LOGINلم تغلق ليان عينيها تلك الليلة.
ظلّت جالسة تحت البطانية الخشنة، تضم الورقة الصغيرة إلى صدرها، وتخاف أن تتحرك فيسمع أحد خفقان قلبها. كانت الكلمات التي قرأتها تدور داخل رأسها مثل عصفور محبوس: إن حدث لي شيء، لا تدعي ليان تكرهني. لم تكن تفهم الجملة كاملة، لكنها شعرت بها. كان فيها خوف. وكان فيها اسمها. وكان فيها مريم. كلما أعادت قراءة الكلمات، أحسّت أن أمها قريبة جدًا، كأن يدها كتبتها قبل قليل، لا قبل ليلة مكسورة امتلأت بالغبار والصراخ. مررت ليان أصابعها الصغيرة فوق الحبر الأزرق، بخفة شديدة، كأنها تخاف أن تمحو آخر أثر من أمها. ثم أعادت النظر إلى السطر الثاني. الباب… الحقيبة… سليم. ثلاث كلمات فقط. ثلاث كلمات لا تفهمها، لكنها شعرت أنها أهم من كل ما قاله الكبار منذ اختفاء مريم. الباب كانت تعرفه. باب البيت الأخضر. الباب الذي بقي مفتوحًا عندما خرجت مع جدتها. الباب الذي علق عليه وشاح أمها، وكأنه أراد أن يمسك بها ولم يستطع. الحقيبة سمعت عنها من يوسف. حقيبة بنية، حملتها مريم في الليلة الأخيرة. أما سليم… لم تكن تعرفه. حاولت أن تتذكر إن كانت سمعت الاسم من قبل. سليم. سليم. تردّد الاسم في عقلها، ثقيلًا وغريبًا. ربما كان أحد الجيران؟ ربما قريبًا بعيدًا؟ ربما الرجل الذي رأت صورته ممزقة بجانب أمها؟ لا، قالت لنفسها إن الرجل في الصورة لم يكن اسمه معروفًا بعد. أو ربما كان هو؟ شعرت بالخوف، فطوت الورقة بسرعة ودفعتها تحت ثوبها، قرب قلبها، ثم أخذت الوشاح الأبيض ولفّته حول كتفيها. كان الوشاح باردًا. استغربت ذلك. كيف يكون شيء يخص مريم باردًا؟ كانت تتوقع أن يحمل دفئها، أن يلمسها كما كانت كف أمها تلمس جبينها قبل النوم. لكنها حين ضمّته أكثر، شعرت برائحته تعود قليلًا: صابون الغار، وخبز الصباح، ونوع من العطر الخفيف الذي كانت مريم تضعه في الأعياد فقط. أغمضت ليان عينيها، فظهر وجه أمها. لا، لم يظهر كاملًا. كان وجه مريم في ذاكرتها يتحرك دائمًا كصورة فوق الماء. أحيانًا ترى عينيها، وأحيانًا فمها وهو يبتسم، وأحيانًا لا ترى إلا يدها وهي تعدل لها ضفائرها. أما تلك الليلة، فلم تتذكر إلا ظهر أمها. ظهرها عند الباب. هل رأته فعلًا؟ أم أنها تخيلته بعد كلام يوسف؟ لم تعرف. مع أول ضوء للصباح، نهضت سعاد من مكانها، متعبة كأنها كبرت عشر سنوات خلال ليلة واحدة. تحركت بهدوء بين النائمين، تبحث عن قليل من الماء، ثم التفتت فرأت ليان مستيقظة. توقفت. "ليان؟" لم تجب الطفلة. اقتربت سعاد وجلست قربها. مدت يدها نحو شعرها، لكن ليان شدّت الوشاح حول كتفيها أكثر. لاحظت الجدة ذلك. قالت بنبرة هادئة: "بردانة؟" هزت ليان رأسها نفيًا. "طيب ليش لافة حالك هيك؟" أجابت دون أن تنظر إليها: "هذا وشاح ماما." تنهدت سعاد. "بعرف يا روحي." "إذن لا تأخذيه مني." تألم وجه الجدة. "أنا ما بدي آخذه منك." "أخذته أمس." "كنت خايفة عليه يضيع." رفعت ليان عينيها لأول مرة. "ولا كنتِ خايفة ألاقي فيه إشي؟" تجمدت سعاد. كان السؤال أكبر من عمر ليان. خرج مفاجئًا، حادًا، كأن الطفلة لم تعد طفلة تمامًا. حاولت سعاد أن تبدو طبيعية. "إيش يعني؟" حدقت ليان فيها طويلًا. كادت تخرج الورقة وتسألها، لكنها تذكرت كلام يوسف: لا تقولي إني أعطيتك. خفضت عينيها وقالت: "ولا إشي." لم تصدق سعاد، لكنها لم تضغط عليها. كان في قلبها خوف من أن الطفلة بدأت تقترب من باب لم تكن تريد فتحه. في الخارج، بدأ الناس يستيقظون واحدًا تلو الآخر. تحركت النساء لإعداد شيء من الطعام، وجلس الرجال قرب الباب يتحدثون بأصوات منخفضة. كان الهواء مليئًا بالتعب. حتى الأطفال، الذين اعتادوا اللعب في الصباح، كانوا يجلسون بهدوء كأنهم تعلموا فجأة أن اللعب رفاهية. جاءت ريم ومعها قطعة خبز صغيرة مدهونة بالزيت والزعتر. جلست قرب ليان ومدتها لها. "خدي يا حبيبتي. لازم تاكلي." نظرت ليان إلى الخبز. زيت وزعتر. وعد مريم الأخير. شعرت بوخزة في صدرها. لم تمد يدها. قالت ريم بلطف: "لقمة صغيرة بس." هزت ليان رأسها. "ماما كانت بدها تعمل لي خبز بزيت وزعتر." سكتت ريم. أما سعاد، التي كانت تقف قريبة، فقد أدارت وجهها بسرعة. قالت ريم بصوت منخفض: "طيب اعتبريها من ماما." نظرت إليها ليان بغضب مفاجئ. "لا. ماما بتعمله غير." انكسرت ملامح ريم، لكنها لم تغضب. وضعت الخبز جانبها وقالت: "لما تجوعي، بيكون هون." بقيت ليان تحدق في الخبز. كان بسيطًا، لكنه فتح داخلها بابًا من الذكريات. تذكرت مريم وهي تفرد الزيت فوق الرغيف، ثم ترش الزعتر بحركة دائرية، وتقول لها: "الزعتر لازم يكون كثير، لأنه ريحته من ريحة البلاد." كانت ليان تضحك وتقول: "البلاد ريحتها زعتر؟" فتجيب مريم وهي تقرّب الرغيف من وجهها: "وزيتون، وبيوت قديمة، ومطر على حجر." لم تكن ليان تفهم كيف يكون للبلاد رائحة. الآن فقط، في ذلك البيت الغريب، بدأت تفهم أن الأشياء التي نحبها تصبح وطنًا صغيرًا. الخبز وطن. الوشاح وطن. صوت الأم وطن. وحتى الباب الأخضر الذي كانت تخاف منه صار وطنًا لأنها تركت مريم عنده. بعد قليل، اقتربت منها أم يوسف. كانت امرأة ممتلئة الوجه، عيناها متعبتان، وعلى كتفها شال بني قديم. نظرت حولها أولًا، ثم جلست قرب ليان. "صباح الخير يا بنتي." لم ترد ليان. قالت المرأة بصوت دافئ: "يوسف قلقان عليكِ." تحرك قلب ليان عند ذكر اسمه، لكنها بقيت صامتة. تابعت أم يوسف: "هو ولد صغير، لا تحمليه فوق طاقته." رفعت ليان وجهها. "هو شاف ماما." ارتبكت المرأة. "يمكن شاف أشياء كثير. الليلة كانت صعبة." "قال إنها كانت ماسكة شنطة." شدّت أم يوسف شالها حول صدرها. "الأولاد أحيانًا بيتخيلوا." "هو ما تخيل." نظرت المرأة إلى سعاد بسرعة، ثم قالت: "يا ليان، اسمعيني. أمك كانت طيبة. وكل الناس بتحبها. بس في أشياء…" قاطعتها ليان: "كل الناس بتحكي في أشياء. شو هي الأشياء؟" لم تجب أم يوسف. شعرت ليان أن الكبار في هذا العالم يملكون خزائن كثيرة، وكل خزانة فيها جواب، لكنهم يضعون المفاتيح في جيوبهم ويطلبون من الأطفال ألا يسألوا. وضعت يدها على الوشاح وقالت: "أنا بدي ماما." قالت أم يوسف بحزن: "كلنا بدنا اللي راحوا يرجعوا يا بنتي." "ماما مش راحت. ماما ضاعت." أغمضت المرأة عينيها لحظة. "الله يرجعها لكِ." ثم نهضت وغادرت. بقيت ليان مكانها، لكن عقلها لم يبقَ معها. كان عند البيت القديم. عند الباب. عند الحقيبة. عند كلمة سليم. قررت فجأة أنها ستبحث في الوشاح. لم تكن تعرف عمّا تبحث، لكنها شعرت أن مريم لم تترك الوشاح صدفة. لماذا علق على الباب؟ لماذا عاد مع الأشياء التي وجدها الرجال؟ ولماذا خافت سعاد عندما تمسكت به؟ انتظرت حتى انشغل الجميع. أخذت قطعة الخبز التي تركتها ريم، لا لتأكلها، بل كي لا ينتبه أحد أنها لم تتحرك. ثم تسللت إلى زاوية خلف ستارة قديمة، حيث كانت هناك صناديق وبطانيات إضافية. جلست على الأرض وفتحت الوشاح أمامها. كان أبيض، لكنه لم يعد أبيض تمامًا. الغبار جعل أطرافه رمادية، وكان في طرفه الأيسر بقعة صغيرة بنية، ربما من الطين. مررت ليان أصابعها على القماش. كان ناعمًا في الوسط، وخشنًا قليلًا عند الحواف حيث الزخرفة المطرزة. تأملت التطريز. كانت مريم تحب التطريز. قالت لها مرة إن كل غرزة تشبه كلمة لا تقال. في طرف الوشاح، وجدت ليان خيطًا أحمر صغيرًا، مختلفًا عن باقي الخيوط البيضاء. كان مخفيًا بين الزخارف، لكنه واضح لمن يبحث جيدًا. تذكرت فجأة السطر في الورقة: الباب… الحقيبة… سليم. هل الخيط له علاقة بالحقيبة؟ هل خبأت مريم شيئًا في الوشاح كما خبأت الورقة؟ شدّت ليان الخيط قليلًا. لم يتحرك. شدّته مرة أخرى، فارتجفت يدها. لم تكن تريد أن تخرب وشاح مريم، لكنه ربما كان يخفي جوابًا. شعرت بالذنب، فرفعت القماش إلى شفتيها وهمست: "سامحيني يا ماما." ثم جذبت الخيط بأسنانها الصغيرة. انفتح جزء صغير من الحافة. دخل قلب ليان في حلقها. مدت إصبعها داخل الفتحة الضيقة، فلمست شيئًا قاسيًا جدًا. ليس ورقًا. شيء صغير وبارد. حاولت إخراجه، لكنه علق في القماش. شدّت بخفة، ثم بقوة أكبر، حتى خرج أخيرًا. كان زرًا معدنيًا صغيرًا. نظرت إليه باستغراب. زر؟ لم يكن زرًا عاديًا. كان دائريًا، داكن اللون، وعلى وجهه علامة محفورة. لم تستطع فهمها جيدًا. قربته من الضوء الخافت، فرأت شكل غصن زيتون صغير، وتحت الغصن حرفان صغيران. س. م. لم تكن تعرف ماذا يعنيان. ربما اسم. ربما مكان. ربما علامة على حقيبة. وفجأة، سمعت صوتًا خلفها. "شو بتعملي؟" شهقت ليان وأغلقت كفها على الزر بسرعة. كانت سعاد واقفة عند الستارة. وجهها شاحب. نظرت إلى الوشاح المفتوح، ثم إلى يد ليان المغلقة. "افتحي إيدك." هزت ليان رأسها. "افتحيها يا ليان." "لا." اقتربت سعاد بسرعة، فانكمشت الطفلة. "ما تأخذيه مني!" "شو لقيتِ؟" "ولا إشي." "ليان." كان صوت الجدة يرتجف. لم يكن غضبًا فقط. كان خوفًا. خوف حقيقي جعل ليان تزداد تمسكًا بما في يدها. قالت الطفلة: "هذا من ماما." "أعطيني إياه." "لا." "يا بنتي، أنتِ مش فاهمة." وقفت ليان وهي تضم الوشاح إلى صدرها بيد، وتخفي الزر باليد الأخرى. "إذن فهميني!" سكتت سعاد. "كل مرة تقولين لي مش فاهمة. فهميني! شو كانت الحقيبة؟ ومين سليم؟ وليش ماما كتبت اسمي؟" تغير وجه سعاد كأن الأرض انسحبت من تحت قدميها. "مين قال لك اسم سليم؟" أدركت ليان أنها أخطأت. تراجعت خطوة. "أنا…" اقتربت سعاد أكثر، وصوتها انخفض حتى صار همسًا خائفًا: "ليان، من وين سمعتي هالاسم؟" شدّت الطفلة الوشاح حولها. "ما رح أحكي." "اسمعيني منيح. لا تذكري هذا الاسم قدام حدا. فاهمة؟ ولا قدام أي شخص." "ليش؟" "لأنه…" توقفت. كان على وجهها صراع واضح. كأنها تريد أن تقول الحقيقة، لكنها ترى شيئًا خلف ليان، شيئًا لا تراه الطفلة، يمنعها. قالت أخيرًا: "لأنه اسم بيوجع." "هو عمل إشي لماما؟" لم تجب سعاد. "هو أخذها؟" "اسكتي." "هو السبب؟" "قلت اسكتي!" ارتفع صوت سعاد، فالتفت بعض النساء من بعيد. فورًا تراجعت الجدة، وكأنها خافت من نفسها. وضعت يدها على فمها، ثم همست: "أنا آسفة." لكن ليان لم تعد تسمع الاعتذار. كانت تسمع الصمت الذي جاء بعد سؤالها. الصمت الذي يعني أن شيئًا من كلامها صحيح. فتحت كفها ببطء، ونظرت إلى الزر المعدني. رأته سعاد. شهقت بخفة. "من وين طلع هذا؟" قالت ليان: "من الوشاح." مدت سعاد يدها، لكن ليان أخفته بسرعة خلف ظهرها. "أعطيني إياه." "لا. هذا دليلي." "دليل على شو؟" "على ماما." تعبت سعاد فجأة. جلست على صندوق قريب، ووضعت يدها على جبينها. بدت عجوزًا جدًا في تلك اللحظة. قالت بصوت منخفض: "مريم، شو عملتِ؟" التقطت ليان الهمسة. "ماما خبّته؟" لم تجب. "ليش؟" رفعت سعاد رأسها، وكانت عيناها رطبتين. "لأن أمك كانت تعرف إنك ذكية." هذه الجملة لم تكن جوابًا، لكنها كانت أول اعتراف. اقتربت ليان خطوة. "إذن هي تركت لي أشياء؟" أدركت سعاد ما قالت، فشدّت شفتيها. "ما قلت هيك." "بلى. قلتي إنها تعرف إني ذكية. يعني خبّت لي إشي." "ليان، أرجوكِ." كانت هذه أول مرة تسمع فيها ليان جدتها تقول أرجوكِ بهذه الطريقة. لا كأمر، ولا كتحذير، بل كاستسلام. لكن قلب الطفلة كان قد بدأ يتحول. لم تعد فقط تريد أمها. صارت تريد الحقيقة. قالت بهدوء غريب: "أنا ما رح أعطيك الزر." "قد يضرك." "هو من ماما. ماما ما بتأذيني." أغمضت سعاد عينيها. "أمك لا. لكن الناس الذين كانوا حولها… يمكن." "سليم؟" انتفضت سعاد. "لا تكرري الاسم." "سليم؟" "ليان!" هذه المرة لم تخف الطفلة. ظلت تنظر إلى جدتها بعينين واسعتين. "أنا رح أعرف." لم ترد سعاد. "حتى لو ما حكيتِ لي، رح أعرف." في ذلك الوقت، دخل أبو يوسف مسرعًا من الباب الخارجي. كان وجهه متوترًا. نظر إلى سعاد وقال: "لازم نتحرك." وقفت سعاد فورًا. "شو صار؟" "في ناس عم تسأل." "عن مين؟" نظر أبو يوسف إلى ليان، ثم خفض صوته، لكنها سمعت رغم ذلك. "عن مريم… وعن الشنطة." شعرت ليان أن الزر في يدها أصبح أثقل. سعاد وضعت يدها على الحائط كي لا تقع. "مين بيسأل؟" تردد الرجل. "رجل اسمه سليم." توقفت الأنفاس في صدر ليان. ها هو الاسم. لم يكن خيالًا. لم يكن كلمة في ورقة متسخة. كان رجلًا حقيقيًا، يبحث عن مريم، وعن الحقيبة. وربما سيبحث عن الوشاح أيضًا. أغلقت ليان كفها على الزر بقوة حتى آلمتها أصابعها. نظر أبو يوسف إليها، ثم قال لسعاد: "لازم تخبي أي شيء يخص مريم." قالت سعاد بسرعة: "ما في شيء." لكن عينيها ذهبتا إلى الوشاح. فهمت ليان. سيريدون أخذ الوشاح منها. تراجعت خطوة، ثم أخرى. قالت سعاد: "ليان، تعالي." لكن الطفلة هزت رأسها. "لا." "يا روحي، لازم أخبيه." "لا." "إذا شافوه معك، رح يسألوك." "خليهم يسألوا." اقتربت سعاد بخوف. "أنتِ ما بتعرفي شو يعني يسألوا." "ولا أنتِ بتعرفي شو يعني أمي تروح." سكتت سعاد كأن الجملة صفعتها. فجأة، وقع صوت طرق على الباب الخارجي. طرق بطيء. ثلاث ضربات واضحة. ساد صمت كامل في البيت. حتى الأطفال سكتوا. نظرت النساء إلى بعضهن، ووقف أبو يوسف قرب الباب، بينما دفعت سعاد ليان خلفها بسرعة. همس أبو يوسف: "مين؟" جاء صوت رجل من الخارج. هادئ. بارد. "افتح يا أبو يوسف. سمعت إنكم لقيتوا أشياء من بيت مريم." تجمدت ليان خلف جدتها. لم تكن قد رأت سليم بعد. لكنها كرهت صوته من أول مرة. كان صوتًا لا يصرخ، لكنه يجعل الناس يخافون. شدّت سعاد على يد ليان وهمست دون أن تلتفت: "خبي الوشاح." نظرت ليان حولها بسرعة. لم تجد مكانًا. فأدخلت الزر داخل ثوبها، ولفّت الوشاح حول خصرها تحت البطانية الصغيرة، ثم جلست على الأرض كأنها طفلة لا تعرف شيئًا. فتح أبو يوسف الباب نصف فتحة. دخل رجل طويل، يرتدي معطفًا رماديًا، وشعره مرتب بطريقة لا تشبه فوضى الناس حوله. كان وجهه هادئًا أكثر من اللازم. نظر في المكان نظرة سريعة، ثم توقف عند سعاد. "صباح الخير، خالتي سعاد." لم ترد. ابتسم قليلًا. "سمعتوا شي عن مريم؟" لم تتحرك ليان. لكن قلبها قال: هذا هو. سليم. الرجل الذي كتبته مريم في الورقة. الرجل الذي يخاف منه الكبار. الرجل الذي يبحث عن الحقيبة. تقدم سليم خطوة، ثم رأى ليان خلف سعاد. ثبتت عيناه عليها. كانت نظرته ناعمة، لكنها جعلت جلدها يقشعر. قال: "وهذه ليان؟" لم تجب الطفلة. ابتسم ابتسامة باردة. "كبرتِ يا بنت مريم." أمسكت ليان طرف البطانية بيد مرتجفة، وفي اليد الأخرى ضغطت على الزر المخفي قرب قلبها. لم تكن تعرف لماذا، لكنها شعرت أن أمها تركت لها ذلك الزر لتصل إلى شيء. وربما لتحذرها من هذا الرجل. انحنى سليم قليلًا، كأنه يريد أن يبدو لطيفًا. "معك شيء من أمك؟" توقف العالم. نظرت ليان إلى سعاد، ثم إلى أبي يوسف، ثم إلى الرجل الواقف أمامها. كانت طفلة صغيرة، نعم. لكنها عرفت في تلك اللحظة أن جوابها قد يغيّر كل شيء. ابتلعت خوفها، وشدت الوشاح المخفي حول جسدها، ثم قالت بصوت خافت: "لا." ابتسم سليم. لكن عينيه لم تبتسما. قال بهدوء: "غريب… لأن أمك كانت دائمًا تترك وراءها أشياء لا يجب أن تبقى."كان سوق الأقمشة في الحي القديم مزدحمًا رغم اقتراب المساء.ألوان كثيرة معلقة على الأبواب، أثواب مطوية، خيوط تتدلى من الرفوف، وروائح قماش جديد ممزوجة بغبار قديم. لكن ليان لم تكن ترى السوق كما يراه الناس. كانت تبحث عن باب عليه نقش إبرة وخيط.سارت زينب في المقدمة.قالت:"بيت الخياطة ليس دكانًا عاديًا. من الخارج يبدو مكانًا لخياطة الأثواب. لكن النساء كنّ يتركن فيه أشياء لا يجرؤن على تركها في الورق."قال آدم:"مثل الأسماء."أومأت زينب."الأسماء، تواريخ الولادة، أسماء الأمهات الحقيقيات، وأحيانًا رسائل صغيرة داخل البطانات."توقفت مريم أمام زقاق ضيق."كنت هنا وأنا صغيرة."نظرت ليان إليها."مع فاطمة؟""نعم. أمي كانت تمسك يدي بقوة وتقول لي: لا تلمسي شيئًا، ولا تسألي عن أسماء النساء."قالت نور:"لأن السؤال كان خطرًا."قالت مريم:"نعم. لكنني أتذكر الخيوط. خيوط كثيرة. وامرأة كانت تضحك وتقول لي: البنت التي تحفظ الألوان تحفظ الطريق."قالت زينب:"هذه غالبًا خالتي حنان، أمي."تقدمت ليان خطوة."أمكِ كانت هنا؟"قالت زينب:"نعم. بعد أن حاولوا تغيير اسمي، صارت تأتي إلى بيت الخياطة مع فاطمة. لم تكن تملك قوة
كان الطريق إلى بيت زينب مختلفًا عن كل الطرق السابقة.لم يكن طريقًا إلى بيت عزل، ولا إلى دار أخفت النساء، ولا إلى مكان حراسة أو سوق قديم أو وادٍ ابتلع الأسماء. كان طريقًا إلى امرأة احتفظت باسم طفلة، في زمن كان الاسم نفسه خطرًا.كانت زينب تسكن في بيت صغير عند طرف بساتين الزيتون، قريبًا من البلدة القديمة، لكنه بعيد بما يكفي عن العيون. الطريق إليه ترابي، تحيط به أشجار منخفضة، وفي آخره باب أخضر فاتح، فوقه عريشة ياسمين.قالت أم نوال وهي تشير إلى البيت:"هذا بيت زينب."توقفت مريم قبل الباب.بدت متوترة بطريقة مختلفة. لم يكن خوفها هذه المرة من رجل أو ورقة أو مكان سجن. كان خوفها من طفلة حفظت اسمها في الذاكرة، ثم كبرت بعيدًا عنها.قالت ليان:"ماما؟"قالت مريم بصوت خافت:"ماذا لو لم تتذكرني؟"قالت رنا بهدوء:"أنتِ لا تطلبين منها أن تتذكركِ لتثبتي نفسكِ. أنتِ جئتِ لتعرفي إن كان اسمها بقي معها."قالت مريم:"كنت أقول لها كل ليلة: نور. لا تصيري رقمًا."قالت ليان:"إذن اليوم نسأل: هل وصل صوتكِ إليها؟"طرقت ليان الباب.لم يفتح أحد فورًا. ثم سُمعت خطوات هادئة، وانفتح الباب.ظهرت امرأة في الستين تقريبًا،
كان بيت طفولة مريم عند أطراف البلدة، بعيدًا قليلًا عن الطرق التي حفظتها ليان من الخرائط والرسائل.لم يكن بيتًا كبيرًا. جدرانه قديمة، وسطحه منخفض، وبابه الخشبي أزرق باهت كأن اللون بقي عليه رغم كل السنوات. أمامه شجرة ليمون يابسة، وبجانب الباب حجر صغير كانت مريم تحدق فيه طويلًا.قالت مريم بصوت خافت:"كنت أجلس هنا."اقتربت ليان منها."تتذكرين؟"أومأت."كنت أنتظر أمي وهي تخبز. كانت تقول لي: لا تجلسي قرب الباب كثيرًا، الباب يسمع أخبار الناس قبل أن تدخل."قالت رنا:"حتى طفولتكِ كانت مليئة بالأبواب."نظرت مريم إلى المفتاح الصغير في يدها."لكن هذا الباب كان آمنًا."قالت ليان:"لنفتحه."وضعت مريم المفتاح في القفل. في البداية لم يتحرك، كأنه نسي وظيفته. ساعدها سامر قليلًا، ثم دار المفتاح بصوت صدئ. انفتح الباب ببطء، وخرجت منه رائحة غبار وخشب قديم وذاكرة مغلقة.دخلوا.كان البيت شبه فارغ، لكن ليس مهجورًا تمامًا. هناك أشياء بقيت في أماكنها كما لو أن أصحابها خرجوا ليوم واحد ولم يعودوا: كرسي قرب النافذة، رف عليه أوانٍ قديمة، سجادة مطوية، وموقد حجري في زاوية المطبخ.توقفت مريم عند الموقد فورًا."هنا."ق
كان الطريق من سوق الجمعة إلى المقبرة القديمة أقصر مما توقعت ليان، لكنه بدا أطول من كل الطرق السابقة.لم يكن الطريق صعبًا على الجسد فقط، بل على الذاكرة. كل خطوة فيه كانت تشبه عودة إلى بداية الحكاية؛ إلى القبور، وإلى أم نوال، وإلى السؤال الذي ظل يطارد ليان سنوات:هل اقتربت أمي مني أكثر مما عرفت؟كانت مريم تمشي بين ليان ورنا. لم تعد تمسك يد ليان طوال الوقت، لكنها كلما اقتربوا من المقبرة، عادت يدها تبحث عنها دون وعي.قالت أم نوال وهي تشير إلى الطريق الترابي:"من هنا كان الناس يدخلون إلى المقبرة دون أن يمروا من الشارع الرئيسي. خديجة كانت تسكن عند آخر السور، في بيت صغير. كانت تغسل الموتى، وتعرف وجوه الحزن قبل أن يتكلم أصحابها."قالت ليان:"وهل كانت تعرفكِ؟"أومأت أم نوال."نعم. كانت تعرفني جيدًا. وكانت تعرف مريم أيضًا، ولو من بعيد."توقفت مريم."كانت تعرفني؟"قالت أم نوال:"قبل كل ما حدث، رأتكِ مرات معي. لم تكوني غريبة عنها."قالت رنا:"إذن إذا وصلت مريم إلى المقبرة بعد سوق الجمعة، خديجة كانت قادرة على التعرف عليها."قالت أم نوال:"نعم. وهذا ما أخشاه."نظرت ليان إليها."لماذا تخافين؟"تنهدت
كان سوق الجمعة يبدأ قبل الفجر.عندما وصلوا إليه، لم يكن السوق مزدحمًا كما تخيلت ليان. كثير من البسطات كانت مغلقة، وبعض الرجال يفرشون بضائعهم القديمة على الأرض: صناديق خشبية، أوانٍ نحاسية، كتب ممزقة، ألعاب أطفال، مفاتيح بلا أبواب، وصور لا يعرف أحد أصحابها.قال يوسف بصوت خافت:"أمي كانت تأتي إلى هنا."نظر إلى المكان كأنه يدخل طفولته من باب لم يفتحه منذ سنوات.قالت ليان:"كانت تُسمى أم الصناديق؟"أومأ."نعم. لأنها كانت لا ترمي شيئًا. كل صندوق عندها كان له قصة. أحيانًا كان الناس يتركون عندها أشياءهم مؤقتًا، فتحتفظ بها كأنها أمانة."قالت رنا:"ولهذا ترك سامر عندك دفتر البحر."قال يوسف:"ربما. أو تركه عند أمي ليصل إليّ عندما أكبر."وقفت مريم عند مدخل السوق. كان وجهها شاحبًا، لكنها لم تكن خائفة كما كانت في وادي الغياب. السوق أعاد إليها صورًا متقطعة: أصوات باعة، رائحة قهوة، صندوق خشبي مفتوح، وامرأة تقول لها: لا تقفي في وسط السوق، العيون هنا تشتري الأخبار قبل البضاعة.قالت:"كنت هنا."اقتربت ليان منها."ماذا تتذكرين؟"قالت مريم:"كنت أبحث عن يوسف. أو عن أمه. كنت أقول: أحتاج الصندوق الذي تركه س
لم يكن الطريق إلى وادي الغياب طريقًا واضحًا.كلما ابتعدوا عن البلدة القديمة، خفتت الأضواء، وصارت البيوت أقل، ثم بدأت الأرض تنخفض بين تلال صخرية قاسية. لم تكن هناك لافتة تحمل اسم المكان. كأن الوادي نفسه لا يريد أن يُعثر عليه.قالت أم نوال بصوت منخفض:"هنا كانوا يتركون من لا يريدون أن يسأل عنهم أحد."نظرت ليان من النافذة."مكان بلا اسم للناس بلا أسماء."قالت مريم:"كنت هنا."لم تقلها كذكرى كاملة، بل كوجع قديم عاد إلى جسدها. كانت عيناها على الحجارة، ويداها تمسكان بطرف وشاحها.قالت رنا:"تتذكرين شيئًا واضحًا؟"أغمضت مريم عينيها."برد. تراب. صوت باب حديد. وامرأة تقول لي: لا تنامي على التراب."قالت أم نوال:"هذه ربما حليمة، زوجة برهان."قالت ليان:"وبرهان؟"أجابت أم نوال:"كان حارسًا قديمًا في الوادي. في البداية كان يعمل مع من يملكون الطريق، ثم صار يخاف من نفسه أكثر مما يخاف منهم."قال محمود من السيارة الخلفية عندما توقفوا:"بيت الحارس هناك."أشار إلى بيت صغير عند طرف الوادي، مبني من حجارة خشنة، له باب معدني صدئ، ومصباح ضعيف فوقه.نزلوا من السيارات.كان الهواء باردًا رغم أن الليل لم يتعمق ب







