All Chapters of في قلب إبليس : Chapter 61 - Chapter 70

82 Chapters

الفصل الحادي والستون..

بعد مرور ثلاث سنوات على الجميع داخل مكتبه الفخم، كان جلال يجلس بملامح غلفها الجمود والوقار الذي تفرضه السنون، يتابع بعض الملفات بتركيزٍ حذر، بينما يجاوره أيمن وشادي يشاركونه العمل في صمتٍ لم يقطعه سوى اقتحام هشام للمكتب بشكلٍ مفاجئ. أبعد جلال عينيه عن الأوراق ونظر إلى هشام بدهشة عقدت لسانه، فنهض من خلف مكتبه وابتعد قليلاً وهو يرمقه بنظرات متسائلة عن السبب القوي الذي جعل هشام يجازف بنفسه ويأتي إلى مكتبه بهذا الاندفاع. أشار هشام برأسه لجلال ليتجها معاً صوب النافذة الكبيرة المطلة على الشارع الرئيسي، وحين استشعر أيمن وشادي توتر ملامح جلال والجو المشحون الذي فرضه دخول هشام، انسحبا من المكتب بهدوء تاركين لهما المساحة. كانت عينا جلال تتابعان كل تفصيلة في وجه هشام الذي بدا عليه الارتباك، سحب هشام نفساً عميقاً وأخرجه ببطء شديد كأنه يوشك على إلقاء قنبلة موقوتة وتملكه الخوف من شظاياها. أغمض جلال عينيه لثوانٍ مستعداً لاستقبال ما لدى هشام من أخبار، حتى نطق هشام أخيراً بكلمات هزت كيان جلال الهادئ: _ رفعت الخطيب ظهر يا جلال. تسمر جلال في مكانه، وشعر وكأن الزمن قد توقف عند تلك اللحظة؛ فاسم
Read more

الفصل الثاني والستون

حاول حسين أن يغادر فراشه بكل ما أوتي من قوة متبقية، ولكن جسده خانه، فنظر حوله بعينين يملؤهما العجز والحنق يبحث عما يستند إليه، ليرى مقعده المتحرك مطوياً وبعيداً عن متناول يده، مما أشعل فتيل الغضب في صدره فصاح بنبرةٍ غليظة هزت جدران المكان: _ أنتو يا اللي بره! حد يجيلي، أنا عاوز أقوم، أنا زهقت من الرقدة دي! أنتو يا بهايم يا اللي مشغلينكم بفلوسي! في الخارج، كان عصام المكلف برعايته يهز رأسه بضجرٍ وسأم، وأشار بيده بلامبالاة صوب باب الغرفة التي يخرج منها صوت حسين، ثم التفت إلى زميله عطية قائلاً: _ راجل لسانه طويل وعاوز قطعه، أنا مش عارف إحنا متحملينه على إيه؟ والله الست دودي دي ليها الجنة إنها متحملة واحد زي حسين ده بقلة أدبه وصوته اللي مبيوطاش لا ليل ولا نهار. رد عطية وهو يوزع أوراق اللعب ببرود: _ سيبك منه يا عم وخليه يجعر زي ما هو عاوز، ويبقى يشوف مين هيدخل له، ما هو على الحال ده كل يوم، يهلل ويشتم وفي الآخر أول ما الست هانم توصل، يقلب قطة ويكش في مكانه. ثم نظر عطية إلى ساعة الحائط وأردف بابتسامة ساخرة: _ عموماً كلها نص ساعة وتكون هنا وتظبطه زي كل يوم، سيبك أنت وفرق الورق خلينا نل
Read more

الفصل الثالث والستون...

أشرق صباح يوم جديد، ووقفت إنتصار في منتصف شقتها تتابع بنظرات يملؤها الفخر والحزن معاً ابنها "أيمن" وهو يرتب طاولة الطعام بهدوء، وكأنه يحاول أن يشغل يديه عن التفكير فيما يؤلم قلبه. اقتربت منه وربتت على كتفه بحنان، وحاولت رسم ابتسامة خفيفة فوق شفتيها وهي تدعو له: _ ربنا يبارك لي فيك يا ابني، دايماً كدة سابقني في كل حاجة، مش كنت استنيت لما أصحى أنا وأحضر لك الفطار يا حبيبي بدل ما تحمل نفسك مجهود زيادة فوق تعبك؟ التفت أيمن إليها، وبحركة تنم عن تقدير عميق، تناول يدها التي كانت فوق كتفه وقبلها قائلًا: _ يا ست الكل، مش كل مرة هقولك سيبيني أخدمك وأنول الشرف؟ أنا كمان قررت النهاردة آكلك بإيدي علشان متتعبيش نفسك، ومش عاوز أسمع أي اعتذار يا أمي، أنا ماليش غيرك وأنتِ البركة اللي في حياتي، بلاش تحرميني من أقل حاجة أعملها معاكي، وكفاية تعبك معايا وسهرك تستنيني كل ليلة، خليني أرد ولو جزء صغير من فضلك عليا. أحاطت إنتصار وجهه بكفيها، ونظرت في عينيه بعمق وقالت بنبرة مرتجفة: _ ربنا يعوضك يا أيمن عن كل اللي راح منك يا حبيبي ويراضيك زي ما بتراضيني، أنا مش عارفة كنت هعمل إيه من غير وجودك جنبي. ارتبك
Read more

الفصل الرابع والستون...

مرت نصف ساعة كاملة ورقية لا تزال متشبثة بعنق والدتها، ترفض الابتعاد أو إرخاء قبضتها، وكأنها تخشى إن تركته أن تكتشف أن كل ما يحدث ليس سوى حلمٍ من أحلامها المرة، لكن صوت والدتها الخافت والواقعي جعلها تفيق من غيبوبتها حين سمعتها تهمس: _ أنتِ نمتي يا رقية؟ تطلعت رقية إلى والدتها بصمتٍ يفيض بالحب والندم، ثم جذبتها برفق لتجلسا معاً على الأريكة، وجلست بجوارها وانكبت على كفي والدتها، تقبلهما بشفاهٍ مبللة بدموع التوبة الصادقة وهي تقول بنبرة محطمة: _ سامحيني يا أمي، أرجوكي سامحيني وارضي عني علشان ربنا يسامحني، أنا عارفة إني أوحش إنسانة في الدنيا دي، وعارفة إني مستحقش حتى إنك تبصي في وشي، لأني ظلمتك وظلمت أيمن وكل الناس اتأذت بسببي، بس والله يا أمي أنا ندمت ندم بياكل في عمري، ولو أقدر أرجع بالزمن كنت صلحت كل الخراب اللي عملته، سامحيني يا أمي أنا مش عارفة أعيش وأنتِ غضبانة عليا، الدنيا بقت ضيقة أوي وسودة في عيني بسبب وجعك مني، ارضي عني يا أمي وبلاش تقسي عليا أكتر من كدة، أنا ماليش غيرك. نظرت انتصار بقلبٍ مثقل إلى ابنتها، وتأملت حالها الذي تبدل تماماً؛ فقد هزل جسدها وشحب لونها، وبدت وكأن الزما
Read more

الفصل الخامس والستون...

حين حل المغيب وتوارت الشمس خلف الأفق، غادر الجميع منزل جلال وتوجهوا إلى منزل "عزت" لطلب يد "فجر"، رغم إلحاح أيمن المستميت على جلال بتأجيل الخطبة؛ خاصة بعدما أسرت إليه نبيلة بخبر رحيل ياسمين، لكن جلال رفض بجمودٍ قاطع، وأصر على إيفاء وعده لعمه، بل وأمر أيمن بصرامة ألا يفتح سيرة ياسمين أمامه مرة أخرى. وما إن وصلوا حتى استقبلهم عزت بحفاوة، وجلسوا يتجاذبون أطراف الحديث في أجواء بدت هادئة ظاهرياً، لولا نظرات رقية التي حاصرت جلال بجرأة لم تخلُ من المكر، لاحظ "شادي" نظراتها، وانقبض قلبه خوفاً من أن يلحظها أحد غيره، فتتفاقم الأزمة وتنفجر الأوضاع فوق رؤوسهم. وحين استأذن جلال للرد على اتصال هام وخرج من الغرفة، تسللت رقية وتبعته بخفة، ناوية الانفراد به لتبدأ أولى خطواتها الشيطانية التي رسمتها بدقة، وقبل أن تقتحم عليه خلوته، فوجئت بيد شادي تجذبها بقوة بعيداً عن مسمع جلال، فوقفت تحدق به بغضبٍ عارم ومقلتان تشتعلان غيظاً لمنعه إياها من الوصول لمبتغاها. وقف شادي يتطلع إليها باحتقار، وضغط على ساعدها بقوة وهو يهمس بفحيح غاضب: _ هي البعيدة معندهاش دم ومبتحسش؟ أنتِ إيه اللي قومك من مكانك وماشية ورا ال
Read more

الفصل السادس والستون...

في صمتٍ مخيف، قبض يامن على ساعد رقية بقوة كادت تحطم عظامها، وجذبها خلفه بعنفٍ وهو يتوجه نحو السيارات، وفي تلك اللحظة، أسرع جلال باتجاههم والدهشة تملأ ملامحه، فوقف بجوار والدته نبيلة وسألها بحيرةٍ وقلق: _ أنتو خرجتوا ليه؟ وماله يامن بيجر رقية كدة ليه؟ هو فيه إيه اللي حصل يا أمي؟ أشاحت نبيلة بعينيها عن رقية، ونظرت إلى الفراغ بمرارة، ثم أجابته بصوتٍ جافٍ خالٍ من الروح: _ عمك رفض الجوازة يا جلال.. رفض! تغضن جبين جلال بحيرة شديدة، وسارع باللحاق بأيمن فأمسك بذراعه ليوقفه، وتعجب من نظرات الصديق التي كانت تشتعل غضباً، وملامحه التي تيبست وكأنها نُحتت من صخر. ازدادت حيرته حين انتزع أيمن ذراعه وتجاوزه مبتعداً بصمتٍ مهين، فعاد جلال وتطلع إلى والدته نبيلة التي كانت تقف واجمة، وقال بنبرة قلقة: _ هو عمي قال لهم حاجة تزعلهم ولا إيه يا أمي؟ مش ممكن يمشوا كدة! لم ينتظر رداً، بل التفت ينادي عليهم مرة أخرى ليوقف حركتهم نحو السيارات: _ طيب استنوا يا جماعة، أنا هروح أتفاهم معاه حالاً، أكيد فيه سوء تفاهم، محدش يمشـــ... قاطعه أيمن وهو يهز رأسه برفضٍ قاطع، وصوتٍ يخرج من بين أسنان مطبقة: _ معدش ينفع
Read more

الفصل السابع والستون...

اعتدلت انتصار بتعبٍ بائن، ورغم وهن جسدها إلا أن نظراتها كانت حادة كالنصل وهي ترمق ابنتها باحتقارٍ أخرسها، ثم التفتت إلى يامن وقالت بنبرة حاسمة لا تقبل الجدل: _ اتصل بخالك يا يامن وقوله ماما غيرت رأيها وموافقة على العريس اللي جابه لرقية، أختك خلاص معدش ليها قعدة وسطنا بعد النهاردة، والأحسن ليها نجوزها اللي يخليها تعرف إن الله حق، ويدوقها المر اللي ذوقته للناس. جحظت عينا رقية بذعرٍ حقيقي وهي تستمع إلى حكم الإعدام الذي نطق به لسان والدتها، فالتفتت إلى شادي بجسدٍ يرتجف، وهمست بصوتٍ خفيض يتوسله بمرارة: _ أبوس إيدك يا شادي متخليهمش يرموني الرمية دي، العريس اللي ماما بتتكلم عنه ده راجل كبير في السن، وخالي كان جايبه ليا نكاية في ماما وعلشان يوجع قلبها بيا، أبوس إيدك اعمل أي حاجة وبلاش تخليهم يجوزوني الراجل ده، أنا الموت عندي أهون من العيشة معاه. شعر شادي بغصةٍ في حلقه وهو يرى نظرة الانكسار في عينيها، فجذبها لتقف خلف ظهره في حمايةٍ واضحة، ونظر إلى انتصار محاولاً استمالتها وقال بهدوء: _ ممكن تهدوا يا جماعة وتسمعوني؟ أنا عارف إن معاكم حق تغضبوا عليها وتعملوا أكتر من كدة، بس يعني ممكن أفهم إ
Read more

الفصل الثامن والستون...

عاد شادي من عمله، وما إن ولج إلى الشقة حتى استقبله سكونٌ غير معتاد؛ فلاحظ غياب صوت رقية التي اعتادت في الآونة الأخيرة أن تنتظره بلهفة عند الباب، فوقف في منتصف الصالة يبحث عنها بعينيه، وعقد حاجبيه مفكراً في مناداتها، لكنه عدل عن الفكرة بسرعة وكأنه يهرب من أي احتكاك بها، واتجه صوب غرفته. تسمر شادي في مكانه عند باب الغرفة؛ فقد وجدها مزينة بالزهور التي نُثرت بعناية، والشموع التي تراقصت أضواؤها في كل ركن، فانتابته الدهشة للحظة قبل أن تتحول ملامحه للجمود، فالتفت يبحث عنها واتجه إلى غرفتها، ليجدها جاثية على الأرض تنتحب وتخفي وجهها بين كفيها في مشهد يقطع القلب، فكر في أن يخطو نحوها، في أن يربت على كتفها، لكن ذكريات الماضي وقسوتها جعلته يتراجع ببرود ويغادر عائداً لغرفته. وما إن دخل غرفته حتى بدأ يطفئ الشموع واحدة تلو الأخرى بحركات آلية قاسية، وكأنه يطفئ معها أي أمل لها في قلبه، وبينما كان ينزع ثيابه بحدة، تفاجأ برقية تقتحم الغرفة خلفه، فاستدار إليها ورمقها بنظرة ازدراء جارحة، ثم استكمل تبديل ثيابه بلامبالاة تامة وكأنها ليست موجودة. كادت رقية أن تتحدث، لكن رؤيتها له وهو يتجاهلها بهذا الشكل ج
Read more

الفصل التاسع والستون...

لم تستطع ياسمين التركيز مع شرح الدكتور في المدرج، كانت الكلمات تمر فوق أذنيها كطنينٍ بلا معنى، بينما عيناها معلقتان بعقارب ساعتها التي بدت وكأنها تتحرك بتثاقل متعمد، وما إن انتهت المحاضرة أخيراً، حتى لمت أغراضها بسرعة غريبة وغادرت المدرج، هاربة من سجن أفكارها الذي هاجمها بقسوة؛ إذ لم يبرح خيالها ما أخبرتها به مديحة عن عودة والدها إلى حياته السابقة ودوامة إدمانه من جديد. زفرت ياسمين بمرارة، محاولة وأد تلك الدموع الحارقة التي أبت إلا أن تتكون في مآقيها، وأخذت تتنفس بعمق لتسيطر على الرجفة التي بدأت تغزو أوصالها، وأحاطت جسدها بساعديها وكأنها تحمي نفسها من العالم، وتابعت سيرها نحو بوابة الجامعة بعزيمةٍ منكسرة؛ فلا شيء يبقيها هنا الآن وسط هذا الصخب، وأغمضت عينيها وتمنت لو تستطيع الطيران إلى القاهرة لمواجهة والدها، لكن صدى كلمات مديحة كان يتردد في عقلها كدستورٍ جديد: _ خدي امتياز في السنة الأولى، وأنا أرجعك تعيشي في القاهرة تاني وتثبتي وجودك. تنفست بعمق وهي تحمد الله على وجود مديحة، تلك المرأة التي لم تدعمها فحسب، بل أعادت صياغة شخصيتها لتصبح ياسمين الجديدة؛ القوية التي ترفض الضعف وتواجه
Read more

الفصل السبعون...

_ أنا اللي أعرف مكان ياسمين يا جلال، فنزل سلاحك ده واتكلم معايا أنا، وسيبك من رفعت خالص، لأنه فعلاً ميعرفش أي حاجة عنها ولا هي فين. أتت الإجابة على سؤال جلال المليء بالوعيد من خلفه، حين صدح صوت نسائي هادئ لكنه يحمل نبرة من الثقة والقوة، فتسمر جلال في مكانه لثوانٍ، ثم التفت ببطء نحو مصدر الصوت، وحدق في ملامح المرأة الواقفة أمامه بحيرة واضحة غلفت غضبه، وسألها بحدة مستنكرة: _ وأنتِ تطلعي مين بالظبط؟ وإيه علاقتك بياسمين علشان تكوني عارفة مكان مراتي اللي قلبت عليها الدنيا؟ لم ترهبها نظرات جلال النارية، بل اتجهت "مديحة" صوبه بخطوات ثابتة ومدروسة، أدهشت جلال بجرأتها غير المعهودة وشجاعتها، وهي تمد يدها بمنتهى الهدوء لتبعد فوهة سلاحه عن وجه رفعت الشاحب، ولم تكتفِ بذلك، بل التفتت بعينيها نحو رفعت، ورمقته بنظرة غامضة قبل أن تقول بتهكم: _ عامل إيه يا رفعت؟ عاش من شافك، أخيراً رجعت لمكانك القديم! تخيل إن الواحد افتكرك خلاص استسلمت للأمر الواقع ومش ناوي ترجع تاني، بس بصراحة أنت مخيبتش ظني فيك أبداً، ورجعت زي ما كنت متوقعة، أصل أنا راهنت نفسي إني هقدر أفوز برجوعك حتى لو مكنش عن طريقي مباشرة. صم
Read more
PREV
1
...
456789
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status