All Chapters of مدينة مظلمة: ما يحدث في المدن الصغيرة : Chapter 61 - Chapter 70

75 Chapters

الفصل الحادي والستون

دلفَت آن سيجال إلى مكتب والدها في الطابق العلوي من مقر شركات العائلة القابضة. كان المكتب واسعًا، جدرانه مكسوة بخشب الجوز الداكن وتفوح فيه رائحة التبغ الفاخر والورق القديم. خلف المكتب الضخم المصنوع من الأبنوس، كان يجلس "آرشر سيجال"، رجل في أواخر الستينيات من عمره، ذو شعر رمادي كثيف ونظرات حادة كالصقر. كان أرتشور يجسد السلطة المطلقة في "كايد فيلج"، الرجل الذي بنى إمبراطورية مالية من لا شيء، والذي كان ينظر إلى ابنته آن دائمًا على أنها امتداده الحقيقي، "الابن" الذي تمنى إنجابه والوريث الشرعي لعقله وقبضته الحديدية."تعالي يا آن." قال آرشر دون أن يرفع عينيه عن الأوراق المالية أمامه، ونبرة صوته تحمل الوقار الصارم المعتاد. "كنتُ بانتظاركِ لمراجعة تقارير الشراكة مع آل إدوارد.. زواجكِ من هاري يجب أن يتم بجدول زمني محدد، فالأسواق لا ترحم المترددين أبدًا."جلست آن على الكرسي الجلدي المقابل له، وحافظت على استقامة ظهرها وقناع برودها الجليدي. وضعت حقيبتها الفاخرة بإهمال، وقالت بنبرة عملية جافة: "الزواج مستقر وفي مساره الصحيح يا أبي، وهيلين إدوارد تنسق معي تمامًا. لكنني جئتُ اليوم لأمر آخر أكتر إلح
Read more

الفصل الثاني والستون

كان مقهى "بلانس" يمثل الواجهة الأكثر أناقة وزيفًا في وسط مدينة كايد فيلج، بتصميمه الكلاسيكي الذي يحاكي خمسينيات القرن الماضي، وموسيقاه الهادئة من الجاز القديم، ورائحة المعجنات الفرنسية التي تفوح في أرجائه، كان المكان يبدو للغرباء كواحة من السلام والرفاهية. لكن بالنسبة لسكان الضواحي المحيطة، كانت الطاولات المستديرة ذات المفارش المطرزة تمثل غرف عمليات غير معلنة؛ هنا تُحاك المؤامرات الصامتة، وهنا تُذبح السمعة بابتسامة باردة، وتُدار الحروب الاجتماعية خلف كؤوس الشاي الخزفية دون إراقة قطرة دم واحدة.في الزاوية الأكثر خصوصية وعزلة بالمقهى، كانت هيلين إدوارد تجلس منتظرة، مرتدية نظارتها الشمسية الكبيرة التي خبا خلفها وميض عينيها الخضراوين القاتمتين. لم يتأخر طيف آن سيجال الشاب؛ إذ دلفت إلى المقهى بقامتها الرشيقة وثوبها الذهبي المتقن، ومشت بخطوات سريعة وحاسمة تعكس اضطرابًا داخليًا نجحت في إخفائه عن عيون الجالسين، لكنه لم يخفَ أبدًا عن عين هيلين الخبيرة.جلست آن في المقابل، ونزعت قفازاتها الجلدية الرقيقة ببطء، وتلاقت نظرات المرأتين في صمت مؤقت قطعته آن حين قالت بنبرة منخفضة وجافة تمامًا: "شكر
Read more

الفصل الثالث والستون

ثلاثة عشر يومًا تفعل نفس الأشياء؛ تنهض، ترتدي ثيابها وتذهب للعمل حتى وقت متأخر من اليوم، تعود منهكة فارغة القوة، تأكل بنصف شهية وتذهب للفراش. تظل تفكر وهي تنظر لرسائل هاري واتصالاته المتكررة ولا تجيب؛ ليس لديها شيء تقوله، فمخزون الكلمات لديها في حالة تدهور تام. تظل تتقلب في فراشها متخمة بالأسئلة والصور حتى يأتي النعاس فتستسلم ببساطة، كفارس ألقى درع حمايته وأسلحته قبل المعركة.معركة لا تخصها، معركة تخص آخرين أقسمت ألا تضع نفسها في المنتصف بينهما مرة ثانية أبدًا. هي بلا وطن، هي مجرد لاجئة بائسة لا تملك حق المطالبة بشيء.في صباح اليوم الرابع عشر، كانت تجلس في زاوية مكتبها بالوكالة، وعيناها تغرقان في السواد من أثر السهر، حين اقتربت منها زميلتها في القسم "إيما" وهي تحمل ملفًا أزرق سميكًا.> وضعت إيما الملف على الطاولة بقلق وقالت: "مارال، التصاميم الجديدة لحملة الخريف تحتاج مراجعتكِ الفورية.. العميل في الأسفل ويبدو ممتعضًا من التأخير."رفعت مارال رأسها ببطء، وحاولت جاهدة رسم قناع الاحترافية البارد على وجهها المتعب، وأجابت بنبرة خافتة لكنها حازمة: "اتركي الملف هنا يا إيما، سألقي نظرة عليه
Read more

الفصل الرابع والستون

أصبحت فتاة مدينة صغيرة، تتابع حياتها بوتيرة لا تتبدل.تستيقظ صباحًـا للذهاب للعمل، اختارت اليوم سروالاً أبيض وقميصًـا نفس اللون، رفعت شعرها في كعكة مرتفعة وتركت بضع خصلات منسابة، لم تدخر في زخات العطر كي تطرد رائحة الاكتئاب والحزن المهيمنة عليها، ارتدت حذاءها الرياضيّ الذي لا تستغني عنه ووضعت على كتفيها حقيبة الحاسوب مع ملفاتها وغادرت غرفتها.في الأسفل لم تبحث عن عمتها كعادتها فهي باتت تتحاشاها مؤخرًـا حتى لا تصدَم معها في أيّ شيء، تغادر البيت في السابعة والنصف، لا تجيب على أيّ شخص أو تنخرط في حوارات خارج العمل، ثم تعود لتأكل وتشاهد شيئًـا ما حتى تسقط في النوم.الشوارع هادئة، البشر لم يستعدوا بعد، الشمس تلوح من بعيد كأنها لم تستيقظ كليًّـا بعد، الهواء منعش والصمت مريح، تنزل مبكرة خشية أن تصادف هاري أو أيّ شخص آخر يعرفها، وتعود متأخرة لأجل ذلك أيضًا، لا تقوى بعد على مواجهة هاري أو الحديث عن شيء سوى العمل، قاموسها خلا من الكلمات عدا الكلمات المتعلقة بالعمل، أفكارها أصبحت محرمة كتفاحة آدم، لا تريد اقترابها ولكن الغواية تجعلها تريد أن تلقي نظرة.تركته يقبلها وهي تعلم أنَّ لديه حبيبة، كيف
Read more

الفصل الخامس والستون

حركت أهدابها باضطراب، في البداية لم تفهم ما يقوله ثم استوعبت، اتسعت حدقتاها في توتر، لا تفهم لماذا يفعل كل ذلك، لا شيء جيد سوف يأتي من هذا، حاولت أن تجد الكلمات المناسبة لكنها لم تستطع العثور عليها. "من فضلكِ مارال، فهذه الحفلات كارثة بالنسبة إليّ، لا يمكنني الانتماء معهم، ولا واحدة ممن أعرفهن تصلح لترافقني إلا أنتِ." حثها على القبول، شعرت بالحرج ومررت لسانها فوق شفتيها التي جفت، هزت رأسها بلا معنى. "لكنه يمكن أن يكون محرجًـا أو .." "من فضلكِ فقط فكري في الأمر لأنني حقًّـا أرغب في أن ترافقيني." تنهدت باستسلام لإلحاحه، تشعر بأنَّ هذا الأمر لن يكون جيدًـا أبدًـا لكنها ما استطاعت سوى أن تهمس. "حسنًـا سأفكر في الأمر." استقام بابتسامة منتصرة، لوح لها وغادر المكتب بابتسامة متسعة، عادت ترتب بعض الأوراق لحين غادر حتى لا تضطر للنظر نحوه، ظلت تفعل أشياء لا معنى لها، حتى هدأت على الأريكة الجلدية، زفرت وانتابتها رغبة في البكاء قمعتها. جلست تتأمل الفراغ، شاعرة بأنَّ إيثان يحاول جرها إلى دائرة عائلته قسرًـا، دائرة ممتلئة بالعيون الفضولية والهمسات التي لا ترحم. كيف ستقف هناك وسط أناس لا ي
Read more

الفصل السادس والستون

لا شيء يقبع في التفاصيل، التفاصيل لا تظهر سوى قبح الحقيقة. الصورة من بعيد بالفعل أجمل، كلما اقتربت رأيت التفاصيل الصغيرة التي لن تعجبك، الأشياء البعيدة مبهرة بينما القريبة مكشوفة. عادت لا تبغي سوى استعادة نفس سابقة، منطلقة وحرة وسعيدة، لكن لا شيء يعود كما كان، تستشعر في كل خطوة بغرابتها وسط هذا المجتمع الذي حملتها ظروفها الحياتية إليه، لم تختاره وامتنت للوجود به، ربما إذا لما تقبل عمتها بها كانت لتظل في نظام التبني أو تبنتها أسرة سيئة وانتهى بها الحال لمدمنة أو شيء أسوأ. لم تفهم لماذا عمتها اختارت الحياة داخل هذه المدينة؟ لماذا قد يختار أي شخص الحياة فيها، هذه المدينة قادرة على قتل شغفك في مهده إن لم تتأقلم معها، تنساق للروتين المتبع فيها، أن تصبح حياتك نسخة عن أسلافك، تسلسل لا ينهزم سوى من أقليات ينبذها المجتمع ويرفض التعامل معها. هي تحب كايد فليج لكنها أيضا تبغض الحياة فيها. مشاعر مختلطة مرتبكة ومضطربة، لا يمكنها تبين ماهية ما تشعر به، تحاول أن تسيطر على مشاعرها وعلى نفسها بأن تغرق نفسها في العمل، لعلها تجد فيه نوع من الاستقرار، أو هذا ما كانت تطمح به قبل أن يسألها إيثان أن
Read more

الفصل السابع والستون

شحذت نفسًا طويلًا، رفعت جهازها اللوحي وقامت بتحديد بضع أشياء، عرضتها تباعًا على جهاز العرض المعلق والموصول بجهازها. "أعرف أن تجربة العمل السابقة كانت سيئة من كل النواحي." "جيد أنكِ تدركين ذلك."قاطعها بتهكمه، أغمضت عينيها دون أن تفقد رباطة جأشها وهدوء نبرتها. "لكن إن منحتني خمسة دقائق لتستمع إلىَّ سوف أجعلك تبدل رأيك."لم يمنحها سوى نظرة ساخرة، تجاهلتها وهي تعرض صور من الاتفاقات التي برمتها قبل أن تطلب لقائه. "أنا بالفعل تواصلت مع أربعة منصات، وثلاثة قنوات رئيسية كبيرة وصفحات الإعلانات والتطبيقات لبث العمل، لقد جعلتهم جمعيًا يتعاملون معه على أنه مسلسل حصري جديد."تبدلت النظرة الساخرة فوق وجه لنظرة جدية، نظرة نحوها ثم عاد ينظر في الشاشة بين يديه بينما تابعت الجزء الأصعب. "كل ما نحتاج لفعله هو تصوير خمسة عشر حلقة لنجعل عدد الحلقات سبعون، وتغير الاسم.""أنتِ مجنونة إذا اعتقدتِ أنني سأفعل شيئا كهذا بناء على ترجيح من هذه الوكالة."منحها نظرة استخفاف. "هل تعرفين تكلفة تصوير 15 حلقة إضافية؟"تهكم على اقتراحها، بينما علقت ساندرا. "والمسلسل يعرض الآن على محطة فضائية ما." "أنها مجهولة بالكام
Read more

الفصل الثامن والستون

المواجهات لا تجعلك أفضل، لن تشعر بأنك أفضل بعدها، لن تكسبك أي شيء. بعض المواجهات لا تحمل سوى الخسارة. نطقت اسمه وهي تبصره، هيئته الفوضوية الغاضبة، نظراته المستعرة نحوها، عيناه الذي يحيطها السواد وكأنه لم ينام لأيام، ترتعش شفتاه كأنه يتشاجر مع لسانه كي لا ينفجر في وجهها، غريب أنه رغم ذلك لم تملك إلا أن لاحظت جاذبيته في فوضوه، الجينز الباهت والكنزة البيضاء المجعد، شعره الفوضوي الساقط فوق عينيه. نسخة جديدة عن هاري المهندم. زفرت، تتخبط بين اضطراب مشاعرها المتضاربة، بين المفاجأة والخوف والانجذاب، كأنها على استعداد لتسقط بين ذراعيه، على استعداد ورغبة في أن يختطفها الآن كأي شاب سيء لا يهمه أي شيء أو أي شخص آخر سوى الفتاة التي يريدها. هزت رأسها برفض لمسار أفكارها، همست باستفهام نتيجة التحديق الطويل. "ما الذي تفعله هنا؟" "أريد أن أراكِ." أغلقت عينيها بإجهاد، لم تستطع التراجع لخطوة، كررت اسمه بكل التيه الذي يعتمل داخلها. "يا ألهي." أطبق شفتيه بحركة ساخرة تدل علي الدهشة، ثم فتحهما قائلًا بنبرة يتطاير الغضب مع الحب منها. “جيد لازلتِ تذكريني." لم تعثر علي كلمات تجيبٌ بها، ع
Read more

الفصل التاسع والستون

الحب شيء غريب، غير مفهوم وغير منطقي. جلست تلتقط أنفاسها بتلاحق كسمكة خرجت من المياه وعادت للتو، تلتقط أنفاسها وتبكي وهو يركز علي القيادة، تخشي النظر إليه، ويكفيها شظايا غضبه التي تصلها، تركز نظرها علي قدميها وتحاول محاولات جميعها بات بالفشل لتوقف نشجيها الناتج عن بكاءها الصامت كي لا تثير غضبه، نشيجها يتعالى وتمسح دموعها بظهر يديها كطفلة لا تعرف ماذا تفعل، فجأة شعرت بشيء يوضع فوق قدميها، دققت من بين طبقة دموعها الكثيفة لتجد علبة محارم واضعها أمامها، لاحت نظرة جانبية منها لتجده لا ينظر إليها فقط يركز بالقيادة، سحبت واحدة ومسحت بها أنفها ثم سحبت آخر لتمسح وجهها، لاحت من هاري نظرة جانبية لها وهي منشغلة بمسح عينيها وأنفها الأحمر الصغير كأنها طفلة وبخها أباها. هل آذها؟ نفض رأسه عن السؤال، مازال غاضب من كل شيء، مازال غاضب منها ويريد أن يعنفها على اختفاءها هكذا مجددًا، مازال غاضب من رحيلها في البداية، بأنها لم تصمم على أن يرحل معها. أوقف السيارة بحركة حادة أطاحت بها، مالت للأمام كدمية قماشية بالية، ومنع نفسه من أن يهتم أو حتى ينظر، في ثانية كان خارج السيارة ويفتحها لها ، نزلت بخطي مرتع
Read more

الفصل السبعون

ارتفع حاجبي كاثرين باستفهام مستنكرة لرد مارال التي رفعت كتفيها باستسلام. "أنتِ أيضا عمتي لا تفهمين تعقيد الموضوع بيني وبين هاري."بصراحة هي لا تهتم، هي مزاجية بشكل حاد، تلعب الأدوار، تعاملها كابنتها مرة ثم كراعية لها بالإجبار تارة ثم مجرد سيدة تستضيف فتاة في منزلها تارة أخرى، هزت رأسها بضيق تعلنها بصراحة. "أنتِ على حق، أنا لا أفهم ذلك ولا أريد أن أفهمه، لكنني أعرف أن والدته لم تكن تريد هذه العلاقة وأنكِ رحلتِ وتابعتي حياتكِ، وأنه الآن مع فتاة أخرى والدته موافقة عليها وكل المدينة تعرف أنهما على وشك الخطبة والزواج."اقتربت مع حديثها أكثر حتى بات لا يفصلها عنها سوى مسافة للتنفس فقط، تواجهها بقسوة لمصلحتها، مبدأ أنني أجرحك لأنني أهتم لأمرك والذي وضعه أحد في المياه منذ زمن وجعل كل البشر يتجرعونه بلا فهم، تتخذه الآن كدرع مزيف حي تؤلمها."وظهوركِ مجددًا معه سوف يجعلك منكِ فتاة فاسقة تحاول سرقة رجل من خطيبته، لن يقبلكِ أحد أو ينظر إليكِ جيدًا، أو سيجعلكِ شيئا أخجل من نعتكِ به." اعتصرت قبضتها بعنف، طحنت أسنانها ببعضهما البعض. "هذا ما جعلني أرحل في المقام الأول." فتحت عينيها تواجهها، تصيح في و
Read more
PREV
1
...
345678
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status