جميع فصول : الفصل -الفصل 70

73 فصول

الفصل : 61

أغلقت ليلى باب غرفتها بالمفتاح والقلب يقرع طبول الذعر في صدرها. تحركت بخطوات مرتجفة نحو مكتبها، وفتحت حاسوبها الشخصي على عجل. أدخلت الفلاش ميموري في المنفذ الجانبي، وجلست تراقب الشاشة ب أنفاس محبوسة وعينين متسعتين ترقبان ظهور الملفات. لكن فرحتها لم تدم سوى لثوانٍ معدودة؛ إذ انبثقت على الشاشة نافذة حمراء داكنة تتوسطها خانة فارغة تطلب رمزًا سريًا لفك التشفير المعقد الذي يحمي البيانات حاولت ليلى إدخال تواريخ ميلاد والدها، ورقم هاتفه، وبعض الأرقام المألوفة لديها، لكن في كل مرة كانت الشاشة تومض باللون الأحمر معلنةً فشل المحاولة. تملكها الإحباط واليأس، فضربت كفيها بالطاولة وصرخت بقهر هامس: "تبًا! تبا لك يا أبي! ما هذا الحظ؟ ماذا أفعل الآن؟" في تلك اللحظة، انفتح الباب فجأة ودخلت والدتها سماح، والوجع يرتسم على ملامحها وهي تسأل بقلق: "ما بكِ يا ليلى؟ لما صوتكِ مرتفع هكذا؟ هل حدث شيء سيء؟" بسرعة البرق، سحبت ليلى الفلاش ميموري من الحاسوب ب خفة وأخفتها تحت كفها، ثم أغلقت واجهة الشاشة والتفتت لوالدتها بابتسامة صفراء باهتة قائلة: "لا... لا شيء يا أمي، لم يحدث شيء إطلاقًا.. فقط هذا الحاسوب
اقرأ المزيد

الفصل : 62

نظرت ليلى إلى شاشة الحاسوب وعيناها متسعتان، لكن الصدمة التي تلقتها لم تكن تخص شؤون الشركات ، بل كانت طعنة شخصية في صميم عائلتها. كانت الفلاش ميموري عبارة عن ملفات تحتوي على صور وفيديوهات لوالدها سامر ومعه امرأة أخرى، وبجانبهما طفل صغير يبدو في سن سارة أو أكبر بقليل. كانت ليلى تحاول جاهدة أن تتمالك أعصابها وتطرد الأفكار السوداء التي بدأت تنهش عقلها، محاولةً إنكار ما خطر ببالها للوهلة الأولى. ولكن، عندما فتحت أحد مقاطع الفيديو، جاء التأكيد الصاعق الذي كانت تخشاه؛ حيث ظهر الطفل في المقطع وهو يركض بفرح وينادي والدها بوضوح: "أبي، انظر إليّ!" لتكتشف أن أباها متزوج سرًا من امرأة أخرى وله عائلة كاملة يخفيها عنهم. لم تصدق ليلى عينيها، واهتز كيانها بالكامل وضعت يدها على فمها وهي تحاول كبح بكائها المنهمر وصدمتها التي تغلغلت في أعماقها. تداخلت الأفكار في رأسها وتساءلت بمرارة: "ماذا سأفعل الآن؟ وكيف سأخبر أمي سماح بهذه الحقيقة المرة؟ لقد كان يكذب علينا طوال تلك السنين بحجة سفره المستمر وغيابه الطويل وانشغاله اللامتناهي بالعمل!" اقتربت لارا منها ببطء، وشعرت بضيق شديد يعتصر قلبها؛ فلم تكن تعرف
اقرأ المزيد

الفصل : 63

ترددت لارا لوهلة، وشعرت بوزن نظرات السيدة سلوى الفاحصة ونظرات سارة المليئة بالشك والاتهام، لكنها سرعان ما استجمعت هدوءها وأجابت بثقة تامة تليق ببرودها المصطنع: "لا أعلم يا سارة... لقد أخبرتُ جدتكِ للتو أن ليلى جاءت من أجل مشكلة تقنية معقدة في حاسوبها الشخصي، وكان الأمر مستعجلاً للغاية لعملها في الشركة... ربما بكت لأنها ظنت أن ملفاتها الهامة قد ضاعت، أو لأن ضغط العمل أثر في أعصابها" ضيقت سارة عينيها الصغيرتين وقالت بنبرة حادة ورافضة: "ولكنني رأيتها تبكي بحرقة شديدة!!" هزت لارا كتفيها بلامبالاة باردة، ودون أن تنطق بكلمة إضافية، التفتت لتكمل شرب كوب الشاي الدافئ ببرود تام. عرفت سارة في تلك اللحظة أن لارا لن تخبرها بالحقيقة أبدًا وأنها تخفي وراء برودها لغزًا لا تريد لأحد أن يقترب منه استدارت سارة وعلامات الغضب والغيظ تكسو وجهها الطفولي الشاحب؛ فقد كان صدرها يغلي بسبب ما تراه "مكرًا ودهاءً" من لارا، وهو المكر الذي تعتقد أن جدتها السيدة سلوى لا تلاحظه على الإطلاق بسبب دفاعها الدائم عنها وتصديقها لكل ما تقوله مضت الأيام تلو الأيام في قصر مهران، وكانت علاقة لارا بسارة تزداد توترًا وجفاءً
اقرأ المزيد

الفصل : 64

فتحت الخط بلهفة وجسدها يرتجف، لتأتيها نبرة صوت والدتها الدافئة والممزوجة بدموع السعادة والامتنان وهي تزف إليها الشق الثاني من المفاجأة: "لارا يا ابنتي... اتصلت لأخبركِ أن خالدًا قادم إلينا بعد يومين! نعم، لقد أنهى معاملة تخرجه من الجامعة هناك، وتمت كل أموره وأوراقه الرسمية بسلاسة فائقة لم نكن نتوقعها... وكل هذا بفضل مراد ونفوذه ورجاله الذين سخرهم لمساعدته هناك دون أن نشعر" انهمرت دموع لارا بغزارة، وضمت الهاتف إلى صدرها وهي تشعر بمزيج من الفرح الطاغي والذهول. كان قلبها يخفق بقوة؛ فشقيقها أخيرًا عاد حاملًا شهادته الجامعية التي طالما حلم بها، وكل ذلك حدث بفضل تدخل مراد الصامت . في المساء، عاد مراد من عمله الشاق في الشركة، وكانت علامات الإرهاق والتعب الشديد تكسو ملامحه الصارمة وعينيه المجهدتين. وما إن تخطى عتبة الجناح ودخل، حتى تفاجأ بوجود لارا واقفة بانتظاره في وسط الغرفة؛ وهو أمر لم يعهده منها أبدًا منذ أن وطأت قدمها القصر، إذ كانت دائمًا تتجنب وجوده أو تدعي البرود واللامبالاة لتنفيذ خطتها في الظهور كزوجة سيئة. توقف مراد في مكانه، وعدل من وقفته وهو ينظر إليها ب استغراب وتساؤل، ثم
اقرأ المزيد

الفصل : 65

في الصباح التالي، استيقظ مراد في موعده المعتاد بملامح صارمة وجسد استعاد بعضًا من طاقته بعد نوم عميق. وقف أمام المرآة يعدل سترة بدلته الرسمية استعدادًا للخروج إلى الشركة، لكنه ما إن التفت ليغادر الغرفة حتى وجد لارا تقف عند الباب المشترك، وقد عقدت ذراعيها وعيناها تشعان إصرارًا غاضبًا لم ينطفئ منذ ليلة الأمس. تجاهلها مراد في البداية وحاول العبور، لكن لارا خطت خطوة لتقف أمامه مباشرة، وسألته بنبرة حادة وصوت مسموع: "، لن ادعك قبل أن تجيبني... ما هو سبب منعك لي من الذهاب إلى بيت عائلتي بالأمس؟ ما الذي يضيرك في أن أذهب لأشارك أمي فرحتها وأرتب معها استقبال شقيقي؟" لم يجبها مراد، بل التفت ليجمع أوراقه وهاتفه عن الطاولة ببرود، محاولاً إنهاء النقاش قبل أن يبدأ. لكن لارا لم تستسلم، وتبعت خطواته في أرجاء الغرفة، تكرر السؤال وتلح في طلب التفسير، معددة وعوده السابقة بالحرية وعدم التضييق عليها، حتى تعبت لارا من صمته وتعب هو الآخر من إصرارها وجدالها الصباحي الذي لا ينتهي. أوقف مراد حركته فجأة، والتفت نحوها بكامل قامته. خطى خطوات بطيئة وبثبات أرعبها قليلًا حتى أصبح واقفًا أمامها مباشرة، واقترب م
اقرأ المزيد

الفصل : 66

نزلت لارا درجات السلم بخطوات متثاقلة، والغيظ ما زال يعتمل في صدرها من مواجهتها الصباحية مع مراد. توجهت نحو غرفة الطعام، فوجدت السيدة سلوى تجلس بمفردها خلف المائدة المصقولة، ترتشف قهوتها بهدوء ووقار يخلو من صخب القصر. اقتربت لارا وجلست في المقعد المقابل لها، ل تلتفت إليها سلوى بابتسامة حانية وتقول: "لقد حان الوقت يا لارا... أردتُ إخباركِ أن موعد سفري سيكون غدًا صباحًا الترتيبات انتهت ولم يعد هناك داعٍ للتأجيل" نظرت لارا إليها بنبرة يملؤها الاحترام والأسف على رحيلها: "غدًا؟ بهذه السرعة ؟" أومأت سلوى برأسها، ووضعت كوبها ببطء، ثم نظرت في عيني لارا بنظرة تحمل وصية مبطنة: "الحياة لا تنتظر يا ابنتي... لكنني قبل أن أرحل، أستودعكِ سارة... هي طفلة عنيدة ومستفزة في كثير من الأحيان، لكن قلبها رقيق، وقد مرت بالكثير بعد فقدان والدتها... كوني صبورة معها" ثم صمتت سلوى لبرهة، وتابعت بنبرة دافئة: "ومراد... لا تغركِ القشرة القاسية التي يظهرها. مراد شخص طيب للغاية يا لارا، لكنه أصبح باردًاوصارمًا بسبب الظروف والأزمات الصعبة التي مر بها في حياته وحاربها بمفرده" بينما كانت سلوى تتحدث عن
اقرأ المزيد

الفصل : 67

عادت لارا إلى غرفتها والهدوء الحذر يلف القصر بعد رحيل السيدة سلوى. لم يغب عن ذهنها ذلك الحصار الخفي الذي فرضه مراد بشروطه الصارمة، لكنها حسمت أمرها؛ فلن تدع تحكمه يفسد فرحة عائلتها بعودة خالد. ارتدت ملابسها بعناية، وحملت حقيبتها متوجهة نحو الخارج مستغلة "السماح النهاري" الذي أقره مراد في نقاشهما العاصف نزلت إلى الحديقة وطلبت من السائق تجهيز السيارة للانطلاق إلى بيت والدتها. طوال الطريق، كانت تنظر عبر النافذة والاشتياق ل شقيقها يطغى على كل الأفكار المزعجة التي تسبب بها مراد. كانت تعد الساعات والدقائق لرؤية خالد واقفاُ على قدميه، حاملًا ثمرة كفاحه البرمجي بعد أن تخلص من كابوس قضية التزوير اللعينة في هذه الأثناء، كان مراد يجلس في مكتبه بالشركة، يتابع عبر شاشته الخاصة تقارير حركة السيارات التابعة للقصر. أومض الشاشة معلنًا خروج السيارة التي تقل لارا باتجاه حي عائلتها. أراح مراد ظهره إلى الخلف، وتنهد ب عمق؛ ورغم انشغاله بإعادة هيكلة عقود الشركة وتأمين مشروع كريم البرمجي الجديد، إلا أن عناد لارا الصباحي وإصرارها على كسر قوانينه كان يشغل حيزًا من تفكيره. كان يعلم أنها ذهبت غاضبة، لكن
اقرأ المزيد

الفصل : 68

بقيت لارا متسمرة في مكانها داخل صالة الوصول المزدحمة، والكلمات التي نطق بها خالد تردد صداها في أذنيها كعاصفة غير متوقعة. كانت تنظر إلى شقيقها الذي استعاد حياته وكرامته، ثم تلتفت بنظراتها نحو مراد الواقف بشموخه المعتاد وهدوء ملامحه التي لا تفصح عما يدور في عقله قط. تحرك خالد بخطواته الثابتة ليمسك بيد لارا ويشد عليها، متوجهًا نحو بوابة الخروج برفقة مراد. طوال الطريق إلى السيارة، كان خالد يتحدث بحماس عن تفاصيل الأيام الأخيرة في غربته وكيف أن رجال مراد القانونيين لم يتركوه لثانية واحدة حتى أغلقت القضية وسُحبت التهم رسميًا بينما كانت لارا غارقة في صمت عميق، تختلس النظر إلى جانب وجه مراد وهو يقود السيارة برصانة. كانت تشعر برغبة عارمة في شكره، لكن كبرياءها وعنادها اللذين بنتهما كجدار عازل بينها وبينه منعاها من نطق الكلمات بسهولة. وصلت السيارة الفاخرة إلى الحي القديم، وتوقفت أمام منزل والدة لارا. نزلت لارا وخالد مسرعين، وما إن فتحت الأم الباب ورأت ابنها واقفاً على قدميه يملأ عتبة الدار بكامل صحته وبراءته، حتى انطلقت منها زغرودة فرح هزت أرجاء البناية القديمة، وارتمت في حضنه تبكي بدموع حا
اقرأ المزيد

الفصل : 69

انحبست الأنفاس في غرفة المعيشة المتواضعة، وبقيت نظرات حازم المعلقة بابنه تزداد ثقلًا وقلقًا مع كل ثانية تمر من هذا الصمت الخانق. بلع خالد ريقه بصعوبة، ونظر إلى كفي والديه المرتجفتين ترقبًا، ثم حسم أمره وقرر أن يضع حداً لسنوات الكتمان، فقال بنبرة هادئة ومتحشرجة: "في الحقيقة يا أبي... أنا لم أعد تلميذًا في الطب العام، وتخصصي الحالي ليس ما تنتظره مستشفى الفرح" تغيرت ملامح حازم على الفور، واجتاح وجهه شحوب مفاجئ، ليسأل بنبرة يملؤها قلق أبوي جارف: "ماذا تقول يا بني؟ ماذا تعني؟ ألم يكن هذا حلمك الذي سافرت من أجله وتغربت لسنوات؟" أطرق خالد رأسه بأسف للحظة، ثم رفعه وعيناه تشعان بثبات وشغف حقيقي حاول كبته كثير: "كيف أقولها لك يا أبي... الأمر أنني درست وتخصصت كطبيب شرعي استشاري للجرائم المعقدة والغامضة" اتسعت عينا حازم بذهول تام، وعقد حاجبيه بعدم استيعاب، وتمتم بصوت متقطع: "ما هذا التخصص الغريب؟ طبيب شرعي للجرائم؟! أليس... أليس هذا طبًا أيضاً؟ أم أنك ابتعدت عن علم العلاج والمستشفيات كليًا؟" تنهد خالد بعمق، وتحدث بلهجة أسفة ومفسرة يحاول من خلالها تقريب الصورة لقلب والده الذي بدا مصدوما
اقرأ المزيد

الفصل: 70

ساد الصمت جنبات الغرفة بعد توضيح خالد المفصل، وشعر حازم بعمق التحول الذي طرأ على مسار ابنه. ورغم القلق الذي ساوره بشأن خطورة هذا المجال الجنائي الغامض، إلا أن رؤيته لابنه مرفوع الرأس وشغوفًا بما حققه جعلته يتنهد بقلة حيلة ومحبة، مفسحًا المجال لتقبل الواقع الجديد برضا أبوي دافئ. ومع مرور الوقت واقتراب ساعات المساء الأولى، نظر مراد إلى ساعته اليدوية بهدوء ثم اعتدل في جلسته. التفت نحو حازم ووالدة لارا وقال بنبرته الرخيمة المتزنة: "عمي حازم... أستأذنكم الآن بالعودة إلى القصر، فالرحلة كانت طويلة وخالد يحتاج إلى الراحة بينكم بعد سنوات الغربة والتعب" أومأ حازم برأسه ممتنًا وقام ليودعه بتقدير كبير: "في أمان الله يا بني... لا نعرف كيف نشكرك على كل ما قدمته لخالد ولنا" قامت لارا وودعت والدتها وشقيقها بعناق حار، مشددة على خالد أن ينتبه لنفسه ويطلعها على خطواته القادمة أولاً بأول. خرجت برفقة مراد واستقلا السيارة ، لتنطلق بهما وسط شوارع المدينة التي بدأت تلمع بأضواء المساء الهادئة في طريق العودة، خيم صمت مهيب وبارد داخل السيارة، لكنه لم يكن صمت الخصام أو الجفاء كما في السابق، بل كا
اقرأ المزيد
السابق
1
...
345678
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status