All Chapters of كيان مالك: Chapter 41 - Chapter 50

63 Chapters

الواحد والاربعون

​داخل مكتبٍ جُهّز على أحدث طرازٍ عصريّ، حيث تتصدر الجدار شاشة عرض ضخمة للمؤتمرات المرئية تخبرك للوهلة الأولى أن صاحبها لا يفصل بين العمل والعطلة حتى وهو في قلب الإسكندرية الساحلية، كان "مالك" يجلس على مقعده الجلدي الوثير، وعيناه عالقتان بالفراغ.​غادر "أمجد" الغرفة منذ دقائق، تاركاً خلفه إعصاراً من الغيرة يمزق صدر مالك؛ غيرةٌ لم يكن يعلم بوجودها أو بمدى شراستها من قبل. منذ أن رأى "كيان" بذلك الفستان الذي صبّ الزيت على نار رغبته قبل غيرته، وهو يشعر أنه فقد مقود التحكم في ذاته. يكفيه جنوناً أن "أمجد" رآها، وأن طاقم الحراسة المنتشر في أنحاء الفيلا قد حظي بلمحة من ذلك الجمال الفاتن.​كانت فكرة أن العيون قد تتوجه نحوها تزيد من اشتعاله. انتفض من مقعده بخطوات غاضبة متعجلة، يخرج من المكتب باحثاً عن أي شيء يستر به ذلك الجسد الذي يراه ملكية خاصة ومقدسة له وحده. تذكر غرفتها وحقيبة ملابسها، لكنه تراجع؛ فمؤكداً أن "سها" اختلط عليها الأمر وظنت أن هذه الرحلة ما هي إلا شهر عسل، فلم تترك لها سوى ملابس تزيد الموقف تعقيداً.​فجأة، وقعت عيناه على غطاء وثير مصنوع يدوياً بحنكة وممتد بإهمال على ظهر الأريكة
Read more

الاثنان والاربعون

مرّت ثلاثة أيام كاملة، والفيلا الساحلية تخضع لقانونٍ جديد صامت، قانونٍ خطّه "مالك" بنفسه بمدادٍ من صبرٍ مرير.​لم يحاصرها. لم يطرق باب غرفتها ليلاً ليستجدي حديثاً، ولم يتعمد التواجد في ردهة المنزل إذا علم أن خطوتها قد تقودها إلى هناك. كان كالعطر الخشبي العتيق الذي يملأ الأركان؛ موجوداً بكثافة، لكنه غير ملموس. كان يراقبها من شرفة مكتبه وهي تجلس مع "تاليا" في الحديقة، يرى كيف انكمشت ضحكتها الصافية، وكيف أصبحت نظراتها تلتفت حولها بوجلٍ بين الحين والآخر، كعصفورٍ يخشى مباغتة الصياد. وكل التفاتة منها، كانت بمثابة طعنة نافذة في كبريائه، تذكره بما اقترفت يداه في لحظة طيش.​في صباح اليوم الرابع، قرر مالك أن يبدأ خطواته الصامتة نحو ترميم ما انكسر.​كانت كيان تجلس في بهو الفيلا، تحاول القراءة في كتابٍ لم تقلب صفحته الأولى منذ ساعة كاملة؛ فالكلمات كانت تمر أمام عينيها دون أن تصل إلى عقلها المشغول به. تناهت إلى مسامعها حركة أقدامه المألوفة، فتصلب جسدها فوراً بآلية دفاعية باتت تتقنها في حضوره. لكنها لم تجد حصاراً هذه المرة؛ بل رأته يمر من بعيد، واضعاً صندوقاً خشبياً صغيراً فوق الطاولة القريبة منها
Read more

الثالث والاربعون

​في الصباح التالي، كان "مالك" و"أمجد" و"سيف" يجلسون في غرفة المكتب، تحفهم مشاعر متفاوتة تضطرب في الأثير؛ ما بين أملٍ حذر يداعب صدر مالك، وسعادة عفوية يشعر بها أمجد، وحزنٍ مكتوم يخيم على ملامح سيف الساهرة.​بعد قليل، انكسر هذا الصمت بدخول "سهام" وهي تحمل صينية أنيقة تنبعث منها رائحة البن النفاذة، وضعت الفناجين أمامهم بابتسامة هادئة تود لو تذيب هذا الوجوم. مدّ مالك يده وأمسك بفنجانه، وما إن لامست الشريحة الدافئة باطن كفه، حتى استدعت ذاكرته على الفور رشفات قهوة كيان؛ تلك القهوة التي اشتاق لأيامها، واشتاق لجلستها وصحبتها التي كانت تملأ دنياه بالروح.​وكأنها خرجت من رحم أفكاره في تلك اللحظة بالذات... التفتت عيناه تلقائياً نحو النافذة الكبيرة المطلة على الحديقة، فلمحها.​كانت كيان تدلف إلى الحديقة برفقة الصغيرة "تاليا". كانت ترتدي فستاناً أبيض ناصعاً، تتماوج فوقه نقوشٌ زرقاء بلون البحر، فستاناً صيفياً رقيقاً بلا أكمام، ينتهي بحمالات رفيعة تُعقد خلف العنق، مما ترك جزءاً كبيراً من ظهرها مكشوفاً للهواء، وينساب الفستان بنعومة ليصل إلى ركبتيها.​تسمرت نظرات مالك عليها، وما إن وقعت عيناه على الفس
Read more

الرابع والاربعون

أشرقت الشمس في صباح اليوم التالي، لتكسر بخيوطها الذهبية عتمة الغرفة، معلنةً عن ميلاد يوم جديد يغلي فوق صفيح ساخن من الأحداث.​ ​تململ "مالك" في نومه الخفيف، محاولاً الفكاك من أسر النعاس والاعتدال في جلسته، لكن ثقلاً دافئاً، محبباً ومربكاً، رابضاً فوق صدره، شلّ حركته تماماً.فتح عينيه ببطء، لتتسع حدقتاه بذهولٍ صاعق تغلغل إلى أعمق خلايا جسده؛ كانت "كيان" تتوسط صدره العاري، دافنةً جسمها الصغير بين أحضانه، في حين التفّت ذراعها الرقيقة بعفويةٍ آسرة حول عنقه.​في ثوانٍ، اختلّت أنفاس مالك، واستيقظت رغبته الثائرة من مرقدها بعنف، وهو يستشعر لفحات أنفاسها الساخنة المنتظمة تضرب بشرة عنقه وصدره. حاول حبس أنفاسه، متلمساً طريقاً للتحرك والنهوض قبل أن تستيقظ، هرباً من حرجٍ داهم سيقتلهما معاً لو أدركت حقيقة وضعهما.. ولكن، ما زاد الطين بلة، وجعل آخر معاقل تحكمه تنهار، هو تلك الحركة العفوية الساحرة التي صدرت عنها؛ إذ تحركت كيان في نومها، ولفّت قدمها حول خصره، وكأنها تتشبث بأأمن ملاذ لها في الوجود.​عند تلك النقطة، تلاشت آخر ذرة تماسك كان يتمسك بها مالك. غاب عقله تماماً، واحتجب المنطق، ولم يشعر بنفسه إل
Read more

الخامس والاربعون

لا يمكن لإنسان أن يلوي ذراع الزمن ليعود به إلى الوراء، سواء بسلطان العلم أو بخرافات السحر، حتى وإن كان كل ما يرجوه هو بتر حدثٍ معين من ذاكرته.أحياناً، تضعنا الحياة أمام معضلات لا تُجدي معها المسكنات المؤقتة، بل تتطلب حلولاً جذرية.. تتطلب شجاعة البدء من جديد، تنحية المخاوف والماضي جانباً، والارتماء في أحضان الحاضر لصناعة الغد.​كانت "كيان" ما تزال غارقة بين أحضان "مالك" في مكتبه، حين اتخذت قرارها السري بأن تستمتع بكل ثانية تقضيها معه، متجاهلة أي قلق قادم. شعرت بأنامله التي تسللت بهدوء من تحت شالها، تداعب بشرة ظهرها العارية بحنوّ، فابتعدت عنه بارتباك أنثوي داهمها. في تلك اللحظة، وقعت عيناها على حاسوبه المحمول القابع فوق المكتب، فبرقت في رأسها فكرة استغلاله للبحث وراء موضوع "سهام".​قطع حبل أفكارها صوت مالك الدافئ، وهو يهمس بنبرة تقطر حناناً:ـ "كيان.. ممكن أطلب منكِ طلب؟"نظرت إليه بعينين متسائلتين، فحاوط كتفيها بذراعيه مكملاً:ـ "عايزك تغيري الفستان ده، وتنسي كل الهدوم اللي في الشنطة فوق."قطبت جبينها بدهشة وقالت بتعجب:ـ "بس أنا ماعنديش بديل يا مالك،!" ثم ضيقت عينيها بريبة أفسدت صفو
Read more

السادس والاربعون

هل تذوقت يوماً طعم الصدمة؟ ذلك الشعور الضاري الذي يبدأ بذهول ومفاجأة، ويمر بإنكار مـُرّ، وينتهي بخذلان يفتت الروح، خاصةً إن كانت الطعنة قادمة من الشخص الذي يمثل لك الحياة بأسرها.​كان هذا حرفياً هو الإعصار الذي يضرب وجدان "صبا" الآن. وقفت عاجزة عن الرد على كلمات "سليم" اللاذعة، والتي جرحت كبرياءها في مقتل. ألهذا الحد يحمل في قلبه حنقاً دفيناً تجاهها؟ ولماذا لم يخبرها بذلك من قبل؟ لقد رسمت في عقلها مئات المشاهد المشحونة لعلاقتها به؛ تخيلت شجارهما، بل تمنت لو يضمها بغيرة وتملك عاصف، لكن أن يجلدها بكلمات هو أكثر من يعلم أنها لن تحتملها.. فهذا كان أقصى وأقسى أنواع الانتقام.​كانت الأفكار تعصف برأسها كالأمواج العاتية، بينما لم تشعر بدموعها الساخنة التي شقت طريقها فوق وجنتيها. أغمضت عينيها لتلوذ بالظلام، فلم ترَ نظرات الندم القاتل التي ارتسمت فجأة في عيون سليم وهو يعض على شفتيه، متمنياً لو يبتلع كلماته أو يختنق بها قبل أن يلفظها.​تحدثت صبا بصوت متهدج مرتجف، وهي تحاول جمع شتات كرامتها:ـ "أنا هاخد روفي.. وأروح أقعد عند بابا شوية.. أعصابي تعبانة ومحتاجة أرتاح."​شعرت بنغزة حادة في قلبه، ووبخ
Read more

السابع والاربعون

​في صباح اليوم التالي، وتحديداً داخل عمارة شاهقة الارتفاع تعانق السحاب، وفي الطابق العشرين حيث تطل الشرفة على لوحة خضراء شاسعة لحديقة غناء.. كان "سليم" يصارع طيوف نومه المثقل. ضايقته خيوط الشمس الذهبية المتسللة عنوة من فرجات النافذة، لتمس وجهه وتجبره على فتح عينيه بصعوبة بالغة. قاوم تلك الرغبة الملحة في الانغماس في النوم مجدداً، ونجح في نفض دثاره أخيراً.​اعتدل في فراشه، وتوجه بخطوات واهنة نحو لوحة التحكم الرقمية، ليغلق الستائر الآلية بإحكام، ليعود الظلام الدامس يلف الغرفة. تطلع إلى الساعة الرقمية أمامه ليتفقد الوقت، وهنا داهمته غصة غريبة؛ فالمكان هادئ تماماً، ولم توقظه "صبا" بلمساتها وصوتها العذب كعادتها كل صباح.​اتسعت حدقتاه حين ضربت الفكرة عقله كالصاعقة: لقد نفذت وعيدها وتركت المنزل! اندفع نحو خزانة ملابسها، وبنظرة سريعة على الأرفف شبه الفارغة، تيقن أنها حزمت حقائبها ومضت إلى بيت والدها. تنهد بيأس ممتزج بحزن دفين؛ فقد كان يـُمني نفسه بأنها لن تحتمل الابتعاد عنه، خاصة بعد تلك الأزمة العصيبة التي تخطياها معاً. أغمض عينيه بقهر، فهو لا يحبها فحسب، بل يهيم بها عشقاً، وأيامه بدونها تفقد
Read more

الثامن والاربعون

على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، في تلك المدينة الساحرة التي تتنفس عبق التاريخ وتكاد تحسبها قطعة من أوروبا الكلاسيكية.. كان "أمجد" يتمدد على شيزلونج، وتجاوره "سهام" على الآخر، بينما كانت أصابعهما متشابكة في عناق صامت دافئ.​نظر إليها أمجد من تحت نظارته الشمسية السوداء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة حانية وهو يقول:ـ "لو زهقتي يا حبيبتي وحبيتي نرجع البيت.. قوليلي. "​التفتت إليه سهام، وامتدت يدها الحرة لترفع نظارتها وتثبتها فوق رأسها، قبل أن ترمقه بنظرة اشتعلت فيها غيرة أنثوية واضحة:ـ "وأنت مستعجل على الرجوع ليه بقى؟ ولا عاوز تلحق أول اليوم من أوله مع اللي عاملهالي فيها باربي تحت في الفيلا؟"​رفع أمجد حاجبيه بدهشة بالغة من هذا الهجوم المباغت والغير مبرر، ثم لم يتمالك نفسه فانفجر ضاحكاً بملء فيه، الأمر الذي زاد من حنقها وسخطها. وما إن هدأ قليلاً حتى التقط أنفاسه بصعوبة قائلاً:ـ "أنتِ بتتكلمي بجد يا سهام؟! وبعدين مش أنتِ أصلاً صاحب الفكرة العبقرية دي ​زمت شفتيها بغيظ طفولي وتطلعت إلى الأفق وقالت بسخط:ـ "كانت فكرة سودا وياريتني ما فكرت فيها.. وأنت وصاحبك ما صدقتوا تنفذوا على طول وبسرعة!"​ا
Read more

التاسع والاربعون

​حلّ المساء على جنبات منزل مالك في الإسكندرية، ومعه تهادت أنفاس الغرفة ثقيلة، محملة بـمزيج صاخب من المشاعر المتضاربة.. مشاعر تداخلت بين شفقة وعتاب، وقلق حارق، وغضب يغلي في العروق، وندم ينهش الجدران. ​أما "مالك"، فكان يقبع في غرفته إلى جوار "كيان" المستسلمة للنوم في حضنه، يحمل في صدره تلك المشاعر مجتمعة. كان يشفق عليها من كل خطوة قادتها إليه، ومن قبله تلك التجربة المريرة لزواجها السابق الذي كسر براءتها. وكان القلق ينهش لبه؛ فهو طوال حياته لم يتخيل يوماً أن يمد يده ليضرب امرأة، فكيف وإن كانت تلك المرأة هي مليكته ومعشوقته الوحيدة؟ ​زفر بغضب أعمى من نفسه أولاً، ومن "شاهندة" التي أكدت زلة لسانها الشبهات حول محاولتها تشويه سمعة كيان في الصحافة الإلكترونية. ولولا تدخل صديق والده القديم لإيقاف النشر، لكانت الأمور قد آلت إلى كارثة. استبد به الندم الشديد لأنه وافق على تلك الخطة البائسة بجلب شاهندة لإثارة غيرة كيان. ​شعر فجأة بتململ جسدها بين يديه، فعلم أنها بدأت تستيقظ. وفي رغبة خفية منه أن يسمع ما تخفيه خلف صمتها... أغمض عينيه متظاهرًا بالنوم. ​فتحت كيان عينيها بتثاقل، تشعر بصداع يمزق رأس
Read more

الخمسون

​حين أُطفئت الأنوار، لم يبقَ سوى وهج المشاعل المنعكس على صفحة البحر، ثم بدأت الطبول تدق بإيقاعها المهيب، لتعلن ميلاد ليلة لن يطويها النسيان... عناق دافئ تحت سماء متسعة متشحة بالنجوم، وتبادل لعهود الزواج الأبدي على شاطئ البحر، أمام أشرعة قارب بيضاء صافية تتأرجح في الأفق، حيث اتحدت الروحان في احتفالية تخطف الأنفاس. ​تعالت الأصوات المهنئة لتملأ الفضاء سعادة، بينما كانت المفرقعات النارية تنعكس بألوانها الخلابة على صفحة المياه الزرقاء، لتكون شاهداً حياً على ذلك الحب المخلد، وتكاد تقسم ألا يطاله النسيان أو التخلي يوماً. ​كانت تخطو بجانبه بخطوات واثقة ساحرة كأنها ملكة تتوج على عرشها، يبرزها فستان ملكي عاجي منسدل بنعومة بالغة، يتناسق بدقة مع جسدها الممشوق وتفاصيلها الفاتنة. وقف يتأملها لثوانٍ طويلة، طويلة أكثر مما ينبغي، حتى ظنت أنه لم يسمع الموسيقى أصلًا. كانت ترتدي الفستان الذي تخيلها به عشرات المرات، وربما مئات، لكن الواقع كان أقسى على قلبه من كل خياله، لأنها لم تعد حلمًا بعيدًا، ولا امرأة يراقبها من خلف مكتبه، ولا امرأة يخشى أن تضيع منه، أصبحت زوجته. وأدرك في تلك اللحظ
Read more
PREV
1234567
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status