جميع فصول : الفصل -الفصل 20

76 فصول

البارت الحادى عشر

مرّ اليوم على نور كأنه دهر كامل؛ فالوقت في غياب الحركة يصبح عدواً. تنقلت في أرجاء الشقة الصغيرة، رتبت الغرف بعناية، ثم عادت وأعادت ترتيبها مرتين لتسلي نفسها. دخلت المطبخ، أعدت الطعام بتمهل شديد لتستهلك الدقائق، ثم خرجت إلى الشرفة تراقب الشارع لبعض الوقت، لتفر بعدها إلى هاتفها تقلب في شاشته بلا هدف. ومع كل لحظة صمت، كانت الذكريات تهاجمها بقسوة؛ تذكرت شقيقها "نادر"، وانعصر قلبها وهي توقن أنه الوحيد في تلك العائلة الذي يبكي غيابها ويحزن لأجلها بحق. وثارت في عقلها صورة ذلك الندل "سامح"، وكيف انساقت خلف وعوده الزائفة وكلامه المعسول كالمنومة مغناطيسياً. لامت نفسها، وجلدت ذاتها بقسوة، لكن مرارة الندم لم تكن لتغير من الواقع شيئاً الآن. كانت ترفع عينيها نحو ساعة الحائط بين الحين والآخر، لتشعر بيأس وهي ترى العقارب كأنها متجمدة لا تتحرك. كاد الملل يقتلها في سجن الانتظار هذا، حتى تحركت أخيرًا دقات الساعة نحو الخامسة مساءً، وسُمع صوت المفتاح في الباب. انتفضت نور من مكانها، وجرت نحو الباب بفرحة طفولية عارمة، واستقبلت زينب بابتسامة أضاءت وجهها الشاحب - حمد لله على السلامة يا ماما...... أنا كنت خ
اقرأ المزيد

البارت الثانى عشر

تجمع شمل العائلة مجدداً حول مائدة الإفطار كعادتهم الصباحية الدائمة، حيث اتخذ كلٌّ موضعه المألوف، وساد الهدوء النسبي الذي لم يخلُ من ترقب صامت. دبّت خطى "زينب" المألوفة في المكان وهي تحمل أطباق الإفطار، غير أن حركتها هذه المرة لم تكن بسلاستها المعتادة؛ كانت تضع الأواني بيد ترتجف قليلاً، وتقف في مكانها مترددة، تشبك أصابعها بارتباك، وتسرق النظرات نحو رأس الطاولة حيث يجلس كمال. لم تغب هذه التفاصيل عن عيني كمال الخبيرتين؛ إذ لاحظ وقفتها المضطربة وتوجسها المكتوم. وضع كوب الشاي من يده، ونظر إليها بابتسامة مطمئنة وسألها بنبرة هادئة - مالك يا زينب؟ واقفة كده ليه.. عاوزة تقولي حاجة ابتلعت زينب ريقها وزاد ارتباكها وطأطأت رأسها خجلاً، ثم قالت بصوت متحشرج ومتردد - أنا.. أنا كنت عاوزة من حضرتك طلب، لو مش هيضايقك يا كمال بيه. أجابها كمال بنبرة صادقة نبعت من تقدير عميق لسنوات خدمتها وإخلاصها - تطلبِ إيه يا زينب.... أنتِ تأمري.. أنتِ عارفة معزتك وغلاوتك عندي وعند الأولاد قد ايه أشرق وجهها بامتنان كبير، وخفت حدة توترها أمام كلماته الراقية فقالت بخجل - ربنا يخليك ويرفع قدرك يا كمال بيه..
اقرأ المزيد

البارت الثالث عشر

التفّت العائلة حول مائدة العشاء كعادتهم المقدسة منذ سنوات؛ فهذا التوقيت هو المساحة الوحيدة التي تذوب فيها رسميات العمل وضغوط الحياة، ليتشاركون أطراف الحديث والمسامرة. وفي وسط همهماتهم السعيدة، لمعت في ذهن كمال تلك التفصيلة التي دارت على إفطار الصباح، فنظر إلى ابنه الأكبر وقال بنبرة ملؤها التعجب - صحيح يا آدم.. هو أنت ناوي تشغّل البنت قريبة زينب في إيه بالظبط؟ توقف آدم عن تناول طعامه، والتقط كأس الماء وارتشف منه قليلًا بتمهل، ثم وضعه بعناية وكأنه يزن أبعاده في عقله، وقبل أن يجيب قال - هشغلها في أي حاجة مؤقتاً.. أقولك؟ أنا هقعدها مع نشوى في المكتب، ولو أثبتت كفاءتها وكانت كويسة، أهي تبقى مكانها. أنت عارف إن نشوى قدامها شهرين بالظبط وتتجوز، ولحد دلوقتي مش عارفين هتكمل معانا بعد الجواز ولا هتكتفي بكده. اتسعت عينا كمال دهشة من جراءة القرار، وقال مستنكراً - تُقعدها مع نشوى؟! يعني هتشغّل واحدة لسه جاية من البلد وماتعرفش عنها حاجة سكرتيرة ومساعدة ليك عل طول يا آدم؟ التفت إليه آدم، وهدأت ملامحه الحادة وهو يشرح لوالده وجهة نظره - يا بابا أنا قلت لو نفعت...... يعني هتبقى تحت الاختبار. بع
اقرأ المزيد

البارت الرابع عشر

رفع سماعة الهاتف الداخلي وطلب نشوى، التي دلفت إلى المكتب سريعاً، تتطلع إلى رئيسها باهتمام وتنتظر أوامره، وفي عينيها فضول قطري لمعرفة هوية هذه الفتاة الحسناء الواقفة بجانبها. تحدث آدم وهو ما زال يشيح بنظراته الغاضبة نحو نور - خدي البنت دي معاكي يا نشوى.. شوفيها هتنفع معانا في الشغل ولا لأ. أجابت نشوى بنبرة عملية ومنضبطة - حاضر يا مستر آدم.. تحت أمرك. ثم التفتت إلى نور التي كان الغضب يأكل أحشائها من أسلوبه المتكبر، وأشارت لها بلطف - اتفضلي معايا يا فندم. خرجت نور خلفها صامتة، تحاول كبح جماح ثورتها، مقسمة في سرها أنها ستتحمل وتصبر فقط من أجل خاطر دادة زينب التي وثقت بها. جلست نشوى خلف جهاز الحاسوب الخاص بها، والتفتت إلى نور بابتسامة بشوشة ودافئة بددت توتر المكان، ومدت يدها قائلة بحب - أنا نشوى.. سكرتيرة مستر آدم. صافحتها نور وارتسمت على وجهها ابتسامة ممتنة - وأنا نور.. أهلاً بيكي. ردت نشوى برقة - أهلاً بيكي يا نور، نورتي الشركة. شعرت نور فجأة بطمأنينة وراحة نفسية غمرت قلبها تجاه هذه الفتاة الجميلة التي دخلت قلبها بلا استئذان. ومرت ساعات اليوم الأولى في العمل دون أي اح
اقرأ المزيد

البارت الخامس عشر

عادت نور إلى الشقة مع تسلل خيوط المساء، وجسدها يكاد يطير من الفرحة. كان ينتابها شعور غريب ومبهم، نبضات متسارعة في قلبها لم تعهدها من قبل، لكنها سرعان ما بررت هذا الإحساس ببهجة خطوتها الأولى في ذلك العالم الجديد الذي انفتحت أبوابه أمامها. دلفت من الباب والبسمة تملأ قسمات وجهها المشرق، واندفعت كالفراشة لتحتضن زينب التي كانت قد عادت منذ قليل وشرعت في إعداد طعام العشاء. راحت نور تدور حول نفسها في رقصة طفولية عفوية، وقالت بصوت يملؤه الشغف والسعادة: - أنا فرحانة قوي قوي يا ماما! الشغل هناك طلع جميل وفيه حركة، وكمان نشوى زميلتي دي طلعت حتة سكر.. ما سابتنيش لحظة وفضلت جنبي طول الوقت بتعلمني كل حاجة وتفهمني الشغل ماشي إزاي. امتدت يد زينب الحانية لتربت فوق ظهرها، وانفرجت شفتاها عن ابتسامة دافئة قائلة - طب الحمد لله يا نور يا بنتي.. ريحتِ قلبي، أنا كنت شايلة هم ومفكرة إن الموضوع هيبقى غريب و متعب عليكي في أول يوم. توقفت نور فجأة وصفقت بكفيها، ثم تلوّت ملامحها بضيق مصطنع وقالت - أبداً.. أبداً مفيش أي حاجة مضيقاني ولا تعباني في المكان كله.. غير البني آدم اللي اسمه آدم ده..... مغرور قوي ومتكب
اقرأ المزيد

البارت السادس عشر

التفّ الجميع حول مائدة الإفطار كعادتهم الصباحية الدائمة، وساد الصمت المألوف الذي لم يقطعه سوى رنين الأطباق الخفيف. أقبلت "زينب" تحمل بقية الأواني وتضعها بعناية، لكن حركتها كانت مشوبة بتردد جليّ، ووقفت عند طرف السفرة تشبك أصابعها بخجل. وجهت عينيها نحو رأس المائدة، وقالت بصوت خافت ومتحشرج - كمال بيه.. هو حضرتك ناوي تعمل إيه مع نور؟ توقف كمال عن تناول طعامه، وتطلع إليها بملامح يكسوها الاندهاش، وظل شارد الذهن لثوانٍ يحاول أن يتذكر من تكون نور هذه التي تسأل عنها. في تلك اللحظة بالذات، كان آدم يتابع الموقف بكل حواسه؛ انتقلت نظراته الحادة كالبرق ما بين ملامح والده الجامدة وبين ارتباك زينب، وشعر فجأة بتسارع غريب وغير مفهوم في دقات قلبه. انتابه قلق مفاجئ وظن أن زينب جاءت اليوم لتعتذر عن استمرار نور في العمل وتسحبها من الشركة. برر آدم لنفسه هذا التوتر الداخلي بحاجته الماسة لنور في الأيام المقبلة، خاصة وأن نشوى استقالتها باتت قريبة جداً بسبب زواجها المرتقب، ونور أثبتت كفاءة نادرة. قطع كمال الصمت وهو ينظر لزينب بحيرة - نور مين يا زينب؟ أنا مش متذكر الاسم خالص. نظرت إليه زينب بخجل شديد وإحراج
اقرأ المزيد

البارت السابع عشر

فتحت نور عينيها مع خيوط الفجر الأولى، وتحركت في أنحاء الشقة الهادئة بنشاط تصنعه لتتغلب به على هواجسها. أشعلت الموقد وأعدت لنفسها كوباً من الشاي الساخن مع شطيرة بسيطة من الجبن، تناولتها على عجل وهي تفكر في يومها الجديد. وقفت أمام المرآة لتهندم مظهرها، واختارت اليوم أن ترفع خصلات شعرها الفاحم إلى الأعلى على شكل "ذيل حصان" متناسق، فانسدل خلف رأسها في حيوية أبرزت جمال عنقها المرمر وحسن وجهها، لتبدو اليوم أكثر فتنة وجاذبية من أي وقت مضى. أطفأت الأنوار، وأغلقت الباب خلفها وهي تهمس بدعائها اليومي المعتاد - يارب ابعد عني البني آدم ده واكفيني شر غضبه. سارت بخطى سريعة ومنطلقة صوب محطة الترام، وهي تستنشق هواء البحر العليل الذي يلفح وجهها، وتملأ رئتيها بنسماته اليودية المنعشة لتستمد منها القوة. دلفت إلى مقر الشركة بهدوء ووقار، لكنها لم تسلم من نظرات الإعجاب والهمسات التي تلاحق خطوتها؛ فقد كانت اليوم تبدو في نضارتها وإشراقها كفاكهة صيفية شهية، طازجة تقطر حيوية وتلفت الأنوار إليها رغماً عن الجميع. وصلت إلى الطابق الثالث، وكانت المكاتب لا تزال خالية ونشوى لم تحضر بعد. لملمت نور شتات نفسها وبدأت
اقرأ المزيد

البارت الثامن عشر

في فناء المدرسة الفسيح، ووسط ضجيج الطالبات وصخبهن في وقت الاستراحة (البريك)، انزوت رحمة في ركن هادئ بجوار صديقة طفولتها وبيت أسرارها ماريان. كانت ماريان فتاة رقيقة تسلب القلوب بهدوء طباعها؛ تميزت ببشرة بيضاء ناصعة وعينين خضراوين بصفاء مياه البحيرات، وجسد نحيل متوسط القامة يتوجّه شعر بني قصير يداعب عنقها في خفة كلما تحركت. كانت ماريان تمسك بكشكول الرسم الخاص برحمة، وتتأمل لقطتها الأخيرة بشغف وانباهار؛ كانت اللوحة هذه المرة عبارة عن منظر ريفي ساحر، رُسم بخطوط دقيقة تفيض بالحياة، وتداخلت فيها ألوان مبهجة ومتناسقة تريح العين وتبعث في النفس السكينة. انطلقت نبرات ماريان وهي تثني على اللوحة بإعجاب شديد - مش ممكن يا رحمة... اللوحة دي بجد تحفة، الألوان مبهجة قوي..... أنتِ موهبتك بتكبر كل يوم عن اللي قبله. تهللت أسارير رحمة وفاضت عيناها بالفرحة لشهادة صديقتها المقربة، وبدأتا في تناول وجبتهما الخفيفة ومشاركة الأحاديث الممتعة. ولم تدم لحظة الأمان تلك طويلًا، إذ قطعت صلح المكان خطى مقبلة من بعيد؛ رصدتها عينا ماريان التي تحولت ملامحها فجأة إلى الجفاء والغضب المكتوم، فهي تكنّ نُفوراً شديداً وتكره
اقرأ المزيد

البارت التاسع عشر

انتهى ذلك اليوم العصيب والطويل أخيراً، وخرجت نور من بوابة الشركة وهي تجر خطيبها بتعب شديد. طوال الساعات الماضية، لم يتركها آدم تلتقط أنفاسها؛ كان يستدعيها إلى مكتبه كل بضع دقائق، يغمرها بطلبات لا تنتهي، ويكلفها بملفات معقدة كأنه يتعمد إهلاك جسدها وإعجاز عقلها. شعرت في قرارة نفسها أنه يعاقبها، لكنها لم تكن تفهم الذنب الذي اقترفته في حقه! ومع ذلك، لم تستسلم أو تظهر ضعفها؛ بل تحول الأمر داخلها إلى تحدٍّ شرس، شحنت فيه كل طاقتها حتى أنجزت كل ما طلب بدقة أذهلته، لتثبت له ولنفسها أنها لن تنكسر. سارت نور بمحاذاة الشاطئ، وكان هواء البحر البارد يلفح وجهها الشاحب. غرقت في أفكارها لدرجة جعلتها غير منتبة بالمرة لتلك السيارة الفارهة ذات الزجاج الداكن التي تسير ببطء شديد محاذية لخطواتها. نعم، كانت سيارته هو.. آدم. كان يقود بتمهل، وعيناه الثاقبتان مصوبتان نحوها من خلف الزجاج الملون. تطلع إليها وهي تسير مطأطأة الرأس، وتأمل ملامحها الحزينة والمرهقة التي انطفأ بريقها الصباحي؛ بدت له في تلك اللحظة كعصفور بلله المطر، كأنها تحمل فوق كاهلها الغض أطنانًا من الهموم والآلام التي لا تناسب رقة سنها. انقبض صدر
اقرأ المزيد

البارت العشرون

التفّت العائلة بأكملها حول المائدة الكبيرة لتناول طعام العشاء كعادتهم اليومية، الملاعق تتحرك والأحاديث الجانبية تدور، لكن جداراً صامتاً غير مرئي عزل آدم عن محيطه. جلس يحدق في طبقه بشهية منعدمة، وشارد الذهن كلياً، فلم ينطق بحرف واحد منذ أن أخذ مقعده. كان عقله أسيراً لصور ترفض المغادرة؛ تذكر نظرة نور المتحدية والمنكسرة في آن، وصوتها الرخيم الذي انساب في مكتبه كمعزوفة كمان دافئة ليتلاعب بنبضات قلبه. قفزت إلى مخيلته تفاصيلها وهي تسير بمحاذاة الشاطئ في المساء؛ كيف كان الهواء يعبث بخصلات شعرها الليلية الطويلة فيطير خلفها، لتبدو في عينيه كحورية ساحرة خرجت من أعماق البحر لتوها. ثم تذكرها وهي تجلس فوق الصخور مستسلمة للرياح، ملامحها الشاحبة أثارت في صدره غصة لم يفهمها. استغرق آدم في تفاصيل وجدانه لدرجة أنه لم ينتبه إطلاقاً لكلمات والده كمال التي كان يوجهها إليه منذ دقيقتين. ساد الصمت فجأة، ورمقه الجميع بنظرات تعجب ودهشة، فليس من عادات الإمبراطور الصارم أن يغيب عن الواقع بهذا الشكل. التفتت إليه شقيقته الصغرى، ونادت عليه بصوتها الرقيق الهادئ - أبيه.. يا أبيه.. أنت سامعنا؟ انتفض آدم طفيفاً، ون
اقرأ المزيد
السابق
123456
...
8
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status