت قدميه، وبدا كمن رأى شبحًا يخرج من تابوت أسراره. الخوف نُقش على وجهه خيطٌ من العرق انحدر على جبينه وتكهربت أطرافه من الذهول وقد خشى أن يفتضح أمر ما فعله معها. أما چوانا فأدركت تمامًا ما يدور في خلده فابتسمت ابتسامة عتيقة وقالت بصوتٍ مغمور بالشوق: "لم نلتقِ منذ سنوات طويلة... اشتقت إليك كثيرًا." لم يستطع هاني التفوّه بحرف بل اكتفى بوضع يده المرتجفة على كتفها وتظاهر بابتسامة باردة: "مرحبًا بعودتك صغيرتي... لكن ما الذي حدث لكِ وللسيد فهد؟ أنتما تبدوان... في حالة مزرية." بدأ الحاضرون يلتفتون فجأة إلى ملابس فهد المبللة فقد كانوا منشغلين بحضوره المهيب عن مظهره الخارجي. أما شروق فقد رمقت چوانا وفهد بنظرة مشوشة تتقاذفها الأسئلة: **هل هناك شيء خفي بينهما؟** **هل يُعقل أن يقع فهد في حب فتاة قروية؟ هذا مستحيل... إلا إذا كان قد فقد بصره!** وسرعان ما شعرت سوسن بأن الأجواء أصبحت خانقة فبادرت بكلمات تنقذ الموقف: "أعتقد أن السيد فهد هو من أحضر چوانا إلى هنا." قالتها بنبرة توحي بالتقدير كأنها تفرش بساطًا لفهد أمام أعين هاني. "حقًا؟" قالها هاني بإنتشاء وبدت ملامحه ترتخي شيئًا فشيئًا وتحولت النظرة في عينيه من اشمئزاز إلى تفكيرٍ استراتيجي. **فتاة صغيرة، فاقدة لدفء العائلة، عائدة من النسيان... هل تجهل ما فعلناه بها؟**، وتقاذفته الأفكار وهو يرسم قصور في الأحلام: **تخيل فقط كم يمكننا الاستفادة إن استطعنا استغلالها للتقرب من فهد.** تفتّحت ابتسامته فجأة كزهرة مسمومة واستدار نحو فهد قائلاً: "إذن أنت صديق چوانا؟ نشكرك على إعادتك لها... وإن لم يكن لديك مانع، هل ترغب بالبقاء معنا؟ ربما تغيير ملابسك ثم نتناول العشاء سويًّا؟" وأضافت سوسن بنعومة مفرطة: "أوه، نعم... لدينا خزانة عامرة بالملابس النظيفة لضيوفنا المميزين." راود فهد رغبة جامحة في الرفض إذ أخذ كبرياؤه يصرخ داخله رافضًا هذا العرض المغلف بالمجاملات المصطنعة إلا أن جسده لم يعد يحتمل البلل الذي التصق بجلده كجلدٍ ثانٍ باردٌ وثقيل كأنما يحمل على كتفيه ذكريات ليلة خريفية عالقة فوق أمواجٍ راكدة. ولأنه لم ينطق برفضٍ صريح تقدّم هاني نحوه بخفةٍ مريبة ومدّ يده مشيرًا إلى ممرٍ داخلي يؤدي إلى غرفة الضيوف ثم اقترب من سوسن وهمس في أذنها بصوتٍ يقطر خبثًا: "نظّفي چوانا أيضًا." كانت الهمسة أقرب إلى أمرٍ منه إلى رجاء وفهمت سوسن دون حاجة إلى تفسير ما يريده منها بالضبط... فعشرة أعوامٍ من الزواج علمتها أن تقرأ في ملامحه أكثر مما تنطق به شفاهه... فقد رأته بنظرة واحدة يرمق چوانا كما ينظر الصيّاد إلى طريدةٍ مبهورة بالضوء. نعم... أبوها لا يريدها لذاتها بل لما تمثّله... وهي بالنسبة إليه الآن مفتاحٌ قد يفتح له أبواب النفوذ في بيت الأسيوطي، البيت الذي طالما ظلّ بعيدًا عنه كالحلم المستحيل. **اللعنة! لمَ تُنبت الحياة الزهر على أطراف أقدام چوانا بينما تُلقي على ابنتي الصخور؟** كان الغل يتأجج في صدر سوسن كما يتأجج الحطب تحت الرماد... تذكّرت أمّ چوانا، تلك المرأة التي اضطهدتها سوسن ذات يوم حين كانت الحياة لا تقف في صفّ الضعفاء وتوعدت في صمتٍ قاتم: **لن أسمح لابنتها بأن تتجاوز ابنتي حتى ولو اضطررتُ لدهسها تحت قدمي.** لكنها مع ذلك أومأت برأسها لهاني بابتسامة مزيّفة ثم تحوّلت إلى ممثلة بارعة وارتدت القناع الذي اعتادت أن ترتديه حينما تقتضي اللعبة ذلك. استدعت سوسن شروق جانبًا وهمست لها: "خذيها إلى الحمّام... إنها أختك الكبرى الآن... فكوني لطيفة معها." كان للصوت نبرة مصطنعة من الحنان لكنها تحمل بين السطور سيفًا خفيًا. وبالتبعية قد فهمت شروق الرسالة المطمسة، وقرأت ما وراء الكلمات كما تقرأ ساحرة مخضرمة طلاسم مدفونة في جلد كتابٍ متهالك. استدارت شروق وابتسمت بعينٍ تحمل المكر أكثر من الدفء: "مرحبًا، چوانا... لنذهب إلى الحمام، ما رأيك؟" أما عن چوانا التي كانت تحدّق فيهما وكأنها تتلمّس حنانًا ضائعًا منذ زمن شعرت أن شيئًا في هذا المشهد لا يُقنع لكن قلبها الذي أرهقه التيه أراد أن يصدق ولو لمجرد لحظة. ابتسمت چوانا في استسلامٍ هادئ وقالت: "حسنًا..." ثم مدّت يدها إلى شروق فتشابكت الأصابع المترددة وسار الثلاثي نحو عتبة القصر كأنما يعبرن من بوابة عالمٍ لا تشبه خرائطه أبدًا ما عرفته من قبل. القصر ابتلعهم ببطء كأنه شبح فاغر فمه لابتلاع فصلٍ جديد من الحكاية... لكن في زوايا الظلال كانت النوايا تهمس بما لم تُقل كلماته بعد. في الطابق السفلي ووسط أضواء الشموع المعلقة والثريات التي تنثر بريقها على أعين الحاضرين استمرت الهمسات بالتحرك مثل دخانٍ يتسلل بين المقاعد المخملية. أخذ الضيوف يرمقون بعضهم بنظراتٍ متوجسة، يحاولون فك لغز وجود فهد الفيومي بينهم وكأن حضوره كسر فيهم التوقع وانبثق من فراغ لم يعتدوه. ومهما كان السبب... فقد أصبح من الواضح كالشمس في كبد السماء أنّ الاحترام الواجب لعائلة الفيومي لم يعد خيارًا بل صار فرضًا لا يقبل الجدل. في الطابق العلوي وتحديدًا في غرفة الضيوف التي تفوح منها رائحة الخزامى القديمة وقفت شروق عند الباب وقالت بنبرةٍ مصطنعة الدفء: "يمكنك البقاء هنا مؤقتًا ريثما ننظف غرفتك... هناك مستلزمات الاستحمام على الرف الخاص بالمرحاض وسأجلب لك فستانًا يلائمك." أجابت چوانا بودٍ هادئ: "شكرًا لكِ... هذا لطفٌ منك." استدارت شروق ثم توقفت فجأة كمن تذكّر أمرًا طارئًا وقالت بنبرة أقرب إلى المعلّمة منها إلى الأخت: "أوه... قبل أن أنسى، هل تعلمين كيف يُستخدم سخّان المياه؟ لا حاجة لكِ بتعديله فقد ثبتنا حرارته." كان صوتها ناعمًا لكن عينيها لم تتمكنا من إخفاء ذلك الوميض المتعالي الذي ينسل من بين رموشها كخنجرٍ مطلي بالسكر. لم تُعلّق چوانا على تلك النظرة بل ردّت بابتسامةٍ ملؤها البراءة: "أجل، شكرًا لكِ." لكن في داخلها كان هناك صوتٌ ساخر يتمتم: **أحقًا تظنين أنني لا أعرف كيف أستحم؟** قالت شروق وهي تبتسم: "رائع... سأحضر الفستان الآن." وما إن أغلقت الباب خلفها حتى اختفت تلك الابتسامة كما يذوب الزيف تحت لهب الحقيقة... سحبت منديلاً حريرياً من حقيبتها ومسحت به يديها في حركة تنضح بالاشمئزاز ثم رمته على الأرض كمن يلقي بشيء نجس... تتمتم بضغينة: **رائحتها منفرة، جسدها منفّر، حتى حضورها يحمل رجفة من القذارة... كيف يمكن لفهد أن يصطحب معه امرأة كهذه؟ لا بد أنها زلة عابرة.** وفي الناحية الأخرى من الباب كانت چوانا قد بدأت تغرق في نعيم الماء الدافئ ذلك الذي انساب على جسدها كما ينساب الحنين في ليلة اشتياق. قطرات الماء كانت تمحو طبقات الغبار المتراكمة على جلدها لا كأوساخ جسدية فقط بل كأنها تغسل منها آثار العزلة والجزيرة، والخوف. بيدها مسحت وجهها ببطء وفي كل لمسة كانت تُزيح جزءًا من تلك الغربة التي علقت بها... فظهرت بشرتها كصفحة من عاج، ملساء، شفافة، تشبه السحر حين يتحوّل إلى ملامح. وجهها الذي كان مغطى بالعرق والرمال بدا الآن كوجه جنية خرجت لتوها من حكاية خرافية. بعد عشر دقائق جاء الطَرق الخفيف على الباب، تلاه صوت شروق: "چوانا هل تفتحين الباب من فضلك؟ جلبت لك الفستان... ووضعت زوجًا من الأحذية ذات الكعب العالي قرب العتبة يمكنك ارتداؤهما لاحقًا." أجابت چوانا: "شكرًا.. فقط لحظة." فتحت الباب قليلًا ومن ثم مدّت يدها بخفة وتسلّمت الفستان دون أن تلاحظ تلك اللمعة المسمومة في عيني شروق... فقد كان الفستان من تصميم "غوتشي" أنيقٌ ببساطةٍ قاتلة مصنوع من قماشٍ يسيل فوق الجسد كالماء بتصميم لا يليق إلا بمن يملكن قوام الساعة الرملية المثالية، تلك التي تجمع بين النحافة والأنوثة المتدفقة... وشروق رغم محاولاتها الدائمة لم تستطع يومًا ارتداء ذلك الفستان؛ كتفاها العريضان وغياب عظام الترقوة جعلا منه حلمًا معلقًا في خزانتها يقطر حسرةً كلما نظرت إليه. **والآن، ستهديه لچوانا؟ لا.. إنها لا تهدى... إنها تقدم فخًا مغلفًا بالحرير.** تمتمت شروق لنفسها بشفاه مطلية بابتسامة شيطانية: "ما إن تخرج تلك القروية القذرة بهذا الفستان حتى تلتهمها نظرات الضحك... والضيوف سيتسلّون بها كما يتسلى الأطفال بالفزّاعة." ثم ابتعدت وداخلها شعور لزج بالانتصار... غافلة عما قد يحدث.....الفصل 8ابتسمت چوانا وجاء الرد كنسيمٍ خافت من الماضي:ــ «اسمي… ساني.»كان هذا الاسم هو اللقب الذي أطلقه عليها والداها بالتبني هدية من الخارج، رمز الانتماء الذي حملته معها طيلة حياتها.قال فهد بعد هدوءٍ قصير:ــ «فهمت… وما زلتِ لم تخبريني ما هي أمنيتك.»ولما أدركت چوانا إصرار الرجل الذي يحيط بكل كلمة بجدية لا تُقهر تلاعبت بالكلمات كراقصة على حافة المسرح:ــ «إذا كنت حقًا تريد أن ترد لي الجميل، فلماذا لا تتزوجني؟»تجمّد فهد لوهلة؛ كأنّ الهواء اختنق بين ضلوعه وارتسمت على وجهه تعابير متشابكة، لم تكن چوانا لتفكّ رموزها بسهولة ولتهدئة الجو المتوتّر تنحنحت چوانا بخفة وأكملت بنبرة مازحة:ــ «كنت أمزح فقط… على أي حال، انسَ الأمر… لا أحتاج إلى شيء حقًا.»فجأة قال فهد بصوت حازم يخلو من أي تردد:ــ «أستطيع فعل ذلك.»ارتجفت چوانا لحظة وصوتها خرج متقطّعًا بين الصدمة وعدم التصديق:ــ «ماذا؟ ماذا يمكنك أن تفعل؟»كان السؤال يعلو على وقع قلبها المتسارع بينما بقيت الكلمات معلّقة في الهواء بين جدية فهد ولعبة المزاح التي لم تكن تتوقع أن تتحوّل إلى وعدٍ يفوق الخيال.استعاد فهد رباطة جأشه وارتسم على وجهه ت
الفصل ٧كانت زينةُ شعرِها مبعثرةً كأحلامٍ أجهدها السهر وخصلاتُها المشعثة تتدلّى على وجنتين شاحبتين تلك التي خُلِقت لتكون بؤرة الضوء وبهجة المنصّة بدت كنجمةٍ انطفأ وهجها. ــ «شــروق!»دوّى صوت سوسن كصرخةِ فزعٍ مزّقت سكون القاعة واندفعت إلى المسرح ورغم القلق الذي كان يعصف بصدرها عصف الرياح بالأشرعة لم تنسَ أمر چوانا؛ فمالت بكتفها تدفعها جانبًا في حركةٍ خاطفة كأنها تُزيح ظلًّا عن شمسٍ تحتضر.كانت چوانا تنتعل حذاءً بكعبٍ شاهق، يعلو أربع بوصات تقف عند حافة المسرح المؤقت وقفةَ من يثق بالأرض وإن كانت رخوة لكن دفعة سوسن جاءت قويةً كقدرٍ مباغت، فاختلّ توازنها، وترنّحت خطواتها، وكادت تسقط من علٍ كطائرٍ خذله جناحه.في تلك اللحظة الفاصلة بين السقوط والنجاة، بين الألم والسلامة، تحرّكت چوانا بسرعةٍ غريزية؛ ومن ثم رفعت يديها تحيط رأسها بحمايةٍ يائسة وكأنها تعقد هدنةً مع الأرض قبل الاصطدام لتقلّل احتمالات ارتجاجٍ قد يعصف بوعيها غير أن المفاجأة كانت أسبق من الخوف… لم يلامس جسدها الخشب البارد ولم تستقبلها الأرض بقسوتها المعهودة بل أحاطت بها يدٌ قوية ثابتةٌ كجدارٍ من أمان تسند ظهرها بثقةٍ لا تعرف الترد
الفصل السادس جمال مذهلأطرقت چوانا برأسها تحاول أن تُخفي عاصفةً من المشاعر تدفّقت بين أضلعها كأنها موسيقى حزينة تعزفها أوتار قلبها ومن ثم رفعت طرف فستانها كمن تزيح الستار عن مشهدٍ مرتقب وبدأت تتهادى في مشيتها على درجات السُّلم بخطوات تحمل في خفّتها معنى التحدي وفي ثباتها شيئًا من الكبرياء المستتر.لم يرَ الضيوف وجهها أولًا... بل استقبلتهم قدماها النحيلتان كإعلان مبكّر عن أن الجمال قد قرر اليوم أن يمشي بينهم على الأرض.ضوء الثريا الكبير الذي انسدل كعرش من البلور فوق رؤوسهم انكسر على أصابع قدميها الرقيقة فأشعل لمعانها كما لو أن الملائكة قد قبّلت كاحليها الحريريين قبيل نزولها.كان هذا المشهد وحده كفيلًا بأن يبعثر خيال الحاضرين ويجعله يرتحل في مدارات من الدهشة والانبهار... ساقاها لم تكونا مجرد طرفين يحملان الجسد بل قصيدة تمشي نُسجت من التوازن والجاذبية والعنفوان.حتى شروق وبالرغم مما تحمله من نوايا خبيثة إلا أنها فوجئت بكمال التكوين، وحِدّة تأثيره وها هي ترمق بعض الرجال بنظرة جانبية فقرأت الإعجاب يلمع في أعينهم كأنها تُترجم لغة الصمت لكن ما أقلقها لم تكن مقلهم بل تلك العين الواحدة التي كا
الفصل 5قالت شروق، وقد ارتسم على شفتيها انحناءة خبيثة تُخفي خلفها نوايا لا يُستهان بها:"أي ثوبٍ فاخرٍ ذاك الذي تظنّ أنه سيُخفي جوهرها القرويّ؟! ستبقى فتاةً ساذجة مهما حاولت أن تتقمص دور النخبة!"لم يكن في قلبها ذرة خوف من أن يلومها هاني على سخريتها اللاذعة من چوانا بل على العكس كانت تتباهى في أعماقها أنها قد منحتها أثمن ما في خزانتها من فساتين. وكأنها تقول لنفسها في مزيج ساخر من الكرم والخُبث: "هي من اختارت أن تأتي هذه الليلة تحديداً لتفسد حفل عيد ميلادي فلا تلومنّ إلا جهلها بذوق المدينة!"ولم تكتفِ شروق بالفستان وحده بل دسّت بين خطوات چوانا عقبة أخرى؛ حذاء بكعبٍ عالٍ، يبلغ ارتفاعه أربع بوصات وكأنها أرادت أن تجعل من كل خطوةٍ تخطوها چوانا رقصة على خيط رفيع بين الأناقة والسقوط.ضحكت في سرّها قائلة:"أراهن أنها لم ترتدِ مثل هذا الحذاء في حياتها قط! حتماً سيخونها السلم... ستتعثّر وستتهاوى أمام أعين الجميع... يا للروعة!"أحست شروق بفخرٍ يكاد يُسْكرها، شعور بالدهاء كأنها على وشك أن تصفق لنفسها وسط التصفيق المتوقع من الحاضرين لا حبًا، بل شماتة.وتمتمت بنبرة مشبعة بالغلّ:"سيرى الجميع... سير
الفصل 4انتظرها وهو يراها تُسلم نفسها للقدر كما تسلّم زهرة ذابلة أوراقها للريح حتى تحوّلت في أعين الجميع إلى مشهدٍ هزليّ وكأنها ارتضت أن تكون أضحوكة محزنة أمام مسرح الأعين المتربّصة.خفض فهد نبرته وكأن صوته خرج من أعماق قلبه ولا يعرف السبب وراء سخطه لما يحدث معها، وقال:"هل هذه هي إرادتك الحقيقية؟ إن أردتِ سأمنحك أمنية أخرى لحياة مختلفة."رفعت چوانا حاجبيها في اندهاش لم تخفِه، ونظرت إليه كأنها تستجوب يقينه ثم قالت بسخرية مبطنة بحزنٍ عميق:"فرصة أخرى؟ أمنية أخرى؟ هل تظن نفسك جنيًّا خرج من مصباحي السحري؟"عمّ الصمت فجأة جراء تجاوزها بالحديث مع فهد الاقتصاد وسرت الدهشة كتيار كهربائي بين الحضور حتى شروق وسوسن تبادلتا نظرات حائرة تتساءلان بصمت:**ما الذي يحدث؟ هل يعرف هذا الفهد تلك المتشردة؟**ثبت فهد نظره في عينيها كما لو أنه يبحث عن شظايا عقل بات في طي النسيان إنها بلهاء حقاً لا تعرف وضعها بين هؤلاء، وقبل أن يتفوه بكلمة، قاطعه صوت هاني الذي اقتحم المشهد بابتسامة مصطنعة:"لقد أسعدتني رؤيتك سيد فهد! لماذا لم تخبرني بقدومك؟"أُسقِط في يد الحضور، وبدت علامات الذهول مرسومة على الوجوه، كأنما ن
الفصل الثالث**في قصر الأسيوطي...**تزين المكان كعروس ليلة زفافها؛ أضواء خافتة تتراقص على الجدران، موسيقى هادئة تنساب بين الزوايا وزهور نادرة تنبعث منها رائحة الأناقة والترف. كان كل ركن من أركان القصر يشهد على بذخٍ لا يعرف الاقتصاد طريقه فقد أُعدّ المكان للاحتفال بعيد ميلاد الأميرة المتوجة في عرش المال والجمال... شروق الأسيوطي.كانت شروق وكأنها نجمة انفلتت من مجرة تتألق بثوبٍ من أحدث التصاميم ينسدل على جسدها كالشفق على صفحة البحر تحيط بها زمرة من الوجوه اللامعة تتسابق في مدحها.قالت إحدى الحاضرات وعينيها تلمع بالدهشة: "شروق... فستانك ليس من هذه الأرض! كأنه مجرة درب التبانة نُسجت بالخيوط الفضية لتحتضنك."أضافت أخرى بنبرة ممزوجة بالغيرة والإعجاب: "هذا من إصدار أحدث صيحات الربيع للموضة، أليس كذلك؟ حاولت استئجاره دون جدوى... كيف لك أن تملكيه؟ لا عجب فأنت ابنة الأسيوطي، والدك كريم كما السماء!"اقتربت صبية ثالثة تهمس بشغفٍ في أذنها: "عيد ميلاد سعيد، يا نجمة الشاشة القادمة... سمعت أن مخرجًا عرض عليك دورًا بطولة؟ لا شك أنكِ ستغزين الساحة قريبًا... فقط لا تنسينا حين تصعدين إلى القمة."ق
الفصل الثاني كان الليل قد أسدل عباءته الثقيلة على الكهف الذي لم يُسمع فيه سوى أنفاسٍ متقطعة تحاول الهروب من جدران الصمت. استلقى الاثنان على جانبي الكهف وكلٌّ منهما غارقٌ في شرنقة أفكاره كأنما ابتلعتهما عوالمٌ متوازية لا يجمعها سوى ظلمة واحدة. ثم... شقّ السكون أنينٌ خافت كنبضةٍ مختنقة أو صرخةٍ مك
الفصل الأولها هي وحدها على جزيرة معزولة حيث لا أثر للحياة سوى صدى الرياح العاتية، السماء تمطر بغضب وكأنها تعاقب الأرض بقطرات أشبه بالرصاص المنهمر.ارتجفت الأمواج تحت وطأة العاصفة تعزف لحنًا جنائزيًا يشبه قرع الطبول في معركة لا تنتهي ووسط هذا الجحيم السماوي جلست چوانا ممسكةً بخنـ ـجرها تحفر بأنفاسه







