جميع فصول : الفصل -الفصل 90

154 فصول

الفصل 81

في اليوم التالي، زار ليال طبيب الأعصاب. دكتور يوسف (اسم مختلف عن صديقها القديم). رجل في الخمسين، نظارة سميكة، شعر رمادي، صوت هادئ. فحصها. سألها أسئلة: "ما اسمكِ؟ ما اسم زوجكِ؟ كم عمر ولديكِ؟ أين تعيشين؟" أجابت على كل شيء. كانت ذاكرتها سليمة. تتذكر القصر. تتذكر آدم. تتذكر عمر. تتذكر أنس. تتذكر باريس. تتذكر كل شيء. "الحمد لله. الذاكرة سليمة. لكن هناك شيء آخر." "ماذا؟" "هل تشعرين بأي خدر في جسدكِ؟ أي ضعف؟ أي تنميل؟" فكرت. حركت أصابع يديها. كانت بخير. حركت أصابع قدميها. كانت بخير. لكنها شعرت بشيء غريب في جانبها الأيسر. كان أقل قوة. أقل استجابة. "هنا." قالت. "يدي اليسرى... أشعر أنها أقل قوة." دوّن الطبيب ملاحظاته. "هذا طبيعي. السقوط أثر على الأعصاب في جانبكِ الأيسر. قد يستغرق شهوراً حتى تتعافين تماماً. لكنكِ ستتعافين. مع العلاج الطبيعي." "كم شهراً؟" "ثلاثة. ربما ستة. ربما أكثر. كل حالة تختلف." ليال نظرت إلى يدها اليسرى. كانت يدي الفنانة. يدي التي ترسم. التي تمسك الفرشاة. التي تخلق الجمال. إذا ضعفت، ماذا سيحدث لرسوماتها؟ ماذا سيحدث لحلمها؟ آدم وقف خلفها. وضع يده على كتفها. "س
اقرأ المزيد

الفصل 82

عادت ليال إلى القصر بعد عشرة أيام في المستشفى. كانت السماء تمطر عندما توقفت السيارة أمام البوابة الحديدية الكبيرة. المطر الخفيف كان يبلل الزجاج، يجعل العالم يبدو ضبابياً، أشبه بلوحة مائية لم تكتمل بعد. نزل آدم أولاً، ثم فتح بابها، ثم حملها بين ذراعيه كأنها لا تزن شيئاً. "آدم، أستطيع المشي." "أعلم. لكني أريد أن أحملك." لم تجادله. كانت متعبة جداً على الجدال. كانت يداها اليسرى لا تزال ضعيفة، ورأسها كان يؤلمها أحياناً، وجسدها كله كان يشكو. لكن قلبها كان خفيفاً. كانت عائدة إلى بيتها. عمر كان ينتظر عند الباب. ركض نحوها بمجرد أن رآها. كان يرتدي ثوبه الأزرق المفضل، وشعره منكوش، وعيناه تدمعان. "ماما! ماما!" صرخ واحتضنها وهي لا تزال في حضن آدم. "أنا هنا يا عموري. أنا هنا." أنس وقف خلف عمر. كان صامتاً. كان يرتدي قميصاً أبيض نظيفاً، وشعره المجعد مصففاً بعناية. كان واضحاً أنه استعد لاستقبالها. في يديه وردة بيضاء واحدة. مدها إليها بصمت. أخذت ليال الوردة. شمتها. كانت تفوح برائحة الحديقة. "شكراً يا أنس. إنها جميلة مثلك." ابتسم. ابتسامته الخجولة الصغيرة. ثم أمسك بيدها اليمنى، بينما كان آدم
اقرأ المزيد

الفصل 83

في المصحة، كانت سيلين تستعد للخروج. الأطباء قالوا إنها تحسنت كثيراً. الأدوية انتظمت. جلسات العلاج النفسي كانت فعالة. بدأت تعترف بأخطائها. بدأت تندم. بدأت تتغير. لكن التغيير الحقيقي لا يأتي بين عشية وضحاها. في زنزانتها البيضاء الصغيرة، جلست على سريرها. كانت تحدق في النافذة. كانت تفكر. تفكر في ليال. في آدم. في عمر. في أنس. في كل شيء. سألت الممرضة: "هل يمكنني استخدام الهاتف؟" "لمن؟" "لصديق. لعم نبيل." أعطتها الممرضة الهاتف. اتصلت بنبيل. صوتها كان هادئاً. لم يكن صوت المجنونة التي كانت. كان صوت امرأة تخطط. "عم نبيل، أريد أن أطلب منك معروفاً." "تفضلي." "أريد دعوة لحفل زفاف آدم وليال." صمت نبيل. ثم قال: "كيف عرفتِ؟" "عرفتِ. دائماً أعرف. هل ستساعدني؟" "ماذا تريدين أن تفعلي هناك؟" "لا شيء. فقط أريد أن أراهما سعيدين. وأريد أن أعتذر. اعتذاراً حقيقياً. أمام الجميع." صمت نبيل طويلاً. كان يعرف سيلين. كان يعرف أنها قادرة على أي شيء. لكنه كان يعرف أيضاً أن الناس يتغيرون. ربما كانت صادقة. ربما لم تكن. "سأحضر لكِ الدعوة. لكن بشرط." "ما هو؟" "أن تأتي معي. وألا تفعلي أي شيء غبي." "لن أ
اقرأ المزيد

الفصل 84

واقفة عند الباب. ترتدي ثوباً أسود طويلاً. شعرها منسدلاً. وجهها شاحب. عيناها الخضراوان كانتا تلمعان. كانت وحدها. ليس معها عم نبيل. ولا أحد. ساد صمت قاتل. الموسيقى توقفت. النظارات تحولت إليها. آدم تقدم خطوة ليحمي ليال. وقف أمامها. "سيلين. ماذا تفعلين هنا؟" "جئت لأهنئكما." قالت بصوت هادئ. "ألا يحق لي؟" "بعد كل ما فعلته؟" "بعد كل ما فعلته... جئت لأعتذر. حقاً هذه المرة. أمام الجميع." تقدمت خطوة. همس الحضور. بعضهم عرفها. بعضهم خاف. بعضهم كان فضولياً. "ليال." نادتها سيلين. "أنا آسفة. لكل شيء. لتهديداتي. لأكاذيبي. لمحاولاتي تدميركِ. لأخذي أنس من دون علمك. لكل شيء." ليال وقفت خلف آدم. كانت ترتجف. لكنها أمسكت بذراع آدم ودفعته برفق. تقدمت هي. "سيلين..." "لا تقولي شيئاً. فقط اسمعي. أنا مريضة. أعرف ذلك الآن. أنا أتعالج. أنا أحاول أن أكون أفضل. لكني أريد أن أبدأ بالاعتراف بأخطائي. وأنتِ أولها." صمتت. كانت تبكي. كانت دموعها حقيقية هذه المرة. لم تكن تطلب شيئاً. لم تكن تخطط لأي شيء. "سامحتكِ سيلين." قالت ليال بصوت هادئ. "منذ وقت طويل. من يوم سقطتِ في المعرض وبكيتِ على كتفي." "لا أستحق."
اقرأ المزيد

الفصل 85

في الطابق الآخر، كانت ليال لا تنام أيضاً. كانت جالسة على سريرها. كانت ترتدي ثوب نومها الحريري الأبيض. شعرها منسدل على كتفيها. وجهها مضيء بالأمل والخوف معاً. كانت تنظر إلى فستان الزفاف المعلق على حائط الغرفة. فستان أبيض طويل، بسيط لكنه أنيق. لم تره من قبل. كان آدم قد اختاره بنفسه. أرسله مصمم من باريس، وصل قبل أسبوع، وظل معلقاً في غرفتها كحلم ينتظر أن يتحقق. كان الفستان مصنوعاً من الحرير والدانتييل الناعم. أكمامه طويلة وشفافة. وتفاصيله الصغيرة كانت تشبه رسوماتها: أزهاراً مطرزة بالفضة، ونجوماً صغيرة متناثرة على الذيل الطويل. همست لنفسها: "هل أستحق كل هذا؟" كان سؤالاً قديماً. سؤالاً رافقها منذ الطفولة. عندما كانت والدتها تهمس للجارات: "هذه البنت لا تستحق الحب. هذه البنت عار." عندما كان والدها الشرعي يصرخ في وجهها: "أنتِ لا تستحقين اسمي. أنتِ لا تستحقين بيتي." عندما كانت سيلين تهمس في أذنها في المعرض الأول: "أنتِ لا تستحقين آدم. أنتِ لا تستحقين هذا القصر." طرق الباب. "ادخل." دخلت عمر. كان يرتدي بيجامته الزرقاء، وشعره منكوش، وعيناه تلمعان في الظلام. كان يحمل وسادته الصغيرة تحت ذراع
اقرأ المزيد

الفصل 86

بدأت الاستعدادات. خبيرة تجميل جاءت إلى القصر. كانت تحمل معها حقائب ضخمة مليئة بأدوات المكياج ومستحضرات التجميل. كانت امرأة في الأربعين اسمها ميرنا. عيناها خضراوان، وشعرها أشقر قصير. وكانت تعرف ما تفعله. "ليال، سأجعلكِ أجمل عروس في العالم." "أنا لا أريد أن أكون أجمل عروس. أريد أن أكون نفسي. فقط أفضل قليلاً." ابتسمت ميرنا. "هذا أجمل طلب سمعته في حياتي." بدأت تضع المكياج. كانت خبرة. كانت تعرف كيف تبرز ملامح ليال الجميلة دون أن تطغى عليها. جعلت عيونها البنية تبدو أكبر، وأعمق، وأكثر بريقاً. جعلت شفتيها تبدوان أكثر امتلاءً. جعلت بشرتها البيضاء تشع كالقمر. ناديا وقفت خلفها. كانت تراقب. كانت تبكي فرحاً. كمال دخل الغرفة. كان يرتدي بدلته الرمادية. كان قد حلاق لحيته. بدا أصغر سناً. كان يبتسم. كان سعيداً. "كيف تشعرين يا ابنتي؟" "كالأميرة. لكن بدون تاج." "التاج سيأتي لاحقاً. مع الحب." ضحكت. ضحكت ليال بصوت عالٍ. ضحكة حررت كل الخوف المختزن في قلبها. عمر وأنس دخلا الغرفة. عمر كان يرتدي بدلته الزرقاء الصغيرة، وأنس بدلته البيضاء. كانا يحملان الخواتم على وسادة مخملية زرقاء. "ماما! أنتِ جميل
اقرأ المزيد

الفصل 87

وصفق الحضور. وهتف الأطفال. وبكت الأمهات. وضحك الآباء. وكانت ليال تبكي. كانت تبكي فرحاً. كانت تبكي لأنها تعبت كثيراً ووصلت أخيراً. كانت تبكي لأنها تستحق. كانت تبكي لأن الحب الحقيقي موجود. وكانت تبكي لأنها وجدته. آدم مسح دموعها بقبلة. "لا تبكي. اليوم يوم فرح." "هذه دموع فرح." "إذاً استمري في البكاء. أنتِ جميلة عندما تبكين." ضحكت. ضحكت من قلبها. ضحكة حررت كل شيء. وبدأ الحفل. الرقصة الأولى كانت الأصعب. ليال كانت لا تزال ضعيفة. يداها اليسرى كانت تؤلمها. لكنها أرادت أن ترقص. أرادت أن تشعر بأنها امرأة طبيعية، لا مريضة، لا ضعيفة، لا معاقة. آدم لف ذراعه حول خصرها. أمسك يدها اليمنى. قادها ببطء. كان يديرها بلطف. كان ينظر إليها كأنها معجزة. "هل تتألمين؟" "قليلاً. لكن الألم جميل اليوم." "كيف؟" "لأنه يذكرني أنني حية. وأنني أستطيع أن أشعر." دارا على أنغام الموسيقى. كانت الموسيقى حزينة بعض الشيء، جميلة، عميقة. كانت تعزف على البيانو والكمان. الناس كانوا يراقبون. كانوا يبكون. كانوا يبتسمون. كانوا يشعرون أنهم يشهدون شيئاً نادراً: حباً حقيقياً. حباً تجاوز الألم. حباً انتصر
اقرأ المزيد

الفصل 88

نهضت ببطء. مشت إلى داخل الغرفة. نظرت إلى آدم. كان لا يزال نائماً. لم توقظه. أرادت أن ترى بنفسها. ربما كان مجرد بريد. ربما كان أحد الأقارب. ربما كان كمال قد نسي شيئاً في الخارج. خرجت من الغرفة. نزلت الدرج ببطء، ممسكة بالسور بقوة. كانت تتذكر سقوطها في كل مرة تمر من هنا. كانت تتذكر الألم. كانت تتذكر الدم. كانت تتذكر خوف أنس عندما رآها على الأرض. كانت ترتجف قليلاً، لكنها أكملت. ناديا كانت قد نزلت قبلها. كانت واقفة عند الباب الرئيسي، تتحدث مع أحد الخدم بصوت منخفض. وجهها كان شاحباً. يداها كانتا ترتجفان. "ما الأمر؟" سألت ليال. التفتت ناديا. نظرت إليها بعينين خائفتين. "ليال... هناك من يريد رؤيتكِ." "من؟" "لم يقل اسمه. لكنه أصر على أن يرك. وقال إنكِ تعرفينه. وإن لديه هدية لكِ. بمناسبة زفافكِ." شعرت ليال بقشعريرة تسري في جسدها. من يعرف بها؟ ومن يأتي في هذا الوقت المبكر من الصباح؟ ومن يصر على رؤيتها قبل أي شخص آخر؟ "أين هو؟" "في الصالة الشرقية. أصر على ألا يدخل الصالة الرئيسية. قال إنه لا يستحق." شيء غريب. شيء مخيف. كمال كان قد عاد للتو من السوق. كان يحمل الخبز الطازج والفواكه. عندما ر
اقرأ المزيد

الفصل 89

"لا تخافي. لن ألمسكِ. ليس اليوم. ليس هنا. لكنني سألمس كل شيء تملكينه. سآخذ كل شيء. بيتكِ. زوجكِ. أطفالكِ. سأجعلهم يعرفون من تكونين حقاً." "هم يعرفون من أكون." "يعرفون أنكِ ضحية؟ يعرفون أنكِ كنتِ عاهرة؟ يعرفون أنكِ حملتِ مني؟ يعرفون أنكِ أجهضتِ؟" لم تستطع الكلام. كانت دموعها تسيل. كانت تبكي بصمت. كانت تتألم. "سأخبرهم. سأخبر آدم. سأخبر الخدم. سأخبر الصحف. سأجعل قصتكِ قصة الجميع. سأجعل اسمكِ عاراً في كل بيت." "لماذا؟ لماذا تفعل هذا؟" اقترب أكثر. كان وجهه على بعد سنتيمترات من وجهها. كان بإمكانها شم رائحة سجائره الرخيصة، ورائحة عرقه، ورائحة الشر. "لأنني أستطيع. لأنني كنت في السجن وأنتِ تعيشين في قصر. لأنني عانيت وأنتِ سعيدة. لأنني لا أستطيع أن أكون سعيداً ورؤيتكِ سعيدة." سمعت خطوات خلفها. كان كمال. دخل الغرفة مسرعاً. وقف بينهما. "اخرج. الآن. أو سأكسر رقبتك." نظر الرجل إلى كمال. عرفه. كان يعرفه من الماضي. من الأيام التي كان يزور فيها بيت خالته. من الأيام التي كان يراقب فيها ليال من بعيد. "كمال. الخادم العجوز. ما زلت تحميها؟ ما زلت تحبها؟ تعلم أنها لا تستحق. تعلم أنها كانت... سهلة
اقرأ المزيد

الفصل 90

لم يغادر الرجل القصر بجسده فقط. بل ترك خلفه شيئاً أكثر إيلاماً: الخوف. خوف يتسلل إلى الجدران كالرطوبة. خوف يجعل الهواء أثقل. خوف يجعل الأضواء تبدو باهتة والابتسامات مصطنعة. ليال لم تنم تلك الليلة. ولا الليلة التي تليها. كانت تجلس على حافة السرير، تحدق في النافذة، تعيد كلماته في رأسها مراراً وتكراراً. "سأخبرهم. سأخبر آدم. سأخبر الصحف." كانت تعلم أن لديه القدرة على تدميرها. ليس لأنه قوي. بل لأن العالم لا يزال يحكم على الضحايا أكثر مما يحكم على الجلادين. كانت تعلم أن الناس سينظرون إليها بعيون مختلفة إذا عرفوا. بعضهم سيشفق. وبعضهم سيتهم. وبعضهم سيبتعد. آدم كان يحاول. كان يتحدث معها. يمسك يدها. يخبرها أنها ليست وحدها. لكن الكلمات كانت تفقد معناها عندما يكون الخوف أكبر منها. في اليوم الثالث، حدث شيء غير متوقع. جاءت مكالمة من محامي آدم. رجل في الخمسين، صوته هادئ، كلماته مدروسة. اسمه المحامي زكي. كان قد بدأ التحقيق في أمر رامي فور مغادرته القصر. "سيد آدم، لدي أخبار." "جيدة أم سيئة؟" "كلاهما. الأخبار الجيدة: يمكننا منع رامي من الاقتراب من القصر والعائلة. أمر قضائي عاجل. يوقعه القاضي ال
اقرأ المزيد
السابق
1
...
7891011
...
16
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status