LOGIN
لم تكن ليان تعرف أن البيت يمكن أن يخون صاحبه.
كانت تظن أن البيت مثل حضن الأم؛ مهما اشتدّ الليل في الخارج، يبقى دافئًا من الداخل. كانت تظن أن الجدران لا تسقط، وأن الأبواب لا تُترك مفتوحة، وأن الأم لا تختفي قبل أن تكمل الحكاية. في تلك الليلة، كانت نائمة على طرف الفراش الصغير، وقد ضمّت دميتها البنية إلى صدرها. كان شعرها الأسود مبعثرًا فوق الوسادة، وكانت بقايا ابتسامة صغيرة عالقة على وجهها، كأنها ما زالت تسمع صوت أمها وهي تقول قبل النوم: "نامي يا روحي… أنا هون." كانت مريم تجلس قربها كل ليلة، تمرر أصابعها بين خصلات شعرها، وتروي لها حكاية البيت القديم ذي الباب الأخضر، وحكاية البحر الذي لم تره ليان إلا في الصور، وحكاية شجرة الزيتون التي قالت لها أمها مرة إنها تشبه الجدات؛ صامتة، ثابتة، وتحفظ الأسرار. سألتها ليان قبل أن تنام: "ماما، لما أكبر، بتاخذيني عالبحر؟" ابتسمت مريم يومها، لكن ابتسامتها كانت حزينة بطريقة لم تفهمها ليان. قالت وهي تغطيها جيدًا: "بوعدك يا قلبي. يومًا ما سنذهب." "ومتى يومًا ما؟" ضحكت مريم بهدوء، ثم قبّلت جبينها. "لما يصير الطريق أحنّ علينا." لم تفهم ليان معنى أن يكون الطريق قاسيًا أو حنونًا. كانت طفلة في السابعة، وكل ما تعرفه عن الطرق أنها تأخذ الناس إلى السوق، أو المدرسة، أو بيت الجدة. لم تكن تعرف أن بعض الطرق تأخذ الناس ولا تعيدهم. أغلقت عينيها تلك الليلة وهي تفكر في البحر. تخيلت أمها تمسك يدها، وهما تمشيان فوق الرمل. تخيلت ثوب مريم الزيتوني يتحرك مع الهواء، وشعرها البني يظهر قليلًا من تحت الوشاح الأبيض. ثم غلبها النوم. لم يطل النوم كثيرًا. استيقظت على صوت ضخم هزّ كل شيء. لم يكن صوت رعد. الرعد يأتي من السماء ويترك خلفه مطرًا. هذا الصوت جاء من الأرض، من الجدران، من داخل صدرها الصغير. فتحت عينيها فجأة، وشعرت أن الفراش تحتها ارتجف كأنه يريد أن ينهض ويهرب. بقيت لحظات لا تفهم أين هي. الغرفة التي نامت فيها لم تعد تشبه غرفتها. الغبار يملأ الهواء، والنافذة مفتوحة بعنف، والستارة البيضاء التي كانت أمها تغسلها كل يوم جمعة تمزقت من طرفها. الكوب الأزرق قرب سريرها كان مكسورًا، والماء امتزج بتراب الأرض. مدّت يدها تتحسس المكان بجانبها، كأنها تبحث عن دفء أمها. كان المكان فارغًا. رفعت رأسها ببطء. "ماما؟" خرج صوتها صغيرًا، ضعيفًا، كأنه يخاف أن يسمعه الظلام. لم يجب أحد. جلست على الفراش، وبدأ قلبها يخفق بسرعة. خارج الغرفة، كانت تسمع أصواتًا كثيرة: صراخ، ركض، أبواب تُفتح وتُغلق، أسماء تُنادى، وبكاء لا تعرف مصدره. كررت بصوت أعلى: "ماما… وينك؟" لم تأتِ مريم. حاولت ليان النزول من السرير، لكن قدميها لم تلمسا الأرض حتى شعرت بشيء حاد تحتها. صرخت، ورفعت قدمها بسرعة. كانت قطعة زجاج صغيرة قد خدشت جلدها. نظرت إلى الأرض فرأت بقايا إطار الصورة الذي كان معلقًا على الجدار. كانت الصورة لعائلتها الصغيرة: مريم، وليان، ورجل لم تكن تتذكر صوته جيدًا، لكنها تعرف أنه والدها سامر. الصورة انكسرت. وجه مريم فيها كان ما زال واضحًا، أما وجه سامر فقد شقّه الزجاج. تقدمت ليان خطوة، لكنها تجمدت عندما انفتح الباب فجأة. دخلت جدتها سعاد. لم تكن الجدة كما تعرفها ليان. لم تكن المرأة التي ترتب خبز الطابون في قطعة قماش، ولا التي تقول لها دائمًا: "تعالي يا ستي كلي لقمة." كانت أمامها امرأة شاحبة، على وجهها غبار، وحجابها مائل، وعيناها واسعتان كأنهما رأتا شيئًا لا يحتمله القلب. قالت بصوت مخنوق: "ليان، قومي. بسرعة." ركضت ليان نحوها، لكنها لم تعانقها. أمسكت بطرف ثوبها وسألت: "وين ماما؟" ارتجفت يد سعاد. لم تجب فورًا. نظرت خلفها نحو الممر المظلم، ثم عادت تنظر إلى ليان. في تلك اللحظة، شعرت الطفلة أن جدتها تخفي شيئًا كبيرًا، شيئًا أكبر من البيت، وأكبر من الليل. قالت سعاد وهي تمد يدها: "تعالي معي." "بدي ماما." "ليان، ما في وقت." تشبثت ليان بمكانها. كان الخوف يجعل جسدها صغيرًا، لكنه جعل صوتها عنيدًا. "لا. بدي ماما. وين ماما؟" أغمضت سعاد عينيها لحظة قصيرة. عندما فتحتهما، كان فيهما ألم غريب. انحنت نحو ليان وأمسكت وجهها بين كفيها. "اسمعيني يا روحي. أمك رح تلحقنا." "متى؟" "بعد شوي." "وعد؟" ابتلعت سعاد شيئًا في حلقها، ثم قالت: "وعد." لم تكن ليان تعرف أن بعض الوعود تُقال فقط كي يستطيع الإنسان أن يواصل التنفس. أخذتها سعاد من يدها وبدأت تركض. لم تسمح لها أن ترتدي حذاءها، ولا أن تأخذ دميتها. صرخت ليان: "دبدوبتي!" لكن الجدة شدتها أكثر. "خليها، يا ستي. المهم أنتِ." خرجتا إلى الممر. كان البيت غريبًا، كأن أحدًا عبث بذاكرته. الباب الداخلي مكسور، وصورة البحر التي كانت مريم تحبها سقطت على الأرض، والمرآة قرب المدخل تشققت حتى صار وجه ليان فيها مقسمًا إلى وجوه كثيرة. رائحة غبار ودخان ملأت المكان. عند باب البيت، توقفت ليان فجأة. رأت وشاح أمها الأبيض. كان عالقًا بمسمار خشبي قرب الباب، يتدلى بصمت، وطرفه يتحرك مع الهواء الداخل من الخارج. عرفته فورًا. هذا الوشاح كانت مريم تضعه عندما تخرج إلى السوق، وكانت ليان تحب أن تضع وجهها فيه لأنه يحمل رائحة أمها: صابون الغار، وخبز الصباح، وشيء دافئ لا اسم له. سحبت يدها من يد الجدة وحاولت الاقتراب منه. "هذا وشاح ماما." صرخت سعاد: "ليان!" لكن الطفلة مدت يدها نحو الوشاح. قبل أن تلمسه، دوى صوت آخر في الخارج، أقرب من الأول. اهتز الباب، وسقط تراب من أعلى الجدار. صرخت ليان، فحملتها سعاد بين ذراعيها رغم ألم ظهرها، وخرجت بها إلى الزقاق. كان الليل خارج البيت أسوأ من داخله. الناس يركضون في كل اتجاه. امرأة تحمل طفلًا نائمًا أو فاقد الوعي، لا تعرف ليان. رجل عجوز يجلس على الأرض ويمسك مفتاحًا كبيرًا، يكرره بين أصابعه وهو يقول: "بيتي… بيتي…" وشاب ينادي اسم أخيه بصوت مبحوح. الأبواب كلها مفتوحة. هذا ما رعب ليان أكثر من الأصوات. كانت تعرف أن الأمهات يغلقن الأبواب في الليل. مريم كانت تفعل ذلك دائمًا، ثم تتأكد مرتين. أما الآن، فكل الأبواب مفتوحة، كأن البيوت نفسها خرجت تبحث عن أصحابها. وضعت ليان رأسها على كتف جدتها، لكنها ظلت تنظر إلى الوراء. كان باب بيتهم الأخضر مفتوحًا. والوشاح الأبيض ما زال هناك. رفعت صوتها بكل ما تستطيع: "ماما!" لم تخرج مريم. لم تظهر عند الباب. لم تركض خلفهما. لم تقل: "أنا هون." حاولت ليان أن تنزل من بين ذراعي جدتها، فشدّت سعاد عليها بقوة. "اتركيني! بدي أرجع!" "لا ترجعي، يا روحي." "ماما هناك!" "أمك رح تلحقنا." "أنتِ كذابة!" خرجت الكلمة من فمها قبل أن تفهمها. تجمدت سعاد للحظة، لكنها لم تغضب. فقط شدّت الطفلة إلى صدرها أكثر، ومضت تركض بين الناس. كان الهواء باردًا، لكن جسد ليان كان يحترق. كانت تبكي وتضرب كتف جدتها بيديها الصغيرتين. "بدي ماما! بدي ماما!" لم تقل سعاد شيئًا. كانت دموعها تنزل بصمت، تختلط بالغبار على وجهها. وكلما صرخت ليان، ازداد صمتها عمقًا. وصلا إلى بيت صغير في طرف الحي، بيت لا تعرفه ليان. كانت هناك نساء كثيرات وأطفال ملتفون ببطانيات. رائحة الخوف كانت في المكان، ثقيلة، حتى إن ليان شعرت أنها تستطيع لمسها بيدها. وضعتها سعاد على الأرض قرب جدار بارد. جاءت امرأة لا تعرفها وقدمت لها كوب ماء. "اشربي يا حبيبتي." دفعت ليان الكوب بعيدًا. "بدي أمي." نظرت المرأة إلى سعاد، ثم أشاحت بوجهها. كرهت ليان تلك النظرة. كانت نظرة الناس عندما يعرفون شيئًا ولا يريدون قوله. جلست سعاد قربها، ومدت يدها لتلمس شعرها، لكن ليان ابتعدت. "أنتِ خليتِها هناك." قالت سعاد بصوت متعب: "أنا أخذتك لأن أمك طلبت مني." توقفت ليان عن البكاء لحظة. "ماما قالت لكِ؟" نظرت سعاد إلى الأرض. "آه." "طيب ليش ما إجت معنا؟" لم تجب الجدة. عادت ليان تسأل، وهذه المرة كان صوتها أضعف: "هي زعلانة مني؟" رفعت سعاد رأسها بسرعة، كأن السؤال طعنها. "لا يا ليان. لا تحكي هيك. أمك بتحبك أكثر من حالها." "طيب ليش تركتني؟" كان السؤال صغيرًا، لكنه ملأ الغرفة كلها. سكتت النساء. حتى الأطفال الذين كانوا يبكون خفّ صوتهم قليلًا، كأنهم ينتظرون جوابًا. وضعت سعاد كفها على فمها، ثم أنزلته ببطء. "في أشياء… ما بتنفهم هلأ." "أنا بدي أفهم." "لما تكبري." "أنا كبيرة." كادت سعاد تبتسم من الألم، لكنها لم تستطع. مدت يدها مرة أخرى، وهذه المرة لم تبتعد ليان. مسحت الجدة الغبار عن خدها، ثم قالت: "أنتِ صغيرة يا روحي. صغيرة كثير على هالقهر." لم تفهم ليان معنى القهر، لكنها شعرت به. كان يشبه حجرًا في صدرها. حجرًا يمنعها من التنفس. في زاوية الغرفة، كانت امرأة تهدهد طفلًا وتغني له بصوت خافت. الأغنية كانت قديمة، تعرفها ليان لأن مريم كانت تغنيها لها أحيانًا. عند أول جملة، انفتح الجرح من جديد. "يمّا مويل الهوى…" شهقت ليان، ووضعت يديها على أذنيها. "لا تغني!" توقفت المرأة فورًا. نظرت إليها سعاد بحزن، ثم ضمّتها إلى صدرها. هذه المرة لم تقاوم ليان. كانت متعبة، خائفة، وحافية القدمين. وضعت رأسها على صدر جدتها، لكنها لم تشعر بالأمان. كان صدر سعاد يرتجف، واليد التي تمسح ظهرها باردة. مرت ساعات، أو ربما دقائق. لم تكن ليان تعرف الوقت. كلما أغمضت عينيها رأت الباب الأخضر، والوشاح الأبيض، ووجه أمها الذي لم يظهر. في لحظة ما، سمعت همسًا قريبًا. كانت امرأتان تتحدثان قرب النافذة. قالت الأولى بصوت منخفض: "الله يعين البنت… أمها راحت." ردت الثانية: "راحوا كثير الليلة." "بس مريم… مريم كان وراها قصة." رفعت ليان رأسها. مريم. اسم أمها. تظاهرت بأنها لا تسمع، لكنها حبست أنفاسها. قالت المرأة الأولى: "سعاد بتعرف أكثر مما بتحكي." ردت الثانية بسرعة: "اسكتي. البنت صاحيا." استدارتا نحوها. أغمضت ليان عينيها بسرعة وتظاهرت بالنوم. بقي قلبها يدق بعنف. سعاد تعرف. جدتها تعرف شيئًا. عند الفجر، خفتت الأصوات في الخارج. صار المكان رماديًا، لا ليلًا ولا نهارًا. فتحت ليان عينيها فوجدت نفسها مغطاة ببطانية خشنة. قدماها تؤلمانها، وحلقها جاف من البكاء. كانت سعاد تجلس قرب الباب، تحدق في الفراغ. لم تنم. بدا وجهها أكبر بكثير مما كان في الأمس. نهضت ليان بهدوء، وسارت نحوها. "تيتة." التفتت سعاد بسرعة. "صحيتِ؟" "بدي أروح عالبيت." تغير وجه الجدة. "لا." "بس ماما هلأ رجعت." "ليان…" "أنتِ قلتي بعد شوي. صار الصبح." لم تجد سعاد جوابًا. اقتربت ليان منها أكثر، وكانت عيناها حمراوين من البكاء. "كذبتي عليّ؟" فتحت سعاد فمها، ثم أغلقته. كأن الحقيقة وقفت على لسانها، لكنها خافت أن تخرج. في تلك اللحظة، دخل رجل إلى البيت. كان يحمل كيسًا صغيرًا وبعض الأغطية. عرفته ليان؛ كان جارهم أبو يوسف. كان وجهه متعبًا، وعندما رأى سعاد، اقترب منها وهمس بشيء. لم تسمع ليان كل الكلام، لكنها سمعت كلمة واحدة. "مريم." وقفت. "شو صار لماما؟" ارتبك أبو يوسف. نظر إلى سعاد، ثم إلى الطفلة. قالت سعاد بحدة: "ولا كلمة." لكن ليان صرخت: "أنا بنتها! بدي أعرف!" ساد صمت ثقيل. انحنى أبو يوسف قليلًا حتى صار قريبًا من مستوى عينيها. كان رجلًا طيبًا، لكنها رأت في عينيه شفقة كرهتها. قال بصوت مكسور: "أمك امرأة طيبة يا ليان." "وينها؟" لم يجب. "وينها؟" أشاحت سعاد بوجهها. قال أبو يوسف بعد لحظة: "ما حدا بعرف." كانت الجملة بسيطة، لكنها سقطت على ليان كحجر. ما حدا بعرف. يعني أن مريم ليست في البيت. وليست في الطريق. وليست خلف الباب. وليست قادمة بعد قليل كما قالت الجدة. يعني أن أمها ضاعت. أو تُركت. أو تركتها. ركضت ليان نحو الباب، لكن سعاد لحقت بها وأمسكتها. "اتركيني!" "لا يا ليان!" "بدي أجيب ماما!" "ما بتقدري!" "ليش؟ ليش ما بتخلوني؟" لم تستطع سعاد احتمال السؤال. سقطت على ركبتيها أمام الطفلة، وأمسكت كتفيها بقوة. "لأن أمك طلبت مني أحميكِ!" تجمدت ليان. كان صوت سعاد قد خرج أعلى مما أرادت، وانكسر في نهايته. حدقت الطفلة فيها بذهول. "تحميني من شو؟" سكتت سعاد فورًا، كأنها أدركت أنها قالت أكثر مما يجب. عاد الخوف إلى عينيها. "من الدنيا." لم تقتنع ليان. لكنها لم تكن تملك كلمات أكثر. جلست على الأرض ببطء، وضمّت ركبتيها إلى صدرها. لأول مرة منذ بداية الليل، لم تصرخ. لم تبكِ. فقط نظرت إلى الباب. لم يكن باب بيتهم. لم يكن أخضر. ولم يكن عليه وشاح مريم. شعرت أن شيئًا داخلها أغلق بصمت. في مساء ذلك اليوم، عاد أبو يوسف ومعه كيس صغير. قال إنه وجد بعض الأشياء قرب بيتهم. لم يسمحوا لليان بالخروج، لكنها رأت الكيس في يد الجدة. بقيت تراقبه حتى جلست سعاد في الزاوية وفتحته. كان داخله قطعة قماش، وصورة مكسورة، وشيء أبيض. نهضت ليان دفعة واحدة. "وشاح ماما!" مدت يدها بسرعة، لكن سعاد أخذت الوشاح قبلها وضمته إلى صدرها. "أعطيني إياه!" "ليس الآن." "هو إلي!" نظرت سعاد إليها طويلًا، ثم مدت الوشاح ببطء. أخذته ليان كأنه طفل صغير. ضمته إلى وجهها واستنشقت رائحته. كانت رائحة مريم ما زالت هناك، خفيفة، مكسورة، لكنها موجودة. عندها فقط بكت. بكت بصمت، بلا صراخ، بلا كلمات. بكت لأنها فهمت أن الوشاح عاد، لكن أمه لم تعد. في تلك الليلة، نامت ليان وهي تضم الوشاح الأبيض بدل دميتها. وقبل أن يغلبها النوم، سمعت جدتها تهمس وهي تظنها نائمة: "سامحيني يا مريم… ما قدرت أحكي لها." فتحت ليان عينيها في الظلام. لم تتحرك. لم تتنفس تقريبًا. أي شيء لم تستطع الجدة أن تقوله؟ ولماذا تطلب السماح من مريم؟ ومنذ تلك اللحظة، لم يعد سؤال ليان واحدًا فقط. لم تعد تسأل: أين أمي؟ بل صار السؤال يكبر في قلبها، ويتحول إلى جرح لا يلتئم: لماذا تركتني أمي؟ ولم تكن تعرف أن الجواب سيحتاج سنوات طويلة، ورسائل مخفية، وصورًا ممزقة، ومفتاحًا صغيرًا، ورجلًا غريبًا يعرف اسم مريم… قبل أن يصل إليها. لكن في تلك الليلة، كانت ليان مجرد طفلة حافية القدمين، تضم وشاح أمها، وتحدق في باب لا يشبه باب بيتها. أما الباب الحقيقي، الباب الأخضر، فقد بقي مفتوحًا خلفها. وبقيت هي، في أعماقها، واقفة عنده إلى الأبد.لم يكن الصوت قويًا.كان بعيدًا، متعبًا، كأنه خرج من صدر رجل ظلّ يتكلم مع الجدران طويلًا حتى نسيت الجدران كيف ترد.لكن مريم عرفته.لم تحتج إلى صورة، ولا ورقة، ولا خاتم، ولا شهادة. كل ما احتاجته كان ذلك الارتجاف الصغير في الهواء حين قال الصوت:"من فتح باب العين؟"وضعت يدها على فمها، واتسعت عيناها كأن الذاكرة انفتحت دفعة واحدة.همست:"سامر…"شعرت ليان أن جسدها كله توقف.سامر.الأب الذي صلّت عليه وهو حي.الاسم الذي كان يظهر في الصور والرسائل والخواتم.الرجل الذي قالت عنه جدتها إنه مات، ثم قالت الأوراق إنه اختفى، ثم قالت أمها الآن إنه خلف القمر.قال يوسف بصوت لا يكاد يُسمع:"هذا أبوكِ؟"لم تجب ليان.لم تكن تعرف كيف تجيب عن أبٍ لم تعرفه إلا كغياب.الصوت جاء مرة أخرى من عمق الممر:"من هناك؟"كانت مريم ترتجف. خطوة واحدة إلى الأمام، وخطوة إلى الخلف. كأنها تريد الركض إليه، لكنها تخاف أن تصل فتكتشف أن الصوت مجرد ذكرى.قالت ليان، وهي تحاول أن تثبت صوتها:"نحن…"توقفت.كيف تعرف نفسها لرجل هو أبوها؟ هل تقول: أنا ليان؟ هل سيعرف الاسم؟ هل سيقول كما قالت مريم: ليان صغيرة؟ هل سيكسرها مرة أخرى وهو لا يت
لم تكن الجملة التي قالتها مريم واضحة للجميع."سامر… خلف القمر."لكنها كانت كافية لتجعل عادل كنعان يتوقف.لم يعد ينظر إلى ليان، ولا إلى الدفتر المفتوح، ولا إلى حرف الميم الذي كتبته مريم بيد مرتجفة. صار ينظر إلى الباب الأبيض في آخر غرفة الذاكرة، ذلك الباب الصغير الذي لم تنتبه إليه ليان إلا عندما التفتت مريم نحوه.كان الباب مختلفًا عن كل الأبواب التي مرت بها.ليس أخضر مثل باب البيت.ولا حديديًا مثل بيت السراج.ولا مخفيًا تحت عتبة أو خلف فرن.كان أبيض، باهتًا، وفي أعلاه قمر صغير مرسوم بخيط فضي. تحت القمر، كانت هناك يد مطرزة، يد كبيرة تمسك يدًا صغيرة.قالت فاطمة بصوت منخفض:"دار القمر."شدّت ليان يد أمها."ماذا يعني خلف القمر؟"نظرت مريم إلى الباب كما لو أنها ترى شيئًا لا يراه الآخرون."لا أعرف… لكن سامر قال لي: إذا نسيتِ الطريق، تذكري القمر."ابتسم عادل ابتسامة باردة."إذن ما زال في رأسكِ شيء نافع."وقف آدم أمامه."لن تقترب منها."نظر إليه عادل باستخفاف."ابتعد يا ابن نادر. لا تحمل شجاعة لا تعرف ثمنها."قال آدم بصوت ثابت رغم وجعه:"عرفت ثمن الصمت. الشجاعة أرخص."تحرك عادل خطوة، لكن رائد و
لم تتحرك ليان.كان الفجر قد بدأ يلمس أطراف السماء، لكن الضوء لم يدخل قلبها. وقفت عند نهاية الممر الحجري، والملف في يدها، وخلفها أنفاس متعبة: نورا، يوسف، آدم، رائد، فاطمة، أم حازم، وحازم الذي بالكاد يستطيع الوقوف.وأمامها، كانت المرأة.ثوب رمادي.وشاح أبيض باهت.وجه شاحب.عينان تعرفهما ليان دون أن تكون قد رأتهما هكذا من قبل.كانت تمسك بيد سعاد، كأنها تقودها أو تستند إليها، ولم يكن واضحًا من أنقذ من.ثم قالت المرأة بصوت ضائع:"من هذه الطفلة؟"لم تكن الجملة طويلة.لكنها كانت أقسى من كل ما قاله سليم، ومن كل ما أخفاه رائد، ومن كل الأبواب التي أُغلقت في وجه ليان.شعرت ليان أن الملف يسقط من يدها، لكن آدم أمسكه قبل أن يقع على الأرض. لم تنتبه له. لم تنتبه لشيء سوى وجه المرأة.همست:"ماما؟"لم تجب المرأة.نظرت إلى سعاد، ثم إلى ليان، كأنها تحاول أن تجد في وجه الطفلة شيئًا ضاع منها في مكان بعيد.قالت سعاد بصوت مكسور:"مريم… هذه ليان."تغير وجه المرأة عند الاسم.لم يكن تغيرًا كاملًا. لم يكن تذكرًا واضحًا. كان أشبه بوجع يمر في الجسد قبل أن يصل إلى العقل.رفعت يدها إلى صدرها."ليان…"قالت الكلمة ببط
لم يكن عادل كنعان يصرخ.كان يصفّق ببطء عند باب العيادة الأمامي، كأن ما يحدث أمامه عرضٌ رتّبه منذ زمن، وانتظر فقط أن يصل أبطاله إلى أماكنهم.وقفت ليان داخل الغرفة المخفية، ويدها على الجدار الذي جاء منه صوت حازم. كان قلبها يضرب بعنف.خلف هذا الجدار رجل حيّ.رجل وثّق موت أمها على الورق.رجل قال إن مريم خرجت.وإن سامر كان ينتظرها.ومن الخارج، كان عادل يقول ببرود:"افتحوا الجدار… أو أدفن حازم خلفه مرة ثانية."شهقت أم حازم وهي جاثية أمام الحجر."لا… لا يا عادل. ابني حي. لا تلمسه."ضحك عادل ضحكة خفيفة."أنتِ أكثر امرأة تعرف أن الحياة لا تكفي يا أم حازم. ابنكِ حي منذ سنوات، لكن هل عاش؟"ارتجف صوتها:"حرام عليك."قال:"الحرام كلمة صغيرة أمام الذاكرة."تقدّم آدم خطوة نحو باب الغرفة، لكن رائد أمسك ذراعه."لا تخرج."قال آدم بأسنان مشدودة:"هو وحده؟"رد رائد:"عادل لا يكون وحده حتى عندما تراه وحده."كان يوسف واقفًا قرب ليان، يحاول أن يبدو ثابتًا، لكنه كان ينظر إلى الباب كل لحظة. أما نورا، فكانت تمسك الدفتر تحت ثوبها، وميداليتها تضرب صدرها مع كل نفس.قالت ليان بصوت عالٍ:"أين سعاد؟"سكت عادل لحظة،
لم تكن جملة رائد عادية.لم تكن اعترافًا صغيرًا يمكن أن يمر بين كل هذه الأسرار.قالها ثم سكت، كأنه ألقى حجرًا في صدر ليان ووقف ينتظر أن تغرق وحدها."لم أرَ مريم هناك… لكنني سمعت صوتها من خلف الجدار."بقيت ليان واقفة أمامه، وفي يدها رسالة حازم، وعلى وجهها ذلك التعب الذي لا يشبه تعب الجسد. كانت عيناها معلقتين بعيني رائد، لا تطلبان شرحًا فقط، بل تطلبان منه أن يعيد السنوات التي ضاعت.قالت بصوت منخفض:"متى؟"لم يجب فورًا.شدّ آدم يده على حافة الطاولة. كان ما زال يتألم من ضربة عادل، لكنه لم يكن يفكر في الألم. كان يفكر في أبيه، في حازم، في مريم، وفي هذا الرجل الذي أخفى عنهم صوتًا كان يمكن أن يغير كل شيء.قال آدم بحدة:"رائد، لا تصمت الآن."رفع رائد رأسه ببطء."كان ذلك بعد اختفاء مريم بشهور."تراجعت ليان خطوة."شهور؟"أومأ."كنت أبحث عنها. وحدي. لم أخبر سعاد، ولا أم نوال، ولا أبا ناصر. كنت أظن أنني إذا وجدت أثرًا لها قبل أن يعرف سليم، أستطيع أن أصلح ما أفسدته."قالت ليان:"ووجدت صوتها."أغمض عينيه."نعم."قالت نورا، وهي تمسك الميدالية قرب صدرها:"من خلف أي جدار؟"نظر رائد إلى أم حازم."في العي
لم يكن اسم حازم جديدًا على البيت.كان في الجدران، في اللقب، في الصمت الذي حملته أم حازم سنوات طويلة.لكن ليان لم تفكر يومًا أن الاسم الذي كان يبدو عاديًا، مجرد اسم ابن غائب أو ميت، سيقف فجأة في منتصف طريقها إلى مريم.خرجت من غرفة الأمهات وهي تمسك رسالة مريم بيد، والخاتم والخرزة بيد أخرى. كانت نورا خلفها، ووجهها مبلل بالدموع بعد أن قرأت أول سطر من رسالة زينب ولم تستطع أن تكمل. أما يوسف فكان ينظر إلى أعلى الدرج، حيث جاء صوت أم حازم مكسورًا:"عادل اختفى… وأخذ سعاد معه."ثم تلك الجملة التي جعلت البيت كله يبرد:"إذا أردتِ أمكِ يا ليان، فاسألي عن ابني حازم."صعدت ليان الدرج بسرعة حتى كادت تتعثر.كانت أم حازم واقفة في الغرفة العلوية، يدها على صدرها، ووجهها شاحب كأنها فقدت ابنها مرة ثانية. آدم كان قرب الباب، يلهث من الألم والركض. رائد يقف عند الزاوية، عينه على الطريق الخارجي، ووجهه يحمل غضبًا صامتًا.قالت ليان فورًا:"أين تيتة؟"لم تجب أم حازم.قالت ليان بصوت أعلى:"أين أخذها؟"قال رائد:"خرج من الباب الخلفي. كان معه رجلان. حاولت اللحاق به، لكنه دفع سعاد إلى الطريق الضيق، ثم اختفوا خلف الساقي







