ANMELDENبقيت ابتسامة سليم معلقة في الغرفة مثل شيء بارد.
لم تكن ابتسامة رجل جاء ليسأل عن قريبة مفقودة، ولا ابتسامة جار خائف على طفلة فقدت أمها. كانت ابتسامة شخص يعرف أكثر مما يقول، وينتظر أن يقع الآخرون في كلمة واحدة كي يمسك بها. وقفت ليان خلف جدتها، صغيرة جدًا أمام قامته الطويلة، لكنها شعرت أن عليها أن تصبح أكبر من عمرها في تلك اللحظة. كان الوشاح مخفيًا تحت البطانية حول خصرها، والزر المعدني الصغير ملتصقًا بجلدها تحت ثوبها. أحست به باردًا، كأنه حجر صغير من الخوف. قال سليم وهو ينظر إليها: "غريب… لأن أمك كانت دائمًا تترك وراءها أشياء لا يجب أن تبقى." لم تفهم ليان الجملة كاملة، لكنها فهمت أن فيها إهانة لمريم. رفعت رأسها قليلًا، وقالت بصوت خافت لكنه واضح: "أمي ما بتترك أشياءها." تحرك حاجبا سليم. بدا كأنه لم يتوقع منها جوابًا. قال بنعومة مصطنعة: "حقًا؟ إذن أين أمك يا ليان؟" شعرت سعاد أن السؤال سكين. وضعت جسدها بين الرجل والطفلة، وقالت بحدة: "لا تسألها." نظر إليها سليم بهدوء. "أنا فقط أطمئن عليها." "اطمئن من بعيد." ساد صمت قصير. كان أبو يوسف واقفًا قرب الباب، يحاول أن يبدو ثابتًا، لكن يده كانت تمسك طرف الباب بقوة. أما النساء في الغرفة فقد تظاهرن بالانشغال بالأطفال والأغطية، لكن عيونهن كانت تراقب كل حركة. قال سليم: "خالتي سعاد، أنتِ تعرفين أنني لا أريد الشر لأحد." ضحكت سعاد ضحكة قصيرة جافة. لم تكن ضحكة حقيقية، بل صوتًا خرج من الألم. "لا تقول خالتي. هذه الكلمة كبيرة عليك." لمعت عينا سليم بشيء سريع، ثم عاد وجهه هادئًا. "الغضب لا يفيد الآن. مريم مفقودة، والبيت تضرر، والناس يتحدثون. الأفضل أن نجمع كل ما يخصها، حتى لا يضيع." قالت سعاد: "كل ما يخص مريم يخص ابنتها." نظر إلى ليان مرة أخرى. "ابنتها صغيرة. لا تفهم قيمة الأشياء." ضمّت ليان البطانية حولها أكثر. كانت تريد أن تصرخ: أنا أفهم! أنا وجدت الورقة! أنا أعرف اسمك! لكنها لم تفعل. تذكرت نظرة يوسف الخائفة، وهمسة جدتها: لا تذكري هذا الاسم أمام أحد. الآن صار الاسم أمامها، يمشي ويتكلم ويسأل. قال أبو يوسف محاولًا تهدئة الجو: "يا أبو… يا سليم، إذا لقينا إشي مهم بنخبرك." التفت إليه سليم ببطء. "أنا لا أبحث عن شيء لنفسي." "إذن عمّا تبحث؟" سألت سعاد. نظر إليها طويلًا، ثم قال: "عن الحقيبة." اختنق الهواء في صدر ليان. الحقيبة. ها هي الكلمة تخرج من فمه كما خرجت من ورقة مريم. ارتجفت يد سعاد، لكنها أخفتها داخل ثوبها. قالت: "أي حقيبة؟" ابتسم سليم. "لا تفعلي ذلك يا سعاد. أنتِ تعرفين." "لا أعرف." "مريم كانت تحمل حقيبة بنية ليلة أمس." "كثير من الناس حملوا أشياءهم ليلة أمس." "لكن ليس كل الناس كانوا يحملون أوراقًا لا تخصهم." تغير وجه سعاد تغيرًا خفيفًا، لكنها تماسكت. "اخرج من هنا." لم يغضب سليم. وهذا ما جعل ليان تخاف أكثر. الرجل الذي لا يغضب عندما يُطرد، يخفي شيئًا أكبر من الغضب. قال بهدوء: "سأخرج. لكن قبل ذلك، أريد أن أسأل الطفلة سؤالًا واحدًا." "لا." "سؤال واحد فقط." "قلت لا." تقدم نصف خطوة، فتراجع أبو يوسف أمامه، ثم تماسك ووقف في طريقه. "كفاية يا سليم. البنت تعبانة." نظر سليم إلى أبي يوسف نظرة جعلته يصمت. ثم قال مخاطبًا ليان من فوق كتف سعاد: "ليان، هل أعطتك أمك شيئًا قبل أن تخرجي من البيت؟" ضغطت ليان على الزر تحت ثوبها. "لا." "هل قالت لك شيئًا؟" "لا." "هل رأيتِ الحقيبة؟" شعرت أن كل العيون اتجهت إليها. كانت تريد أن تقول لا بسرعة، لكن ترددها قد يفضحها. تذكرت أمها وهي تقول لها مرة: "لما تخافي، خدي نفس صغير، وبعدين احكي." أخذت نفسًا صغيرًا وقالت: "كنت نايمة." ثبتت عينا سليم عليها. "ثم استيقظتِ." "تيتة أخذتني." "وعند الباب؟" لمعت صورة الوشاح في عقلها. قالت: "كنت ببكي." ابتسم سليم مرة أخرى. "ذكية." لم تكن الكلمة مديحًا. كانت تحذيرًا. اقتربت سعاد من ليان أكثر، وكأنها تريد أن تخفيها داخلها. قال سليم أخيرًا: "حسنًا. إذا وجدتم الحقيبة، أو أي ورقة، أو أي شيء من مريم… أخبروني. هذه الأشياء قد تؤذيكم." ردت سعاد: "ما يؤذينا هو وجودك." لم تتغير ابتسامته. "ما زلتِ قاسية كما كنتِ." "وأنت ما زلت كما أنت." هذه الجملة جعلته يصمت لحظة. لأول مرة، لمعت في وجهه لمحة حقيقية، شيء يشبه الغضب، أو الخوف، أو الذكرى. لكنه أخفاها بسرعة. استدار نحو الباب، وقبل أن يخرج، توقف قرب ليان. انحنى قليلًا، وقال بصوت لا يسمعه إلا القريبون: "أمك كانت تحب الأسرار. لكن الأسرار يا ليان، مثل النار. إذا لعب الأطفال بها، احترقوا." لم تجبه. لم تكن تعرف ماذا تقول. كانت يداها ترتجفان تحت البطانية، لكنها أبقت عينيها عليه. خرج سليم أخيرًا. لكن الغرفة لم ترتح. ظل صوته فيها. وظلت كلمة الحقيبة تدور فوق رؤوس الجميع. أغلق أبو يوسف الباب خلفه، ثم بقي مستندًا إليه للحظة، كأنه يمنع الرجل من العودة بقوة جسده. تنفست النساء بصعوبة، وبدأ أحد الأطفال بالبكاء كأنه كان يحبس خوفه طوال الوقت. أما سعاد، فبقيت واقفة. لم تتحرك. كانت عيناها على الباب، ووجهها جامدًا جدًا. جامدًا لدرجة أن ليان شعرت بالخوف منها. لم تكن تبكي. لم تكن تصرخ. لم تكن ترتجف. كانت فقط واقفة مثل حجر قديم على حافة بئر. اقتربت ليان منها ببطء. "تيتة؟" لم تجب. "تيتة، مين سليم؟" انتبهت سعاد فجأة، كأن السؤال أعادها من مكان بعيد. التفتت إلى ليان بعينين قاسيتين. "قلت لك لا تذكري اسمه." "هو يعرف ماما." "كثيرون يعرفون أمك." "هو يبحث عن الحقيبة." "وأنتِ لا علاقة لك بالحقيبة." "بس ماما كتبت اسمه." خرجت الجملة من فمها قبل أن توقفها. اتسعت عينا سعاد. اقتربت منها بسرعة، أمسكت كتفيها، وانحنت إلى مستوى وجهها. "أين؟" ارتجف صوت ليان. "ما بعرف." "ليان، لا تكذبي عليّ. أين رأيتِ اسمه؟" تراجعت الطفلة خطوة، لكن يدي سعاد بقيتا على كتفيها. "أنتِ كمان بتكذبي عليّ." تألم وجه الجدة، لكنها لم تتركها. "أنا أكذب لأحميك." "وأنا أخبي لأحمي أشياء ماما." لم تجد سعاد ردًا. كانت الطفلة تقول الحقيقة بطريقة لا تعرف الرحمة. ربما لأن الأطفال حين يتألمون، يصير صدقهم حادًا كزجاج مكسور. قالت سعاد بصوت منخفض: "أعطيني ما عندك." هزت ليان رأسها. "لا." "يا ليان، هذا ليس لعبًا." "أنا ما بلعب." "الذي وجدته قد يجعل سليم يعود." "هو رجع أصلاً." صمتت سعاد. كان هذا صحيحًا. تركت كتفي الطفلة ببطء، وجلست على الأرض. لأول مرة بدت منهزمة. لا حزينة فقط، بل كأنها حملت بيتًا فوق ظهرها ولم تعد تستطيع المشي. قالت ريم من بعيد: "خالة سعاد، اشربي مي." لم ترد. ذهبت ريم وأحضرت كوب ماء، فوضعته قربها. ظل الكوب على الأرض دون أن تلمسه. بقيت ليان تنظر إلى جدتها. لم ترها هكذا من قبل. كانت سعاد في نظرها امرأة قوية دائمًا؛ تعرف أين تضع الخبز، ومتى تغلق الباب، وكيف تسكت الجيران، وكيف تشد الضفيرة حتى لا تتفكك. لكنها الآن بدت مثل امرأة فقدت كل الأبواب التي تعرفها. جلس أبو يوسف قريبًا وقال بهدوء: "سعاد، لازم نطلع من هون." رفعت رأسها. "إلى أين؟" "بيت أختي في الطرف الثاني. المكان أهدأ. وسليم يعرف أننا هنا." قالت: "إذا أراد أن يجدنا، سيجدنا." "لكن لا ننتظره." فكرت سعاد قليلًا، ثم نظرت إلى ليان. "جهزي حالك." قالت ليان فورًا: "لن أترك الوشاح." أغمضت سعاد عينيها بتعب. "خليه معك." استغربت ليان. كانت تتوقع أن تحاول أخذه. سألت بحذر: "عن جد؟" "آه. بس تخبيه منيح." ثم أضافت بصوت خافت: "ولا تفتحيه قدام حدا." شعرت ليان أن جدتها تعرف بوجود شيء في الوشاح، لكنها اختارت ألا تسأل الآن. ربما لأنها خائفة. وربما لأنها متعبة. وربما لأنها عرفت أن الطفلة لن تعطيها ما وجدت. بدأ الناس يتحركون. جمعت النساء البطانيات، وحملت كل واحدة ما استطاعت. الأطفال ساروا خلف أمهاتهم بصمت. كانت ليان تمسك يد سعاد بيد، وتخبئ يدها الأخرى فوق الزر داخل ثوبها. في الطريق، مرت قرب الزاوية التي كان يقف عندها يوسف في الصباح. بحثت عنه بعينيها، فلم تجده. لكنها وجدت سيارته المعدنية الصغيرة ملقاة قرب الحائط. توقفت. "تيتة، لحظة." انحنت وأخذت السيارة الصغيرة. كانت باردة ومغبرة. لا تعرف لماذا أخذتها، ربما لأنها شعرت أن يوسف في خطر أيضًا. وضعَتها في جيب ثوبها، قرب الورقة المطوية. واصلوا السير. كان الحي يبدو كأنه لم ينم منذ سنوات. رجال يحملون أكياسًا، نساء يسرن بعيون حمراء، أبواب مكسورة، حجارة على أطراف الطريق، ونوافذ تنظر إلى الخارج بلا زجاج. في مكان قريب، كانت شجرة زيتون صغيرة مائلة لكنها لم تسقط. توقفت ليان تنظر إليها. قالت مريم مرة إن الزيتون يشبه الناس هنا؛ حتى إن انحنى، لا ينسى جذره. ضغطت ليان على الوشاح تحت ثوبها. شعرت أن أمها ليست بعيدة تمامًا. ربما كانت في كل شيء يذكرها بها: في الزعتر، في الوشاح، في المفتاح، في الزيتون، وفي الورقة التي أوصت ألا تكرهها. وصلوا إلى بيت منخفض في نهاية زقاق ضيق. استقبلتهم امرأة عجوز لا تعرفها ليان، أدخلتهم بسرعة، وأغلقت الباب خلفهم. كان البيت أصغر، لكنه أهدأ. رائحته تشبه النعناع والبطانيات القديمة. جلست ليان في زاوية قرب نافذة صغيرة. جلست سعاد أمامها، لكنهما لم تتحدثا. كان بينهما صمت كبير، مليء بأسئلة لا تقال. بعد الظهر، جاءت صاحبة البيت بطبق عدس وبعض الخبز. أكل الجميع قليلًا. ليان لم تكن جائعة، لكن سعاد كسرت قطعة خبز صغيرة ووضعتها في يدها. "كلي." "ما بدي." "لقمة." "ما بدي." قالت الجدة بنبرة فلسطينية متعبة: "عشان خاطري يا ستي. أمك لو كانت هون، كانت زعلت لو ما أكلتِ." رفعت ليان عينيها. "لا تحكي باسمها." بقيت يد سعاد في الهواء. ثم أنزلت الخبز ببطء. "معك حق." لم تتوقع ليان هذا الجواب. كان الاعتراف صغيرًا، لكنه أربكها. ظلت تنظر إلى جدتها، تنتظر أن تقول شيئًا آخر، لكنها لم تفعل. مع حلول المساء، بدأ البيت يهدأ. نام الأطفال من التعب، وخفتت أصوات النساء. جلس أبو يوسف مع الرجال في الخارج. بقيت سعاد قرب النافذة، تحدق في الطريق المظلم. اقتربت ليان منها بعد تردد. "تيتة." "نعم." "ليش ما بتبكي؟" التفتت سعاد إليها. كان السؤال بريئًا وقاسيًا في الوقت نفسه. تابعت ليان: "كل الناس بتبكي. ريم بتبكي. أم يوسف بتبكي. حتى أبو يوسف عيونه حمرا. بس أنتِ لا." نظرت سعاد إلى يديها. كانت يداها مليئتين بتجاعيد صغيرة، وخطوط بيضاء من العجين والعمل والسنين. قالت بصوت خافت: "أنا ببكي من جوّا." "ما بشوف." "مش كل بكاء بينشاف." جلست ليان قربها، وتركت بينهما مسافة صغيرة. "ماما كانت تبكي؟" ابتسمت سعاد بحزن لا يشبه الابتسام. "أمك؟ كانت تخبي دمعتها حتى عن حالها." "ليش؟" "لأنها كانت تظن أن القوي هو الذي لا يبكي." "وهل كانت قوية؟" نظرت سعاد إليها، وكانت عيناها للمرة الأولى قريبتين من الدموع. "أمك كانت أقوى امرأة عرفتها." شعرت ليان بشيء دافئ ومؤلم في صدرها. "إذن لماذا خافت؟ يوسف قال إنها كانت خايفة." أغمضت سعاد عينيها. "الشجاع بخاف يا ليان. الفرق أنه يعمل الصح وهو خايف." "وماما عملت الصح؟" لم تجب الجدة فورًا. ثم قالت: "أتمنى." هذه الكلمة أخافت ليان أكثر من كل الصراخ. أتمنى. كأن سعاد نفسها لم تكن واثقة مما حدث. أو كأن ما فعلته مريم كان كبيرًا جدًا حتى إن الجدة لم تعرف إن كان صوابًا أم لعنة. قالت ليان: "سليم شرير؟" فتحت سعاد عينيها بسرعة. "لا تسألي عنه." "أنا بدي أعرف." "ليس الآن." "دائمًا ليس الآن." نظرت إليها سعاد طويلًا. "لأن الآن لو عرفتي، ستقولين أمام الناس شيئًا يقتلك." تجمدت ليان. كانت هذه أول مرة تقول فيها الجدة كلمة بهذه القسوة. "يقتلني؟" أدركت سعاد ما قالت، فوضعت يدها على فمها. "قصدي… يؤذيكِ." لكن الكلمة كانت قد وصلت. يقتلك. إذن لم تكن الحقيبة مجرد حقيبة. ولم تكن الأوراق مجرد أوراق. ولم يكن سليم مجرد رجل مزعج. قامت ليان ببطء. "بدي أنام." قالت سعاد: "ليان…" لكن الطفلة ابتعدت، وذهبت إلى زاويتها. تمددت تحت البطانية ولفت الوشاح حولها من الداخل. أخرجت الورقة الصغيرة، وقرأت الجملة مرة أخرى في الضوء الخافت: إن حدث لي شيء، لا تدعي ليان تكرهني. ثم أخرجت الزر المعدني. كان صغيرًا، لكنه صار في عينها مثل مفتاح. قربته من النافذة، حيث دخل ضوء قمر باهت. رأت غصن الزيتون المحفور، والحرفين: س. م. سليم. ربما. لكن ما معنى الميم؟ مراد؟ محمود؟ ماذا لو كان اسمه الكامل سليم مراد؟ لم تكن تعرف. في تلك اللحظة، سمعت حركة خفيفة قرب الباب الداخلي. خبأت الورقة والزر بسرعة، وأغمضت عينيها نصف إغماضة. رأت من بين رموشها سعاد تنهض بهدوء وتتأكد أن الجميع نائم. اقتربت الجدة من حقيبة صغيرة كانت قد أحضرتها معها. فتحتها ببطء وأخرجت شيئًا ملفوفًا بقطعة قماش داكنة. جلست قرب النافذة وفتحته. كانت صورة. لم تستطع ليان رؤيتها بوضوح، لكنها رأت وجه أمها فيها. مريم شابة، تبتسم ابتسامة خفيفة. وبجانبها رجلان. أحدهما لم تعرفه. والآخر… اقتربت عينا ليان أكثر. كان سليم. لكن وجهه في الصورة كان أصغر، ويده كانت على طرف حقيبة بنية. شهقت ليان دون قصد. التفتت سعاد بسرعة. تظاهرت ليان بالنوم، لكن الوقت كان قد فات. قامت سعاد، اقتربت منها، ووقفت فوقها طويلًا. لم تقل شيئًا. ثم سمعتها ليان تهمس بصوت مكسور: "يا رب… لا تكوني شُفتي." لكن ليان كانت قد رأت. رأت مريم. ورأت سليم. ورأت الحقيبة. وفي تلك اللحظة، فهمت أن الحقيبة لم تظهر ليلة اختفاء أمها فقط. كانت موجودة قبل ذلك بكثير. وكان سليم يعرفها جيدًا.لم تفهم ليان الجملة في البداية.بقيت تنظر إلى جدتها عند طرف الساقية الجافة، وإلى المفتاح الكبير المربوط بخيط أسود في يدها، كأن الكلمات لم تصل كاملة إلى عقلها.الغرفة التي نامت فيها مريم بعد أن ظننتِ أنها اختفت.نامت.مريم نامت.ليست فقط عادت إلى الباب الأخضر.ليست فقط نادت ولم تجدها.ليست فقط ركعت عند العتبة وتركت رسالة.بل وصلت إلى غرفة.ونامت فيها.وكانت ليان في مكان ما قريب من تلك الحقيقة، تكبر على سؤال: لماذا تركتِني؟قالت بصوت لم تعرفه:"ماذا قلتِ؟"ارتجفت يد سعاد وهي تمد المفتاح."ليان… اسمعيني.""لا. أعيديها."أغمضت سعاد عينيها كمن يضع يده في نار يعرفها."مريم لم تختفِ تلك الليلة كما ظننتِ. عادت بعد الباب الأخضر. ووصلت إلى الغرفة التي أخذتكِ إليها."لم تصرخ ليان.هذا كان أسوأ.كانت هادئة بطريقة أخافت يوسف. اقترب منها قليلًا، لكنه لم يلمسها.قالت:"وأنا؟"سعاد لم تجب بسرعة.قالت ليان:"أين كنتُ أنا عندما نامت أمي هناك؟"انكسرت سعاد."كنتِ في الغرفة المجاورة."سقط الصمت عليهم جميعًا.حتى آدم لم يجد جملة. وحتى نورا، التي كانت تمسك ميداليتها، رفعت عينيها إلى سعاد كأنها تسمع وجعًا ي
لم يكن الاسم الذي ظهر على القماش مجرد حروف.كان ضربة.بقيت ليان جاثية خلف شجرة السرو الكبيرة، والقطعة المطرزة مفتوحة بين يديها، والخيط الأسود يشكل الاسم بوضوح لا يترك مجالًا للإنكار:سعادشعرت أن الهواء في صدرها صار ضيقًا. حولها، كانت أصوات النار ترتفع من جهة بيت صفية، وصراخ الناس يتداخل مع نباح الكلاب وركض الأقدام. لكن كل ذلك صار بعيدًا. كل ما بقي قريبًا هو اسم جدتها، مخيطًا بخيط أسود على شهادة زينب.قالت نورا بصوت مرتجف:"لماذا اسم تيتة سعاد هنا؟"لم تجب ليان.لم تكن تعرف.كانت تنظر إلى الاسم كما لو أنه سيتغير إذا أطالت النظر إليه. لكن الحروف بقيت ثابتة. السين، العين، الألف، الدال. الاسم نفسه الذي نادته طوال عمرها عندما تخاف. الاسم نفسه الذي كان يوقظها للطعام، ويغطيها في الشتاء، ويقول لها: "أمك ستعود."سعاد.قال آدم بصوت منخفض:"ليان، لا تستنتجي بسرعة."رفعت عينيها إليه. كان واقفًا أمامها، يراقب الطريق بين القبور، لكن عينيه كانتا تعودان كل لحظة إلى قطعة القماش."زينب قالت: اقرئي الخيط الأسود أولًا."قال آدم:"نعم.""والخيط الأسود اسم تيتة."قال:"هذا لا يعني أنها الخائنة."خرجت ضحكة
لم تتحرك نورا فورًا.بقيت واقفة إلى جانب ليان، نصف الميدالية الكاملة بين أصابعها، وعيناها معلقتان بالمرأة التي ظهرت عند مدخل المقبرة.كانت المرأة مغطاة بوشاح أسود، وجهها شاحب، عيناها غائرتان من التعب، لكن في نظرتهما شيء لم تستطع ليان تجاهله. شيء يشبه نظرة مريم في الرسائل. ليس الشكل، بل الوجع الهادئ الذي لا يصرخ لأنه تعب من الصراخ.قالت المرأة مرة أخرى، وصوتها يرتجف:"لا تفتشوا القبر. الشهادة ليست تحت الحجر… أنا الشهادة."لم يكن أحد قادرًا على الكلام.حتى سليم، الذي كان يعرف كيف يجد جملة لكل لحظة، بقي صامتًا قليلًا. كان ينظر إلى المرأة كما ينظر رجل إلى باب ظن أنه أُغلق منذ سنوات ثم وجده مفتوحًا أمام الناس.همست نورا:"أمي؟"اهتز وجه المرأة.وضعت يدها على صدرها، كأن الكلمة أصابتها في مكان موجوع."نورا…"كانت الكلمة كافية.شهقت الطفلة، لكنها لم تركض. بقيت واقفة، كأن قدميها لا تصدقان أن المسافة بينها وبين أمها يمكن أن تُقطع بخطوات قليلة فقط. ربما خافت إن ركضت أن تختفي المرأة. ربما خافت أن تكون هذه أيضًا نسخة أخرى من الحقيقة، مثل كل شيء حولها.قالت ليان بهدوء:"روحي."نظرت نورا إليها."وإذ
لم يكن صوت سعاد وحده هو الذي وصل إلى قلب ليان.كان صوت الخوف الذي يسير خلفه.وقفت ليان عند باب غرفة الحارس القديمة، وقد تجمدت قدماها فوق تراب المقبرة. كانت أشجار السرو عالية من حولها، ساكنة كأنها شهود لا يريدون الكلام. أمامها، كانت جدتها سعاد تمشي ببطء بين القبور، وجهها شاحب، عيناها ممتلئتان بدموع لم تسقط بعد، وكتفاها منحنية كأنها تحمل عمرًا كاملًا فوقهما.وخلفها، كان سليم.يده على كتفها.هادئًا.مرتبًا.باردًا كما كان دائمًا.قال بصوت منخفض، لكنه وصل إلى الجميع:"قلتُ لكِ يا ليان… ليست كل الخيانات تأتي من الأعداء."لم تتحرك ليان.نظرت إلى يد سليم الموضوعة على كتف جدتها، وشعرت بغضب صامت يصعد من صدرها. لم تكن تعرف هل تخاف على سعاد، أم تغضب منها، أم تركض نحوها. كل شيء داخلها كان متشابكًا مثل خيوط صفية حين تنقطع من أطرافها.خرج أبو ناصر من الغرفة بسرعة، ووقف أمام ليان."اتركها يا سليم."ابتسم سليم."ومن قال إنني أمسكها؟ هي جاءت معي."رفعت سعاد عينيها إلى ليان.كان في نظرتها ما يكفي لينفي كلامه، وما لا يكفي ليشرح الحقيقة.قالت بصوت مكسور:"ليان… يا روحي…"تقدمت ليان خطوة، لكن آدم أمسك ذرا
لم يكن الظلام تحت بيت الخبّازة كاملًا.كان هناك ضوء صغير يدخل من شق بعيد في سقف الممر، لكنه لم يكن ضوء نجاة. كان ضوءًا رماديًا، مخلوطًا بالدخان والغبار، يجعل الوجوه تبدو كأنها خرجت من ذاكرة محترقة.فوقهم، كان صوت سليم واضحًا.هادئًا.قريبًا.ومخيفًا."لا تكسّروا الفرن. الأطفال تحتنا… والاسم الذي أريده معهم."تجمّدت يد ليان حول يد نورا.شعرت أن جسد الطفلة يرتجف، لا من البرد، بل من الكلمة.الاسم.لم يقل سليم: الطفلة.لم يقل: الخرزة.لم يقل: الورقة.قال الاسم.كأن الاسم شيء يمكن أخذه من يد طفل كما تُؤخذ قطعة خبز.همس يوسف:"شو بدنا نعمل؟"لم يجبه أحد فورًا.كان آدم يقف قرب الجدار الحجري، يحاول أن يرى نهاية الممر في الظلام. وصفية كانت تضع يدها على الحائط، كأنها تسأل الحجر عن طريقه. أما نورا، فكانت تنظر إلى أعلى، إلى المكان الذي جاء منه صوت سليم، وكأنها تخاف أن ينزل الاسم نفسه عليها.قالت ليان بصوت منخفض جدًا:"لا تخافي."نظرت إليها نورا."هو يريد اسمي."ابتلعت ليان خوفها."مش رح ياخده."قالت نورا:"أخذوه قبل."لم تعرف ليان ماذا تقول.لأنها كانت محقة.فوقهم، سمعوا صوت رجل آخر:"نفتح الممر؟
لم يكن الاسم المحفور على الميدالية كما توقعوا.لم يكن نور.كان:نوراحرف واحد زائد، لكنه جعل كل شيء يتغير.بقيت ليان تنظر إلى نصف الميدالية في كفها، كأنها تنظر إلى وجه جديد للحكاية. كان المعدن باردًا، حوافه مكسورة من جهة واحدة، وكأن النصف الآخر انتُزع منه بعجلة. الاسم محفور بخط صغير، لكن واضح: نورا.قال يوسف بصوت خافت:"يعني هي مش نور؟"لم تجب الطفلة.كانت جالسة على الأرض، تضم ركبتيها إلى صدرها، وعيناها معلقتان بالميدالية كأنها تخاف أن تنكرها أو أن تصدقها. بدا عليها أنها لا تعرف هل الاسم الذي في المعدن يخصها حقًا، أم هو اسم آخر أُعطي لها كما أُعطيت لها وجوه وبيوت وطرق لا تتذكرها.قالت صفية الخيوط، وهي تلتقط أنفاسها بعد الركض:"لا تستعجلوا. أحيانًا الاسم الكامل يختصرونه حتى لا يُعرف صاحبه."نظر آدم إلى الميدالية بتركيز."نورا قد تكون هي نور نفسها. أو قد تكون طفلة أخرى استُخدمت بدلها."ارتجفت ليان."طفلة أخرى؟"قال آدم:"كل شيء حول نور كان مبنيًا على التبديل. طفلة تشبهها، سوار يشبه سواركِ، حقيبة تشبه الحقيبة الأصلية. ربما الاسم أيضًا قُصّ منه حرف حتى يضيع بين النسخ."قال يوسف بضيق:"يعن







