LOGINلم يكن الاسم المحفور على الميدالية كما توقعوا.لم يكن نور.كان:نوراحرف واحد زائد، لكنه جعل كل شيء يتغير.بقيت ليان تنظر إلى نصف الميدالية في كفها، كأنها تنظر إلى وجه جديد للحكاية. كان المعدن باردًا، حوافه مكسورة من جهة واحدة، وكأن النصف الآخر انتُزع منه بعجلة. الاسم محفور بخط صغير، لكن واضح: نورا.قال يوسف بصوت خافت:"يعني هي مش نور؟"لم تجب الطفلة.كانت جالسة على الأرض، تضم ركبتيها إلى صدرها، وعيناها معلقتان بالميدالية كأنها تخاف أن تنكرها أو أن تصدقها. بدا عليها أنها لا تعرف هل الاسم الذي في المعدن يخصها حقًا، أم هو اسم آخر أُعطي لها كما أُعطيت لها وجوه وبيوت وطرق لا تتذكرها.قالت صفية الخيوط، وهي تلتقط أنفاسها بعد الركض:"لا تستعجلوا. أحيانًا الاسم الكامل يختصرونه حتى لا يُعرف صاحبه."نظر آدم إلى الميدالية بتركيز."نورا قد تكون هي نور نفسها. أو قد تكون طفلة أخرى استُخدمت بدلها."ارتجفت ليان."طفلة أخرى؟"قال آدم:"كل شيء حول نور كان مبنيًا على التبديل. طفلة تشبهها، سوار يشبه سواركِ، حقيبة تشبه الحقيبة الأصلية. ربما الاسم أيضًا قُصّ منه حرف حتى يضيع بين النسخ."قال يوسف بضيق:"يعن
لم تكن الخطوة التي خرجت بها ليان من خلف شجرة الزيتون خطوة طويلة.كانت صغيرة جدًا.لكنها كانت كافية.كافية كي يراها سليم.كافية كي يبتسم.كافية كي يشعر آدم أن كل ما حاول منعه قد حدث.وكافية كي تفهم ليان أن الاسم، أحيانًا، يكون فخًا أكثر منه نجاة.وقف سليم بين الأشجار المقابلة، هادئًا كعادته، كأن ظهوره لم يكن مفاجأة، بل نتيجة طبيعية لكل طريق مشت فيه ليان منذ الصباح. خلفه كان رجلان، ومن جانبه وقفت المرأة ذات القماش الذي لا لون له. أما الطفلة التي نادت اسم ليان، فبقيت عند باب البناء الصغير، يدها ممسكة بطرف قماش المرأة، وعيناها معلقتان بليان.قال سليم بهدوء:"أحسنتِ يا غريبة. قلتُ لكِ إن اسمها سيقودها أسرع من الخوف."شدّ يوسف يد ليان من الخلف."ارجعي."لكن ليان لم ترجع.كانت تنظر إلى الطفلة.الطفلة قالت اسمها. لم تقل: أنتِ. لم تقل: تعالي. قالت: ليان.وكأنها تعرفها.قال آدم من خلفها، بصوت منخفض حازم:"ليان، خطوة واحدة للخلف."لم تطعه.سألَت الطفلة بصوت مرتجف:"أنتِ نور؟"لم تجب الطفلة فورًا. نظرت إلى المرأة ذات القماش الخام، ثم إلى سليم، ثم عادت إلى ليان. كانت في عينيها رغبة في الكلام وخوف
لم تكن جملة الطفل واضحة بما يكفي لتفهمها ليان، لكنها كانت مخيفة بما يكفي لتجعل قلبها يتوقف لحظة."لا تثقوا بأمّ الذاكرة."بقيت الخرزة الخضراء معلقة في يد الطفل، تلمع تحت ضوء الصباح الخافت كأنها عين صغيرة ترى ما لا يراه الكبار.نظر آدم إلى الطفل، وتغير وجهه بطريقة جعلت ليان تخاف أكثر. كان آدم هادئًا منذ ظهر عند شجرة الزيتون، يتكلم كمن اعتاد قراءة الخطر في الورق والطرق، لكنه الآن بدا كأن ورقة كاملة احترقت في رأسه.قال بصوت منخفض:"من قال لك هذا؟"أجاب الطفل:"عائشة."تقدم يوسف خطوة، لكنه بقي قريبًا من ليان."أين عائشة الآن؟"نظر الطفل خلفه، نحو الأشجار، ثم قال:"ما بعرف. قالت لي أركض وما أرجع."قال آدم:"متى قالت ذلك؟""قبل شوي.""أين؟"رفع الطفل يده الصغيرة وأشار إلى جهة لا تظهر منها إلا أشجار الزيتون وبعض الحجارة."عند القنديل."أمسكت ليان الخرزة من يده بحذر. كانت خضراء صغيرة، وفي وسطها خط أبيض رفيع. لم تكن تشبه خرز سوارها، لكنها شعرت أنها تحمل شيئًا من نور. نور التي أصبحت الآن أقرب وأبعد في الوقت نفسه.قالت للطفل:"ما اسمك؟"قال:"موسى."كان صوته ثابتًا بطريقة غريبة. لم يكن يبكي، ولا
لم يكن الاسم غريبًا تمامًا على ليان.آدم.كانت قد قرأته قبل لحظة على ظهر قطعة التطريز، لكن سماعه بصوت حيّ جعل الاسم يتحول من حبر صغير إلى شخص واقف أمامها.كان الشاب يخرج من ظل شجرة الزيتون بهدوء، كأنه لم يظهر فجأة، بل كان جزءًا من المكان منذ البداية. كان طويلًا قليلًا، نحيلًا، يرتدي قميصًا رماديًا وسترة قديمة، ويحمل على كتفه حقيبة جلدية متعبة. في يده دفتر أسود، يشبه الدفاتر التي يحتفظ بها الكبار للأشياء المهمة، لا للواجبات المدرسية.تراجع يوسف خطوة أمام ليان."مين إنت؟"نظر آدم إليه، ثم إلى ليان، ثم إلى السوار في معصمها."قلت لكما. أنا آدم."قال يوسف بحدة:"آدم مين؟"لم يغضب الشاب. بدا وكأنه توقع السؤال."آدم ابن نادر السراج."ارتجفت ليان عند الاسم."السراج؟ مثل بيت السراج؟"أومأ."نعم."وضعت ليان يدها على قطعة التطريز في جيبها."أنت من بيت السراج؟""كنت كذلك. أو بقيت من اسمه."لم تفهم الجملة، لكنها شعرت أن فيها حزنًا يشبه حزن البيوت القديمة.قال يوسف:"وكيف عرفت اسم ليان؟"رفع آدم الدفتر الأسود قليلًا."اسمها موجود هنا."اشتد خوف ليان.كلما قال أحد إن اسمها موجود في مكان، انفتح باب ج
لم تفكر ليان كثيرًا.كان صوت سليم يقترب من باب الصف، وخطواته الهادئة على أرض المدرسة القديمة تجعل الغبار نفسه يبدو خائفًا. وكان يوسف بجانبها، وجهه شاحب، ويده تمسك طرف كمّها كأنه يحاول أن يمنعها من أن تختفي كما اختفى كل شيء حولها.ومن خلف النافذة المكسورة، كانت المرأة العجوز تمد يدها وتهمس:"إذا بدكِ تعيشي، أعطيني يدكِ الآن."نظرت ليان إلى يوسف.كان السؤال في عينيها واضحًا: هل نثق بها؟لكن لم يكن لديهما وقت للثقة.كان سليم عند الباب.قال بصوت هادئ من الخارج:"ليان… لا تجعلي المدرسة تختبئ عني. أمكِ كانت تعرف أنني أجد الأبواب الصغيرة."ارتجف جسدها.مدّت يدها إلى المرأة.كانت يد العجوز خشنة، باردة قليلًا، لكنها قوية. جذبت ليان نحو النافذة بحركة سريعة، وساعدها يوسف من الداخل. خرجت ليان أولًا، فخدش طرف الزجاج ثوبها، لكنها لم تصرخ. سقطت في زقاق ضيق خلف الصف، بين حائط المدرسة وحائط بيت قديم.ثم مدّت يدها إلى يوسف."بسرعة."تردد يوسف لحظة، ثم تسلق النافذة بصعوبة. كان جسده متعبًا من الخطف والخوف، لكنه قاوم. أمسكت العجوز بذراعه من الخارج، وليان أمسكت يده، وسحباه معًا.في اللحظة التي سقط فيها يوس
لم يكن وقوف سليم على عتبة البيت مجرد ظهور.كان إهانة.شعرت ليان أن البيت نفسه انكمش. كأن الجدران التي صمتت منذ ليلة الباب المفتوح قد عرفت الرجل الذي وقف على حجرها، فبرد هواؤها أكثر. كان سليم واقفًا عند الباب الأخضر، ويده على الخشب المتشقق، كأنه صاحب المكان، كأنه لم يأتِ ليأخذ ما تركته مريم، بل جاء ليعلن أن البيت لم يعد بيتها.قال بهدوء:"أخيرًا رجعتِ إلى البيت يا ليان. كنت أنتظر أن تفتحي لي ما تركته أمكِ تحت قدميكِ."لم تجب ليان.كانت الورقة في يدها، والمفتاح الصغير داخل قبضتها، وقطعة الخشب المحفورة مضغوطة إلى صدرها. شعرت أن الأشياء الثلاثة صارت أثقل من جسدها كله.تقدمت سعاد خطوة، ووقفت أمامها."اخرج من البيت يا سليم."ابتسم."البيت مفتوح يا خالة سعاد. والبيوت المفتوحة لا تطرد أحدًا."قالت سعاد بصوت يرتجف من الغضب:"هذا بيت مريم."نظر حوله ببطء، إلى الغبار، إلى الجدار المشقوق، إلى النافذة المكسورة، ثم قال:"مريم تركته."رفعت ليان رأسها فجأة.كانت الجملة كالسهم.قالت بصوت صغير، لكنه واضح:"ماما رجعت."تغير وجه سليم تغيرًا خفيفًا. لم يكن يتوقع أن تقرأ السطر بهذه السرعة. نظر إلى الورقة ف