All Chapters of في قبضة الصياد: Chapter 41 - Chapter 50

54 Chapters

أشواك من حرير

في تلك الأثناء، وراء الجدران الحجرية الداكنة للجناح الغربي، كان نوح غارقاً في صمته داخل مكتبه المتخم برائحة الحبر القديم.كسر السكون طَرقات حازمة، رتيبة، ومألوفة جداً على الباب.كان إيقاعاً يعرفه نوح عن ظهر قلب؛ فهو للشخص الوحيد في هذا العالم الذي يثق به دون أدنى تفكير، ويمتلك مفاتيح أسراره.انفتح الباب ليدخل **فيكتور**، صديق العمر، وذراعه الأيمن الذي لم تزده الأيام ولا المعارك الطاحنة إلا ولاءا وصلابة.كان فيكتور يحمل هيبة المحاربين الأشداء، ملامحه الحادة مرسومة بجدية تعكس ثقلاً موازياً لحجم المسؤولية التي يحملها.لكنه، ورغم كل شيء، كان الوحيد القادر على اختراق تلك الهالة المظلمة التي يحيط نوح بها نفسه، والحديث معه كأخ وند، دون كلفة أو ألقاب عسكرية جامدة.تقدم فيكتور بخطوات واثقة تملأ الفراغ، سحب مقعداً خشبياً وجلس في المواجهة مباشرة، ماداً يديه على المكتب يتفرس في وجه صديقه بنظرة متفحصة، لكنها مشوبة بقلق عفوي لم يستطع إخفاءه.قال بنبرة خفيضة وجادة، كأنما يهمس بسر:— "كنت أعلم أنك لم تذق طعم النوم يا نوح، فرائحة الشراب تنبعث منك وتشي بكل شيء... أخبرني بصراحة، هل سيسيليا هي السبب مجدد
Read more

حِمم العشق والقيد

مرّت ساعات الصباح ثقيلة ومحملة بالتوتر في أروقة القصر، وجاءت فترة بعد الظهيرة لتلقي بظلالها على الأرجاء. هناك، حيث تُحتجز **سيسيليا** بين جدرانٍ من حرير وذهب، كان السكون هو الحاكم المطلق. تلاشى الصداع الحاد الذي كان يمزق رأسها في الصباح، لكن حلّ مكانه عدوٌّ آخر لا يقلّ قسوة: **الملل الخانق**. ومن شدة الضجر ورتابة الوقت الذي لا يمر، استسلم جسدها للنوم؛ استلقت على بطنها فوق الفراش، وغرقت في نومٍ عميق، خصلاتها مبعثرة حول وجهها، غافلة عما يدور حولها من مؤامرات وحروب. انفتح الباب بهدوءٍ، وتقدم نوح بخطواتٍ صامتة كالفهد الذي يقترب من فريسته، وعيناه الرماديتان اللتان كانت قبل ساعاتٍ تتأملان الخرائط، تحولتا الآن إلى جمرتين من العشق الخالص... **عشقٍ يلامس حدود الجنون والهلاك**. بالنسبة لنوح، لم تكن سيسيليا مجرد امرأة عادية؛ كانت هوسه الأبدي، ذنبه العظيم الذي لا يطلب عنه غفراناً، والجنة الوحيدة التي يبتغيها في هذا العالم المظلم. جلس على حافة الفراش، وانحنى فوق جسدها المسترخي، مستنشقاً عبيرها الذي يسلب عقله في كل مرة. تطلّع إلى ملامحها الهادئة أثناء النوم، وشعر بتلك الرغبة العارمة ف
Read more

عطش ولي العهد

مرت الدقائق ثقيلة على سيسيليا بعد مغادرة نوح المفاجئة. كانت حرارة وفترة الظهيرة تتسلل من خلف الستائر السميكة لتزيد من اختناق جو الغرفة. بقيت مستلقية على فراشها تحاول جاهدة أن تطرد طيف نوح من مخيلتها المجهدة. بدا وكأن رائحة عطره الرجولي قد علقت بكل زاوية، دارت في رأسها أفكار عاصفة تلوم فيها نفسها وجسدها الذي خانها لثوانٍ واستسلم للمساته الساخنة وقبلته الحارقة التي زلزلت كيانها. كانت تشعر بمزيج من الغيظ والعجز وهي تتذكر نبرة صوته المليئة بالثقة والانتصار وهو يخبرها أن أسوار نسيانها هشة. قطع حبل أفكارها الممزقة صوت مألوف وهو صوت دوران المفتاح في القفل المعدني للباب. تيبس جسدها في مكانها تلقائياً وظنت للوهلة الأولى أن سجانها قد عاد مجدداً ليكمل معركته النفسية معها. لكن الباب انفتح ببطء شديد وبتردد لتدخل الخادمة الصغيرة ريتا وهي تحمل صينية وجبة الغداء. تقدمت الفتاة بخطوات واهنة وبطيئة للغاية، كان وجهها شاحباً تماماً كالأموات وغابت الحمرة عن وجنتيها بينما غرقت عيناها الواسعتان في هالة داكنة من البؤس والكآبة العميقة. بدا جسدها النحيل منكسراً وكأن هموم العالم كله قد هبطت فوق كتفيها د
Read more

ٱثار السحر

كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية صباحاً عندما تسلل داميان بخفة كالأشباح عبر المداخل السرية، وصولاً إلى أروقة جناحه الملكي الخاص. في تلك اللحظة، كان جسده يفيض بطاقة مرعبة ويسبح في بحر من النشوة؛ فبفعل كمية الدماء الوفيرة التي ارتشفها بنهم من نحر ذلك القاطع، تضاعف شعوره بالانتشاء والقوة بشكل لم يسبق له مثيل، كانت الدماء الحارة تسري في عروقه الباردة كالنار، تمنحه شعوراً بالسيادة المطلقة وتزيد من حدة حواسه الخارقة التي باتت تلتقط أنفاس القصر كلها. فتح باب جناحه ببطء شديد، ظناً منه أنه سيعود إلى فراشه لينعم ببعض السكينة، لكنه سرعان ما أدرك العكس، كانت فاليريا لا تزال مستيقظة بانتظاره، تجلس فوق المقعد القريب من الشرفة والملامح الحادة ترتسم على وجهها. تحت ضوء القمر الخافت والشموع الذائبة، كان شعرها الأحمر المموج ينساب على كتفيها بغزارة، يضيء كاللهب المتوهج في قلب ليلة مظلمة، ويسرق الأنظار بحمرته الصارخة. كانت مرتدية قميص نوم أبيض ناصعاً من الحرير الناعم، يلتف حول جسدها الممشوق، ليصنع تباينًا غريباً ومثيراً بين براءة اللون الأبيض المحيط بها، وبين حمرة شعرها ونظرات العشق الناري والانتظا
Read more

قلوب بلا سلطان

استقبلت سيسيليا لفحات نسيم الليل البارد، لكن صدرها ظلّ يعلو ويهبط بجنون، كأن الهواء يرفض أن يلج رئتيها. استنشقت النسيم بعمق، شهيقًا تلو الآخر، لكن الغصة في حلقها كانت أقوى من أن تذوب. كانت الدموع تتساقط من عينيها بلا انقطاع، ساخنة ومؤلمة، التفتت نحو نوح بنظرات ضائعة، وهمست بنبرة متقطعة شاهقة تخترق القلوب: "أنا أختنق يا نوح.. أختنق من الداخل.. ليتني أموت الآن، أريد الموت فقط لينتهي هذا العذاب... أرجوك، خذني من هنا، أنا لا أنتمي لهذا المكان.. أشعر وكأنني في عالم آخر، مظلم وموحش، يمتص روحي ببطء." نزلت كلمات سيسيليا على مسامع نوح كالصاعقة التي زلزلت كيانه بالكامل. "الموت!".. تلك الكلمة اللعينة التي ترفض روحه حتى مجرد سماعها منها. في تلك اللحظة، تحول الخوف في عينيه إلى مزيج مرعب من الجوع العاطفي، والاندفاع لحمايتها. لم يتمكن من السيطرة على وحش خوفه أكثر من ذلك، فانقض عليها كمن يحمي أثمن ما يملك في الوجود، وضمّ جسدها المرتجف إلى صدره بقوة هائلة، دافنًا وجهه بين خصلات شعرها، كأنه يحاول إدخالها بين ضلوعه ليحميها من العالم ومن نفسها. لأول مرة في حياته، كان جسد نوح القوي يرتجف ويهتز بعنف؛ ل
Read more

خيوط المكر

انقشعت قسوة الليلة الماضية لتفسح المجال لخيوط الشمس الدافئة وهي تتسلل برفق عبر نافذة غرفة سيسيليا. فتحت عينيها ببطء، وشعرت بثقل غريب في جفنيها وألم طفيف يذكرها بانهيار الليلة الماضية. التفتت بجسدها، لتجده هناك؛ كان نوح جالساً على كرسي بجانب فراشها، وقد أسند رأسه إلى الخلف وعيناه مغمضتان في نوم عميق، بينما ظهرت علامات التعب والإنهاك واضحة على ملامحه الرجولية. لم يغادر الغرفة طوال الليل؛ بل ظل ساهراً، يراقبها بقلق من أن تعاودها نوبة الهلع مجدداً، لم يستسلم للنوم إلا عندما اطمأن قلبه أن أنفاسها استقرت تماماً. أخذت سيسيليا تتأمل تفاصيل وجهه في صمت وسكون، كان يبدو في هذه اللحظة، ولأول مرة، هادئاً وخالياً من ذلك التوتر الذي يحمله دائماً على كتفيه. تأملت يده القوية المسترخية على جانب الكرسي، وتذكرت كيف كانت هذه اليد تمسح على ظهرها بحنان، وكيف كان نبض قلبه تحت كفها يصرخ بعشق كبير مستعد لمجابهة الموت والمملكة لأجلها. شعرت بغصة في حلقها، لكنها لم تكن غصة وجع هذه المرة، بل مزيجاً من الامتنان العميق؛ تساءلت في سرها كيف لرجل بهذا الجبروت والقوة أن يرتجف ذعراً فقط لأنها تمنت الرحيل عن هذا الع
Read more

اعترافات مشحونة

سحب لها المقعد الخشبي بحرص وتأكد من استقرارها براحة تامة قبل أن يأخذ مكانه في المقابل، لتتطلع سيسيليا إلى الطاولة التي تحولت إلى لوحة شهية نُسِجت تفاصيلها خصيصاً لأجلها. لم تكن المائدة مجرد فطور عابر، بل كانت تجسيداً دقيقاً لكل ما يبهج قلبها؛ حيث تربع في المنتصف طبق من البيض المطهو بالطريقة التي تفضلها، تحيط به شرائح اللحم الرقيقة والمحمرة لدرجة المثالية، والتي تنبعث منها رائحة شهية تفتح الشهية. يجاورها وعاء بلوري مليء بالتوت البري والفراولة الطازجة التي قُطفت مع أولى خيوط الفجر وهي لا تزال تحتفظ برطوبة الندى، بينما تصاعد البخار العطري من إبريق الشاي المعد بنكهة زهرة البرتقال، وهو المشروب الذي تلجأ إليه دائماً لتهدئة روعها. نظرت سيسيليا إلى الأطباق المرتبة بعناية بالغة، ثم رفعت عينيها نحو نوح الذي كان يتابع ملامحها بترقب لا يناسب قسوته، شعرت بجبل الجليد في صدرها يبدأ بالذوبان أمام هذا الصبر والاهتمام الذي يغرقها به. انفرجت شفتاها عن ابتسامة حقيقية غابت عن وجهها منذ دهر، وسرت في أوصالها قشعريرة وهي تسأل نفسها بدهشة: *«كيف علم بكل هذا؟ كيف حفظ أدق تفاصيل نكهاتي المفضلة؟»* لكن الإجا
Read more

الرسالة المسمومة

ظل نوح واقفاً في مكانه وسط ظلال الأشجار الكثيفة، يتابع طيفها الهارب كغزال يفر من عرين الأسد. لم يحرك ساكناً ليلحق بها، بل بقيت عيناه تلمعان ببريق غاب عنه الغضب تماماً، ليرتسم على شفتيه تدريجياً خط منحنٍ من ابتسامة عريضة، ساحرة تفيض بالانتصار والبهجة؛ فقد علم يقيناً أن حيلة "اقتراب ريتا" لم تكن سوى كذبة يائسة أخرى نسجها ارتباكها لتنقذ ما تبقى من كبريائها وحصونها المتهاوية. اهتز صدره بضحكة منخفضة؛ لقد نجحت في إغضابه لثوانٍ، لكنها منحت روحه في المقابل أثمن اعتراف غير مقصود؛ فرجفتها وصدمتها الحسية أخبرتاه بكل ما يحتاج لمعرفته. أرجع خصلات شعره الداكنة إلى الخلف ونطق بهمس تملكي وعيناه معلقتان بنوافذ جناحها في الطابق العلوي: > "اهربي كما تشائين... فكل الطرق في النهاية لا تؤدي إلا إليّ، وجسدكِ الصغير بات يعرف صاحبه الآن." استجمع هدوءه، وعدّل ياقة قميصه مستمتعاً بانتصاره العاطفي عليها، قبل أن يغادر أسوار القصر متوجهاً صوب «قلعة الصيادين»؛ كان لابد من تفقد الأوضاع هناك بنفسه، فقد غاب وقتا طويلاً جداً. 🔥🔥🔥🔥 مع انطفاء آخر خيوط الشمس وهبوط الليل بستاره الكئيب، غلف القصر هدوء مريب،
Read more

جدار من جليد

تقدم نوح بخطوات ثقيلة وموزونة، كانت عباءته الداكنة تتطاير خلفه كأجنحة غراب في جوف الظلام، وعيناه الحادتان تفترسان كل تفصيلة في الحديقة؛ من الحراس إلى ألسنة اللهب التي كانت تلتهم آخر البقايا. توقف على بعد خطوتين منها. تفككت برودته وحل مكانها قلق مكتوم وثوران داخلي، خاصة عندما انكمشت ملامحه فجأة وهو يستنشق الهواء؛ فحواسه الخارقة، التقطت فوراً خيوط تلك الرائحة النفاذة... رائحة غريمه الأزلي "داميان" ممتزجة برائحة دماء جافة. نظر إلى طفلته العنيدة، فرأى وجهاً لم يعهده فيها من قبل. جمود وهدوء تام، تقدم خطوة إضافية، ليحجب بـجسده بقايا الحريق، ونطق بصوت عميق، تملؤه سلطة آمرة حاول جاهداً كبح جماح غضبها: "ماذا يحدث هنا يا سيسيليا؟ ما هذا الجحيم الذي أشعلتِهِ في هذا الليل؟" لم ترمش سيسيليا، ولم تلتفت إليه حتى. بقيت عيناها الزرقاوان معلقتين بالرماد المتطاير في الهواء البارد، وكأن نوح لم يكن موجوداً، أو كأنه مجرد طيف عابر لا يستحق عناء الالتفات. استفزه هذا الصمت الذي بات يمزق أعصابه. امتدت يده، وبـحركة حملت مزيجاً من القسوة والتملك الحذر، قبض على رسغها وأجبرها على الالتفات لتواجه عينيه اللت
Read more

العقاب الأليم

دوت صفعة الباب الثقيل لـتهز أركان الجناح، جلست سيسيليا منتصف السرير، وضمت ركبتيها إلى صدرها، كـطائر جريح أصابته السهام من كل جانب. انهمرت دموعها بـصمت شديد، شاقةً طريقها فوق وجنتيها، ووضعت يدها المرتعشة فوق صدرها، محاولة كبح ذلك الألم العنيف الذي يعتصر قلبها بـقوة. كانت غارقة في حيرة قاتلة؛ لـماذا يؤلمها قلبها بـهذا الشكل لـرحيله وتخليه عنها هكذا؟ لم تكن تبكي من أجل داميان، فـقصته انتهت بـالنسبة لها، لكن الألم الجديد كان مختلفاً... كان ألم العجز أمام رجل لم تكن تتوقع أن كلماته قد تملك هذه القدرة على تمزيقها. "أنا لا أريد خداعه..." همست لـنفسها بـنبرة مخنوقة تائهة في الظلام. لم يكن ارتماؤها في أحضانه مكيدة مدبرة، ولا استغلالاً بـدماء باردة لـقوته كما ظن نوح. لقد كانت بـالفعل تبحث عن ملاذ، عن ركن آمن يحميها من شياطين عقلها، وظنت لـثانية واحدة أن الطاغية كما تسميه سيكون ملجأها الوحيد. لكن كبرياءه وغروره رفضا رؤية مشاعرها، واختصرا ضعفها وترددها في خانة الخداع. في وسط ذلك البكاء، بدأت الغشاوة تتضح عن عينيها لـتدرك الحقيقة المرعبة التي كانت تغفلها وتتجاهلها طوال الوقت. ذلك
Read more
PREV
123456
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status