Share

٣

last update publish date: 2026-04-10 20:26:48

الفصل الثالث

**في قصر الأسيوطي...**

تزين المكان كعروس ليلة زفافها؛ أضواء خافتة تتراقص على الجدران، موسيقى هادئة تنساب بين الزوايا وزهور نادرة تنبعث منها رائحة الأناقة والترف.

كان كل ركن من أركان القصر يشهد على بذخٍ لا يعرف الاقتصاد طريقه فقد أُعدّ المكان للاحتفال بعيد ميلاد الأميرة المتوجة في عرش المال والجمال... شروق الأسيوطي.

كانت شروق وكأنها نجمة انفلتت من مجرة تتألق بثوبٍ من أحدث التصاميم ينسدل على جسدها كالشفق على صفحة البحر تحيط بها زمرة من الوجوه اللامعة تتسابق في مدحها.

قالت إحدى الحاضرات وعينيها تلمع بالدهشة: 

"شروق... فستانك ليس من هذه الأرض! كأنه مجرة درب التبانة نُسجت بالخيوط الفضية لتحتضنك."

أضافت أخرى بنبرة ممزوجة بالغيرة والإعجاب: 

"هذا من إصدار أحدث صيحات الربيع للموضة، أليس كذلك؟ حاولت استئجاره دون جدوى... كيف لك أن تملكيه؟ لا عجب فأنت ابنة الأسيوطي، والدك كريم كما السماء!"

اقتربت صبية ثالثة تهمس بشغفٍ في أذنها: 

"عيد ميلاد سعيد، يا نجمة الشاشة القادمة... سمعت أن مخرجًا عرض عليك دورًا بطولة؟ لا شك أنكِ ستغزين الساحة قريبًا... فقط لا تنسينا حين تصعدين إلى القمة."

قهقهت أخرى بلهجة ساخرة تخفي الغيرة خلف قناع الود: 

"ومن يحتاج لصناعة الترفيه أصلًا؟ شروق لا تمثل هي ببساطة تضيء! شهرتها قدر لا سعي."

ابتسمت شروق وعيونها تخفي نيران الغرور خلف سحب الامتنان وقالت برقة مدروسة: 

"أشكركن... سأذهب لأتفقد أمر الكعكة يبدو أنها تأخرت."

وفي طريق عودتها إلى الداخل كادت تصطدم بوالدته السيدة سوسن، التي كانت تهمّ بالخروج كأنها تلاحق هاجسًا لا يهدأ.

همست شروق وهي تقترب: 

"أمي... هل عاد الرجال الذين أرسلتهم؟ اليوم عيد ميلادي العشرون ولا أريد لأحد أن يهمس بأن في عائلتنا فتاة اختطفها تجار البشر... هذا سيلطخ اسم العائلة ويطفئ وهج الصورة التي رسمناها أمام الجميع."

نظرت سوسن إلى ابنتها بحنانٍ مصطنع وراحت تزيل خيطًا وهميًا من على تنورتها وكأنها تمسح ذكرى لا ترغب في عودتها ثم قالت بهدوء لاذع: 

"غياب الأخبار راحة، اطمئني فهي أبداً لن تعود فقد باعوها إلى قرية بعيدة تجهل اسمها الخرائط، وما الذي يمكن أن تفعله فتاة مثلها الآن؟"

أومأت شروق برأسها غير أن ومضة خفية من الأمل لمعت في عينيها، أملٌ خجول لا لعودة الفتاة بل لليوم الذي تستطيع فيه أن تنظر في عينيها وتهمس:

*أنا من تنتمي لهذا العرش لا أنت.*

وفجأة قطع الصمت صراخ مدبرة المنزل وهي تندفع كالإعصار من الخارج:

"سيدتي سوسن! مروحية... مروحية آل الدريني هبطت في الحديقة!"

شهقت شروق وعيناها اشتعلتا ببريق الذهول: 

"آل الدريني؟ أمي! هل... هل يُعقل أن يكون فهد الدريني نفسه؟!"

انكمشت ملامح سوسن من الدهشة لكنها لم تستطع إخفاء ارتعاشة الفرحة خلف وقارها الزائف فرغم أن عائلة الأسيوطي تملك واحدة من أضخم شركات الشرق الأوسط إلا أن اسم "الدريني" كان كالعاصفة... عالميّ الحضور يسبقه الصيت وتتبعه السطوة.

وفهد؟ وريثهم المدلل نجم المال والسلطة، شخص لا يهوى الحضور إلا حيث تهمه الخطوة.

قالت سوسن وهي تحاول استجماع رصانتها: 

"ربما... ربما جاء من أجل الصفقة لا أكثر."

لكن في عينيها ولأول مرة منذ سنين اشتعل الأمل فإن استطاعوا ربط اسم الأسيوطي بـ"الدريني" فقد دخلوا العصر الذهبي لعائلات النخبة.

أمسكت سوسن بيد شروق وتوجّهتا إلى المرآة لإلقاء نظرة أخيرة لترتبا بقايا الأناقة كمن يستعد لاستقبال القدر ثم اندفعتا معًا نحو الحديقة وقلباهما يخفقا بما يشبه... **بداية رواية جديدة.**

**في ساحة القصر الخلفية فوق العشب الذي بدا وكأنه بساط زمردي نُسج من دموع الندى**

كانت مجموعة من الأثرياء الجدد قد تزاحموا كالنحل حول زهرة ندية... وجوههم تلمع تحت الأضواء، تفيض بالفضول والتظاهر وكأنهم في مسابقة لاصطياد الأضواء أو خطف صورة تذكارية من مجدٍ لا يخصهم.

وفجأة كما لو أن الزمن توقف للحظة إذ اقتربت شروق الأسيوطي بخطى واثقة تتهادى كأنها قصيدة تمشي فوق الأرض.

تجمعت الشخصيات البارزة حولها بعيونٍ تغلي خلف بريق الإعجاب، تُخفي سموم الغيرة في قوارير المديح.

قالت إحداهن وهي ترفع حاجبيها بدهشة:

"شروق! هل دعوتِ عائلة الدريني حقًا؟ أنتِ مذهلة... لا، أنتِ خارقة."

وأضافت أخرى بصوتٍ يحمل في طياته الغيرة أكثر من الإطراء:

"لو علمتُ بهذا مسبقًا... كنت استعنت بخبيرة تجميل من باريس نفسها! كيف تتركينني في وجه هذا الحدث وأنا هكذا؟"

ابتسمت شروق... ابتسامة كالسراب خادعة لا طعم فيها سوى الزيف.

**لكن في داخلها؟**

سخرت كأنها تضحك من سذاجة العالم تقول بتعالٍ:

"عائلة الدريني هنا لأجلي أنا، لا من أجلكم، هل تعتقدين أن فهد الدريني جاء ليشاهد مكياجك؟ لقد رآني... حين حضرت حفلتهم الشهر الماضي، رأى فيّ شيئًا لم تره فيك المرايا طوال عمرك... رأى سيدة المستقبل... السيدة فهد الدريني."

وفي تلك اللحظة المتوهجة بالتكهنات دوى صوت المروحية فوق رؤوسهم كأنها أجنحة قدرٍ لا يعرف الرحمة، وببطءٍ مهيب فُتِح بابها كأن الزمن ذاته يُشرِع بوابة الأسرار.

كل الأنفاس احتبست، كل القلوب رفرفت كفراشات مذعورة لكن من خرج لم يكن فارسًا في بدلة رسمية بل كانت **امرأة...**

امرأة نحيلة ظهرت تخطو من فم المروحية كمن خرجت من بطن الليل ذاته بملابس ممزقة ووجه مغطى بطبقات من الغبار والحكايات المؤلمة.

شعرها متشابك كالأسرار، وعيناها تقطران أسئلة بلا أجوبة.

تجمد الجميع وساد صمتٌ مشحون كالكهرباء الذي يسبق عاصفة من الهمسات.

"ما هذا؟..." 

همس أحدهم وكأن لسانه تاه بين التهكم والدهشة.

ثم جاءت السخرية تنساب كالسم من فمٍ معتاد على الطعن بالكلمات:

"شروق... هل هذه هي ضيفتك الموقرة؟ متسوّلة؟ هذا الحفل درامي فعلًا!"

كاد وجه شروق ينفجر غيظاً وارتجفت أصابعها كأنها تمسك بخيوط كرامتها ومن ثم اندفعت كقذيفة نحو الغريبة، وصرخت:

"من أنتِ بحق السماء؟! من تظنين نفسك لتقتحمي حفل عيد ميلادي؟!"

رفعت الشابة رأسها ببطء، وبعينين يختبئ فيهما مزيجٌ قاتل من الحزن والعزم قالت بصوتٍ هادئ لكنّه اخترق القلوب كالسيف:

"عيد ميلاد؟... فهمت الآن."

نظرت إلى شروق كما ينظر المرء إلى صورته في المرآة بعد سنوات من الغياب... لا شبه لكن هناك صدى.

ثم قالت ببرودٍ مرعب:

"من أنا؟"

صمتت لحظة... وكأنها تستعد لتفجير قنبلة ستغير كل شيء.

ثم تابعت: 

"أنا... ابنة والدك."

شهقت شروق وتراجعت خطوة كأن أحدهم سحب الأرض من تحت قدميها.

"أنـتِ..."

لكن چوانا قاطعتها بصوتٍ أكثر ثباتًا، أكثر قسوة، يحمل في طياته غضب سنوات وغصة لا تزال عالقة بحلقها:

"أنا ابنة والدك الحقيقية."

**تجمّدت شروق كما تتجمد المياه عند ملامسة الجليد وبقيت تحدّق في الملامح التي خرجت من قلب المجهول كأنها شبح من ماضٍ لم يُقدر له أن يُدفن.**

أما من حولها؟ فقد كانوا كجمهور مسرحي في ذروة العرض لا يرمشون، لا يتنفسون فقط ينتظرون لحظة الانفجار.

وحين عادت الروح إلى لسان شروق خرجت كلماتها متلعثمة أشبه بمن يحاول أن يمسك دخانًا بيديه:

"أنتِ... چوانا؟"

**چوانا؟!**

القروية التي نُسيت كما يُنسى كتاب قديم في مكتبة مهجورة...

هل يعقل أن تكون هذه الفتاة المغطاة بالغبار ذات الشعر المعقود كعقد السنين هي نفسها تلك الطفلة التي اختفت بين أنياب تجار البشر؟ 

أهذه حقًا الفتاة التي كانت يوماً تنتمي إلى حكاية قد طُويت صفحاتها؟

**داخل شروق تساقطت الأسئلة كالمطر فوق سقفٍ هش.** 

"فتاة ريفية، بسيطة، مكسورة... هل يُعقل أن تعود اليوم؟ 

ولماذا الآن؟ لماذا وأنا أقف على حافة المجد؟"

لكن قبل أن تفلت الكلمات من فم شروق مرة أخرى تقدّمت سوسن بخطًى متوترة لكنها محسوبة كأنها تمشي فوق ألغام.

**قالت بصوتٍ مشبع بالتباكي لكن ذكاءها كان يختبئ خلف طبقات الحنان المصطنع:**

"چوانا؟! هل هذه أنتِ يا صغيرتي؟!... كم انتظرتكِ، كم بكيتكِ ليلًا... ها أنتِ تعودين إليّ من جديد بعد سنواتٍ من الغياب والنار."

**ابتسمت چوانا.** 

لكن تلك الابتسامة لم تكن للحنين ولا للفرح... بل كانت انتفاضة إثر سكينًا مغروسًا بيد امرأة ترتدي قفاز من حرير.

 

نظرت چوانا إلى سوسن كما ينظر أسير إلى سجّانه حين يخلع القناع، تقول بهزأ:

"مرحبًا خالتي سوسن... لقد مرّ وقت طويل، أليس كذلك؟"

نطقت "خالتي" تلوكها وكأن الكلمة نفسها تُثقل لسانها.

**صوتها كان ناعمًا لكنّه يحمل في داخله شتاءً باردًا لا يُدفئه حنين.**

*"أخت أمي تتزوج من أبي؟ أهو حظي العاثر، أم مسرحية عبثية؟ 

ما هذا العبث؟ من دفن الحقيقة تحت وسادة الشرف؟ 

لا بد أن خلف هذا المشهد حكاية لم تُروَ."*

**بدأ الهمس يسري بين الضيوف كسم في ماء راكد:**

— "سمعت أن السيدة سوسن كانت أخت زوجة هاني الأولى..." 

— "چوانا... أليست هي الفتاة التي اختُطفت منذ عشر سنوات؟" 

— "أجل وبعد موت مروة، تزوّج هاني الأسيوطي من أختها الصغرى؟ غريب!" 

— "وكأننا في مسلسل تركي!"

**كل همسة كانت خنجرًا يغرس في صدر سوسن وكل نظرة كانت مرآة تفضح عُري القصة.**

تنحنحت سوسن محاوِلة أن تستعيد السيطرة على المشهد كي تمسك بالخيوط قبل أن تحترق بيدها:

"عزيزتي... ما يهم هو أنك عدتِ دعيني آخذك لتغتسلي... مظهركِ لا يليق بكِ فأنت تبدين متعبة... و... متسخة لا بد أن الحياة في تلك القرية كانت قاسية عليكِ."

**لكن چوانا لم تفوّت السهم بل ابتسمت بمرارة وقالت لنفسها:**

*"ما زالت تذكرني بأنني جئت من الريف... 

ما زالت تضع بيني وبين النقاء مسافة من الطين. 

هل هي كراهية؟ أم خوف؟ 

ربما الاثنان معًا."*

**وقبل أن تنفلت الكلمات من شفتي چوانا كطلقةِ رصاصٍ كانت تنتظر زنادها اخترق الفضاء صوتٌ منخفض، رخيم، يحمل في نبراته سلطةَ الملوك وبرودَ من اعتاد أن تُفتح له الأبواب دون أن يطرقها.**

"مرحبًا."

**تجمّدت الأجساد ودارَت الأعناق كأنها قطعة واحدة صوب المصدر.**

هناك على حافة المروحية التي لم يهدأ صوت محركها بعد، نزل هو.

**فهد الدريني.**

الرجل الذي إذا حرّك حاجبيه انكمش مؤشر بورصة وإذا رفع هاتفه ارتعدت شركات، وإذا ابتسم... رفرفت قلوب نساء ونُسفت مخططات رجال.

**وما إن لامست قدماه العشب حتى تناثرت الهمسات كحبات المطر فوق زجاج نافذة وارتفع نبض المكان كما لو أن قلبه صار المسرح.**

"السيد فهد... الدريني؟" 

اندفعت شروق تحاول أن تُسيطر على رعشة جسدها كما يُسيطر عاشق على قلبه حين يلتقي الحلم وجهًا لوجه.

ابتسمت وارتجفت كلماتها:

"هل... هل جئتَ من أجل عيد ميلادي؟ يا لكرمك شكرًا لك!"

**في عينيها اشتعل الربيع وفي خديها انفجرت ألوان الحياء الملطخ بالعار والفرح دفعة واحدة كأن الحياة أعطتها الآن جائزة ترضية لا تستحقها.**

في أبعد أحلام شروق كانت تأمل أن يرسل فهد من ينوب عنه بهدية أو تهنئة.

لكن أن يأتي بنفسه؟! أن يهبط من عليائه إلى هذه الحفلة؟! 

ذلك بالنسبة لها إعلان رسمي بأن الحياة بدأت لتوها.

**كل من حولها رمقها بنظرة بها مزيجٌ من الدهشة والغيرة وكأن شروق قد خطفت الشمس من سماء الآخرين.**

ولكن... في اللحظة التالية... **نزل السكين.**

"من أنتِ؟"

قالها فهد ببرودٍ قطبي من بين حاجبين معقودين ونظرة خالية من الدفء **كأن عينيه الآن فقط رصدتا وجودها أو كإقرار لا لبس فيه بأن ملامحها لا تحمل أي بصمة مألوفة بالنسبة إليه.**

تجمدت شروق بأرضها وكأن طعنة قد أصابت صدرها مباشرة، تاهت حروف الكلام من طرف لسانها وسقطت ابتسامتها كقناع زجاجي تحطم فجأة.**

بينما في الجوار لم يستطع بعض الضيوف كتم ضحكاتهم فجاءت خافتة... لكنها كالصفعات، وأخذوا يتهامسون بسخرية:

— "ظننتُ أن فهد جاء ليُبارك لها لكن يبدو أنه لا يعرف حتى اسمها!" 

— "يا إلهي لو كنت مكانها لاختبأت في حفرة وطلبت أن يُردم عليّ التراب فورًا!"

**تحولت شروق من عروس الحفل إلى شبحه، من زهرة متفتحة إلى غصن مكسور.**

نظراتها تاهت بين الحضور ثم استقرّت على فتاتين تضحكان بصوت خافت لكنّ عيونهما تنضح بالشماتة.

**في تلك اللحظة لم تبكي شروق لكن كل ملامحها صرخت بصمتٍ مدوٍ... صرخة لم تسمعها إلا چوانا التي عانت النبذ.**

**ومع انحدار الشمس خلف الأفق حين بدأت الأضواء تفقد بهاءها وتُظهر العيون ما تُخفيه القلوب كانت سوسن كعادتها أول من حاول التقاط الخيوط المتناثرة من كرامةٍ تُسحب كالسجاد من تحت الأقدام.**

تقدّمت بخطى حثيثة كمن يسير على جليدٍ هش وانحنت قليلًا بجسدٍ ارتدى ثوب اللياقة فيما كان قلبها يرفرف مثل طائرٍ مذعور في قفص، تقول بكياسة:

"سيد فهد لم نكن على علمٍ بقدومك هذا اليوم... يا له من شرفٍ عظيم أن تحلّ ضيفًا علينا... إنه عيد ميلاد ابنتي ولوهلة ظننتُ أنك أتيتَ لمشاركتها التهنئة، لكن ربما جئتَ لأمرٍ أكثر أهمية... كمناقشة شراكة ما مع هاني... إنه في الطابق العلوي اسمح لي بأن أرافقك."

**أخرجت كلماتها من بين ضلوعها كمن يُخرج لؤلؤة من محارةٍ خشنة تتوسل أن تُخفي شرخ الكبرياء.**

وبالفعل، **كأن تلك الجملة قد امتلكت عصًا سحرية فجفّت على الفور أنهار السخرية من وجوه الحضور وعاد التملق إلى مجاريه.**

فمن لا يتشرّف بأن يضع اسمه بجانب اسم الدريني؟ **فحتى مجرد استنشاق هواءٍ مشترك مع فهد قد يُسجّل ضمن الإنجازات.**

ولكن...

**في اللحظة التالية كما لو أن القدر قد قرر أن يكمل المسرحية بمشهد عبثي جديد...**

"هل أعرفك؟"

**كلمات فهد خرجت ببرودٍ يحرق كأنها قطعة جليد سقطت داخل وعاءٍ من جمر فتصاعد منها دخان من الخزي.**

**توقفت يد سوسن في الهواء، ممدودة بلا جدوى كغصنٍ يابس يبحث عن قطرة مطر.**

السيد فهد... لا يعرفني؟

**والضحك... ذاك العدو الذي لا يُرَى بدأ يتسلّل مجددًا عبر الأعين المتلصصة والأنفاس المكتومة وكأنهم في عرض كوميدي لا ينقصه سوى تصفيق.**

هل نحن أنا وابنتي دمى على مسرح ساخر؟

**تمتمت بها سوسن التي كانت ترتجف ليس من البرد بل من الإهانة التي نزفت صامتة داخل صدرها.**

**وكلما حاولت أن تُخفي ملامح الانكسار خرجت الحقيقة من عينيها كطوفانٍ لا يُكبح.**

لكن... 

إذا لم يكن فهد يعرفني، فمِن أجل مَن أتى؟ 

لمن هبط بطائرته الخاصة؟ 

لمن اخترق صمت السماء بنزوله؟

**وهنا برقت الحقيقة في عقلها كصاعقة مزّقت ستار الغموض.**

چوانا!!

**تلك الفتاة التي نظر إليها الجميع بازدراء والتي خرجت من مروحية فهد وكأنها تحمل مفتاحًا لسِرٍ دفين.**

لا... 

**هل يمكن أن تكون چوانا هي السبب؟**

**وفي تلك اللحظة لم تحتج سوسن إلى تأكيد...** إذ رأت فهد ذلك الرجل الذي لا يُضيّع خطواته عبثًا، يتجاوزها دون كلمة، دون نظرة، ويمضي — بثقة من يعرف وجهته — صوب چوانا.

**الهواء صار أثقل... والمشهد ازداد غرابة... حتى العشب تحت الأقدام بدا كأنه ينكمش على نفسه كي لا يُداس في لحظة الحقيقة القادمة.**

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عشق خلق ملحمة "سلسلة قلوب تتناحر عشقًا"    ٨

    الفصل 8ابتسمت چوانا وجاء الرد كنسيمٍ خافت من الماضي:ــ «اسمي… ساني.»كان هذا الاسم هو اللقب الذي أطلقه عليها والداها بالتبني هدية من الخارج، رمز الانتماء الذي حملته معها طيلة حياتها.قال فهد بعد هدوءٍ قصير:ــ «فهمت… وما زلتِ لم تخبريني ما هي أمنيتك.»ولما أدركت چوانا إصرار الرجل الذي يحيط بكل كلمة بجدية لا تُقهر تلاعبت بالكلمات كراقصة على حافة المسرح:ــ «إذا كنت حقًا تريد أن ترد لي الجميل، فلماذا لا تتزوجني؟»تجمّد فهد لوهلة؛ كأنّ الهواء اختنق بين ضلوعه وارتسمت على وجهه تعابير متشابكة، لم تكن چوانا لتفكّ رموزها بسهولة ولتهدئة الجو المتوتّر تنحنحت چوانا بخفة وأكملت بنبرة مازحة:ــ «كنت أمزح فقط… على أي حال، انسَ الأمر… لا أحتاج إلى شيء حقًا.»فجأة قال فهد بصوت حازم يخلو من أي تردد:ــ «أستطيع فعل ذلك.»ارتجفت چوانا لحظة وصوتها خرج متقطّعًا بين الصدمة وعدم التصديق:ــ «ماذا؟ ماذا يمكنك أن تفعل؟»كان السؤال يعلو على وقع قلبها المتسارع بينما بقيت الكلمات معلّقة في الهواء بين جدية فهد ولعبة المزاح التي لم تكن تتوقع أن تتحوّل إلى وعدٍ يفوق الخيال.استعاد فهد رباطة جأشه وارتسم على وجهه ت

  • عشق خلق ملحمة "سلسلة قلوب تتناحر عشقًا"    ٧

    الفصل ٧كانت زينةُ شعرِها مبعثرةً كأحلامٍ أجهدها السهر وخصلاتُها المشعثة تتدلّى على وجنتين شاحبتين تلك التي خُلِقت لتكون بؤرة الضوء وبهجة المنصّة بدت كنجمةٍ انطفأ وهجها. ــ «شــروق!»دوّى صوت سوسن كصرخةِ فزعٍ مزّقت سكون القاعة واندفعت إلى المسرح ورغم القلق الذي كان يعصف بصدرها عصف الرياح بالأشرعة لم تنسَ أمر چوانا؛ فمالت بكتفها تدفعها جانبًا في حركةٍ خاطفة كأنها تُزيح ظلًّا عن شمسٍ تحتضر.كانت چوانا تنتعل حذاءً بكعبٍ شاهق، يعلو أربع بوصات تقف عند حافة المسرح المؤقت وقفةَ من يثق بالأرض وإن كانت رخوة لكن دفعة سوسن جاءت قويةً كقدرٍ مباغت، فاختلّ توازنها، وترنّحت خطواتها، وكادت تسقط من علٍ كطائرٍ خذله جناحه.في تلك اللحظة الفاصلة بين السقوط والنجاة، بين الألم والسلامة، تحرّكت چوانا بسرعةٍ غريزية؛ ومن ثم رفعت يديها تحيط رأسها بحمايةٍ يائسة وكأنها تعقد هدنةً مع الأرض قبل الاصطدام لتقلّل احتمالات ارتجاجٍ قد يعصف بوعيها غير أن المفاجأة كانت أسبق من الخوف… لم يلامس جسدها الخشب البارد ولم تستقبلها الأرض بقسوتها المعهودة بل أحاطت بها يدٌ قوية ثابتةٌ كجدارٍ من أمان تسند ظهرها بثقةٍ لا تعرف الترد

  • عشق خلق ملحمة "سلسلة قلوب تتناحر عشقًا"    ٦

    الفصل السادس جمال مذهلأطرقت چوانا برأسها تحاول أن تُخفي عاصفةً من المشاعر تدفّقت بين أضلعها كأنها موسيقى حزينة تعزفها أوتار قلبها ومن ثم رفعت طرف فستانها كمن تزيح الستار عن مشهدٍ مرتقب وبدأت تتهادى في مشيتها على درجات السُّلم بخطوات تحمل في خفّتها معنى التحدي وفي ثباتها شيئًا من الكبرياء المستتر.لم يرَ الضيوف وجهها أولًا... بل استقبلتهم قدماها النحيلتان كإعلان مبكّر عن أن الجمال قد قرر اليوم أن يمشي بينهم على الأرض.ضوء الثريا الكبير الذي انسدل كعرش من البلور فوق رؤوسهم انكسر على أصابع قدميها الرقيقة فأشعل لمعانها كما لو أن الملائكة قد قبّلت كاحليها الحريريين قبيل نزولها.كان هذا المشهد وحده كفيلًا بأن يبعثر خيال الحاضرين ويجعله يرتحل في مدارات من الدهشة والانبهار... ساقاها لم تكونا مجرد طرفين يحملان الجسد بل قصيدة تمشي نُسجت من التوازن والجاذبية والعنفوان.حتى شروق وبالرغم مما تحمله من نوايا خبيثة إلا أنها فوجئت بكمال التكوين، وحِدّة تأثيره وها هي ترمق بعض الرجال بنظرة جانبية فقرأت الإعجاب يلمع في أعينهم كأنها تُترجم لغة الصمت لكن ما أقلقها لم تكن مقلهم بل تلك العين الواحدة التي كا

  • عشق خلق ملحمة "سلسلة قلوب تتناحر عشقًا"    ٥

    الفصل 5قالت شروق، وقد ارتسم على شفتيها انحناءة خبيثة تُخفي خلفها نوايا لا يُستهان بها:"أي ثوبٍ فاخرٍ ذاك الذي تظنّ أنه سيُخفي جوهرها القرويّ؟! ستبقى فتاةً ساذجة مهما حاولت أن تتقمص دور النخبة!"لم يكن في قلبها ذرة خوف من أن يلومها هاني على سخريتها اللاذعة من چوانا بل على العكس كانت تتباهى في أعماقها أنها قد منحتها أثمن ما في خزانتها من فساتين. وكأنها تقول لنفسها في مزيج ساخر من الكرم والخُبث: "هي من اختارت أن تأتي هذه الليلة تحديداً لتفسد حفل عيد ميلادي فلا تلومنّ إلا جهلها بذوق المدينة!"ولم تكتفِ شروق بالفستان وحده بل دسّت بين خطوات چوانا عقبة أخرى؛ حذاء بكعبٍ عالٍ، يبلغ ارتفاعه أربع بوصات وكأنها أرادت أن تجعل من كل خطوةٍ تخطوها چوانا رقصة على خيط رفيع بين الأناقة والسقوط.ضحكت في سرّها قائلة:"أراهن أنها لم ترتدِ مثل هذا الحذاء في حياتها قط! حتماً سيخونها السلم... ستتعثّر وستتهاوى أمام أعين الجميع... يا للروعة!"أحست شروق بفخرٍ يكاد يُسْكرها، شعور بالدهاء كأنها على وشك أن تصفق لنفسها وسط التصفيق المتوقع من الحاضرين لا حبًا، بل شماتة.وتمتمت بنبرة مشبعة بالغلّ:"سيرى الجميع... سير

  • عشق خلق ملحمة "سلسلة قلوب تتناحر عشقًا"    ٤

    الفصل 4انتظرها وهو يراها تُسلم نفسها للقدر كما تسلّم زهرة ذابلة أوراقها للريح حتى تحوّلت في أعين الجميع إلى مشهدٍ هزليّ وكأنها ارتضت أن تكون أضحوكة محزنة أمام مسرح الأعين المتربّصة.خفض فهد نبرته وكأن صوته خرج من أعماق قلبه ولا يعرف السبب وراء سخطه لما يحدث معها، وقال:"هل هذه هي إرادتك الحقيقية؟ إن أردتِ سأمنحك أمنية أخرى لحياة مختلفة."رفعت چوانا حاجبيها في اندهاش لم تخفِه، ونظرت إليه كأنها تستجوب يقينه ثم قالت بسخرية مبطنة بحزنٍ عميق:"فرصة أخرى؟ أمنية أخرى؟ هل تظن نفسك جنيًّا خرج من مصباحي السحري؟"عمّ الصمت فجأة جراء تجاوزها بالحديث مع فهد الاقتصاد وسرت الدهشة كتيار كهربائي بين الحضور حتى شروق وسوسن تبادلتا نظرات حائرة تتساءلان بصمت:**ما الذي يحدث؟ هل يعرف هذا الفهد تلك المتشردة؟**ثبت فهد نظره في عينيها كما لو أنه يبحث عن شظايا عقل بات في طي النسيان إنها بلهاء حقاً لا تعرف وضعها بين هؤلاء، وقبل أن يتفوه بكلمة، قاطعه صوت هاني الذي اقتحم المشهد بابتسامة مصطنعة:"لقد أسعدتني رؤيتك سيد فهد! لماذا لم تخبرني بقدومك؟"أُسقِط في يد الحضور، وبدت علامات الذهول مرسومة على الوجوه، كأنما ن

  • عشق خلق ملحمة "سلسلة قلوب تتناحر عشقًا"    ٣

    الفصل الثالث**في قصر الأسيوطي...**تزين المكان كعروس ليلة زفافها؛ أضواء خافتة تتراقص على الجدران، موسيقى هادئة تنساب بين الزوايا وزهور نادرة تنبعث منها رائحة الأناقة والترف. كان كل ركن من أركان القصر يشهد على بذخٍ لا يعرف الاقتصاد طريقه فقد أُعدّ المكان للاحتفال بعيد ميلاد الأميرة المتوجة في عرش المال والجمال... شروق الأسيوطي.كانت شروق وكأنها نجمة انفلتت من مجرة تتألق بثوبٍ من أحدث التصاميم ينسدل على جسدها كالشفق على صفحة البحر تحيط بها زمرة من الوجوه اللامعة تتسابق في مدحها.قالت إحدى الحاضرات وعينيها تلمع بالدهشة: "شروق... فستانك ليس من هذه الأرض! كأنه مجرة درب التبانة نُسجت بالخيوط الفضية لتحتضنك."أضافت أخرى بنبرة ممزوجة بالغيرة والإعجاب: "هذا من إصدار أحدث صيحات الربيع للموضة، أليس كذلك؟ حاولت استئجاره دون جدوى... كيف لك أن تملكيه؟ لا عجب فأنت ابنة الأسيوطي، والدك كريم كما السماء!"اقتربت صبية ثالثة تهمس بشغفٍ في أذنها: "عيد ميلاد سعيد، يا نجمة الشاشة القادمة... سمعت أن مخرجًا عرض عليك دورًا بطولة؟ لا شك أنكِ ستغزين الساحة قريبًا... فقط لا تنسينا حين تصعدين إلى القمة."ق

  • عشق خلق ملحمة "سلسلة قلوب تتناحر عشقًا"    ٢

    الفصل الثاني كان الليل قد أسدل عباءته الثقيلة على الكهف الذي لم يُسمع فيه سوى أنفاسٍ متقطعة تحاول الهروب من جدران الصمت. استلقى الاثنان على جانبي الكهف وكلٌّ منهما غارقٌ في شرنقة أفكاره كأنما ابتلعتهما عوالمٌ متوازية لا يجمعها سوى ظلمة واحدة. ثم... شقّ السكون أنينٌ خافت كنبضةٍ مختنقة أو صرخةٍ مك

  • عشق خلق ملحمة "سلسلة قلوب تتناحر عشقًا"    ١

    الفصل الأولها هي وحدها على جزيرة معزولة حيث لا أثر للحياة سوى صدى الرياح العاتية، السماء تمطر بغضب وكأنها تعاقب الأرض بقطرات أشبه بالرصاص المنهمر.ارتجفت الأمواج تحت وطأة العاصفة تعزف لحنًا جنائزيًا يشبه قرع الطبول في معركة لا تنتهي ووسط هذا الجحيم السماوي جلست چوانا ممسكةً بخنـ ـجرها تحفر بأنفاسه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status