All Chapters of على إيقاع الدم : Chapter 11 - Chapter 20

57 Chapters

الفصل الحادي عشر

بدأ يضيق ذرعاً بحبسته داخل هذه الخيمة؛ فخلال الأيام الماضية من عمره كان يقتل وقته بالحركة الدائمة، يملأ ساعاته تارة بتسليم البضائع وتارة بتوزيعها، وتارة أخرى يغرق في ضجيج الصالة لعلّه يُشغل عقله ويُلهي قلبه. لكن منذ وطأت قدماه هذه الصحراء البعيدة، انفردت به ذكرياته بلا رحمة؛ كانت تهاجمه وهو يرجو أن تتوقف، لكنها أبت الرضوخ، لتداهمه تلك الذكرى بكل تفاصيلها..​كان بيت سلطان بسيطاً، لكنه يفيض بدفء أمه؛ فرغم اختفاء الأب الدائم وانغماسه في سهراته الماجنة، كانت أمه هي عالمه بأسره، تشمله بحنانها طوال الوقت. سلامٌ مؤقت لا يقطعه سوى اللحظات التي يقتحم فيها "ضاحي" الباب ليشب الحريق بينهما، فينتهي الأمر بضربها وسبّها قبل أن يرحل من جديد.. ​في ليلة، كان سلطان يجلس مع أمه على السفرة يراجع دروسه، حين هتفت الأم بفرحة:ـ "شاطر يا سلطان.. حليت المسألة لوحدك!"ابتسم سلطان بزهو طفولي وقال:ـ "شوفتي يا ماما؟ لما بابا ييجي عايز أوريله إني شاطر، والابلة إدتني نجمة النهاردة."​انقبضت ملامح "حورية" بأسى وقالت بصوت خفيض:ـ "طيب يا حبيبي.. ابقى وريهاله."​فجأة، سمعوا صوت الباب يُفتح ، ودخل ضاحي ومعه رجل غريب وه
Read more

الفصل الثاني عشر

​بلهجة بدوية حازمة ونبرة يملؤها الضيق، قال أبو سليمان:ـ "اللي صار هادا فيه قطع رقاب يا طبال!"​رد سلطان بحزم وهو يحاول السيطرة على أعصابه:ـ "يا أبو سليمان، الواد كان شارب ومش في وعيه، وأنا قمت بالواجب وكسرت عضمه، والبت سليمة ومحصلش حاجة.. خلصنا بقى!"​ضرب أبو سليمان الأرض بعصاه: "خلصنا كيف يا خوي؟ هادا شرف، والشرف هون ما بنتهاون فيه واصل!"سلطان بضيق: "عايز إيه يعني يا أبو سليمان؟"​أبو سليمان: " الغلطة تتصلح يعني حدا منكم لازم يتزوجها."انفجر سلطان غضباً بوقاحته المعتاده : ** أتجوز مين؟ أنا مالي بالقصة دي؟ الواد عندكم أهو اقتلوه وادفنوه في الصحرا .. هو واحد يحب سليمه وانا البس الجريمه ؟! أنا عايز أغور من المخروبة دي دلوقتي!"​نظر إليه "الدوكش" بنظرات رجاء ذليلة:"اهون عليك يا كبير؟ليرد سلطان بلا مبلاه :" اه "الدوكش برجاء: ده أنا راجلك ودراعك اليمين."ضرب سلطان بقدمه الدوكش : "أنا راجل نفسي يالا ، وماليش دراعات.. شيل شيلتك بقا يا فحل!"​تدخل أبو سليمان بوقار:"ما في رجوع قبل ما نحل القصة يا سلطان. خلينا نفكر بهداوة، أهل البنت بنت ناس طيبين وعلى قد حالهم، نروح لهم ونحلها ودي."​ز
Read more

الفصل الثالث عشر

أشرقت الشمس لتداعب جفون درة في تلك الشقة الراقية؛ كانت هذه المرة الأولى التي تنعم فيها بدفء حقيقي وسكينة لم تعهدها من قبل. ليلة كاملة بعيداً عن الصخب والضجيج، ليلة سكن فيها كل شيء إلا مخيلتها التي لم تكف عن نسج الكوابيس. تارةً ترى "سلطان" يقتحم خلوتها، يحطم الباب ويسحلها خلفه ليعيدها إلى جحيم "الكباريه"، وتارةً أخرى يلوح لها طيف "حمزة" وهو يصارعه في قتال شرس لا ينتهي. استيقظت درة بجسدٍ منهك، بسبب غفوتها علي الاريكه في الصاله وتوجهت نحو المطبخ بخطوات بطيئه، لكن الثلاجة كانت خاوية.. بالطبع ستكون كذلك، فقد أخبرها حمزة أنه لا يرتاد هذا المكان إلا قليلاً للنوم. اكتفت بجرعة ماء تحاول بها تهدئة معدتها الفارغة، وفي تلك اللحظة، اخترقت هدوء الشقة دقات منتظمة على الباب. اقتربت من "العين السحرية" بقلبٍ يخفق توتراً، وما إن رأت وجه حمزة حتى زفرت براحة، وفتحت الباب بملامح يكسوها الخجل. حمزة بابتسامة هادئة: "صباح الخير.. ازيك عاملة إيه النهاردة؟" درة بصوت خفيض: "الحمد لله كويسه ." دخل حمزة واضعاً أكياساً من الطعام على الطاولة: "طيب تمام تعالي نفطر.. أنا آسف إني نسيت أمبارح املي التلاجه ب
Read more

الفصل الرابع عشر

تنهدت شيرين بمرارة حارقة وهي تلقي بهاتفها فوق الفراش بيأس وإحباط، بعدما اصطدمت محاولاتها المتكررة والفاشلة للوصول إليه بجدار صمته المعتاد. كان الأمل يراودها في أن يستجيب لندائها هذه المرة، لكن الرد الأخير والقاتم الذي تلقته هو إغلاق هاتفه تماماً، ليعلن بالنيابة عنه أنه لا يرغب في سماع صوتها. شعرت بغصة في حلقها، ودموعها التي حابستها طويلًا بدأت تجد طريقها على وجنتيها. وفي تلك اللحظة انفتح باب الغرفة بهدوء ودلفت والدتها، لتجد ابنتها في هذه الحالة المزرية. انقبض قلب الأم حزناً على حال وحيدتها، فاقتربت منها بخطوات وئيدة لتجلس إلى جوارها على حافة السرير، وهي تتأمل وجهها الشاحب وعينيها الحمراوين، وسألتها بنبرة يملؤها القلق الحاني: "مالك يا شيرين؟ في إيه يا بنتي؟" حاولت شيرين جاهدة أن تواري ضيقها عن عيني والدتها المراقبة، فقالت باختصار: "مافيش يا ماما.." لم تقتنع الأم، فربتت على كتف ابنتها قائلة بحدة مشوبة بالحنان: مافيش إزاي بقا؟ إنتي مش شايفة شكلك يا بنتي؟ ده إنتي كنتي بتعيطي يا حبيبتي قوليلي حصل ايه بس انتي متخانقه مع حمزه ولا ايه هنا لم تستطع شيرين كبح جماح حزنها، فانفجرت با
Read more

الفصل الخامس عشر

كانت "درة" تجلس أمام مكتب الضابط "رؤوف"، وجسدها الضئيل يرتجف طفيفاً برعشة خفية لم تفلح في إخفائها، وهي تنصت بكل جوارحها وباهتمام شديد لحديثه الهادئ والمطمئن حول كيفية تأمينها وتوفير الحماية اللازمة لها ووالدتها ​وما إن انتهى الحديث حتى استجمعت قوتها وغادرت الغرفة بخطىً متثاقلة، ورأسها يكاد ينفجر من فرط التفكير، تاركةً خلفها "حمزة" و"رؤوف" في مواجهة صامتة داخل المكتب المغلق، حيث تبدلت الأقنعة فور خروجها. ​قطع "رؤوف" ذلك الصمت المطبق، والتفت إلى حمزة متسائلاً بنبرة يملأها الفضول المهني والحيرة باشا.. أنا بجد مش فاهم حاجة من اللي بيحصل، أنت ليه مقولتلهاش الحقيقة وانك ظابط لحد دلوقتي؟ ​أجابه "حمزة" بنبرة حاسمة، بينما كانت عيناه الشاردتان تلاحقان طيف درة من خلف زجاج الباب الجانبي عشان لو عرفت الحقيقة من الأول يا رؤوف، كانت هتهرب وتخاف ومكنتش هتنطق بكلمة واحدةأنا محتاج تديلي الأمان الكامل محتاج تفهم وتستوعب إن غايتي الأولى والأساسية هي مساعدتها وحمايتها من سلطان، ومن غير أي مقابل ​هز "رؤوف" رأسه باقتناع ممزوج بالدهشة من موقف رئيسه، لكنه استدرك قائلاً بنبرة حذرة: — "تمام يا باشا، الل
Read more

الفصل السادس عشر

كان الجو مشحوناً، وعينا "سلطان" تشتعلان غضباً وهما تخترقان وجه "ضاحي" الذي ابتلع ريقه بتوتر. دوّى صوته في المكان:— "البت راحت فين يا ضاحي انطق اتخرست ليه ؟"لكن قبل أن يرد، انشق الصمت بصوت هادئ وبارد:— "أنا أهو يا سلطان."التفتت إليها كل الرؤوس بذهول؛ "سنية" التي سقط قلبها بين ضلوعها، و"ضاحي" الذي تنفس الصعداء بصعوبة. أما "سلطان"، فقد تجمدت ملامحه للحظة، وانتقلت نظراته من الغضب العارم إلى دهشة ، وهو يراها تقف أمامه بكل ثبات، وكأنها لم تكن منذ قليل محور عاصفة كادت أن تطيح بالرؤوس .."أما الصدمة الكبرى فكانت من نصيب شادية، التي تهاوت أحلامها وتلاشت آمالها تماماً بمجرد ظهور درة؛ خطا سلطان خطوات وئيدة نحو درة التي وقفت أمامه بثبات مصطنع، وعيناه تخترقان ملامحها بشكٍ مميت، ثم صاح بها بنبرة حادة:— "كنتي فين يا بت؟"ردت بثبات مصطنع:— "هكون فين يعني؟ تحت في الأوضة."راح سلطان يتفحص الوجوه حوله باحثاً عن الحقيقة، لكن الجميع تظاهروا بالهدوء وكأن شيئاً لم يحدث. عاد ينظر إليها بريبة:— "يعني انتي مخرجتيش خالص؟"ارتبكت درة للحظة، لكنها استعادت قناع القوة بسرعة وردت:— "انا اخرج ؟ و أخرج فين يا
Read more

الفصل السابع عشر

قاطع حبل أفكارها صوت "زيزي مساعدتها " وهي تهتف: — "يلا يا درة.. نمرتك جهزت وسلطان مستنيكي على المسرح، هو والصفرا شاديه !" سحبت درة نَفَسًا عميقًا، محاولةً لجم ثورتها وتهدئة النيران المشتعلة بداخلها تجاه "شادية"؛ فالحساب بينهما قد ثقلت موازينه، خلف الستار على خشبة المسرح، كان سلطان يختبر "طبلته"، يدفئ جلدها بضربات كفه الواثقة. اقتربت منه شادية، مالت برأسها تهمس له بكلمات مسمومة، تحت أنظار "عشري" الذي كان يراقبها بضيق واضح: — "طِب وحياة اللي خلقني كانت هربانة.. صدقني يا سلطان!" دفعها سلطان عنه بحدة طفيفة وهو يتابع انشغاله، لكنها لم تيأس، وكررت بلهجة ملحة: — "يا سلطان اسمعني.. دول خافوا منك ومشيوا ورا كدبتها عشان يغطوا عليها وتعدي الليلة!" زجرها سلطان بنبرة قاطعة لا تقبل الجدال: — "شاديـــــة.. اقفلي بؤك بقا ، مش عايز لت وعجن كتير.. يلا على شغلك!" ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ لحظة الصعود انقشع الستار المخملي الثقيل ببطء، وتراجعت العتمة لتكشف عن مسرحٍ يضج بالترقب، حيث تسلطت الأضواء الباهرة في المنتصف تماماً على درة. كانت تقف هناك كأيقونة ساحرة، يلتف حولها ال
Read more

الفصل الثامن عشر

زفر حمزة براحة مصطنعة وهو يردف بحنانٍ يتقن رسمه جيداً ​تمام.. كويس أوي. المهم إنتي.. إنتي كويسة يا درة عملول معاكي ايه ؟ طمنيني عنك ​هنا، لم تتمكن من حبس دموعها، فانسابت على وجنتيها وهي تشهق بمرارة: ضاحي ضربني يا حمزة جامد اوي كسر عضمي .. وأمي وقفت تتفرج ما رفعتش إيدها حتي تدفع عني! أنا عايزة أخلص منهم كلهم انت كان معاك حق ... انا بكرهم.. بكرهم أوي حتى امي اللي ولدتني ما اتحركتش من مكانها.. هو أنا مش بنتها؟! سيباني ليهم كده يبيعوا ويشتروا فيا قدامها في ام كده في الدنيا بالذمة ؟! ​ارتسمت ابتسامة خبيثة على وجه حمزة فخيوط خطته بدأت تلتف حول عنق الجميع، لكنه حافظ على رقة صوته وهو يقول: ​ قولتلك يا درة قولتلك ... . إنتي مالكيش مكان وسط الوحوش دول لازم تخلصي منهم عشان تقدري تعيشي حياتك اللي تستاهليها وتطلعي من المستنقع ده انتي مش شبه حد منهم يا درة انتي غيرهم خالص ​مسحت درة دموعها بكف يدها، وحاولت استعادة ثباتها وهي تقول: معاك حق ... ​معاك حق يا حمزة .. صحيح، سلطان بيقول إنه هيخرجني النهاردة ومصمم مايقولش فين بيقولي مفاجأة!" ​تغيرت نبرة حمزة إلى الاستغراب المشوب بالحذر: ​هو متعود
Read more

الفصل التاسع عشر

​اتسعت عيناها بذهول وهي تطالعه، بينما هو ما زال محتفظًا بابتسامته المسترخية، لتهتف بدهشة لم تستطع لجمها:— "ملاهي يا سلطان؟!"​أجابها سلطان بهدوء مريب وهو يرفع حاجبيه:— "أيوه.. ايه مالك مصدومة ؟ كنتِ فاكرة إني هاخدك فين ؟"​ابتلعت ريقها بصعوبة، وحاولت استجماع شتات نفسها وهي تتمتم:— "أبداً.. بس يعني، مكنتش أتوقعها خالص."​اقترب منها خطوة، وهمس بنبرة ذات مغزى عميق أربكها :— "ما هو أنا محدش يتوقعني يا مزتي..هنفضل واقفين نتفرج؟ يلا بينا."​تنفست درة الصعداء، ولأول مرة، أهدته ابتسامة صادقة لم تكن مجبرة عليها. وضعت كفها داخل كفه برضا تام، ليسحبها خلفه وينطلقا في عالم من الأضواء الصاخبة. كانت تركض من لعبة لأخرى بطفولة لم تعهدها، تركب كل الألعاب بضحكات رنانة، بينما هو يقف من بعيد، يراقبها بابتسامة وهو يوثق تلك اللحظات بهاتفه. في تلك الساعة، نسيت درة كل شيء خلف ظهرها، حتى حقيقة أن الرجل الذي يصورها هو نفسه "سجانها".و​بينما كانت درة تستمتع بالأرجوحة العالية، تناهى إلى مسامع سلطان صوت شابين خلفه، قال الأول بوقاحة:— "يا عيني على اللحم الأبيض.. القشطة وصلت يا جدعان !"ليضيف الآخر بجرأة أقذر:
Read more

الفصل العشرون

تمتمت "درة" بذهول لم تستطع لجمه: "أمـــك؟!" أومأ "سلطان" برأسه، والوجع ينسلّ من صوته: "أيوة أمي .. مستغربة ليه؟ كنتِ فاكرة إني مقطوع من شجرة؟ ماليش أم زي باقي البشر؟" خرجت كلمات "درة" حادة كالنصل، وكأنها أرادت أن تقتص منه ومن غموضه: "لأ.. بس الست اللي في الصورة دي ، مستحيل تخلف واحد زيك!" ابتسم "سلطان" بمرارة هزت كيانه، وقال: "معاكي حق.. بس مين قالك إن اللي خلفته الست دي لسه موجود؟ مش يمكن مات واندفن من زمان؟" عقدت حاجبيها بحيرة: "يعني إيه مش انت لسه قايل انها امك ؟" اتجه نحو النافذة، مديراً ظهره لها وناظراً إلى الفراغ الأسود في الخارج، وهتف بنبرة مخنوقة: "يعني الطفل اللي في حضنها ده مش هو الراجل اللي واقف قدامك دلوقتي .. يمكن نفس الاسم، لكن الروح والعقل والقلب.. كله اتغير. متبقاش منه غير اسمه و بس ." سألت "درة" بتأثر بعدما لمس حديثه وتراً بداخلها: "وراحت فين؟" في تلك اللحظة، تحولت ملامح "سلطان" إلى عبوس شديد، وأغمض عينيه بقوة وكأنه يحاول استجماع شتات روحه ليسرد ماضياً ظل يواريه خلف جدران الصمت لسنوات. أراد أن يحكي لها، لعلّ اعترافاته تُلين قلبها الذي قسّا
Read more
PREV
123456
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status