Share

part 68

last update publish date: 2026-07-25 07:51:43

تخللت أشعة الصباح الأولى ثنايا الستائر الخفيفة، لتلقي بظلال ذهبية دافئة فوق أرجاء غرفة النوم الساكنة. استيقظت حواس ليلى ببطء على حرارة أنفاس ياسر الموزونة المنتظمة، وشعرت بذراعه القوية التي ما زالت تحيط بخصرها بكل ثبات طوال الليل، وكأن جسده يحرسها حتى في أعمق لحظات استغراقه في النوم.

فتحت ليلى عينيها بتأنٍ، واستقبلت الضوء الصباحي النقي بابتسامة صبيحة هادئة. رفعت رأسها قليلاً لتتأمل وجه ياسر الاسترخائي القريب منها؛ كانت ملامحه الحادة التي اعتادت عليها في الموقع قد تراخت تماماً، واختفت منها كل آ
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • عاشقان المدينه    part 70

    غربت شمس ذلك اليوم العصيب، تاركة خلفها سماءً مكفهرة بلون الرصاص، وكأن الطبيعة تشارك المكان كآبته وثقله. خيم الصمت المطبق على أرجاء الساحة الميدانية بعد أن غادر العمال والمقاولون، ولم يبقَ في الموقع سوى غبار التراب وصوت الريح المحملة بالحرارة، وذكريات صدمة لم تكن في الحسبان. كان ياسر يقف عند باب الكرفان الميداني، ينظر إلى الكرسي الخالي الذي كانت تجلس عليه ليلى قبل ساعات. كان المكان يبدو فارغاً بشكل مرعب، وكأن الروح قد سُحبت منه تماماً. لم تكن الصدمة التي أحدثها في قلبها مجرد كلمة قاسية عابرة، بل كانت شرخاً في الجدار المتين الذي بنياه معاً بالحب والوفاء؛ فقد أهان كرامتها المهنية والشخصية أمام رجل طفيلي لم يكن يساوي شيئاً في معادلة حياتهما. استقل ياسر سيارته وانطلق بها نحو المدينة. كانت يداه تقبضان على عجلة القيادة بتشنج، وعيناه ترصدان الطريق بجمود، بينما كان عقله يغلي بمزيج حارق من الندم والعجز. كان يتذكر نبرة صوته الحادة وهو ينهرها: *"اسكتِ خالص وما تتدخليش!"*.. كانت تلك الكلمات تتردد في أذنيه كوقع المطارق الثقيلة، فيتأوه بصوت خفيض ويهز رأسه بحسرة، مدركاً حجْم الجرم الذي ارتكبه بحق ا

  • عاشقان المدينه    part 69

    في اليوم التالي، عاد الهدوء الظاهري ليتسيد أجواء الموقع الهندسي، لكن الأجواء في كرفان الإدارة الميداني كانت على وشك الاشتعال مجدداً، وهذه المرة لم يكن السبب ذكريات قديمة أو نظرات عابرة، بل تطفلاً مهنياً وشخصياً تجاوز كل الحدود المقبولة. كان "جلال"، أحد المقاولين الموردين للحديد الخرساني والمشرفين على تنفيذ الهياكل الفرعية، يمر بأزمة مالية وتنظيمية في مقاولاته. دخل إلى مكتب ياسر في الكرفان الميداني، حاملاً ملفات وشيكات، وعلى وجهه إصرار مريب للتدخل في تفاصيل الدفعات والترتيبات الإدارية للشركة. كانت ليلى تجلس عند المكتب الماورائي تراجع الحسابات الجارية، بينما كان ياسر يقف متكئاً على الطاولة الخشبية الكبيرة، ممسكاً بقلمه ومصغياً في بداية الأمر باحترافية جادة. لكن جلال بدأ يتجاوز حدوده المهنية المعتادة بشكل فج ومباشر. "شوف يا بشمهندس ياسر.." قال جلال بنبرة فيها تعالٍ وتدخل غير مقبول، "أنا شايف إن طريقة إدارتكم للميزانية فيها اندفاع مالوش لازمة. أنت بتضغط الشغل وتصرف مبالغ ضخمة على صبات الدور التاسع والحديد المقوى، وده بيزنقنا كلنا في السيولة. وبصراحة كدة.. الباشمهندسة ليلى بتعتمد المخطط

  • عاشقان المدينه    part 68

    تخللت أشعة الصباح الأولى ثنايا الستائر الخفيفة، لتلقي بظلال ذهبية دافئة فوق أرجاء غرفة النوم الساكنة. استيقظت حواس ليلى ببطء على حرارة أنفاس ياسر الموزونة المنتظمة، وشعرت بذراعه القوية التي ما زالت تحيط بخصرها بكل ثبات طوال الليل، وكأن جسده يحرسها حتى في أعمق لحظات استغراقه في النوم. فتحت ليلى عينيها بتأنٍ، واستقبلت الضوء الصباحي النقي بابتسامة صبيحة هادئة. رفعت رأسها قليلاً لتتأمل وجه ياسر الاسترخائي القريب منها؛ كانت ملامحه الحادة التي اعتادت عليها في الموقع قد تراخت تماماً، واختفت منها كل آثار الجهد والغيرة النارية التي اشتعلت بالأمس، ليحل محلها رضا رجولي هادئ وسكينة صافية. في تلك اللحظة بالذات، بدأ ياسر يستعيد وعيه ببطء. فتح عينيه الداكنتين، والتقت نظراتهما في صمت دافئ يفيض بالقرب والارتياح. لم تكن هناك حاجة للتعجل أو الخروج السريع كما كانت العادة في أيام العمل الميداني الشاق؛ فقد كان هذا الصباح المخصص للراحة والترتيبات الشاملة فرصة استثنائية للتنفس والتفكير الهادئ. ابتسم ياسر ابتسامة رجولية حنونة، وشدها نحو أحضانه أكثر، طابعاً قبلة رقيقة وطويلة على رأسها المترامي على صدره، وقا

  • عاشقان المدينه    part 67

    قطع المحرك أنفاسه مع وصول السيارة إلى أسفل البناية السكنية، واستقرت العتمة النظيفة حولهما بعد رحلة طويلة عبر طرقات المدينة الهادئة. كانت أنوار الشوارع الخلفية ترسم ظلالاً خفيفة على زجاج السيارة، بينما جلس الاثنان لثوانٍ معدودة داخل صمت مريح، يستشعران انتهاء صخب موقع البناء، وغبار الخرسانة، ومناورات النهار الشاقة. صعدا السلالم بخطوات متقاربة ووئيدة. وما إن فتح ياسر باب الشقة الدافيء حتى ولجا إلى الداخل، وأُغلق الباب خلفهما برفق، ليحجب العالم الخارجي بكل ما فيه من تعب وضغوط ورجال وشحنات وأوراق استشارية، مفسحاً المجال لعالمهما الخالص الذي تنمحي عند عتبته كل الرسميات. خلعت ليلى سترتها الميدانية وحذاءها عند المدخل، وأرسلت شعرها ليتنفس بحرية على كتفيها، متخلصة من قيد الخوذة وضغط النهار. وفي هذه الأثناء، كان ياسر يضع مفاتيحه وأوراق العمل على الطاولة المجاورة، ثم التفت نحوها بنظرة تحمل مزيجاً من الهدوء المبتغى والتعب الصادق، والامتنان التام لرؤيتها مجدداً تحت سقف حمايته الصافية. اقترب ياسر منها بخطوات بطيئة، ودون أن ينطق بكلمة، مد ذراعيه القويتين وحوط خصرها الناعم، ساحباً إياها نحو صدره ال

  • عاشقان المدينه    part 66

    تحركت السيارة نحو أرض الموقع وشمس الصباح تعتلي أفق الصحراء، تاركة خلفها خطوطاً ذهبية حارقة تمتد فوق الرمال الخرسانية. كان ياسر يقود بحزم، يداه تقبضان على عجلة القيادة بقوة تظهر مفاصله البارزة، وعيناه ترصدان الطريق الممتد أمامه بجمود وتركيز مضاعف. بجانبه، كانت ليلى تجلس بهدوء، تتابع الحركة السريعة للسيارات الميدانية، وتختلس بين الحين والآخر نظرات ممتلئة بالفهم والود نحو ملامح زوجها المشدودة.وما إن وطئت إطارات السيارة أرض الساحة الترابية، حتى سادت حالة من الاستنفار الشديد لدى الطاقم والمقاولين. أوقف ياسر المحرك، والتفت نحو ليلى قبل أن يفتح الباب، ممسكاً بيده كفها الناعم بضغطة خفيفة ومحملة برسالة غير مسبوقة:"ليلى.. أي أوراق، أي اعتمادات فنية، أو مراجعة مع المكتب الاستشاري الرئيسي اللي فيه 'جمال'، هتروح الميكانيكي أو المحاسب الأول، وأنا اللي هستلمها منك بالكامل وأراجعها معاه. أنتِ مش هتتعاملي مع اللجان دي بصفة مباشرة النهاردة.. مفهوم؟"تأملته ليلى لثوانٍ، ورأت كيف تحول الرجل الصلب الممتلئ بالثقة إلى قائد عسكري يرسم خطوط حماية جغرافية وشخصية حول أرضه الحبيبة. لم تنطق بكلمة اعتراض، بل ا

  • عاشقان المدينه    part 65

    انشق صباح اليوم التالي هادئاً وناعماً، ورشحت خيوط الشمس الذهبية الأولى من خلال فتحات الستائر الخفيفة لتلقي بظلال دافئة على الشقة الساكنة. كان الهواء يحمل في طياته برودة الصباح الخفيفة وعبيراً زكياً من الهدوء الذي يتلو العواصف، غير أن هذا السكون كان يغلف في باطنه تحولاً مباغتاً في إيقاع اليوم، تحولاً لم تكن ليلى تحسب له أي حساب.استيقظت ليلى في ميعادها المعتاد بكل نشاط وحيوية. ارتدت ملابسها الميدانية العملية، وجمعت شعرها المنسدل بدقة تحت القبعة المخصصة للموقع، وأمسكت بمجلد المخططات التفصيلية لتراجع جدول الأعمال المزدحم المنتظر لهما في الساحة. كانت روحها معبأة بالإصرار والتحدي؛ فاليوم هو يوم المتابعة مع اللجان الاستشارية، وتدقيق قياسات الأساسات المسلحة التي تتطلب دقتها الهندسية الحازمة.خرجت ليلى من الغرفة متجهة نحو المطبخ، لتجد ياسر يقف عند الطاولة الصغرى. كان قد ارتدي بنطاله الميداني وقميصه، لكنه لم يلبس خوذته بعد، وكان يحتسي القهوة ببطء شديد وعيناه شاردتان في الفراغ، يحمل في ملامحه المرفوعة سيماء حازمة ومبهمة في آن واحد.اقتربت ليلى منه بابتسامة صبيحة عذبة، وقالت بصوت ناعم يقطر بال

  • عاشقان المدينه    part 6

    لم تستيقظ ليلى في الصباح وهي تشعر أن شيئًا قد تغيّر بشكل واضح، لكن هناك شعورًا خفيفًا كان يرافقها منذ الليلة السابقة، شيء يشبه التردد، أو ربما الفضول، أو ذلك الفراغ الذي يتركه الكلام غير المكتمل بين شخصين لا يعرفان كيف يقتربان ولا كيف يبتعدان. خرجت من غرفتها بهدوء، وكان البيت قد بدأ يستعيد حركت

  • عاشقان المدينه    part 5

    وفي اللحظه التي همسات بها بذلك، لم تكن تعرف إن كانت تتحدّث عنه هو ياسر !! أم عن حياتهما الجديدة، والتي كانت غريبه بالفعل وغير متوقعه لكنها أدركت شيئًا واحدًا فقط أن ما بدأ بينهما… لم يكن كما توقّعت. ولا كما أرادت يوما ولا حتي كما تخيلت أن يصل الأمر بينهم ل هنا زواج !يبدو كشئ لم تكن تت

  • عاشقان المدينه    part 4

    مرّ شهرٌ كامل شهرٌ لم يكن عاديًا، ولا يمكن وصفه بسهولة. لم يكن زمنًا يُقاس بالأيام، بل بما تراكم فيه من صمتٍ، احتكاكٍ، وتجاهلٍ متعمّد. تحوّل البيت تدريجيًا… من هيكلٍ مهجور إلى مكانٍ قابلٍ للحياة. الجدران التي كانت باهتة، استعادت لونها. النوافذ فُتحت، ودخل الضوء أخيرًا. والأرض المحيطة…

  • عاشقان المدينه    part 3

    لم يبتسم أحد لهذه الموافقه.،لم يهنّئ أحد وكأن هذا المفروض عليهم بالفعل او ممكن لأن الجميع كان يعلم… أن ما بدأ الآن، ليس زواجًا رومانسيا بل معركة جديدة، لكن هذه المرة، معركه تحت سقفٍ واحد. وبين جدران مدينةٍ بعيده، لا مكان فيها للهروبفي اليوم التالي لم يكن الطريق قصيرًا ولا الرحلة مريحة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status