All Chapters of بروتوكول الانفصال: Chapter 31 - Chapter 40

71 Chapters

الفصل : 31

مع إشراق شمس الصباح الجديد، حملت النسمات الباردة معها هدوءً يسبق العاصفة في كلا البيتين؛ فالعقارب تسير دون توقف، والقرارات المصيرية التي طُبخت على نار هادئة في غرف الظلام باتت الآن جاهزة لتُقدم على مائدة الواقع. في منزل الشيخ حازم، ساد صمت يحمل في طياته الكثير من الهيبة والترقب، جلب حازم هاتف المحمول ، وجلس على أريكته الخشبية المعتادة متأملًا شاشته لبرهة، وهو يستشعر جلال الموقف وعظم الأمانة التي يوشك على تسليمها لرجل غريب؛ فابنته لارا، الرقيقة التي عاشت بين كنفيه محمية من صخب الدنيا، ستنتقل قريبًا إلى عالم آخر مغاير تمامًا. تنحنح الشيخ حازم وضغط على الأرقام بملامح وقورة، واضعًا الهاتف على أذنه ينتظر الرد بقلب مؤمن مستخير على الجانب الآخر، كان مراد يجلس في مكتبه داخل الفيلا، يراجع مجموعة من التقارير المالية لشركة غلوبال تيك، وعيناه الحادتان تلتهمان الأرقام بسرعة فائقة، قبل أن يهتز هاتفه الشخصي الموضوع على الطاولة الرخامية معلنًا عن اتصال من الشيخ حازم. لم يتردد مراد؛ بل وضع القلم جانبًا، وضغط على زر الإجابة متحدثًا بنبرة رخيمة تجمع بين الاحترام والجدية العملية: • مراد: "السلام ع
Read more

الفصل :32

استقرت خطوات سارة الصغيرة عند الوجبة الأخيرة من الدرج الرخامي، ووقفت ثابتة في مكانها كتمثال غض، يحيط بها صمت الفيلا المهيب وتتركز عليها الأنظار. كانت ترتدي فستانًا قطنيًا منقشًا بالزهور، وتحمل في يدها دبدوباً صغيراً تشد عليه بأصابعها حتى تكاد مفاصلها الصغيرة تبيض. حاولت الطفلة بكل ما أوتيت من جهد، وبناءً على الوعد الذي قطعته لوالدها في رحلة الأمس، أن تصطنع الهدوء وتخفي عدم تقبلها الجارف لـ لارا، لكن عينيها المتسعتين خانتاها؛ فكانت تشع منهما نظرات حادة، ممتلئة بالتوجس والنفور الطفولي الذي يرى في هذه الدخيلة خطرًا يهدد مملكتها الصغيرة وصدارتها في قلب والدها. لم تكن لارا غافلة أو ساذجة؛ فرغم دقات قلبها المتسارعة تحت وطأة رهابها الاجتماعي وخوفها من فخامة هذا القصر، إلا أن مراقبتها الدقيقة للتفاصيل جعلتها تلتقط تلك الإشارات على الفور. نظرت لارا إلى سارة، ولاحظت بوضوح ذلك القناع الهش الذي ترتديه الطفلة؛ لاحظت كيف تجبر شفتيها على البقاء في خط مستقيم دون ابتسام، وكيف تحبس أنفاسها لتمنع نفسها من التعبير عن الضيق. شعرت لارا بوخزة من القلق، لكنها في ذات الوقت التمست لها العذر في سرها،
Read more

الفصل : 33

مع أولى خيوط الفجر التي تسللت عبر الستائر الحريرية الشاهقة للفيلا، انبعث هدوء غريب تشوبه حركة خفية في الطابق العلوي. كانت الصغيرة سارة قد استيقظت قبل موعدها المعتاد بكثير، وجلست على حافة سريرها الوردي وعيناها تجافيان النوم؛ فكل الأفكار التي دارت في عقلها الطفلي بالأمس كانت تدفعها لقرار واحد: المغادرة مبكرًا جدًا، والهروب من أي مواجهة محتملة مع زوجة أبيها الجديدة على مائدة الفطور. هي في الحقيقة لم تتقبل لارا، وكل ما أظهرته بالأمس من قبول هادئ لم يكن إلا قناعًا زائفًا اصطنعته فقط أمام والدها مراد، فهي طفلة ذكية تحب أباها حبًا جمًا ولا تريد تحت أي ظرف من الظروف أن تحزنه أو تظهر أمامه بمظهر الابنة العاصية لقراراته الحازمة. تسللت سارة بخطوات حذرة على أطراف أصابعها، ونزلت الدرج الرخامي الطويل متوجهة نحو المطبخ الواسع، حيث كانت الخادمة صوفيا قد بدأت للتو في إعداد مائدة الفطور الصباحية وتجهيز العصائر الطازجة. التفتت صوفيا بذهول عندما رأت الصغيرة ترتدي ملابس الخروج وحقيبتها المدرسية على ظهرها قبل الموعد بساعة كاملة، وقالت بنبرة مستغربة: • صوفيا: "آنستي الصغيرة سارة! ما الذي أيقظكِ مبك
Read more

الفصل : 34

صعدت صوفيا الدرج وتوجهت نحو الجناح الشرقي بخطوات هادئة، وعندما وصلت أمام الباب الخشبي الفاخر، طرقت الباب برفق ثلاث طرقات متتالية، وانتظرت لثوانٍ حتى جاءها صوت لارا الهادئ والمتحشرج بالإذن، ففتحت الباب قليلًا وقالت بأدب مفرط: • صوفيا: "صباح الخير يا سيدتي لارا... تفضلي بالنزول، السيدة سلوى تطلبكِ لتناول الفطور معها في الصالة الصباحية، والمائدة جاهزة بانتظاركِ" تنفست لارا الصعداء، وعدلت من هندام ثوبها الصباحي الهادئ والبسيط، وحاولت السيطرة على دقات قلبها التي بدأت تتسارع لمجرد فكرة الخروج ومواجهة أهل البيت من جديد، فقالت بصوت ناعم: "حسنًا ... شكرًا لكِ، سأنزل بعد دقيقة واحدة". خرجت لارا من غرفتها بخطوات مترددة، وتوجهت نحو الأسفل وهي تتأمل ضخامة القصر الفسيح في وضح النهار، حتى التقت بالسيدة سلوى التي كانت تجلس بوقار وترقب عند مائدة الفطور المطلة على الحديقة الزجاجية. تقدمت لارا وحيتها بابتماس دافئة وخجولة: • لارا: "صباح الخير يا سيدة سلوى... أتمنى أن تكوني بأحسن حال هذا الصباح" • سلوى (تبتسم برفق وتشير للمقعد بجانبها): "صباح النور والسرور يا ابنتي العزيزة... أهلًا بكِ، اجلسي وا
Read more

الفصل : 35

خطت لارا عتبة غرفتها بعد أن اختارت ثوبًا وقورًا بلون الكحلي الداكن، يلتف حول جسدها كدرع واقٍ يحميها من نظرات العالم الخارجي التي تخشاها. كانت يداها ترتجفان وهي أمام المرآة، و نبرات صوت والدتها الحانية لا تزال تتردد في أذنيها، محملة بآمال عريضة لا تقوى لارا على كسرها. في هذا العالم الفخم، لم يكن أحد على الإطلاق يعلم عن سر ذلك الرهاب الاجتماعي الشرس الذي ينهش روحها كلما اضطرت لمواجهة تجمع أو الخروج إلى بقعة مفتوحة تلاحقها فيها الأعين؛ فالكل كان يفسر صمتها الدائم وانعزالها في الحي على أنه مجرد خجل طبيعي، أو هدوء نابع من تربيتها الدينية والوقورة، ولم يدرك أحد أن خلف هذا الصمت معارك طاحنة من ضيق الأنفاس وتسارع دقات القلب. نزلت لارا الدرج بخطوات متثاقلة، لتجد مراد واقفًا في بهو الفيلا ممسكًا بمفاتيح سيارته، وعيناه الحادتان ترمقان ساعته بدقة عملية مفرطة. التفت إليها ولم ينطق بعبارة غزل أو ترحيب تقليدية، بل اكتفى بإيماءة مقتضبة من رأسه وقال بنبرته الرخيمة الحازمة: • مراد: "جيد... أنتِ جاهزة إذن، لننطلق فورًا فالوقت يمر، ولدينا الكثير من الترتيبات التي يجب إنهاؤها اليوم قبل المساء" م
Read more

الفصل : 36

وصلت السيارة الفاخرة إلى المدخل الخلفي المخصص للشخصيات الهامة في المركز التجاري الفخم بوسط العاصمة، وترجل مراد بوقاره المعهود، بينما نزلت لارا خلفه وهي تحبس أنفاسها، وتنظر حولها بريبة وخوف حاولت بكل قوتها مواراته خلف ملامح جامدة ومطيعة. قادهما أحد المشرفين بأدب جم نحو مصعد خاص أفضى بهما مباشرة إلى جناح تسوق مغلق، تم تزيينه بأفخم المعروضات والأثواب الراقية المصممة بعناية لسيدات المجتمع. تنفس لارا الصعداء عندما رأت أن المكان خالٍ تمامًا من المتسوقين، ولم يكن هناك سوى مصممة واحدة ومساعدتها، مما خفف كثيرًا من حدة رعبها الاجتماعي. جلس مراد على مقعد جلدي ووضع قدمًا فوق الأخرى ممسكًا بهاتفه، بينما التفتت المصممة نحو لارا بابتسامة مهنية وبدأت في عرض الأثواب عليها. طوال ساعتين كاملتين، كانت لارا تتحرك كآلة صامتة، تقيس الثياب وتومئ برأسها، بينما كان مراد يتدخل بين الحين والآخر بنظرة فاحصة ليعطي قراره النهائي بكلمة واحدة: "هذا مناسب" أو "هذا لا يليق". خلال إحدى اللحظات التي انشغلت فيها المصممة بإحضار مقاس آخر، اقترب مراد من لارا التي كانت تقف بتعب وإرهاق واضح، ونظر في عينيها الشاحبتين
Read more

الفصل : 37

أشرقت شمس اليوم التالي حاملة معها دفئًا غامرًا لم يفلح في تبديد البرودة الصامتة التي استقرت بين جدران الفيلا الفاخرة؛ فاليوم هو الموعد الذي حدده مراد لفتح ملف "الخطوات القادمة"، والجميع يترقب شكل الحياة الجديدة بعد أن وضعت الترتيبات الأولى أوزارها استيقظت لارا بقلب مثقل بتساؤلات لا تنتهي، وتوجهت نحو مرآتها لتتفحص ملامحها التي بدا عليها الإرهاق؛ فقد أمضت ليلتها تتقلب في سريرها الفسيح، يفترسها الخوف من مواجهة مراد وجلسته المنتظرة. نزلت السلالم الرخامية بحذر، وكانت الصالة الرئيسية هادئة، لولا صوت حركة الصحف التي كان مراد يقلبها بوقار وهو يجلس على رأس مائدة الفطور، وبجانبه والدته السيدة سلوى التي كانت ترمقه بنظرات حانية ممتلئة بالأمل التفت مراد نحو لارا ما إن استشعر خطواتها، وأشار بيده نحو المقعد المقابل له قائلاً بنبرته الرسمية الحازمة: مراد: "صباح الخير يا لارا... اجلسي، لقد كنت بانتظاركِ لنبدأ حديثنا، فالوقت لا ينتظر ولدي ارتباطات طارئة في الشركة بعد الظهر" لارا (تنحنحت وهي تجلس بتوتر): "صباح الخير" سحبت السيدة سلوى كوب الشاي الخاص بها، ونظرت إلى لارا بابتسامة مسالمة محاولة إض
Read more

الفصل : 38

ساد صمت مشحون في الصالة عقب دخول ليلى المفاجئ، وكانت النظرات المتبادلة بين النساء بمثابة خطوط دفاع وهجوم غير مرئية. لم يتحرك مراد من مكانه، بل اكتفى بوضع فنجان قهوته على الطاولة ونظر إلى ليلى بنظرة باردة وعملية خالية من أي ترحيب عاطفي، وتحدث بنبرة رصينة: • مراد: " صباح الخير، سارة في غرفتها بالطابق العلوي مع هنا، يمكنكِ الصعود إليها إذا أردتِ" شعرت ليلى بوخزة في كبريائها من جفاء كلماته ومحاولته السريعة لتوجيهها بعيدًا عن المائدة حيث يجلس مع زوجته الجديدة، لكنها حافظت على ابتسامتها الأنيقة والتفتت نحو السيدة سلوى قائلة: "بالتأكيد سأصعد إليها يا مراد... لكنني أردت أولًا أن أبارك لعروسنا الجديدة... مبروك يا لارا، أتمنى أن تعتادي على أجواء الفيلا سريعًا، فالأمر يتطلب الكثير من الجهد لتواكبي حياة مراد" كانت الكلمات تحمل سمًّا مبطنًغ ونبرة استعلاء واضحة التقطتها لارا على الفور أدركت أنها تحاول جاهدة تقزيمها وإظهارها بمظهر الغريبة غير المؤهلة لهذا المكان . ورغم أن نبضات قلب لارا تسارعت قليلًا، إلا أنها آثرت السلامة والصمت المطبق؛ فلم تنطق بكلمة واحدة، واكتفت بهز رأسها ببطء شديد مع اب
Read more

الفصل : 39

لم تكن الصراعات الصامتة في الطابق العلوي لتظل حبيسة الجدران المغلقة لفترة طويلة، خاصة في بيت يضم تفاصيل عائلية متداخلة وحضورًا لأفراد يراقبون كل حركة. وفي وسط ذلك الحوار المشحون الذي دار بين ليلى وسارة بحضور هنا، انفتح الباب فجأة ودخل الصغير مهند وهو يحمل في يده طائرة ورقية صغيرة كان يحاول إصلاحها، وكانت خطواته المتعثرة وعفويته المعتادة كفيلة بكسر ذلك الجمود المفتعل في الغرفة. توقف مهند عند عتبة الغرفة، ورمق المشهد بعينين طفوليتين واسعتين ملأهما الفضول والدهشة؛ فقد لاحظ الدموع المتبقية في عيون ابنة خاله سارة، والملامح الحانقة التي ترتسم على وجه ليلى، بينما كانت والدته هنا تقف واضعة يديها متقاطعتين فوق صدرها وعلامات التوجس والتحذير واضحة في نظراتها. تطلع مهند إلى الجميع، ثم ركض بخطوات سريعة نحو والدته وضغط على طرف ثوبها، رافعًا رأسه الصغير وموجهًا تساؤلاته بعفوية بريئة خالية من أي تجميل، وبصوت نبرته طفولية مرتفعة ترددت في أرجاء الجناح: • مهند: "أمي أمي أمي ... لماذا سارة غاضبة وتبكي هكذا؟ لقد رأيتها منذ الصباح وهي تجري وترفض اللعب معي... هل زوجة خالي مراد هي ساحرة شريرة مثل ال
Read more

الفصل : 40

انقضت الساعات الفاصلة بين ثنايا القصر كدقائق متسارعة محملة بالوجل، وجاء صباح الليلة الموعودة حاملًا معه حركة غير معتادة في جميع الأروقة. كانت عقارب الساعة تشير إلى العاشرة صباحًا عندما وصلت خبيرة التجميل والمصممة رفقة مساعداتها إلى الجناح الشرقي بطلب صارم ومسبق من مراد، الذي لم يترك تفصيلًا واحدًا للصدفة. كانت الغرفة الفسيحة تعج بالأقمشة الفاخرة، وعلب مساحيق التجميل، وفستان السهرة الذي اختير بعناية فائقة ليعكس وقار ومكانة عائلة رجل الأعمال الشاب. بقيت لارا في مجلسها كطيف صامت، مستسلمة تمامًا لأيدي الخبيرات اللواتي كن يتحركن حولها بخفة واحترافية عالية. لم تنطق بكلمة واحدة طوال تلك الساعات؛ فخوفها الاجتماعي المكتوم كان قد بلغ ذروته، وحولت جسدها إلى آلة صامتة تنفذ التعليمات بآلية مفرطة. كانت دقات قلبها تسابق الزمن، وكلما تخيلت دخول الضيوف وتصويب عدسات العيون نحوها، شعرت بضيق خانق في صدرها، لكنها كانت تبتلع خوفها وتعقد العزم على الصمود حتى تجد طريقة لتخلص من هذا الزواج التي ورطتت نفسها فيه في هذه الأثناء، دخلت السيدة سلوى الجناح وتأملت لارا بنظرات تفيض بالحنان والأمل الطويل ال
Read more
PREV
1234568
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status