LOGINلم تكن ليان تعرف متى نامت.
ربما نامت بعد أن تعبت عيناها من التظاهر، أو بعد أن تعبت روحها الصغيرة من حمل الصورة التي رأتها في يد جدتها. لم يكن نومًا حقيقيًا. كان أشبه بسقوطٍ قصير في الظلام، ثم عودة مفاجئة إلى عالم لا يزال ناقصًا. استيقظت على صوت أذان بعيد. كان الصوت يأتي من آخر الحي، ممدودًا فوق البيوت المرهقة، كأنه يحاول أن يوقظ الناس بلطف بعد ليلة لم ترحم أحدًا. فتحت ليان عينيها ببطء، وبقيت للحظة تنظر إلى السقف المنخفض. لم تعرف أين هي. لم يكن سقف غرفتها. لم تكن هناك الستارة البيضاء، ولا رف الكتب الصغير، ولا دميتها التي بقيت في البيت. ثم تذكرت. البيت الغريب. الوشاح الأبيض. الورقة. الزر. الصورة. سليم. وأمها التي لم تعد. وضعت يدها بسرعة على صدرها، تتحسس مكان الورقة والزر. كانا ما يزالان مخفيين داخل قطعة قماش صغيرة ربطتها تحت ثوبها. تنفست بارتياح قصير، ثم نظرت حولها. كان الجميع نائمين تقريبًا. بعض النساء تمددن على الأرض، والأطفال ملتصقون بهن كأنهم يخافون أن يبتعدوا فيختفين كما اختفت الأشياء في الليلة الماضية. قرب النافذة، كانت جدتها سعاد جالسة كما تركتها، ظهرها إلى الحائط، والصورة الملفوفة بالقماش في حجرها. لم تكن نائمة. كانت تنظر إلى الفجر بعينين مفتوحتين. تساءلت ليان إن كانت جدتها تنام أصلًا. منذ اختفاء مريم، لم ترها تغمض عينيها إلا دقائق قليلة، وكأنها تخاف أن يحدث شيء جديد إذا نامت. لكنها أيضًا لم ترها تبكي. وهذا جعلها تخاف منها أكثر. النساء يبكين. الأطفال يبكون. حتى الرجال كانت أصواتهم تنكسر أحيانًا وهم يتحدثون. أما سعاد، فكانت صامتة كجدار قديم. رفعت ليان رأسها قليلًا. "تيتة؟" التفتت سعاد بسرعة، وكأنها كانت تنتظر أن تناديها. "صحيتِ؟" هزت ليان رأسها. "أنتِ نمتي؟" ابتسمت سعاد ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيها. "شوي." كانت تكذب. عرفت ليان ذلك، لكنها لم تقل شيئًا. جلست وسحبت البطانية حول كتفيها. كان البرد يتسلل من شقوق الباب، لكنها شعرت أن البرد الحقيقي في داخلها، في المكان الذي كان يجب أن تسكن فيه طمأنينة أمها. قالت سعاد: "بدك تشربي مي؟" "لا." "تاكلي لقمة؟" "لا." سكتت الجدة قليلًا، ثم قالت: "لازم تاكلي يا ليان." رفعت الطفلة عينيها إليها. "ماما كانت تطعمني." تغير وجه سعاد، كأنها تلقت ضربة هادئة. قالت بصوت منخفض: "بعرف." "وكانت تمسح وجهي الصبح." "بعرف." "وكانت تربط شعري." توقفت ليان عند هذه الجملة، لأن شعرها كان مبعثرًا على كتفيها. مريم لم تكن تسمح أن تخرج ليان وشعرها بهذا الشكل. كانت تقول لها كل صباح: "تعالي يا عصفورتي، نخلي شعرك مرتب، عشان ما يقولوا بنت مريم طالعة من عشها." كانت ليان تضحك من كلمة عصفورتي. أما الآن، فلم يكن هناك من يمسك المشط. مدت سعاد يدها إلى حقيبة صغيرة قربها، وأخرجت مشطًا خشبيًا قديمًا. "تعالي. بسرّح لك شعرك." تراجعت ليان فورًا. "لا." توقفت يد الجدة في الهواء. "ليش؟" "ماما هي اللي بتسرحه." أخفضت سعاد المشط ببطء. "طيب… لما ترجع." لم تكن الجملة مقنعة. لم تكن سعاد نفسها مقتنعة بها. سمعت ليان التردد في صوتها، فازدادت قسوة داخلها. "أنتِ لا تعرفين إذا سترجع." لم تجب الجدة. "صح؟" ظل الصمت بينهما. قالت ليان بصوت أضعف: "قولي صح." نظرت إليها سعاد طويلًا. كانت تريد أن تقول شيئًا يريحها، أي شيء. لكن الكذب صار ثقيلاً في فمها. قالت أخيرًا: "أنا لا أعرف يا روحي." كانت هذه أول جملة صادقة تسمعها ليان منذ تلك الليلة. ومع أنها آلمتها، فإنها لم تغضب منها كما غضبت من الوعود الكاذبة. فقط ضمت ركبتيها إلى صدرها، وقالت: "إذن لا تقولي ستعود." أومأت سعاد ببطء. "حاضر." مرت لحظات صامتة. في الخارج، بدأ الحي يتحرك بحذر. صوت باب يُفتح. صوت رجل يسعل. صوت دلو ماء. صوت امرأة تنادي طفلها. كانت الحياة تحاول أن تعود، لكنها عادت بلا وجه. نهضت صاحبة البيت، أم حازم، وهي امرأة كبيرة ذات وجه طيب ومشية بطيئة. أشعلت موقدًا صغيرًا في الزاوية، وبدأت تسخن الماء. انتشرت رائحة الشاي والنعناع، فشعرت ليان بألم مفاجئ في معدتها. لم تكن جائعة فقط، كانت تتذكر. مريم كانت تبدأ الصباح بالشاي. لا تشربه فورًا، بل تتركه يغلي قليلًا، ثم تفتح النافذة وتقول: "الصباح ما بيصحى إلا على ريحة النعناع." رفعت ليان الوشاح إلى أنفها. لم تعد الرائحة واضحة كما كانت. خافت أن تختفي رائحة أمها من الوشاح كما اختفت أمها من البيت. فضمته أكثر، كأنها تمنع الهواء من سرقتها. اقتربت أم حازم منها بكوب صغير. "خدي يا بنتي. شاي خفيف." نظرت ليان إلى الكوب ولم تمد يدها. قالت أم حازم بلطف: "فيه نعناع. بحبه الأولاد." ردت ليان بصوت هامس: "ماما بتحبه." سكتت المرأة، ثم وضعت الكوب قربها. "إذن اشربيه من أجلها." لم تعرف ليان لماذا هذه الجملة جعلتها تبكي. ربما لأنها كانت تعبت من فعل الأشياء من أجل أم غير موجودة. أن تأكل من أجلها. أن تشرب من أجلها. أن تنام من أجلها. لماذا لا تأتي مريم وتفعل هي هذه الأشياء معها؟ مدت يدها أخيرًا وأخذت الكوب. كان دافئًا. وضعت أصابعها حوله وبقيت تنظر إلى البخار المتصاعد. لم تشرب. عند الباب، دخل أبو يوسف بهدوء. كان يحمل رغيفين وعلبة صغيرة من الجبن. لم يكن وجهه مطمئنًا. نظر إلى سعاد، ثم أشار لها بعينيه كي تأتي. نهضت الجدة وخرجت معه إلى الساحة الصغيرة أمام البيت. راقبتهما ليان من مكانها. لم تسمع كل شيء، لكن بعض الكلمات وصلت متقطعة. "سليم…" "يسأل…" "بيت مريم…" "الحقيبة…" "لازم ننتبه…" وضعت ليان الكوب على الأرض. نهضت ببطء، ثم اقتربت من الباب دون أن يلاحظها أحد. وقفت خلف الجدار، تسمع. قالت سعاد بصوت متعب: "لن يجد شيئًا." رد أبو يوسف: "أنتِ متأكدة؟" "لا." "سعاد… إذا كان عند مريم نسخة ثانية، أو إذا تركت شيئًا مع البنت…" قالت بسرعة: "ليان لا تعرف شيئًا." ضغطت ليان يدها على صدرها حيث الورقة والزر. قال أبو يوسف: "الأطفال يسمعون أكثر مما نظن." "أعرف." "وسليم لا يرحم." ساد صمت. ثم قالت سعاد بصوت منخفض جدًا: "لهذا أخاف." لم تسمع ليان جدتها تقول إنها خائفة من قبل. كانت الكلمة غريبة عندما تخرج من فم سعاد. خائفة. إذن الجدة ليست حجرًا كما ظنت. لكنها تخاف بصمت. تابع أبو يوسف: "يوسف حكى لها عن الحقيبة." تجمدت ليان. قالت سعاد بغضب مكبوت: "كنت أعرف." "لا تلومي الولد. هو خاف. واللي شافه مش قليل." "ماذا رأى غير الحقيبة؟" سكت أبو يوسف. اقتربت ليان أكثر، حتى كادت تلتصق بالجدار. قال أبو يوسف: "قال إنه رأى سليم عند باب بيتكم قبل أن تخرجوا." شعرت ليان أن الأرض مالت تحتها. سليم كان عند الباب. ليس بعد اختفاء مريم فقط. كان هناك قبل أن تخرج هي وجدتها. قبل الوشاح. قبل الركض. قبل أن يتحول البيت إلى ذكرى. سمعت سعاد تهمس: "يا رب." قال أبو يوسف: "وقال إن مريم كانت تحاول تمنعه من الدخول." أحست ليان بأن صدرها ضاق. تخيلت أمها عند الباب، تقف أمام سليم، تحمل الحقيبة البنية، وتحاول أن تمنعه من الدخول. هل كانت ليان نائمة في الداخل؟ هل كانت مريم قريبة منها إلى هذا الحد؟ لماذا لم توقظها؟ لماذا لم تحملها وتركض معها؟ قالت سعاد بصوت مختنق: "لا تخبر أحدًا بهذا." "أكيد. بس لازم تعرفي." "يوسف يجب أن يصمت." "هو خائف أصلًا." تراجعت ليان خطوة، فاصطدم كعبها بوعاء معدني صغير. صدر صوت خفيف. التفتت سعاد فورًا. "ليان؟" لم تستطع الهرب. وقفت مكانها، تنظر إلى جدتها بعينين واسعتين. اقتربت سعاد منها بسرعة. "ماذا سمعتِ؟" لم تجب. "ليان." قالت الطفلة بصوت بارد: "سليم كان عند بابنا." أغمضت سعاد عينيها. "سمعتِ كل شيء." "ماما منعته يدخل." "ليان…" "هو أخذها؟" لم تجب. اقتربت ليان منها، وصوتها يرتجف: "هو أخذ ماما؟" قالت سعاد بسرعة: "لا نعرف." "أنتم تعرفون! كلكم تعرفون، بس ما بدكم تحكوا." "لا، يا روحي. نحن لا نعرف النهاية. نعرف قطعًا صغيرة فقط." "وأنا بدي القطع الصغيرة." نظر أبو يوسف إلى سعاد، كأنه يقول لها: لم يعد بإمكانك منعها من كل شيء. لكن سعاد بقيت صامتة. قالت ليان: "إذا ما حكيتوا لي، بسأل يوسف." تغير وجه أبي يوسف. "يوسف ما لازم يدخل في هذا." "هو شاف." "وهو ولد." قالت ليان بقسوة: "وأنا بنت مريم." لم يجد جوابًا. عادت ليان إلى الداخل، وجلست في زاويتها. لم تشرب الشاي. لم تأكل. وضعت الوشاح فوق حجرها، وظلت تمرر يدها على أطرافه كأنها تبحث عن فتحة جديدة، عن رسالة أخرى، عن صوت أمها. بعد قليل، دخلت سعاد وجلست أمامها. لم تحمل المشط هذه المرة، ولا الخبز. كانت تحمل الصورة الملفوفة بالقماش. توقفت أنفاس ليان. قالت سعاد: "رأيتِ الصورة أمس؟" لم تكذب ليان. "نعم." فتحت الجدة القماش ببطء ووضعت الصورة بينهما. كانت صورة قديمة، لكنها واضحة. مريم في الوسط، شابة وجميلة، تبتسم بحذر. لم تكن ترتدي الوشاح الأبيض، بل وشاحًا زيتونيًا حول كتفيها. على يمينها رائد، وإن كانت ليان لا تعرف اسمه بعد. وعلى يسارها سليم، بوجه أصغر وابتسامة مرتبة. أمامهم حقيبة بنية، موضوعة على طاولة خشبية. وكانت يد سليم تلامس طرف الحقيبة، بينما يد مريم تضع فوقها ورقة بيضاء. قالت ليان: "هذه الحقيبة." أومأت سعاد. "نعم." "إذن أنتِ كنت تعرفينها." "نعم." "وكذبتِ." أخذت سعاد نفسًا عميقًا. "نعم." لم تتوقع ليان الاعتراف. شعرت أن الغضب في صدرها توقف لحظة، لا لأنه اختفى، بل لأنه لم يعرف كيف يتصرف أمام الصدق المفاجئ. قالت بصوت خافت: "لماذا؟" نظرت سعاد إلى الصورة، ثم قالت: "لأن هذه الحقيبة ليست حقيبة ملابس. كانت تحمل أوراقًا. أسماء. شهادات. أشياء كان بعض الناس يريدون إخفاءها." "أي ناس؟" لم تجب سعاد فورًا. وضعت ليان إصبعها على وجه سليم في الصورة. "هو؟" قالت سعاد: "كان منهم." "وماما؟" "أمك كانت تريد أن تحفظ تلك الأوراق." "ليش؟" "لأن فيها أسماء أناس ضاعوا. أطفال. عائلات. بيوت. أمك كانت تقول إن الإنسان إذا ضاع اسمه، يضيع مرة ثانية." لم تفهم ليان كل شيء، لكنها فهمت كلمة أطفال. "أطفال مثلّي؟" تألم وجه سعاد. "نعم. مثلِك." نظرت ليان إلى صورة أمها. فجأة شعرت بالغيرة. هل كانت مريم تهتم بأطفال آخرين أكثر منها؟ هل بقيت في البيت من أجل أوراق وأسماء وحقائب، وتركت ابنتها تركض حافية؟ قالت بصوت موجوع: "يعني ماما تركتني عشان أوراق؟" هزت سعاد رأسها بسرعة. "لا. لا يا ليان. أمك أخرجتك أولًا لأنها تحبك أكثر من كل شيء." "بس هي بقيت." "لأنها ظنت أنها تستطيع إنقاذك وإنقاذ الأوراق." "والأوراق أهم مني؟" "لا." "إذن لماذا لم تأتِ؟" لم تجد سعاد جوابًا. هذا السؤال كان مثل جدار لا باب فيه. نظرت ليان إلى الصورة مرة أخرى. كان وجه مريم هادئًا، لكنه يحمل تعبًا مخفيًا. لأول مرة، لم ترَها فقط كأم تطبخ وتغني وتربط الشعر. رأت امرأة أخرى، امرأة لها أسرار، ورفاق، وحقائب، ورجال يخافون منها أو يخيفونها. قالت: "من الرجل الثاني؟" وضعت سعاد إصبعها على وجه رائد. "هذا اسمه رائد." "هو طيب؟" سكتت سعاد. "كان طيبًا مع أمك." "وين هو؟" "لا أعرف." "هل سليم يعرف؟" "ربما." أخذت ليان الصورة بيدها، وقربتها من عينيها. "ماما كانت تعرف سليم من قبل." "نعم." "كان قريبنا؟" ترددت سعاد. "كان من الناس الذين يدخلون البيت بلا استئذان، لأنهم يظنون أن القرابة تعطيهم حقًا في كل شيء." لم تفهم ليان المعنى كله، لكنها فهمت أنه ليس غريبًا تمامًا. قالت: "أنا ما بحبه." قالت سعاد: "ولا أنا." لأول مرة منذ اختفاء مريم، شعرت ليان أنها وجدَت شيئًا مشتركًا بينها وبين جدتها. كراهية سليم. خوف من اسمه. وربما حب مريم. دخلت أم حازم تحمل طبقًا صغيرًا. "سامحوني، بس البنت لازم تأكل. وجهها أصفر." أرادت ليان أن تقول لا، لكنها شعرت بدوار خفيف. تذكرت كلام أمها: "الجوع يخلي الخوف أكبر." فأخذت قطعة خبز صغيرة، وبدأت تأكل ببطء. لم يكن للطعام طعم، لكنه أنزل شيئًا دافئًا إلى جسدها البارد. راقبتها سعاد بصمت. بعد أن انتهت من اللقمة، قالت ليان: "بدي أرجع على البيت." شدّت سعاد وجهها. "لا." "لازم أجيب دبدوبتي." "لا." "وفي البيت يمكن في أشياء من ماما." "قلت لا." ارتفع صوتها، ثم خفضته بسرعة. "البيت خطر." قالت ليان: "سليم راح يفتشه." لم ترد سعاد. "إذا كان في أشياء من ماما، هو رح يأخذها." كانت هذه الحقيقة واضحة، حتى لسعاد. نظرت إلى أبي يوسف الذي كان يقف عند الباب. بدا أنه فكر في الأمر نفسه. قال أبو يوسف: "ربما أذهب أنا." قالت سعاد: "لا. إذا رآك سليم، سيعرف أننا نبحث." "إذن نتركه يأخذ كل شيء؟" وضعت سعاد يدها على الصورة. "ربما لم يبقَ شيء." لكن ليان، التي بدأت تفهم أن أمها كانت تترك خلفها دلائل صغيرة، لم تصدق. نظرت إلى الوشاح. إذا كانت مريم قد خبأت زرًا فيه، وورقة قرب الباب، فما الذي قد تخبئه في البيت نفسه؟ قالت بصوت هادئ: "ماما كانت ذكية." نظرت إليها سعاد. "نعم." "إذن أكيد خبّت شيئًا." لم ترد الجدة. في تلك اللحظة، دخل يوسف من الباب الخلفي، وجهه متوتر، وملابسه مغطاة بالغبار. شهقت أمه من خلفه: "يوسف! وين كنت؟" لم يجبها. كان ينظر إلى ليان فقط. اقترب منها بخطوات سريعة، ثم مد يده. كان فيها شيء صغير مغطى بالتراب. "لقيته قرب بيتكم." نهضت ليان. في كفه كانت دميتها البنية. الدبدوبة التي تركتها على السرير ليلة اختفاء مريم. لكن شيئًا كان مربوطًا حول رقبة الدمية. خيط أحمر. وفي الخيط مفتاح صغير لم تره ليان من قبل. نظرت إلى جدتها. كان وجه سعاد قد أصبح أبيض تمامًا. همس أبو يوسف: "يا ساتر." أما ليان، فأمسكت الدمية بيدين مرتجفتين. لم تكن دميتها قد عادت وحدها. مريم، أو شخص ما، كان قد ربط مفتاحًا حول رقبتها. وعلى ظهر الدمية، بخيط أزرق صغير، كان هناك حرفان مطرزان بعجلة: ل. م. ليان مريم. ضمت ليان الدمية إلى صدرها، وشعرت لأول مرة منذ اختفاء أمها أن مريم لم تتركها في الظلام بلا طريق. لقد تركت لها مفاتيح. لكن السؤال الذي جعل الجميع يصمتون كان: أي باب يفتح هذا المفتاح؟بقيت رنا ممسكة برسالة رابعة، وعيناها عالقتان بالسطر الأول.سامر لم يخفِ ليلى عن مريم… لكنه أخفى عنها أن ليلى لم تكن الطفلة الوحيدة التي نجت تلك الليلة.لم يتكلم أحد.حتى عادل كنعان سكت، كأنه أراد أن يعطي الجملة وقتها لتدخل القلوب وتفسد ما استطاعت أن تفسده.كانت مريم تنظر إلى سامر.ليست نظرة غضب فقط.ولا نظرة خيبة فقط.كانت نظرة امرأة بدأت تستعيد ذاكرتها، وكلما استعادت جزءًا، وجدت شخصًا آخر ترك فيه ثقبًا.قالت بصوت خافت:"سامر… ماذا يعني هذا؟"لم يجب سامر فورًا.كان واقفًا أمام الخزانة المفتوحة، يده لا تزال قريبة من موضع التوقيع، ووجهه كوجه رجل عاد من حبس طويل ليجد أن السجن الحقيقي لم يكن الجدار، بل ما أخفاه في قلبه.قالت رنا ببرود جارح:"يبدو أن عادة إخفاء الأطفال منتشرة في العائلة."قالت ليان:"رنا…"ردت رنا دون أن تنظر إليها:"لا. هذه المرة لا تطلبي مني أن أهدأ."قال عادل، وهو يقف عند طرف الأرشيف:"لا تقاطعوها. الفتاة بدأت تفهم."نظر إليه سامر بغضب."أنت آخر من يتحدث عن الفهم."قال عادل:"أنا لا أفهم فقط. أنا أوثق."رفعت مريم يدها السليمة كأنها تطلب من الجميع الصمت."سامر، أنا أسألك
لم يكن اسم سليم جديدًا على ليان.كان دائمًا في الحكاية مثل بقعة داكنة على ثوب قديم.تراه من بعيد، تعرف أنها موجودة، لكنها لا تعرف كم امتدت داخل القماش.لكن أن ترى اسمه هنا، في أسفل قرار قديم، تحت عبارة:قرار إبعاد الأم عن الطفلة ليان حفاظًا على سلامة السجلكان شيئًا آخر.لم يكن تهديدًا في زقاق.ولا ظلًا عند الباب.ولا رجلًا يطارد حقيبة بنية.كان توقيعًا.وكان التوقيع، في عالم عادل، أشد خطرًا من السكين.وقفت ليان أمام الملف المفتوح في الأرشيف الأسود، وعيناها لا تفارقان الاسم:سليم الخطيبشعرت أن الهواء في صدرها صار ضيقًا. لم تبكِ. لم تصرخ. لم تفعل شيئًا في البداية. فقط نظرت إلى سليم.كان واقفًا قرب الباب الحديدي، وجهه شاحب، ويده التي سقط منها المفتاح ما زالت ترتجف.قالت ليان بصوت منخفض:"أنت؟"لم يجب.قالت مريم، التي وصلت إلى مدخل الأرشيف مستندة إلى سامر:"سليم…"لم يكن في صوتها غضب فقط. كان فيه شيء أسوأ: خيبة قديمة بدأت تجد اسمها.قال عادل وهو يرفع الملف بيده:"أحيانًا القريب يوقّع أسرع من الغريب."قال سليم بسرعة:"اسكت."التفت إليه عادل بابتسامة باردة."الآن تريدني أن أسكت؟ بعد أن فت
لم يكن احتراق طرف الصفحة كارثة كما ظنوا.كان بابًا آخر.تحت الرماد، وتحت الختم الأحمر الذي ذاب من أثر النار، ظهرت جملة صغيرة بخط قديم:الطفلة المجهولة سُلّمت لاحقًا باسم: نجلاء.تجمدت القاعة.لم تعد الأصوات أصوات محكمة. صارت أنفاسًا متقطعة، همسات خائفة، أوراقًا ترتجف في الأيدي.نجلاء السراج وقفت مكانها كأن أحدًا سحب الأرض من تحتها دون أن تسقط. يدها على صدرها، وعيناها على الصفحة المحترقة.قال آدم بصوت مكسور:"عمتي…؟"لم تنظر إليه.كانت تنظر إلى سعاد.وسعاد كانت تنظر إليها وكأن السنوات كلها عادت إلى وجه طفلة لم تعرف اسمها يومًا.همست سعاد:"لا…"قالت مريم، ويدها المحروقة ما زالت ترتجف من الألم:"أمي، هل يمكن أن تكون هي؟"لم تجب سعاد فورًا. تقدمت خطوة، ثم توقفت. كانت عيناها تبحثان في وجه نجلاء عن أثر قديم، شيء صغير لا يمحوه العمر.قالت بصوت مرتجف:"الطفلة التي حملتها… كان خلف أذنها اليمنى أثر صغير. مثل نقطة بنية."رفعت نجلاء يدها ببطء إلى خلف أذنها.لم يرَ الناس شيئًا من مكانهم، لكن آدم رآها.تغير وجهه.قال:"عندها."أغمضت نجلاء عينيها.قالت بصوت خافت:"كنت أظنها علامة من عائلتنا."قال ن
سقط المفتاح الكبير من يد سعاد.لم يكن سقوطه عاليًا، لكنه بدا في القاعة كصوت باب يُغلق على سنوات كاملة.تدحرج المفتاح فوق الأرض الخشبية، ثم توقف قرب قدم مريم.لم تنحنِ مريم لتلتقطه.كانت عيناها معلقتين بالصفحة الأولى من السجل الأسود:سعاد بنت خليل — تنازل غير مكتمل عن طفلة مجهولة.لم تفهم ليان الجملة في البداية.تنازل.غير مكتمل.طفلة مجهولة.كل كلمة منها كانت تحمل بابًا، وكل باب خلفه ظلام.قالت مريم بصوت خافت:"أمي؟"لم تجب سعاد.كانت واقفة في آخر القاعة، ووجهها خالٍ من الدم، ويداها مفتوحتان كما لو أنها لا تصدق أن المفتاح لم يعد فيهما.ابتسم عادل كنعان.لم يكن بحاجة إلى أن يتكلم فورًا. كان يعرف أن الصمت بعد هذا النوع من الكلمات يؤذي أكثر من أي شرح.قالت ليان، وهي تنظر بين السجل وجدتها:"تيتة… ما هذا؟"تحركت همهمات الناس في القاعة من جديد.امرأة قالت:"سعاد أيضًا؟"رجل آخر همس:"كلهم كانوا يعرفون."قالت صفية بصوت حاد من الخلف:"اصمتوا. الاسم لا يعني الحكاية كلها."لكن الحكاية كانت قد بدأت تنزف أمام الجميع.رفعت رنا عينيها إلى سعاد. لم تكن تعرفها كليان، ولا تحمل لها ذاكرة بيت وجدّة. لذل
توقف الطريق كله عند النداء.لم يكن الصوت قريبًا جدًا، لكنه كان واضحًا بما يكفي ليشق الهواء فوق المقبرة القديمة:"تبدأ الآن محاكمة مريم سامر الخطيب… بتهمة تزوير الأمومة وخطف الأسماء."لم تتحرك مريم.كانت واقفة بين ليان ورنا، ويدها المحروقة ملفوفة بالقماش، ودفتر رابعة قريب من صدرها. لكن وجهها صار هادئًا بطريقة أخافت ليان أكثر من البكاء.قالت ليان:"ماما…"نظرت مريم إلى باب المحكمة القديمة في آخر الطريق.كان الباب كبيرًا، رماديًا، وفوقه ميزان حجري مكسور. نصف الميزان مرتفع، والنصف الآخر ساقط، كأنه يعترف قبل الجميع أن العدالة هنا لم تكن يومًا متساوية.قالت رنا بصوت منخفض:"هو لا يريد أن نحاكمه. يريد أن يحاكمكِ."قال حازم:"هذه ليست محاكمة حقيقية. هذا فخ علني."قال آدم، وعينه على المبنى:"لكنه فخ أمام الناس. إذا دخلنا بلا خطة، سيقلب الشهادة ضدنا."قالت ليان بغضب:"كيف يحاكم أمي؟ هو الذي زور الورق!"قال نادر بصوت متعب:"لأنه يملك الورق الرسمي. ومن يملك الختم يستطيع أن يجعل الضحية متهمة."شدّت مريم دفتر رابعة إلى صدرها."إذن أدخل."التفت إليها سامر فورًا."لا."قالت مريم:"إذا لم أدخل، سيقول
لم يكن اسم نجلاء السراج جديدًا على آدم.كان اسمًا من البيت.من رائحة القهوة الصباحية.من يد امرأة كانت ترتب له حقيبته المدرسية عندما غاب نادر.من صوت يقول له وهو صغير: "أبوك رجل طيب، بس الدنيا أقوى من الطيبين."كانت عمته.المرأة التي ملأت جزءًا من فراغ أبيه.والآن تقف فوق فوهة بئر العنب، تحمل مصباحًا في يدها، وخلفها عادل كنعان.قال آدم بصوت منكسر:"عمتي؟"ابتسمت نجلاء السراج ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيها."أهلًا يا آدم."لم تكن تحيته كتحية امرأة اشتاقت إلى ابن أخيها. كانت كتحية شخص يعرف أن اللقاء تأخر حتى صار خطرًا.في أسفل البئر، تجمد الجميع. كانت ليان تمسك بالصورة التي خرجت من صندوق العنب. على ظهرها الاسم واضح:المرأة التي أخذت بصمة مريم: نجلاء السراج.أما مريم، فكانت واقفة قرب رنا وليان، ودفتر رابعة في يدها السليمة، ويدها المحروقة ملفوفة بقماش. نظرت إلى نجلاء طويلاً، وكأن وجهها يفتح في ذاكرتها بابًا لم تكن تريد أن تراه.همست:"أنتِ…"قالت نجلاء:"نعم يا مريم. أنا."ارتجف صوت مريم:"كنتِ في الغرفة."أومأت نجلاء."كنت."قالت مريم:"قلتِ لي إنها ورقة علاج."لم يتحرك وجه نجلاء







