All Chapters of أمي، لماذا تركتِني؟: Chapter 1 - Chapter 10

10 Chapters

الفصل الأول: ليلة الباب المفتوح

لم تكن ليان تعرف أن البيت يمكن أن يخون صاحبه.كانت تظن أن البيت مثل حضن الأم؛ مهما اشتدّ الليل في الخارج، يبقى دافئًا من الداخل. كانت تظن أن الجدران لا تسقط، وأن الأبواب لا تُترك مفتوحة، وأن الأم لا تختفي قبل أن تكمل الحكاية.في تلك الليلة، كانت نائمة على طرف الفراش الصغير، وقد ضمّت دميتها البنية إلى صدرها. كان شعرها الأسود مبعثرًا فوق الوسادة، وكانت بقايا ابتسامة صغيرة عالقة على وجهها، كأنها ما زالت تسمع صوت أمها وهي تقول قبل النوم:"نامي يا روحي… أنا هون."كانت مريم تجلس قربها كل ليلة، تمرر أصابعها بين خصلات شعرها، وتروي لها حكاية البيت القديم ذي الباب الأخضر، وحكاية البحر الذي لم تره ليان إلا في الصور، وحكاية شجرة الزيتون التي قالت لها أمها مرة إنها تشبه الجدات؛ صامتة، ثابتة، وتحفظ الأسرار.سألتها ليان قبل أن تنام:"ماما، لما أكبر، بتاخذيني عالبحر؟"ابتسمت مريم يومها، لكن ابتسامتها كانت حزينة بطريقة لم تفهمها ليان.قالت وهي تغطيها جيدًا:"بوعدك يا قلبي. يومًا ما سنذهب.""ومتى يومًا ما؟"ضحكت مريم بهدوء، ثم قبّلت جبينها."لما يصير الطريق أحنّ علينا."لم تفهم ليان معنى أن يكون الطريق
last updateLast Updated : 2026-05-18
Read more

الفصل الثاني: أين ذهبت أمي؟

في الصباح التالي، لم تكن الشمس تشبه نفسها.دخل ضوؤها من النافذة الصغيرة في البيت الغريب، باردًا، خافتًا، كأنه يخاف أن يلمس وجوه الناس. كانت ليان مستيقظة قبل الجميع، رغم أن عينيها متعبتان من البكاء. نام الأطفال حولها متلاصقين، بعضهم يحتضن أمه، وبعضهم يخبئ وجهه في بطانية خشنة، أما هي فكانت تجلس قرب الجدار، تضم وشاح مريم إلى صدرها كأنه آخر شيء بقي لها من العالم.لم تكن تفهم لماذا لم تعد إلى بيتها.لم تكن تفهم لماذا يهمس الكبار عندما يرونها.ولم تكن تفهم كيف يمكن لأم أن تترك ابنتها في منتصف الليل، ثم لا تعود مع الصباح.رفعت الوشاح إلى وجهها وشمّته. كانت رائحة مريم فيه أضعف من الليلة الماضية، أو ربما كان خوف ليان أقوى من كل الروائح. أغمضت عينيها، وحاولت أن تتذكر آخر مرة لمست فيها أمها.كانت مريم قد جلست قربها قبل النوم، وربطت شعرها بأصابعها، ثم قالت لها:"بكرة إذا صحينا بكير، بعملك خبز بزيت وزعتر."فتحت ليان عينيها فجأة.بكرة قد جاءت.لكن الخبز لم يأتِ.والزيت والزعتر لم يأتيا.ومريم لم تأتِ.تحركت جدتها سعاد في الزاوية المقابلة. كانت نائمة وهي جالسة تقريبًا، ظهرها مستند إلى الحائط، ويديها
last updateLast Updated : 2026-05-18
Read more

الفصل الثالث: الوشاح الأبيض

لم تغلق ليان عينيها تلك الليلة.ظلّت جالسة تحت البطانية الخشنة، تضم الورقة الصغيرة إلى صدرها، وتخاف أن تتحرك فيسمع أحد خفقان قلبها. كانت الكلمات التي قرأتها تدور داخل رأسها مثل عصفور محبوس:إن حدث لي شيء، لا تدعي ليان تكرهني.لم تكن تفهم الجملة كاملة، لكنها شعرت بها.كان فيها خوف.وكان فيها اسمها.وكان فيها مريم.كلما أعادت قراءة الكلمات، أحسّت أن أمها قريبة جدًا، كأن يدها كتبتها قبل قليل، لا قبل ليلة مكسورة امتلأت بالغبار والصراخ. مررت ليان أصابعها الصغيرة فوق الحبر الأزرق، بخفة شديدة، كأنها تخاف أن تمحو آخر أثر من أمها.ثم أعادت النظر إلى السطر الثاني.الباب… الحقيبة… سليم.ثلاث كلمات فقط.ثلاث كلمات لا تفهمها، لكنها شعرت أنها أهم من كل ما قاله الكبار منذ اختفاء مريم.الباب كانت تعرفه.باب البيت الأخضر.الباب الذي بقي مفتوحًا عندما خرجت مع جدتها. الباب الذي علق عليه وشاح أمها، وكأنه أراد أن يمسك بها ولم يستطع.الحقيبة سمعت عنها من يوسف.حقيبة بنية، حملتها مريم في الليلة الأخيرة.أما سليم…لم تكن تعرفه.حاولت أن تتذكر إن كانت سمعت الاسم من قبل. سليم. سليم. تردّد الاسم في عقلها، ثقيلً
last updateLast Updated : 2026-05-18
Read more

الفصل الرابع: الجدة التي لا تبكي

بقيت ابتسامة سليم معلقة في الغرفة مثل شيء بارد.لم تكن ابتسامة رجل جاء ليسأل عن قريبة مفقودة، ولا ابتسامة جار خائف على طفلة فقدت أمها. كانت ابتسامة شخص يعرف أكثر مما يقول، وينتظر أن يقع الآخرون في كلمة واحدة كي يمسك بها.وقفت ليان خلف جدتها، صغيرة جدًا أمام قامته الطويلة، لكنها شعرت أن عليها أن تصبح أكبر من عمرها في تلك اللحظة. كان الوشاح مخفيًا تحت البطانية حول خصرها، والزر المعدني الصغير ملتصقًا بجلدها تحت ثوبها. أحست به باردًا، كأنه حجر صغير من الخوف.قال سليم وهو ينظر إليها:"غريب… لأن أمك كانت دائمًا تترك وراءها أشياء لا يجب أن تبقى."لم تفهم ليان الجملة كاملة، لكنها فهمت أن فيها إهانة لمريم.رفعت رأسها قليلًا، وقالت بصوت خافت لكنه واضح:"أمي ما بتترك أشياءها."تحرك حاجبا سليم. بدا كأنه لم يتوقع منها جوابًا.قال بنعومة مصطنعة:"حقًا؟ إذن أين أمك يا ليان؟"شعرت سعاد أن السؤال سكين. وضعت جسدها بين الرجل والطفلة، وقالت بحدة:"لا تسألها."نظر إليها سليم بهدوء."أنا فقط أطمئن عليها.""اطمئن من بعيد."ساد صمت قصير.كان أبو يوسف واقفًا قرب الباب، يحاول أن يبدو ثابتًا، لكن يده كانت تمسك
last updateLast Updated : 2026-05-18
Read more

الفصل الخامس: أول صباح بلا أم

لم تكن ليان تعرف متى نامت.ربما نامت بعد أن تعبت عيناها من التظاهر، أو بعد أن تعبت روحها الصغيرة من حمل الصورة التي رأتها في يد جدتها. لم يكن نومًا حقيقيًا. كان أشبه بسقوطٍ قصير في الظلام، ثم عودة مفاجئة إلى عالم لا يزال ناقصًا.استيقظت على صوت أذان بعيد.كان الصوت يأتي من آخر الحي، ممدودًا فوق البيوت المرهقة، كأنه يحاول أن يوقظ الناس بلطف بعد ليلة لم ترحم أحدًا. فتحت ليان عينيها ببطء، وبقيت للحظة تنظر إلى السقف المنخفض. لم تعرف أين هي. لم يكن سقف غرفتها. لم تكن هناك الستارة البيضاء، ولا رف الكتب الصغير، ولا دميتها التي بقيت في البيت.ثم تذكرت.البيت الغريب.الوشاح الأبيض.الورقة.الزر.الصورة.سليم.وأمها التي لم تعد.وضعت يدها بسرعة على صدرها، تتحسس مكان الورقة والزر. كانا ما يزالان مخفيين داخل قطعة قماش صغيرة ربطتها تحت ثوبها. تنفست بارتياح قصير، ثم نظرت حولها.كان الجميع نائمين تقريبًا. بعض النساء تمددن على الأرض، والأطفال ملتصقون بهن كأنهم يخافون أن يبتعدوا فيختفين كما اختفت الأشياء في الليلة الماضية. قرب النافذة، كانت جدتها سعاد جالسة كما تركتها، ظهرها إلى الحائط، والصورة الملفو
last updateLast Updated : 2026-05-18
Read more

الفصل السادس: كذبة اسمها ستعود

بقي المفتاح الصغير معلقًا بين أصابع ليان، كأنه لا ينتمي إلى هذا العالم.كان أصغر من المفتاح الذي وجدته في علبة مريم، وأدق منه، ولونه أغمق، كأن سنوات كثيرة مرّت عليه وهو مختبئ في مكان لا يصل إليه الضوء. ربطه أحدهم حول رقبة الدمية بخيط أحمر، وخاط على ظهرها حرفين صغيرين بخيط أزرق:ل. م.ليان مريم.لم تستطع ليان أن ترفع عينيها عن الحرفين. لم تكن تعرف لماذا جعلها ذلك تبكي. ربما لأن أمها كتبت اسمها بجانب اسمها، أو لأن أحدًا ما أراد أن يقول لها إنهما ما زالتا معًا، حتى لو صار بينهما غياب طويل.مدّت سعاد يدها ببطء نحو الدمية."خليني أشوفها."شدّت ليان الدمية إلى صدرها فورًا."لا."لم تغضب سعاد. كانت نظرتها عالقة بالمفتاح، ووجهها شاحبًا كأنها رأت شبحًا من الماضي.قالت بهدوء:"مش رح آخذها منك. بس خليني أشوف المفتاح."هزّت ليان رأسها."كل ما يكون من ماما، بدكم تأخذوه."اقترب يوسف خطوة، وكان ما يزال يلهث من الركض."أنا ما أخذته. جبتها لك."نظرت إليه ليان. كان الغبار على وجهه، وخدّه مخدوشًا، وعيناه متوترتين. في تلك اللحظة، بدا لها كأنه فعل شيئًا خطيرًا كي يحضر الدمية.قالت له بصوت أخف:"وين لقيتها
last updateLast Updated : 2026-05-18
Read more

الفصل السابع: رسائل بخيط أزرق

لم تمدّ ليان يدها نحو الرسائل فورًا.بقيت جاثية أمام الصندوق، تنظر إلى صورة أمها وهي تحملها رضيعة، كأنها ترى حياةً أخرى لا تشبه حياتها. في الصورة، كانت مريم تبتسم. لم تكن ابتسامة واسعة، بل تلك الابتسامة الهادئة التي تعرفها ليان جيدًا؛ ابتسامة امرأة تحاول أن تخبئ تعبها كي لا يخاف من يحبها.كانت ليان صغيرة جدًا في حضنها، ملفوفة بغطاء أبيض، ويدها الصغيرة ممسكة بطرف وشاح مريم. لم تعرف ليان لماذا جعلتها تلك التفاصيل تبكي. ربما لأنها رأت نفسها في مكان كانت تتمنى أن تعود إليه: بين ذراعي أمها، قبل الأسئلة، قبل سليم، قبل الحقيبة، وقبل الباب الذي بقي مفتوحًا.مدّت أصابعها المرتجفة نحو الصورة، وقلبتها مرة أخرى.الكتابة على ظهرها كانت واضحة:"إلى ابنتي… حين يكذبون عليكِ ويقولون إنني تركتكِ."قرأت الجملة مرة. ثم مرتين. ثم توقفت عند كلمة واحدة.يكذبون.إذن مريم عرفت.عرفت أن أحدًا سيقول لليان إنها تركتها.عرفت أن الغياب قد يتحول إلى تهمة.عرفت أن طفلتها ستكبر وهي تحمل وجعًا لا تستحقه.قالت ليان بصوت لا يكاد يُسمع:"هي عرفت أنهم رح يكذبوا عليّ."لم تجب سعاد. كانت واقفة خلفها، ويدها على فمها، وعيناها
last updateLast Updated : 2026-05-18
Read more

الفصل الثامن: الباب الثاني

لم تفهم ليان في البداية معنى ما قاله يوسف.بقيت واقفة أمام النافذة الصغيرة، ووجهها قريب من القضبان، والبرد يلسع أصابع قدميها الحافيتين. كان الفجر ما يزال بعيدًا، والبيت غارقًا في صمت ثقيل، إلا من أنفاس النائمين وارتجاف صوت يوسف في الخارج.قالت هامسة:"شو يعني يعرف؟"نظر يوسف خلفه مرة أخرى، كأنه يتوقع أن يظهر سليم من الظلام."يعني يعرف إنكم رحتم على بيت شجرة التين."شعرت ليان أن قلبها نزل إلى معدتها."مين قال له؟"هز يوسف رأسه."ما بعرف. بس سمعته. كان واقف مع رجلين عند بيتكم. قال لهم: كانوا هناك. والصندوق فُتح."وضعت ليان يدها على فمها كي لا تصرخ.الصندوق فُتح.كيف عرف؟هل كان يراقبهم؟هل تبعهم أحد؟هل تركوا أثرًا؟أم أن سليم كان يعرف الصندوق من قبل، وينتظر فقط من يصل إليه؟قالت بصوت متقطع:"والباب الثاني؟"اقترب يوسف من النافذة أكثر."قال: الباب الثاني لازم نوصله قبل البنت."ارتجفت ليان.قبل البنت.لم يقل قبل سعاد، ولا قبل أبي يوسف، ولا قبل أي أحد. قال قبل البنت. كأنه يعرف أن مريم تركت الطريق لها هي. كأنه يعرف أن ليان لم تعد مجرد طفلة، بل مفتاح يمشي على قدمين صغيرتين.قالت:"سمعته يقو
last updateLast Updated : 2026-05-18
Read more

الفصل التاسع: الحقيبة البنية

لم يتحرك أحد.كان سليم واقفًا عند مدخل الغرفة الحديدية، كأنه لم يأتِ متأخرًا، بل كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل. خلفه رجلان عريضا الكتفين، أحدهما يحمل مصباحًا صغيرًا، والآخر يقف بصمت ويداه متشابكتان أمام صدره.كان الباب المفتوح خلفه يبدو الآن كفم وحش.أما ليان، فقد بقيت قرب الطاولة، يدها معلقة في الهواء فوق الورقة التي كتب عليها اسمها. لم تلمسها بعد، لكنها كانت قريبة جدًا منها. قريبة لدرجة أنها استطاعت رؤية ارتجاف الخيط الأزرق المثبت بها.قال سليم بهدوء:"شكرًا يا صغيرة. لقد فتحتِ لنا الباب الذي عجزنا عن فتحه سنوات."لم تفهم ليان في اللحظة الأولى كيف استطاع الوصول. هل تبعهم من بيت أم حازم؟ هل كان يراقب بيت شجرة التين؟ هل عرف أن المفتاح الكبير سيقودهم إلى هنا؟ كل سؤال مر في عقلها مثل ومضة، لكنها لم تجد وقتًا للإجابة.تحركت سعاد بسرعة ووقفت بين ليان وسليم."ابتعد عنها."ابتسم سليم."دائمًا تقفين أمامها كأن جسدك يكفي لحمايتها."قالت سعاد بصوت مبحوح:"ومنذ متى تفهم أنت معنى الحماية؟"لم تتغير ملامحه."أنا أفهم معنى الخسارة، وهذا يكفي."ضحك أبو يوسف بسخرية مريرة، رغم الخوف الواضح ف
last updateLast Updated : 2026-05-18
Read more

الفصل العاشر: أبي لم يمت

لم تكن ليان تعرف أن الإنسان يستطيع أن يفقد شخصًا مرتين.كانت قد فقدت أمها حين اختفت مريم خلف الباب الأخضر، وها هي الآن تشعر أنها تفقد أباها بطريقة أخرى؛ لا لأنه مات، بل لأنه كان حيًا طوال الوقت وهم أخبروها أنه لم يعد موجودًا.بقيت جالسة على الأرض، والورقة في يدها، وعيناها معلقتان بوجه جدتها.قالت بصوت ضعيف:"أبي حي؟"لم تجب سعاد في البداية. كانت تنظر إلى الورقة كأنها تتمنى لو تحترق قبل أن تكمل ليان قراءتها. لكن الصمت لم يعد ينفع. لم يعد قادرًا على ستر شيء.قالت أخيرًا:"نعم."خرجت الكلمة صغيرة جدًا، لكنها كسرت شيئًا كبيرًا.نظرت ليان إلى أبي يوسف، ثم إلى أبي ناصر، ثم عادت إلى جدتها."وأنتم قلتم إنه مات."وضعت سعاد يدها على صدرها."قلنا لكِ ذلك لأننا لم نعرف كيف نشرح.""تشرحوا ماذا؟"لم ترد.رفعت ليان الورقة وهي ترتجف."ماما كتبت إنه حي. يعني كنتم تعرفون."قال أبو يوسف بهدوء حذر:"ليس كلنا يا ليان. بعضنا كان يعرف جزءًا فقط."التفتت إليه بسرعة."وأنت؟"تنهد."كنت أعرف أن موت سامر لم يكن مؤكدًا.""ما معنى غير مؤكد؟"قال أبو ناصر من مكانه قرب الباب:"يعني لم يرَ أحد جسده. ولم يكن هناك قبر
last updateLast Updated : 2026-05-18
Read more
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status