All Chapters of في قلب إبليس : Chapter 71 - Chapter 80

82 Chapters

الحادي والسبعون...

شحب وجه رفعت تماماً وكأن دماءه هربت من عروقه بمجرد سماع هذا الاسم؛ فاتسعت ابتسامة مديحة وهي ترى أثر الرعب المطبوع على ملامحه، وأضافت بسخرية لاذعة:_ مالك خوفت كدة ليه؟ أوعى تكون فاكرني أنا حبيب؟انفجرت مديحة ضاحكة بمرارة وسخرية، ثم بترت ضحكتها فجأة ومالت بجسدها للأمام، محدقة في وجه رفعت بعينين جليديتين كأنها تنبش في قبر قديم، وقالت بصوت مسكون بالوجع:_ فاكر سوسن يا رفعت؟ مرات حبيب الدياش، اللي عملوا عليها حفلة ووقفوا يتفرجوا عليها وهي جوه المخزن متكتفة، وولعوا في المخزن وهي فيه بقلب ميت؟عادت مديحة بظهرها للخلف ببطء، وأردفت بنبرة محملة بالاحتقار:_ آه صحيح، أنت هتفتكر إزاي وأنت كنت مدرمخ في الخمرة والهيروين ومش حاسس بأي حاجة ليلتها؟ ده أنت مكنتش حتى حاسس بيهم وهما بيباركوا لبعض إنهم قدروا يشككوك في مراتك وصاحبك! بس تعرف؟ رغم حالتك يومها، ده ميغفرش ليك إنك كنت عارف إنهم هيغدروا بيها علشان بلغت عن صفقة المخدرات اللي شحنوها في لعب الأطفال، ومحاولتش حتى تمد لها إيد المساعدة، وغمضت عينيك عنها لما لجأت لك وطلبت منك تحميها وتهربها، وقولت لها بالحرف وأنت وشك مخطوف: أنا مقدرش أتحمل غضب حسين عل
Read more

الثاني والسبعون..

رمقته مديحة بنظرة غلبت عليها عاطفة الأمومة والتفهم؛ فهي تدرك يقيناً أن هذا الرجل يحب ياسمين بصدقٍ يحرق جوارحه، لكنها كانت قد عقدت العزم على منح ياسمين فرصتها الكاملة لتولد من جديد بعيداً عن قيود الماضي، فهزت رأسها ببطء وقالت لتؤكد موقفها بحزم:_ قلت لك يا جلال، مش هقدر أقولك مكان ياسمين إلا لما تخلص امتحاناتها، صدقني، لو ظهرت في حياتها دلوقتي ه تضرها؛ البنت تعبت وشقيت أوي لحد ما وصلت للي هي فيه، وأي هزة نفسية دلوقتي هتهد كل اللي بنيناه و...قطعت مديحة جملتها حين ارتفع رنين هاتفها بنغمة متواصلة، فاعتذرت منهما بذكاء وابعدت بضع خطوات تجيب على الاتصال، فاستغل جلال هذه الفرصة ومال نحو رفعت، هامساً بصوتٍ كالفحيح يحمل وعيداً تقشعر له الأبدان:_ حسابنا لسه متصفاش يا رفعت، وكويس إنك رجعت تقف على رجليك وتفوق لنفسك، علشان لما أرد لك الضربة ورا التانية تبقى حاسس بكل وجع بجد مش تبقى مغيب وتايه، وصدقني، هدفعك تمن كل دمعة نزلت من ياسمين، أما حقها الشخصي فده له ميزان تاني خالص وحسابه عسير.ارتبكت ملامح رفعت وظهر الخزي في عينيه، وزفر بضيق قائلاً:_ أنا عارف إن ليك حق ودين في رقبتي كبير، وعارف إني لازم
Read more

الثالث والسبعون...

مد إياد يده فجأة واختطف كفها بين كفيه ليحتضنه بقوة، وحدق بها بنظرات يملؤها الرجاء، ثم جذبها خلفه متوجهاً صوب مكتبه الخاص، وفتح الباب وولج إليه ساحباً إياها خلفه، ثم أغلقه وقال بحزم:_ أظن في مكتبي هنقدر نتكلم براحتنا، بدل ما الطلبة عاملين يتفرجوا علينا برا، ها، كنتي بتقولي مينفعش؟ ممكن أعرف ليه؟ وإيه المانع من وجهة نظرك؟ازدردت ياسمين لعابها بصعوبة، وحاولت الابتعاد عنه قليلاً؛ فقد أصبح اقترابه المباغت يوفر لها توتراً حقيقياً هذه المرة، خاصة بعدما أطبق باب المكتب وباتت بمفردها معه، فخرج صوتها مهزوزاً وهي تتراجع خطوة للخلف:_ مـ.. مينفعش وخلاص، ولو سمحت بلاش تكلمني تاني في الموضوع ده، أنا حياتي أساساً متلخبطة وحقيقي مش ناقصة أي تعقيد أو..زفر إياد بضيق ليقاطع كلماتها المرتجفة، واقترب منها أكثر حتى حاصرها بنظراته قائلاً بصوت منخفض وحاد:_ ياسمين صارحيني، هو فيه حد في حياتك؟ حد لسه ساكن قلبك وعلشان كدة رافضة وجودي؟أومأت ياسمين برأسها قبل أن تستسلم لنوبة بكاء مريرة؛ فقد تجمعت كل الضغوط فوق كاهلها في تلك اللحظة، ولم تعد تحتمل هذا الحصار النفسي، فقطب إياد جبينه وزم شفتيه، ووقف حائراً أمام ه
Read more

الرابع والسبعون...

مضى معظم اليوم بين "دودي" وياسمين في أجواء دافئة، تخللتها أحاديث متفرقة بين جذب وشد، ونقاشات حول المستقبل، حتى غفت كل منهما في غرفتها من فرط الإرهاق.استيقظت ياسمين في الصباح الباكر، ووقفت أمام مرآتها تمارس طقوس "ياسمين الجديدة"؛ ارتدت ملابسها بعناية فائقة، وتعمدت أن تجعل كل تفصيلة فيها لافتة للنظر، تبرز جمالها وثقتها بنفسها بشكل هجومي، وغادرت غرفتها فوجدت مديحة تجلس في الصالة تحتسي قهوتها الصباحية، فابتسمت لها ياسمين وقالت:_ أنتِ منمتيش ولا إيه يا دودي؟نفت مديحة بهز رأسها بهدوء وقالت:_ كنت فاكرة إني هعرف أنام، لكن للأسف النوم طار من عيني، فقلت أصحى وأخلص شوية حاجات في الشغل من على النت، والحمد لله خلصت، هكمل باقي القهوة وأسافر. إنما قوليلي، أنتِ رايحة فين باللبس ده؟كان سؤال مديحة يحمل نبرة استنكار مبطنة، فمالت ياسمين فوق كتف دودي وقبلت وجنتها بدلال، ثم قالت ببريق متحدٍ في عينيها:_ رايحة الجامعة طبعاً، أصل أنا قررت إني أجيب له أزمة قلبية لما يشوفني كدة قدامه، أومال يعني هستفزه إزاي؟ وبعدين هو أنتِ مش عارفة إنهم بيقولوا إن الهجوم خير وسيلة للدفاع؟ابتسمت مديحة بمرارة، فهذا "الهجوم
Read more

الخامس والسبعون...

في قلب الفيوم، حيث يسكن السكون الثقيل الذي لا يقطعه سوى أنين الرياح الخافت، كانت فجر تخوض معركة ضارية مع الأرق، تتلوى فوق فراشها وتحاول جاهدة أن تسرق من الزمن غفوة واحدة تريح عقلها المنهك، لكن محاولاتها كانت تبوء بالفشل الذريع أمام ذلك الضجيج المزعج المنبعث من زوجها الغارق في نومه، فصوت غطيطه لم يكن مجرد إزعاج سمعي، بل كان سوطاً يجلد هدوءها ويذكرها في كل لحظة بمرارة وجودها بجانبه، فهي لم تعد تطيق البقاء في تلك الغرفة التي تخنق أنفاسها، فانسحبت بهدوء كخيال باهت، واتجهت نحو الغرفة المجاورة، تلك الحجرة الباردة التي أُجبرت بقسوة قلب زوجها على أن تضع فيها وليدها وحيداً، رغم أن عمره الغض لم يتجاوز بضعة أيام، فجلست بجانب فراشه الصغير تثبت نظراتها المنكسرة عليه، بينما انهمرت دموعها التي لم تعرف الجفاف منذ ثلاث سنوات عجاف، كانت تمسح وجنتيها بأطراف أصابعها المرتجفة وتحاول كتم تنهيداتها الحارقة، تشعر بأن حياتها قد سُلبت منها غصباً، وأنها تحولت إلى مجرد ظل باهت لامرأة كانت يوماً تفيض بالحياة، والآن باتت جسداً بلا روح يتجرع الألم بصمت.انتبهت فجر لصغيرها الذي بدأ يتململ ويصدر أصوات الاستيقاظ التي
Read more

السادس والسبعون...

في مدينة العريش، حيث تمتزج رائحة البحر بعبق الهدوء القلق، كانت نجلا قد انتهت من لملمة شتات حياتها في حقائب سفر اصطفت بانتظام جوار باب المنزل، وكأنها تعلن التمرد على الانتظار. التفتت نحو صغيرها "مجد"، الذي كان غارقاً في عالمه الخاص، يداعب هاتفه بابتسامة تطل من بين شفتيه حيناً وتختفي حيناً آخر، فاقتربت منه في صمت، مدفوعة بفضول الأم وقلقها، وأخذت تتبع بعينيها تلك الكلمات التي ينسجها طفلها بأصابعه الصغيرة ببطء شديد. خفق قلبها بقوة وهي تدرك أن هذا الحوار الممتد عبر الشاشة ليس إلا جسراً بين ابنتها "ياسمين" المغتربة وبين شقيقها الصغير، لكن مجد انتبه لوجودها، فبسرعة خاطفة غطى الشاشة بكفه الصغير، ورفع عينيه نحوها بنظرة عتاب طفولية قائلاً: _ مش قولتي مش هقرا معاك أي حاجة وكنتِ مخصماني؟ابتسمت نجلا بحرج وقد كُشفت محاولتها، فاعتدلت في وقفتها محاولة استعادة وقارها المفقود، وقالت بدفاعية واهية: _ على فكرة أنا ملحقتش أقرأ حاجة.ساد الصمت بينهما للحظات، تبادلا فيها نظرات فاحصة، قبل أن تغلبها هواجسها فتقول بنبرة تحذيرية مشوبة بالقلق: _ أوعى تكون قولت لها أي حاجة يا مجد. انتفض الصغير مدافعاً عن رجو
Read more

السابع والسبعون...

سرقت أصوات محرك سيارة طايع التي لاحت في الأفق "أشواق" من دوامة ذكرياتها المريرة، فانتفضت تستعيد رباطة جأشها، والتفتت إلى صغيرها "مجد" الذي كان يلح عليها بجذب يدها لفت انتباهها، فقالت بصوت يحاول استجماع القوة: _ أهو بابا جه يا مجد، بقولك إيه، تعالى معايا نتمم على البيت ونشوف كل حاجة متظبطة وفي مكانها قبل ما نمشي.أوقف طايع سيارته وترجل منها متجهاً نحو مدخل المنزل، وحين وقعت عيناه على الحقائب المصطفة، تجمدت نظراته عليها وهو يحاول استرجاع تفاصيل اتفاقه الأخير مع "نجلا" بشأن السفر إلى الأقصر، فزم شفتيه بضيق وارتمى بتعب وإنهاك فوق أحد المقاعد، ليهرع إليه مجد ويحتضنه بلهفة طفل طال انتظاره قائلاً: _ اتأخرت أوي يا بابا، وأنت عارف إن ميعاد الطيارة بدري!تجنب طايع تلاقي نظراته مع عيني نجلا، التي لمحت على الفور تجهم وجه زوجها وارتباكه، فزفرت بحدة وقد بدأ الشك يقيناً في صدرها، وقالت بنبرة حادة: _ متقولش إنك نسيت تحجز يا طايع!أومأ طايع برأسه في خجل وانكسار، ورد بصوت خفيض: _ أنا نسيت خالص يا نجلا، بس والله غصب عني، الشغل كان كتير وراح عن تفكيري إني أحجز الطيارة والفندق، بس أقولك، أنا هحاول أحل
Read more

الثامن والسبعون...

صرخة جعلته ينتفض فوق فراشه من فرط الرعب، ثم رأى الحقنة تطير في الهواء بعد أن قذفتها بقوة نحو الحائط لتتحطم ويتناثر سائلها القاتل فوق الأرض. التفتت إليه وعيناها تفيضان بمرارة السنين، وقالت بنبرة ممزوجة بالقهر والوعيد: _ أنا لو شيطان يا حسين فدا لأنك أنت وممدوح اللي وصلتوني للي أنا فيه دا! أنت وممدوح اللي طمعتوا في الكيلاني وفي فلوسه وضربتوه وغدرتوا بيه وقتلتوه زي ما قتلتوا نور الدين وولاده، وزي ما غدرتم بياسمين وأشواق واستخسرتوا إني أعيش حياتي.. حرمتوني منه ومن قبله حرمتوني من ابني لما ولعتم بيا المخزن!توقفت للحظة وكأنها تستعيد وهج النيران وصور الدخان، ثم تابعت بصوت مخنوق: _ ابني اللي كنت حامل فيه، والدخان والحريقة والرعب اللي عشته خلاه يموت في بطني وأتسبب إني أشيل الرحم علشان ممتش! كل دا عملتوه ومش عاوزني أكون شيطان؟ دا أنا لو أطول أكون إبليس نفسه هكون وانتقم منكم وأعيد انتقامي مرة واتنين وعشرة ومية، لحد ما أشفي غليلي منكم وآخد حق كل واحد ضربتوه في ضهره، وعلى فكرة يا حسين، اللي أنا عملته فيك دا ولا حاجة، دا لسه كتير وبكرة تشوف بعنيك باقي انتقامي منك ومن ممدوح وابنه هيبقى إزاي!استم
Read more

التاسع والسبعون...

توقف جلال فجأة عن الاسترسال، وشحب لونه حين أدرك أنه يقف على حافة الهاوية؛ فلو أكمل القصة وقص عليها تفاصيل تعنت والدها وما جرى خلف الكواليس، ستنكشف خيوط الماضي، وستعلم ياسمين يقيناً ما حدث بينه وبين رقية، وستدرك دوره في تلك المأساة، وحتماً ستوجه إليه أصابع الاتهام بالجرم والخيانة. نظر إليها بارتباك واضح، ليرى تلك الابتسامة وهي تتلاشى عن شفتيها، وتنطفئ جذوة السعادة في عينيها لتحل محلها صدمة مروعة.تهالكت ياسمين فوق المقعد أمام ذهوله، وانفجرت في بكاء مرير وهي تتخيل حجم الظلم الذي وقع على قلبين لم يتمنيا سوى الحلال، وقالت بصوت يملؤه الرفض والاستنكار: _ والله حرام اللي حصل دا! طيب ليه يرفض أيمن وهو إنسان كويس أوي وبيحبها؟ ليه يحرمها من الإنسان اللي بتحبه؟ وهي.. هي إزاي وافقت تتجوز واحد غيره؟ أنا.. أنا مش فاهمة!أمام صمت جلال المطبق وشروده الذي بدا كأنه يغرق في بحر من تأنيب الضمير، بدأت ياسمين في نسج خيوط جملته التي بترها، ووجهت إليه تساؤلاتها كأنها سهام تخترق صمته: _ طيب أنت محاولتش تعرف عمك رفض أيمن ليه؟ محاولتش تقنعه إنه يغير رأيه؟ ليه سيبته يا جلال يجوز فجر من واحد تاني؟ ليه خليته يك
Read more

الثمانون...

تجمدت نظرات ياسمين أمام ذلك القرب الطاغي الذي فرضه جلال، وشعرت بجدران المطبخ تضيق عليها، بينما تسللت أنفاسه لتداعب خصلات شعرها المتمردة، فخفق قلبها بشدة بين أضلعها كعصفور سجين، إلا أن غصة الماضي كانت لا تزال عالقة في حنجرتها كقطعة من الزجاج المكسور، تحول دون أن ينفذ صوته الدافئ إلى أعماقها، فتراجعت خطوة إلى الوراء، ودفعت صدره برفق بيدين مرتجفتين وهي تهز رأسها يميناً ويساراً كأنها تطرد حلماً جميلاً تخشى الاستيقاظ منه على واقع مرير، وقالت بصوت مخنوق تغلبه العبرات: _ وحشتك إزاي يا جلال؟ وحشتك وأنا اللي كنت عبء تقيل عليك؟ أنا مش قادرة أنسى كلام رقية ليا، ولا قادرة أمحي من دماغي وهي واقفة قصادي بتبص في عيني بكل ثقة وجبروت وبتقول لي إن وجودي في حياتك هو أكبر ضرر ليك، وأكدت لي إنك مش متمسك بيا حباً فيا، لأ دي قالت إنك متمسك بيا شفقة، مجرد شفقة على واحدة وحيدة ملهاش حد في الدنيا غيرك، وخايف لو سبتها تضيع. ابتعدت عنه بضع خطوات، محاولةً خلق مسافة أمان تحميها من تأثيره، ومسحت دمعة فرت رغماً عنها بطرف كفها، ثم تابعت بمرارة تقطر من كل حرف: _ قالت لي إني حمل تقيل عليك بسبب أدمان بابا وانتحاري، و
Read more
PREV
1
...
456789
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status