All Chapters of على إيقاع الدم : Chapter 1 - Chapter 10

57 Chapters

الفصل الأول

تعالت ضحكات السكارى لتختلط برائحة التبغ الرخيص وبخور "المستكة" الذي يحاول عبثاً إخفاء أسرار المكان. في تلك الزاوية المظلمة من المسرح الخشبي، يجلس هو، جسده الضخم يملأ الكرسي الخشبي الصغير لم يكن مجرد طبال؛ كان قطعة من "خرسانة" الشوارع التي تربى فيها. طوله الفارع يمنحه هيبة وقميصه الرمادي مفتوح الصدر يظهر آثار معارك قديمة لم تحسمها إلا "مطواته".أما وجهه، فكان حكاية أخرى من القسوة والجاذبية المربكة. شعر أسود كثيف كليلٍ بلا قمر، وحواجب غليظة معقودة دائماً كأنه في حالة تأهب لغدرٍ قادم. لكن ما يخطف الأنفاس حقاً هو عيناه؛ عين سوداء كالفحم تطارد كل حركة في الصالة بدقة "الديلر" الذي لا يفوته شيء، وعين أخرى بيضاء مطفأة، "عوراء" تحكي قصه قديمه لكنها تمنحه نظرة غامضة ومرعبة في آن واحد.وعلى الرغم من الندبات التي تركت خريطة من الوجع على وجهه، إلا أن فيه "بجاجة" وجرأة تجذب النساء . كان يوزع نظراته الساخرة بـ "بوارة" ابن البلد الذي لا يخشى أحداً، يضرب على طبلته بقوة وهو يمرر عينيه على الزبائن، وكأنه يحصي أنفاسهم، بينما عقده الآخر يدير صفقات "البودرة" و"الحشيش" تحت الطاولات ببرود يحسد عليه. يراقبه
Read more

الفصل الثاني

يجلس علي البار "عشري"؛ رئيس الفرقة لم يكن صاحب ماضي بائس أو دراما معقدة، هو ابن الأحياء الشعبية البسيطه الذي لم تزد علّامه عن الشهادة الإعدادية، قبل أن يسحبه خاله إلى عالم "الصالة" ليتعلم أصول الصنعة. بدأ من الصفر، يمسح الغبار عن الطاولات والأرضيات بجدية صبيٍ يريد إثبات ذاته، حتى ورث "دف" خاله ومكانه في الفرقة، ليصبح مع الوقت ضابط إيقاع لم يكن "عشري" مجرد رئيس فرقة بالنسبة لـ "سلطان" و"درة"، بل كانت تربطه بيهما صداقة أخوية . وهو الوحيد الذي كان يملك "العين" التي تخترق جدار الصمت؛ فبينما ينشغل الجميع بالرقص والمال، كان هو يلمح نظرات سلطان المكتومة تجاه "درة" تلك الفتاة العنيدة، يقرأ مشاعر صديقه التي يحاول إخفاءها عن العالم، ويحرس هذا السر بوفاء دق عشري علي طوله البار بمزاح دائما ما يتسم بي: الله ينور يا عم حكيــــــــــم ليرد حكيم ببتسامه لهذه الشاب المشاكس عليك يا عشري ايه خلصت نمرتك علي المسرح ونازل تعملي نمره وتصدعني هنا ليضحك عشري : يا عمنا صداع ايه انت واقف في قلب الصداع نفسه علي رأيك هو اللي زينا بيصدع انا خدنا علي الدوشه والدق والطبل اهو بنغلوش علي اللي جوانا با
Read more

الفصل الثالث

— "خلاص بقى يا سلطان.. كفاية كدا، نمرتي قربت هتف بخشونة وعيناه لا تزالان تبحثان عن تفريغ غضبه: — "إيه يا روح أمك؟ مش أنتِ اللي كنتي هتموتي عليا وتتحايلي؟ متبقيش فصيلة بقى.. وبعد دقائق ابتعد عنها وأخرج علبة سجائره ليشعل واحدة، ينفث دخانها في سقف الغرفة، بينما وقفت هي أمام المرآة تعدل من هندامها المبعثر — "أنت.. ده يا ويلها وسواد ليلها اللي تقع تحت إيدك هتف سلطان بسخرية لاذعة وهو ينظر إليها عبر المرآة: — "أنتِ اللي بقيتي خرعة ومبقتيش تستحملي زي زمان.. راحت أيامك يا شوشو." ثم أطلق ضحكة عالية، مجلجلة، وهتف بتهكم: — "أنتِ أخرك حكيم.. العجوز تمتمت بضيق وألم حقيقي يعتصر قلبها: — "متجبش سيرته .. أنا بكره نظرته ليا، نظرة الراجل الطيب اللي بتحسسني في كل ثانية إني ست وحشة وخاينة رد باستهزاء وبرود — "وانتِ إن جيتي للحق.. ست كمل أوي قالت بمرارة — "أنا اخترت أعيش مع حكيم وأتجوزه عشانك أنت يا سلطان! مرضتش أبقى زي البنات الشمال اللي في الصالة، اتجوزته عشان أعمل لنفسي غطا، وعشان أبقى جنبك وليك لوحدك في أي وقت تطلبني فيه.. واستحملت سجنه ليا عشانك !" لكن صوته جاء بار
Read more

الفصل الرابع

جال بصرها بين أرجاء الصالة حتى استقرت نظراتها على "عم حكيم" وهو يعمل خلف البار. اتجهت نحوه وجلست على المقعد العالي هامسة بلهفة: — "عم حكيم.." التفت إليها حكيم بابتسامة حانية؛ فهو يراها الابنة التي لم ينجبها منذ دخلت هذا المكان طفلة. كان هو من علّمها القراءة والكتابة سرًا بعدما رفضت والدتها إدخالها المدرسة، ومنحها حنان الأب الذي حُرمت منه. رد بحنان : — "يا اهلا يا اهلا الصالة نورت بالفنانة!" تنهدت بضيق: — "والنبي يا عم حكيم بلاش فنانة دي الله يخليك .." رفع حاجبه مداعبًا : — "هنكدب يعني ولا ايه ؟ أنتي موهوبة وبتحبي الرقص، ولولا حبك ليه مكنتيش بقيتي شاطرة كدة.. بس عنادك مع سلطان هو اللي كرهك في كل حاجة." انقبض وجهها وقالت : — "سلطان كرهني في الدنيا كلها.. صحيح عرفت إنه سافر ومش راجع غير بعد بكرة." سألها بحذر: — "ناوية على إيه؟" اقتربت منه أكثر وهمست: — " عايزه اطلب منك طلب صغير .. عايزاك تخرجني من هنا." اتسعت عيناه بصدمة: — "أنتي اتجننتي؟! تروحي فين؟ من التيران اللي علي الباب وبعدين سلطان؟ ده ممكن يقلب المكان فوق دماغنا !" امتلأت عيناها بالدموع: — "ت
Read more

الفصل الخامس

كانت تتقلب في فراشها، أنفاسها تتسارع وكأن الهواء ينسحب من الغرفة ببطءٍ قاتل. رأت ابنها يتصارع مع ظلٍ غامض، خيالٌ يطارد خيالًا وسط عتمةٍ موحشة لا نهاية لها. كانت تسمع صدى الرصاص في الحلم، وترى الدم يلطخ الأرض تحت قدميه، بينما يمد يده إليها مستغيثًا بعينين امتلأتا خوفًا وألمًا. حاولت الركض نحوه، لكن قدميها كانتا ثقيلتين كأن سلاسل من حديد قيدتهما. صرخت باسمه بكل ما أوتيت من قوة، إلا أن صوتها اختنق داخل صدرها ولم يخرج. كانت تراه يبتعد عنها شيئًا فشيئًا، يبتلعه الضباب الأسود كما تبتلع الأمواج جثة غريقٍ وحيد. وفجأة دوّى صوت طلقةٍ أخرى شقّ سكون الكابوس، فارتجف جسده وسقط على ركبتيه. اتسعت عيناها رعبًا وهي ترى بقعة الدم تكبر فوق ثيابه كزهرةٍ قرمزية تتفتح ببطءٍ على جسده الصغير. مدت يديها إليه في يأس، تبكي وتتوسل أن يبقى، لكنه كان يتلاشى أمامها كسرابٍ وفجأة، استيقظت بصرخة مزقت سكون الليل: — "ابنييييي!" انتفض جمال من نومه على صوتها المرتعش، ومد يده بسرعة نحو الأباجورة الجانبية، لينتشر ضوء خافت كشف عن ملامحها الشاحبة ودموعها المتجمعة في عينيها. التفت إليها بقلق، واضعًا يده على كتفها يحاول ت
Read more

الفصل السادس

​"هخلص على العصابات الوحشين الاشرار وأجيلك يا قلبي.. جهزي نفسك للفرح!""حقك عليا يا باشا.. أصلها واكلة دماغي وبتاخد رأيي في الميكاب والفستان."​"بالله عليك يا حمزة باشا.. كلملي اللوا شاكر يوافق على إجازتي، لحسن ’هنا‘ تلوي بوزها عليا."​"حبيب الشعب و برنس الداخلية والله ’هنا‘ خايفة عليا ، بتقولي مش عايزاك تبقى عريس الجنة.ا."​صوت حمزة بحدة: "أمن ضهري يا رامي!"​"يلا يا سُلــــطان.. مفيش وقت!""سلـطان" !!فتح حمزة عينيه بفزع، أنفاسه متلاحقة واللون الأبيض يحيط به من كل جانب. نظر إلى قدمه الملفوفة بضمادات طبية كثيفة، فداهمه ألم الرصاصة التي اخترقت جسده.​من خلف الباب، تسرّبت أصوات مألوفة.. كان والده ووالدته يتحدثان مع الطبيب بنبرة قلقة.الطبيب: "الحمد لله يا دكتور جمال، الرصاصة خرجت . المهم دلوقتي الراحة التامة، ممنوع يضغط على رجله نهائي عشان نتجنب أي مضاعفات."والد حمزة: "الحمد لله.. كتر خيرك يا دكتور، تعبناك معانا."​رحل الطبيب، فغلب البكاء والدة حمزة. طبطب جمال على كتفها بحنان: "اهدي يا أم حمزة، الدكتور طمننا، عدت و الحمد لله."​دخلوا الغرفة، ليروا حمزة مستيقظاً لكن بملامح تائهة.ال
Read more

الفصل السابع

حاول إغماض جفنيه هرباً من واقعه، فهو لم يعتد يوماً على هذا الحصار؛ كان دائماً كريحٍ لا تهدأ، يتحرك في ردهات الصالة وخارج جدرانها ، أما الآن.. فهذه الخيمة تلتف حول عنقه كحبل مشنقة، ويخنقُه فيها ابتعاده عن "درة".أغمض عينيه بقوة يستجدي النوم، لكن الأحلام لم تعد سكناً، بل تحولت إلى كوابيس تتربص به. كلما استرجع شريط ذكرياته، شعر بروحه تتمزق أشلاءً؛ لم يعد يطيق تذكر ذلك الطفل الذي كانه، لأنه صار يكره الرجل الذي أصبح عليه الآن تراءى له طيف ذلك الصغير الواقف بجانب والدته في المطبخ، يقفز بفرح طفولي:— "الله يا ماما.. ريحة المكرونة تجنن، أنا جعان أوي!"التفتت إليه الأم بحنان وهي تخرج صينية "المكرونة بالبشاميل" المفضلة لديه، وقالت بابتسامة دافئة:— "خلاص يا حبيبي طلعت اهي.. روح اغسل إيدك بسرعة، بس بشرط يا سلطان، تخلص طبقك كله وعد."هتف الطفل بحماس وهو يركض نحو المغسلة:— "هخلصه كله، وعد!"الذكرى الثانية:لكن الذكريات سرعان ما تشحت بالسواد، لتداهمه صورة أخرى أكثر قسوة..كان الطفل منكمشاً على نفسه فوق فراشه، يرتجف خوفاً من وقع الأصوات الصاخبة والمشادة العنيفة بين والديه. تسلل من سريره واقترب من
Read more

الفصل الثامن

كان قسم الشرطة يغرق في أجواءٍ خانقة ثقيلة؛ أصوات بكاءٍ مكتوم، شتائم العساكر الحادة، ونشيج فتيات يلتفن بملاياتٍ بيضاء يسترن بها أجسادهن المرتجفة بعد أن قُبض عليهن داخل "البانسيون" المشبوه. بعضهن يجلسن على الأرض بوجوهٍ شاحبة وعيونٍ غارقة في الدموع، وأخريات يتوسلن بانهيار خوفاً من الفضيحة، بينما كان الرجال المقبوض عليهم يقفون في زاويةٍ أخرى برؤوسٍ مطأطأة وملابس مبعثرة، يتلقون السباب والدفعات العنيفة من العساكر. أما "درة"، فكانت تقف بعيدة عن الجميع تضم ذراعيها حول جسدها المرتجف وكأنها تحاول الاحتماء من هذا الكابوس. عيناها الزائغتان كانتا تتحركان برعب بين الوجوه من حولها، وقلبها يدق بعنفٍ مؤلم داخل صدرها. لم تستوعب حتى الآن كيف انتهى بها الأمر وسط كل هؤلاء. منذ ساعات قليلة فقط كانت تظن أنها نجت بنفسها، هربت من الجحيم الذي كانت تعيشه، لتجد نفسها فجأة في جحيمٍ آخر أكثر قسوة وفضيحة. كانت تشعر بأنفاسها تختنق كلما وقعت عيناها على إحدى الفتيات الملفوفات بالملايات البيضاء، أو سمعت كلمةً جارحة تُقال بحقهن. شعرت بالإهانة تسحقها، والخوف ينهشها من الداخل. هتف العسكري بصراخ حاد وهو يدفعها من كتفه
Read more

الفصل التاسع

كان حكيم يتوارى خلف أحد الأعمدة الخرسانية الضخمة في الصالة يلتفت حوله بهلع، وهو يضغط على الهاتف بيده المرتجفة ويهمس بصوته المبحوح: «ألو.. ألووو.. أنتِ فين يا درة؟ صوتك مش واضح خالص ضاحي قالب الدنيا عليكي هنا ومش سايب شبر مأسألش فيه! تحدثت "درة" بنبرة متقطعة ومضطربة «عم حكيم.. اسمعني كويس يا عم حكيم، أبوس إيدك ركز معايا في كل كلمة.. لو سلطان قدامك أو قريب منك روح بعيد عنه فوراً.. متتكلمش قدامه ولا تبين أي حاجة من اللي هقولهالك! «سلطان لسه مرجعش.. لكن يا بنتي لازم ترجعي فوراً قبل ما يرجع ويكتشف انك مش موجوده .. ضاحي ورجالته قالبين الدنيا، وسلطان لو جه ومالقكيش هيحرق المكان باللي فيه في تلك اللحظة، تصاعدت جلبة وضوضاء صاخبة وعنيفة في الخلفية عند درة؛ أصوات صراخ العساكر وأوامر الضباط وحركة المقبوض عليهم، مما جعل الكلمات تضيع في الهواء وتمنعها من سماع كلمات حكيم بوضوح. صاحت "درة" بصراخ مكتوم وهي تضع يدها الأخرى على أذنها: «بتقول إيه . سلطان لسه مرجعش ليه؟! عم حكيم اسمعني الله يخليك .. أنا وقعت في مصيبة سودة مش هعرف أطلع منها لوحدي.. لازم تجيلي الووو عم حكيم أنا في القسم هتف حكيم
Read more

الفصل العاشر

​التفت إليها حمزة بذهول وعقله لم يستوعب بعد كيف تحولت تلك الفتاة الباكية المنكسرة قبل دقائق إلى كتلة من اللهب والجرأة أمامه إيه؟! ​تابعت "درة" بصوتٍ أكثر حدة «بقولك نزلني أنت وخدني علي فين لا بقولك إيه يا جدع انت اللي في دماغك ده وأي فكرة شمال بتدور في عقلك أبعد لك من نجوم السماء، وعلى جثتي نزلني على الرصيف ده بدل ما أصوّت وألمّ عليك أمة لا إله إلا الله أنا مش لقمة طرية ​استشاط حمزة غضباً من اتهامها الصريح وضغط على عجلة القيادة بقوة حتى ابيضت قواطع أصابعه، وصاح بها اخرسي خالص! إيه التخريف اللي بتقوليه ده؟ كل الحكايه اني هاخدك نتكلم واساعدك مش أكتر ولا أقل! ​ انطلقت من داخلها "روح الردح" الشعبي وفتحت نيران لسانها عليه وهتفت بتهكم لاذع وهي تميل برأسها حركة متوارثة من الحارات الشعبية: «نعممم يا عُوووومر؟! نت إيه يا عنيا؟ نتكلم في إيه هو انت تعرفني اصلا أنا مش شمال، ومرواحي البانسيون الهباب ده كانت غلطةنزلني بدل ما أخلي نهارك ماطلعش له شمس وأعملك فضيحة بجلاجل والا هـ... ​لم تكن الكلمات لتتوقف، فوضع حمزة يده فجأة وبحركة خاطفة وسريعة فوق فمها، ليكمم سيل "الردح" والشتائم المنطلق م
Read more
PREV
123456
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status